في الليلة الثانية.
عاد الحلم. الطريق نفسه، والحقل نفسه، والرجل الأوسط نفسه. لكن هذه المرة لم يكن غو وِنيوان يسير في الطريق.
تبدلت زاوية نظره. في الليلة الأولى كان ينتظر الرجل في وسط الطريق، أما في الثانية فكان واقفاً في الحقل إلى جانبه، مختبئاً وراء سنابل القمح، يراقب الطريق ومن يأتي فيه.
نظر غو وِنيوان إلى يديه في الحلم. لا، لم تكونا يديه. كانتا أخشن، ومفاصلهما غليظة، وفي باطن الإبهام سبات لا تصنعه فرشاة الكتابة، بل مقبض السكين والمعول. بين الأظافر طين أسود. وطرف الكم رمادي، من ثوب قصير من قماش خشن قد بليت حافته. مسّ وجهه بهاتين اليدين: عظم وجنة بارز، وخدان هزيلان، وذقن تغطيه لحية قاسية لم تُحلق منذ ثلاثة أو أربعة أيام، تخللتها شعرات بيض.
لم يكن هذا جسده، بل جسد رجل آخر. كان قد حلّ فيه.
ظهر الرجل الأوسط من بعيد على الطريق العام. لم يكن ينزف هذه المرة. كان ثوبه الطويل من القماش الأزرق نظيفاً مكويّاً، وياقته بيضاء ناصعة. وفي يده مظلة من ورق الزيت، فتحها تحت شمس قوية. على سطحها رسم لعصفورَي سنونو؛ أحدهما طائر والآخر ساكن على غصن صفصاف. امتد ظلها على الأرض يهتز مع خطاه، طويلاً لأن الشمس مالت من الشرق، حتى بدت حدود الظل واضحة، وظهرت فيه أيضاً هيئة السنونوات المرسومة على المظلة.
كان يحمل كيساً كتفياً منتفخاً بثقل ما فيه. حفرت حمالته أثراً عميقاً في كتفه. مشى بخفة تاجر في طريقه إلى عمل، وخُيّل إلى غو وِنيوان أنه يدندن لحناً؛ شفاه تتحرك بلا صوت، لكن إيقاعاً خفياً فيها. وكانت زاوية فمه ترتفع ارتفاعاً دقيقاً لا يكاد يرى. لعله يحب الغناء الشعبي في بيته: عازف كمان صيني، ورجل يقرع لوحاً خشبياً، ومغنّ يمد صوته على منصة صغيرة. ولعل في كيسه، إلى جانب الفضة، مروحة قابلة للطي، لا مروحة أديب عليها أبيات، بل مروحة عادية رسم عليها عصفورا سنونو.
سنونوان، مثل السنونوين على المظلة.
كان غو وِنيوان في حقل الذرة الرفيعة، لا في حقل القمح هذه المرة. كانت السيقان أعلى من رأس الإنسان، متراصة كالجدار. قرفص على حافة الحقل، وأوراقها تحتك بوجهه وكتفيه: حفيفاً متصلاً. وكانت حوافها أحد من أوراق القمح، كطرف نصل؛ تخدش الجلد فتثير حكة ثم ألماً حارقاً، وتغرز زغبها في المسام. خدرت ساقاه، وصعد الخدر من الربلة إلى الركبة ثم الفخذ. أراد أن يغير وضعه، فلم يقدر؛ فالجسد لم يكن يستجيب له. كان صاحب الجسد رابضاً في موضعه منذ زمن، حتى خدر ثم عاد إليه الإحساس، وحتى حفر جلوسه تقعرًا ضئيلاً في التراب، وحتى صعدت نملة إلى حذائه ثم إلى ساق بنطاله ثم ركبته ولم يطردها. فمن يكمن لفريسة لا يفضح موضعه من أجل نملة.
