وصل غو وِنيوان إلى مقاطعة تشينغبينغ ليتولى منصب حاكمها. وفي الليلة السابعة من إقامته هناك رأى حلماً.
وظل يرى ذلك الحلم سبع ليالٍ متوالية.
في الليلة الأولى، كان قد أمضى النهار في تسلّم مهامه. وكان سلفه حاكم المقاطعة، واسمه ما، قد عمل في تشينغبينغ ستة أعوام ثم نُقل إلى نان تشيلي. ولم يترك وراءه، عند رحيله، سوى ثلاثة أشياء: مفتاحاً، وحزمة دفاتر حساب، وأحد رجال الياَمِن، دار القضاء المحلية. وكان الرجل يُدعى وانغ ليو. وقبل أن يمضي الحاكم ما، وضع يده على كتف وانغ ليو وقال: «اخدم الحاكم الجديد كما ينبغي». أومأ وانغ ليو ولم ينبس ببنت شفة.
في يوم رحيل الحاكم ما، شيّعه غو وِنيوان إلى بوابة الياَمِن. وأمام البوابة امتد شارع مرصوف بالحجر الأزرق، وقد حفرت عجلات العربات في حجارته أخدودين غائرين. توقفت عربة الحاكم ما في هذين الأخدودين. كان الحصان هرِماً، رماديَّ الشعر، ينفخ من منخريه: «فووو»، فتخرج أنفاسه في برد المساء خيطين أبيضين من البخار. صعد الحاكم ما إلى العربة، ثم التفت إلى غو وِنيوان بنظرة حملت أشياء كثيرة: راحةَ من ألقى حملاً عن كتفيه، وشفقةَ من يدفع ذلك الحمل إلى غيره. لم يقل له: اعتنِ بنفسك. بل قال: «تشينغبينغ مكان طيب». ثم مضت العربة. وظل هدير عجلاتها يتدحرج في الأخدودين الحجريين، ويبتعد شيئاً فشيئاً. وقف غو وِنيوان عند باب الياَمِن، يراها تنعطف عند آخر الشارع وتذوب في عتمة الغسق. وهبّت الريح فصفّقت راية قماشية معلقة على بسطة كعك السمسم عند الزاوية.
«تشينغبينغ مكان طيب».
كان غو وِنيوان قد سمع هذه العبارة قبل وصوله. قالها له كاتب في وزارة الموظفين بنبرة مبهمة؛ كأنها توصية، وكأنها تحذير. ولم يفهم غو وِنيوان يومها ما وراءها.
في ظهيرة يومه الأول في تشينغبينغ، وضع متاعه في الفناء الخلفي لليامِن وخرج يتمشى في البلدة. أراد أن يرى المكان الذي صار مسؤولاً عنه. كان الشارع الحجري يمتد من البوابة، ضيقاً إلى حدّ أن ثلاثة رجال إذا مشوا جنباً إلى جنب ضاق بهم. وعلى جانبيه دكاكين متناثرة، المغلق منها أكثر من المفتوح. دكان البقالة فتح نصف بابه فقط، أما النصف الآخر فكان مسنداً إلى الجدار ومغطى بطبقة من الغبار. أمامه جرار صلصة الصويا والخل، مغطاة بفُرش من ورق الزيت تتجمع فوقها الذبابات. وكان الفتى خلف المنضدة نائماً، يسيل لعابه من زاوية فمه فيبلل رقعة صغيرة من كُمّه. وحين مرّ غو وِنيوان رفع الفتى جفناً ثم أرخاه من جديد. لم يكن ذلك ازدراءً؛ فالغريب نادر في تشينغبينغ، والغريب لا يشتري إلا ببضع قطع نقدية، فلا يستحق أن ينهض أحد من أجله.
وبجوار الدكان بيت شاي نُزعت ألواحه كلها، لكنه لم يضم سوى زبونين على طاولة واحدة: شيخين يلعبان الشطرنج الصيني. كان حجر يقع على الرقعة بفرقعة قصيرة، ثم يطول الصمت قبل أن يقع الحجر التالي. جلس صاحب بيت الشاي عند الباب في كرسي من خيزران متهالك، انكسرت إحدى قوائمه وربطها بحبل من الكتّان؛ فإذا جلس عليه صرّ صريراً. وفي يده وعاء شاي بغطاء. لم يعد لون الشاي أخضر، بل صار بنياً من طول ما بقي منقوعاً. شرب رشفة، وبصق أوراق الشاي على الأرض، ورفع عينيه إلى غو وِنيوان لحظة، ثم عاد إلى ما كان يفعل من غير كلمة.
وبعد ذلك بقليل ظهر سوق صغير في الهواء الطلق. ولم يكن في الحقيقة سوى ثلاثة بسطات: رجل يبيع الفجل وما زال طين الحقل عالقاً به، وآخر يبيع البيض في سلة فرشت قاعها بالقش، وثالث يبيع التوفو تحت قطعة قماش مبللة استقرت ذبابة خضراء على طرفها. كان بائع الفجل، وهو شيخ قرفص على الأرض، يمسح حبة فجل بكُمّه ثم يقضمها قضمته المجلجلة؛ يأكلها بنفسه. لم يكن يعرض عن البيع، بل لم يكن هناك من يشتري. لم يكن في تشينغبينغ كثير من الناس. ومن بقي فيها فقراء. والفقير لا يشتري الخضار؛ يزرعها في فناء بيته، يأكلها، ثم يزرع غيرها. ولا تكاد تقع في يده نقود معدودة طوال العام، وإن وقعت ادخرها للضريبة.
وصل غو وِنيوان إلى نهاية الشارع، حيث جسر حجري صغير تحته نهر ضيق. لم يكن ماء النهر عكراً لأن المطر هطل، بل كان عكراً بطبيعته: أصفر موحلاً، يجري ببطء يكاد يخدع العين عن حركته. كانت أوراق يابسة تطفو على سطحه وتدور في الموضع نفسه، دورة بعد أخرى، كأنها لن تفلت أبداً من دوامة صغيرة. وعلى الضفة جلست امرأة تغسل الثياب وظهرها إليه، تهوي بمضربها الخشبي على القماش المبلل: طَقّ، طَقّ، طَقّ. لم يكن إيقاعها مسرعاً ولا بطيئاً؛ كان إيقاع المكان نفسه، حيث لا شيء يستعجل شيئاً. وقف غو وِنيوان على الجسر طويلاً. وفكر أن البلدة فقيرة، لكنها فقيرة في هدوء؛ هدوء يجعل المرء ينسى أن عالماً آخر ينتظره خارجها.
لكن ماذا يختبئ تحت ذلك الهدوء؟ لم يكن يعلم. لم يكن يعلم يومئذ إلا أن في السكون شيئاً غير سليم؛ ليس سكون سلام، بل سكون يخفي شيئاً. سكون يشبه ما يسبق العاصفة، إلا أن العاصفة كانت قد مرّت قبل خمسين عاماً. كان هذا هدوء ما بعد العاصفة، حين يكون كل شيء قد دُفن.
عندئذ وقف غو وِنيوان أمام بوابة الياَمِن، يتأمل الأحرف الثلاثة التي تقشّر طلاؤها: تشينغبينغ. وبدأ يفهم شيئاً منها.
«تشينغ» و«بينغ»: كلمتان معناهما أن لا شيء يحدث. وحيث لا يحدث شيء لا يكثر الناس؛ وحيث يقل الناس لا تُصنع إنجازات؛ وحيث لا إنجاز تتباطأ الترقية. ومن طال به بطء الترقية بقي في مكانه عمراً كاملاً.
لكن غو وِنيوان لم يكن يأبه بذلك. كان يريد مكاناً قريباً من مسقط رأسه. تفصل تشينغبينغ عن قريته مئة وعشرون ليّاً فقط: يوم على ظهر جواد سريع، أو يومان سيراً هادئاً. وكانت أمه تقيم في القرية، تحرس ثلاث غرف من طين مجفف، وتنتظر أن يرسل من يأخذها إليه.