وشعر غو وِنيوان بشيء في كفه: صلباً، بارداً، ضيقاً. لم يكن مقبض فأس، فمقبض الفأس مستدير عريض؛ كان مقبضاً مسطحاً ضيقاً. خنجراً. كانت نصله مخبأة في الكم، ملاصقة لجلد باطن الساعد. أحس الجلد ببرودة الحديد، برودة تدفع اليد إلى الانكماش، لكنه لم ينكمش. فقد ألفها صاحب هذا الجسد، كما يألف الجزار رائحة الدم على سكّينه، والحطاب شظايا الخشب في مقبض فأْسه.
اقترب الرجل ذو المظلة من شرق الطريق. خطوة بعد خطوة، خفيفاً مطمئناً. حتى بلغ أمام حقل الذرة، ولم يعد يفصله عن غو وِنيوان، لا، عن الرجل الرابض في جسده، إلا أقدام قليلة.
سمع غو وِنيوان الرجل يدندن. كان الصوت خافتاً، لكنه عرفه هذه المرة: لم يكن غناء مسرحياً، بل لحناً شعبياً بسيطاً، مرحاً ربما سمعه الرجل في بيته، أو غنته زوجته، أو ردده لطفله حتى نام. كان فيه ذلك الارتخاء الذي لا يزور المرء إلا في يوم يظن أن اليوم كالأمس، وأن الغد كاليوم، وأن شيئاً لن يقع.
ثم خرجت يد من بين أوراق الذرة.
لم تكن يد غو وِنيوان، بل يد ذلك الجسد. انزلقت من شق الأوراق بصمت إلى ظهر الرجل. وفيها خنجر ضيق النصل، ضيق بما يكفي ليخفى في الكم، لامع تحت الشمس بزرقة حادة يحيط بها خيط أبيض. كان قد شُحذ لتوه؛ لا تزال عليه خطوط حجر الشحذ، خيوط دقيقة من الرأس إلى المقبض، منتظمة كما لو أن من شحذه قضى صباحاً أو مساءً كاملاً يحوّل نصلًا كليلاً إلى نصل يقطع الشعرة.
انغرس الخنجر في بطن الرجل صاحب المظلة: مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة. بلا توقف. سريعاً، دقيقاً، قاسياً. كفعل اعتاده الفاعل؛ كقطع الحطب، أو ذبح الخنزير، أو تقطيع الخضار. لا، ليس كتقطيع الخضار؛ فذلك خفيف سريع: طَق طَق طَق. أما هنا فكان: پُخ، پُخ، پُخ. كل طعنة تدخل إلى العظم، وكل طعنة قاتلة.
خفض الرجل بصره إلى بطنه. بقي الخنجر في جسده، ومقبضه خارجاً. مد يده ولمس المعدن البارد، ثم رفع رأسه ليرى من طعنه. لم ير أحداً؛ حجبت أوراق الذرة القاتل. لم ير إلا الذرة الخضراء تهتز في الريح، كأن شيئاً لم يحدث.
انفتح فمه ليصرخ، فلم يخرج شيء. لم يكن في حنجرته إلا صوت ماء يتغرغر، لكنه لم يكن ماء، بل دماً يفيض من فمه ويسيل على ذقنه إلى داخل ياقة ثوبه. مال إلى الأمام، وارتطم وجهه بالطريق الترابي: پُخ. وظلت عيناه مفتوحتين، مثل عينيه في الليلة الأولى: لا نور فيهما، بل تحديق فقط، تحديق في قاتل لا يراه.
استيقظ غو وِنيوان. كان نصف الليل، وكان مبللاً بالعرق من جديد. هذه المرة لم يجلس حائراً على السرير. نزل حافي القدمين إلى أرض من الآجر البارد، وفي شقوقها طحلب زلق رطب كأنه شيء حي تحت القدم. أشعل السراج؛ احتاج الفتيل إلى ثلاث ضربات بحجر القدح كي يشتعل، وكانت يده ترتجف. طحن الحبر، يدور قالب الحبر على المحبرة: حفيفاً، حفيفاً، أسرع فأسرع. ثم بسط ورقة.
وبدأ غو وِنيوان يرسم.
رسم الطريق: أخدودان للعربات وبينهما حدبة طفيفة. ورسم حقل الذرة بخطوط متراصة. ورسم موضع سقوط الرجل صاحب المظلة، هيئة ملتوية على ظهرها ثلاث علامات، في مواضع أدهشته دقتها هو نفسه. ورسم موضع الخنجر: ثلاث طعنات، كلها في الجانب الأيسر من الظهر.
رسم ببطء، ضربة بعد ضربة، يضغط بالقلم حتى يغرز رأسه في الورق. كانت يده ترتجف، لا من الخوف، بل لأنه اكتشف أنه يتذكر كل تفصيل بوضوح، كأن أحداً نقش في رأسه صورة؛ كل خط وزاوية وظل بلا أدنى خطأ.
وفي الليلة الثالثة عاد الحلم.
تبدلت زاوية نظره مرة أخرى. وقف على تل ترابي بعيد، على مسافة نحو مئتي خطوة من الطريق. من هناك لا يرى الوجوه ولا زخارف الثياب، لكنه يعلم ما يقع على الطريق.
رأى الرجل صاحب المظلة مقبلاً. دارت مظلته لحظة تحت الشمس. رآه يقترب من حقل الذرة، ثم رأى الأوراق تتحرك، لا حركة ريح، بل حركة يد تفرجها من الداخل. ورأى اليد الخشنة تخرج من بينها قابضة على خنجر ضيق، وعلى حده ومضة دقيقة كأنه شُحذ للتو ولم يُمسح. ورأى الطعنة: واحدة، اثنتان، ثلاث. تعثر الرجل، وسقطت المظلة، ثم سقط هو.
لكن المشهد من البعيد كان مختلفاً. صار كل شيء صغيراً: الرجل كدمية قماش، والمظلة كورقة يابسة، والطعنات الثلاث كرمشة عين. والقتل من بعيد بدا، على نحو مخيف، أقل رعباً؛ كمن يرى من حافة الحقل نملًا يتقاتل، تقتل نملة أخرى ثم تمضي. المسافة تسلب الأشياء وزنها. لكن غو وِنيوان كان يعلم أن ذلك ليس نملة، بل رجلاً حياً يدندن لحناً، رجلاً ينتظره أحد في بيته.
اهتزت أوراق الذرة مرات قليلة؛ كان القاتل يتراجع إلى عمقها. داست قدم ساقاً من الذرة فسمع من بعيد طَقّة واحدة، ثم مالت الساق المكسورة ببطء شديد وسقطت على الطريق.
وفي هذه المرة عرف موضع حقل الذرة: الحقل الثالث إلى جانب الطريق. في زاويته الشمالية الغربية صفصافة ملتوية العنق، تميل أغصانها إلى اليمين كأن الريح ظلت تدفعها عمراً كاملاً. وتحتها بئر تغطي فوهتها صفيحة حجر أزرق مكسورة من الزاوية العليا اليسرى. أما القطعة التي انكسرت فكانت لا تزال إلى جوارها، غارقة في الطين وقد نبت عليها الطحلب.
في الليلة الرابعة.
كان غو وِنيوان واقفاً على الطريق، عند الموضع نفسه الذي سقط فيه الرجل. انحنى؛ كانت لطخات الدم على الأرض قد جفت ثم ابتلت، وابتلت ثم جفت، حتى صارت بنية داكنة. تسربت في التراب كطبقة طحلب لا تُقتلع ولا تُغسل. وعلى حوافها دائرة أعمق سواداً، أثر أمطار مرّت بها في العام السابق؛ غمرت الدم ثم تركته يهبط، مرة بعد مرة، فخلّفت تلك الحلقة.