قلب غو وِنيوان دفاتر الحساب. لم تكن سميكة؛ فالمقاطعة الفقيرة لا تملك مالاً كثيراً لتدبّره. في السجل ألف وثلاثمئة أسرة، أما الموجودة فعلاً فلا تزيد على تسعمئة. فرّ أربعمئة: من ذهب إلى ما وراء الممر، ومن مضى جنوباً. ومن بقي لم يكن سوى فقراء. ولم يكن غلال الضريبة في عام كامل يكفي حتى لنفقة الياَمِن نفسه. وفي الخزانة التي خلّفها الحاكم ما بضع وثلاثون أونصة فضة مكسّرة.
فتح الدفتر. كان ورقه خشناً مصفراً ذا وبر دقيق. والخط خط الحاكم ما؛ عادياً، لكنه شديد النظام، حرفاً بعد حرف، كخط رجل دقيق في شؤونه. كل دخل مثبت بوضوح: في اليوم الفلاني من الشهر الفلاني، جُبيت من قرية كذا فضة ضريبة الأرض، كذا من التيل وكذا من المس. وكل خرج كذلك: في اليوم الفلاني، دُفعت أجرة معلّم مدرسة المقاطعة، كذا من الفضة؛ وفي اليوم الفلاني، صُرفت نفقة لإصلاح قرميد سقف الياَمِن. لم يكلّف إصلاح القرميد سوى ثلاثة «تشيان» من الفضة. ثلاثة تشيان، أي تبديل القرميدات المكسورة في السقف. ولم تكن القرميدات جديدة، بل قديمة نُبشت من مخزن الفناء الخلفي؛ لا أحد يعلم في أي سنة نُزعت، وقد اسودّ لونها من طول الزمن.
تأمل غو وِنيوان ذلك السطر، فضحك ضحكة صغيرة. لم يضحك سخرية، بل مرارة. دار قضاء في مقاطعة لا يملك أن يشتري قرميداً جديداً لسقفه؛ هذا هو المكان الذي تسلّمه.
حين أغلق الدفتر كان الليل قد أقبل. أكل في الفناء الخلفي للـياَمِن وعاءً بسيطاً من المعكرونة أعده طباخه الذي جاء معه. كان الطباخ، واسمه تساي، في الأربعين تقريباً، وقد خدمه سنوات منذ كان غو وِنيوان ينتظر تعيينه في العاصمة. قليل الكلام، سريع اليدين. جاءه الوعاء صافياً لا تكلف فيه: مرق خفيف، وبضع أوراق خضراء، وبيضة مسلوقة في المرق. أكل غو وِنيوان نصفه ثم وضعه جانباً. لم يكن الطعام سيئاً؛ إنما كان في صدره شيء يسدّ النفس.
تلك أول مرة يتولى فيها منصباً. لم يكن أكثر من حاكم مقاطعة في الدرجة السابعة، لكنه دخل أخيراً إلى سلك الحكم. ما ظل أبوه يتوق إليه طوال عمره ولم ينله، ناله هو.
كان غو وِنيوان منهكاً. ألقى نفسه على السرير ونام من فوره، حتى إنه لم يخلع حذاءه. كان في نعليه طين الطريق من العاصمة، بنياً مسوداً قد تصلّب في كتل. وحين وقع جسده على السرير صرّ لوح الخشب، كأنه لا يرحب بسيده الجديد.
نجح غو وِنيوان في امتحان «جينشي» في خريف العام السابق، وجاء السابع عشر في الفئة الثانية من امتحان القصر. لم تكن مرتبة عالية ولا متدنية؛ ضمن الخمسين الأوائل من أكثر من مئتي ناجح جديد في البلاد. وفي يوم إعلان النتائج وقف طويلاً أمام بوابة أكاديمية الامتحان. كان اسمه مكتوباً بالحبر على ورقة صفراء معلقة عند يمين الباب، محشوراً بين أسماء الآخرين: الفئة الثانية، السابع عشر، غو وِنيوان، الحاصل على لقب جينشي. مرر إصبعه على السطر مرة. كان الاسم بارداً، والورق جديداً، والحبر ذا رائحة طيبة، أما يده فكانت ترتجف، ترتجف بعنف.
ولم ينس مشهد ذلك الصباح. قبل الفجر احتشد الناس عند البوابة: طلاب الامتحان وخدمهم والفضوليون. رؤوس سوداء متلاصقة، وفوانيس يتذبذب نورها على الوجوه. كان بعضهم يدفع إلى الأمام على أطراف أصابعه، وبعضهم يصرخ من الخلف: «لا تدفعوا!» فيما قدماه تتقدمان. في الهواء رائحة عرق وحبر وندى الصباح، وفوقها توتر لا اسم له؛ كأن خفقان القلوب جميعاً يهز أرض البوابة هزاً خفيفاً.
وحين عُلّقت القائمة انفجر الجمع بهمهمة واحدة. صاح من في الأمام: «نجحت! نجحت!» واستمر من في الخلف يدفع. خرج رجل من الزحام ووجهه لا يحمل فرحاً، بل ذهولاً؛ ذهول من أفنى عشرة أعوام في القراءة ثم جاءت النتيجة دفعة واحدة فلم يعرف أي وجه يلبس. جلس آخر قرب الجدار يبكي بلا عويل، وكتفاه ترتجفان. ومن خرج من بينهم لم يعد إلى بيته أولاً، بل ركع واتجه إلى ناحية بلده وسجد ثلاث مرات. ارتطم جبينه بالحجر: دوم، دوم، دوم. شق الجبين وسال الدم على جسر الأنف واختلط بالدمع. ولم يعرف من حوله: أيشدّونه إليه أم يتركونه.
وقف إلى جانبه خادم مسن لحظة. لم يكن ينتظره، بل كان يقرأ القائمة هو أيضاً. حدّق طويلاً ثم هز رأسه؛ فقد أضعفه البصر ولم يعد يرى. ومضى. أما غو وِنيوان فبقي واقفاً، حتى تفرق من جاءوا للنظر، حتى لم يبق عند البوابة سواه، حتى غربت الشمس وقلبت الريح طرفاً من ورقة النتائج.
أخرج من صدره صرة قماش صغيرة. في داخلها رسالة كتبها أبوه قبل ثلاثة أشهر، ولم يكن فيها إلا كلمات معدودة: «يا بني، لا تشغل بالك بالبيت وأنت مقبل على الامتحان. نجحت أم لم تنجح، فأبوك ينتظرك عند الباب». طواها وأعادها إلى مكانها.
تذكر يوم وصلته الرسالة. حملها إليه ابن بلد مرّ بالعاصمة، وكان الظرف مجعداً، لأن الرسول أبقاه أياماً في صدره. لم يكن عليه شمع ولا ختم رسمي؛ غلقوه بقليل من الغراء المصنوع في البيت، دقيق ممزوج بالماء يغلى في قدر صغير. وكان الغراء عند الحافة كثيراً، كتلة يابسة صلبة. وحين فتحه تناثر فتاته فوق الطاولة. أما الورق فكان من الورق القديم الذي يحتفظ به والده للتدريس في المدرسة الخاصة: ورق أصفر خشن يسيل عليه الحبر. لم يكن خط الأب جميلاً، مع أنه معلّم فقير أفنى عمره في الكتابة؛ كان متعرجاً. لكن تلك السطور حملت شيئاً لم يره غو وِنيوان من قبل. لم تكن أملاً، بل انتظاراً: انتظار شيخ عند باب داره لعودة ابنه.
لكن الأب لم ينتظر عودته. مات قبل شهرين، فيما كان غو وِنيوان لا يزال في العاصمة ينتظر التعيين. لم تصله النعيّة إلا بعد سبعة أيام. جلس ليلة كاملة في النزل. وفي الصباح طوى ورقة النعي ووضعها في أعمق موضع من متاعه. لم يبك. لا لأنه لم يحزن، بل لأنه لم يستطع. كان يعرف أن والده انتظر عمره كله ليراه ينجح ثم يعود إلى البيت مرفوع الرأس. وقد نجح الابن ولم يرَه الأب. وصار موظفاً ولم يرَه الأب. تراكمت تلك الخسارات في صدره فسدت طريق الدموع.
وفي تلك الليلة جلس في غرفة النزل أمام مصباح زيت. قرب آخر الليل صغر اللهب، إذ أوشك الزيت أن ينفد. لم يقم ليزيده، بل راح يراقبه يصغر شيئاً فشيئاً: إلى حجم حبة فاصوليا، ثم حبة أرز، ثم نقطة حمراء؛ ثم انطفأ بفرقعة قصيرة. غرفت الغرفة في ظلام كامل. جلس فيه طويلاً، حتى تحوّل السواد وراء النافذة إلى رمادي داكن، وحتى بدأت أكشاك الإفطار في الشارع تشعل نارها؛ وسمع من بعيد صوت قدر حديدي يصدم الموقد: طَنان. ثم صاح ديك الصباح الأول، الصوت الذي يعرفه جيداً.
كان غو وِنيوان في الحادية والثلاثين. وحاكم المقاطعة في هذا العمر لا يعد شاباً ولا شيخاً في موظفي عهد مينغ. فمن الناس من صار في الحادية والثلاثين حاكم ولاية، من كان له سند أو ظهر أو زواج مواتٍ؛ ومنهم من شاب رأسه وهو ينتظر التعيين، لا سند له ولا حظ. أما غو وِنيوان فكان في الوسط: لا محظوظاً ولا منكوباً، يعتمد على نفسه وحدها.
لم يكن أصله ميسوراً. أبوه معلّم فقير في مدرسة خاصة، لم يزد عدد طلابه في أفضل أعوامه على سبعة أو ثمانية، وأجره لا يبلغ في العام ثلاثة تيلات من الفضة. وكانت أمه تصلح ثياب الناس لتعين البيت. عرف غو وِنيوان منذ الصغر أن عليه أن يقرأ؛ فإن لم يقرأ فلن يكون إلا فلاحاً، ومن كان فلاحاً بقي فقيراً عمره كله. لم يتعثر في امتحان قط: الأول في امتحان المقاطعة الصغير، والثاني في امتحان الولاية، والثالث في امتحان الأكاديمية، والثامن في الامتحان الإقليمي، ثم مضى إلى امتحان القصر. قال الناس إن حظه طيب. فقال: ليس حظاً، بل عذاب. هو القراءة في بيت تنفذ منه الريح من كل الجهات حتى تتقرح اليدان والقدمان في الشتاء، وحفظ «شروح الكتب الأربعة» صيفاً والبعوض يترك على الساقين بثوراً.
وتذكر صباحات الشتاء في طفولته. كانت أمه تنهض قبل الفجر، وتشعل النار في الموقد. ينعكس ضوءها من فمه على الجدار الطيني، يضيء ويخبو. وكانت تحرق أغصاناً يابسة يجمعها هو من الجبل؛ تتفرقع وتتناثر شراراتها. وكان يجلس على مقعد خشبي صغير أمام الموقد ويقرأ في ذلك الضوء القليل. لم يكن كافياً، فيقرب الكتاب من عينيه حتى تدخل رائحة الورق، مريرة رطبة، إلى أنفه. وكانت أمه تخيط عند الموقد: تدخل الإبرة في القماش: سس، ثم تسحب الخيط: شش؛ ثم تدخلها مرة أخرى وتسحبها، إيقاع ثابت كأغنية لا تنقطع. وأحياناً يرفع رأسه إليها. كانت تخفض وجهها، ويغطي الشعر المنسدل من جانب أذنها نصفه. تتراقص النار على تجاعيد وجهها. لم تكن تستعجله قط؛ كانت فقط تنظر أحياناً إلى النافذة لترى إن كان النهار قد اقترب، ثم تتابع الخياطة. وفي يديها في الشتاء تشققات كثيرة، عالقة فيها خيوط سوداء من بقايا القماش. ولم تكن تقول إنها تتألم؛ كانت تقول إنها اعتادت ذلك.
وعندما خيرته وزارة الموظفين عند التعيين بين ثلاثة أماكن، كان اثنان منها مقاطعتين غنيتين في الجنوب، واحدة في تشجيانغ وأخرى في فوجيان؛ والثالثة مقاطعة فقيرة في الشمال، تشينغبينغ، في جنوب غرب شاندونغ، قرب القناة الكبرى ولكن على بعد ثلاثين ليّاً منها. ثلاثون ليّاً فقط، لكنها تفصل عالمين: البلدات عند القناة تزخر بالثروة، السفن التجارية ترسو وتغادر، ودور الشاي والحانات مضيئة؛ أما تشينغبينغ ففقيرة حتى الرنين، والفلاحون فيها أفقر من الذين يطعمونهم، وأفضل بناء فيها هو الياَمِن، وقرميده مكسور.
اختار غو وِنيوان تشينغبينغ، لا لأنه أحمق، بل لقربها من بلده ولأنه يستطيع رعاية أمه العجوز. كانت في الثانية والستين، ضعفت ساقاها وبصرها؛ وعندما تخيط كانت تقرب وجهها من القماش حتى يكاد طرف أنفها يلامس الإبرة. وحين ودعته عند طرف القرية كانت تمسك بعصا من خيزران. قال: «يا أمّي، سأذهب أولاً لتسلّم المنصب، وبعد شهرين أرسل من يأخذك». فقالت: «لا تستعجل، فخطاي بطيئة، وسأحتاج أياماً لأصل إلى تشينغبينغ». ثم ابتسمت؛ ابتسامة دافئة غائرة بلا أسنان.
رأى غو وِنيوان في حلمه أنه يمشي في طريق لا يعرفه؛ لم يكن طريق الياَمِن، بل طريقاً ترابياً من طين أصفر مدكوك، محفراً بعجلات العربات. امتدت الأخاديد اثنين إلى الأفق، وعلى الجانبين حقول قمح أخرجت سنابلها الخضراء الغضة. مرّت الريح فوقها فتموجت طبقة بعد طبقة، كأن الماء يضطرب على صفحة بركة. كان المنظر جميلاً، لكنه شاسع إلى حد يبعث القلق في القلب.
لم يكن في الطريق أحد غيره. وفي آخره أفق متموّج، لا جبال فيه، بل تلال واطئة من تلك التي لا يكاد يخلو منها سهل شاندونغ. وكانت الأشجار فوقها متفرقة عارية الأغصان.
ومضى غو وِنيوان قليلاً ثم أحس أن في الأمر خطأ. فهو لم يعرف هذا الطريق قط. لم يمض على توليه المنصب سوى سبعة أيام، أمضاها في الياَمِن بين الملفات ولم يخرج إلا إلى الشارع القريب؛ حيث يبيع شيخ كعك السمسم القاسي الذي يشتريه كل يوم لرخصه. ومع ذلك بدا الطريق في حلمه واضحاً وحقيقياً كما لو أنه عبره مراراً، وقاس بقدميه كل حفرة وكل عتبة. وكان يعلم أنه بعد مئتي خطوة سينعطف الطريق عند صفصافة ملتوية العنق. فمشى مئتي خطوة؛ فوجد الانعطاف، ووجد الصفصافة. تدلت أغصانها وتحركت في الريح، طويلة تمس وجهه ببرودة كأنها حرير أخرج تواً من ماء البئر. بل كانت أرق من الحرير وأخف: كأطراف أصابع باردة تمر من جبينه إلى ذقنه. مد يده ليفرق الأغصان، فمرّت يده فيها. لم يكن للأغصان جسد. أو لعل الجسد لم يكن له هو.
سرت قشعريرة في صدره. لم يكن خوفاً خالصاً، بل حيرة. أن يحلم المرء بمكان لم يزره ليس عجيباً؛ أما أن تكون كل تفصيلة فيه صحيحة على نحو لا يخطئ، فذلك ليس حلماً. إنه ذكرى، ذكرى لا يعرف من أين جاءت.
وفجأة رأى رجلاً.
لم يأت الرجل من أمامه، بل اندفع من جانب الطريق، من بين سنابل القمح. قفز ظل أسود إلى التراب وركض نحوه متعثراً. لم يكن يركض، بل يفرّ. كانت يداه ممدودتين إلى الأمام، كأنهما تريدان الإمساك بشيء أو دفع شيء عنه.
اقترب الظل. أراد غو وِنيوان أن يتنحى، فلم يستطع؛ ساقاه كأنهما مسمرتان في الأرض. اندفع الرجل حتى صار أمامه، ثم مرّ خلال جسده كدخان. وواصل الركض خطوات قليلة قبل أن ينهار على الطريق دفعة واحدة، كجدار سقط مدوياً. ولم يتطاير غبار، بل دم. اندفع من جسده وانتشر فوق الطريق الترابي سائلاً أحمر داكناً لزجاً، ثم بدأ يتشربه التراب ببطء.
التفت غو وِنيوان إلى الرجل. كان ملقى على بطنه لا يتحرك. وفي ظهره ثلاث فتحات تنبع منها الدماء. شم رائحة الدم: حديدية، مالحة، كثيفة. تسللت إلى أنفه، ثم إلى حلقه، ثم انقبضت معدته بعنف. أراد أن يتقيأ في حلمه، لكنه لم يستطع؛ فالرجل في الحلم لا يملك معدة.
حرّك الرجل رأسه قليلاً، فانكشف وجهه. كان في الأربعين تقريباً، عريض الوجه، كث الحاجبين، وفي جبينه أخاديد عميقة. يرتدي رداء طويلاً من قماش أزرق، وقد غطاه الدم عند الصدر والبطن والساقين. لم يكن الدم قد جف؛ كان يقطر، قطرة بعد قطرة، على التراب الذي تحول إلى بني داكن لزج.
كان وجهه رمادياً أبيض، كأنه ورقة. عيناه مفتوحتان على اتساعهما، بلا ضوء، كعيني سمكة نافقة. لم يكن ينظر إلى غو وِنيوان فحسب، بل يحدق فيه. ولم يكن في عينيه حقد ولا ضغينة، بل عجلة رجل يحمل كلاماً كثيراً وقد أُطبق فمه.
أراد غو وِنيوان أن يهرب، فلم يتحرك. أراد أن يصيح، فلم يخرج صوت. بدا كأن جذوراً نبتت تحت قدميه، واخترقت الطريق والطين إلى موضع أعمق وأشد سواداً.
رفع الرجل يده البيضاء الخالية من الدم، وكانت أصابعه الخمس ترتجف، وأشار إلى الجنوب الشرقي. انزلق كمّه، فظهرت على معصمه علامة قيد عميقة أرجوانية الحواف. لم تكن أثراً لحبل؛ أثر الحبل دائري متساوٍ، أما هذه العلامة فكانت ذات زوايا، كأنها تركتها أغلال من حديد.
ثم بدأ جسد الرجل يتلاشى، مع أنه كان ساقطاً أصلاً. بدأ من قدميه: الساقان، ثم الفخذان، فالخصر والصدر والعنق، حتى لم يبق فوق الطريق إلا رأسه. وظلت عيناه مفتوحتين تحدقان في غو وِنيوان، ثم بهت الرأس هو أيضاً واختفى. لم يبق شيء. حتى الدم اختفى، ابتلعه الطين كأن شيئاً لم يحدث قط.
استيقظ غو وِنيوان مبللاً بالعرق. كانت الفراشات قد تشبعت به. مد يده تحت الغطاء فوجد البرودة تسري فيه، برودة كالغشاء الذي يغطي جسد ميت.
جلس في سريره. كان الخارج لا يزال مظلماً، وقد مال القمر إلى الغرب. نفذ ضوؤه من ثقب في ورق النافذة فرسم على الأرض خطاً أبيض رفيعاً طويلاً. كان هو الخط نفسه الذي رآه قبل النوم، لكن اتجاهه تغيّر؛ فقد عبر القمر إلى الجهة الأخرى من السماء.
ظل غو وِنيوان جالساً وقتاً طويلاً، حتى خدر ساقاه، وحتى بدأ الرماد الأول للفجر يظهر خلف النافذة. لم يفارق رأسه وجه ذلك الرجل، وعيناه كعيني السمكة الميتة، ورداؤه الأزرق، والجروح الثلاثة التي تنزف، والدم المتقطر، والإصبع الممتد نحو الجنوب الشرقي.
كان الحلم حقيقياً أكثر مما ينبغي، كأنه ذكرى دُفعت قسراً إلى رأسه. عدد أخاديد الطريق، وحبات السنابل، وطول أغصان الصفصاف؛ كأن أحداً أحرقها فيه بمكواة واحدة واحدة.
ولم يكن غو وِنيوان يعلم أن تلك لم تكن إلا الليلة الأولى. كانت ست ليالٍ أخرى تنتظره.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.