رأى الرجل عند قدميه، منطرحاً على وجهه وظهره إلى السماء. في ظهره ثلاث طعنات على هيئة مثلث، لا عشوائية فيها. واحدة أسفل لوح الكتف الأيسر مائلة إلى أعلى؛ فالقاتل أمسك السكين بيمناه وباغته من الخلف. والثانية أسفل الضلع الأيمن مائلة إلى أسفل، مرّت النصل عبر الكبد. والثالثة في وسط أسفل الظهر، وهي الأقسى، في اتجاه الكلية اليسرى. حفظ غو وِنيوان مواضعها كما لو أن أحداً نكز ظهره ثلاث مرات بإصبع مؤلم.
مد يده ليلمَس جرحاً، فمرّت عبر الجسد. لم يكن له كيان في الحلم. لكنه حين اخترق الجثة شعر في أطراف أصابعه بجليد؛ لا ببرودة، بل بجليد يخرج من عظام ميت. لم يكن ينتشر إلى الخارج، بل يمتص ما حوله: دفء أصابعه، ودفء الهواء، ودفء الحلم كله.
ظل جاثياً بجوار الجثة وقتاً طويلاً، حتى انقلب نهار الحلم إلى غروب، وهبطت الشمس في الغرب واحترق الأفق بحمرة داكنة. لم تكن غروباً، بل لون دم منعكساً في السحاب. لم يعرف لماذا لم يمضِ. فالزمن في الحلم لم يكن له؛ كأن أحداً يقوده كي يرى كل تفصيل، ويفهمه، ويحدق فيه، قبل أن يطلقه. نظر إلى أصابعه؛ لا تزال شفافة، لكنه شعر بالبرودة الباقية فيها كأنه لمس حجراً في قاع بئر. صعدت البرودة من أطرافه إلى معصمه وذراعه وكتفه ثم قلبه. انقبض صدره، لا ألماً بل ثقلاً، كأن حجراً أو مجرفة تراب، أو ندم رجل مات منذ سبعة أعوام، وُضع كله فوقه.
في الليلة الخامسة.
كان غو وِنيوان في حقل الذرة، إلى جوار حامل السكين، قريباً حتى يحس نفس الرجل الساخن على مؤخرة عنقه. وشم فيه عرقاً وتراباً وخمراً رديئاً نفاذاً، ذلك الشراب الرخيص الذي يحرق الحلق برائحته قبل أن يلامس الشفتين.
لم ير وجه الرجل، بل ظهره فقط: متوسط القامة، لا سمين ولا نحيل، يرتدي ثوباً قصيراً رمادياً من قماش خشن بهت من الغسل، وقد تآكل طرف كمّه. على كتفه رقعة أغمق لوناً، أضيفت لاحقاً. وكانت غرزها معوجة؛ ليست غرز امرأة، فالمرأة تستعمل الغرزة الراجعة، متشابكة مرتبة. أما هذه فغرزة بسيطة تصعد وتهبط بلا نظام، كأن صاحبها خاطها بيده وترك عقدة خيط ميتة فوق القماش.
انحنى حامل السكين إلى الجثة وجسّ كيس الكتف والحزام والكمّين. ماذا كان في الكيس؟ لم يره غو وِنيوان، لكنه رأى يد الرجل تقلب فيه، ثم تخرج وبين أصابعها ومضة فضية. فضة. خبأها في صدره. ثم التقط مظلة ورق الزيت التي سقطت على الأرض؛ كانت إحدى السنونوات المرسومة عليها قد احمرّت بالدم. نظر إليها متردداً، ثم طواها ووضعها في صدره أيضاً.
وقف واستدار. مرّت هيئة وجهه في لحظة، فرأى غو وِنيوان شيئاً لا يستطيع تبيّنه. كانت الوجوه في الحلم مغشاة كأنها خلف طبقة من الرمل. لكن ذلك الظهر، والثوب الرمادي، والرقعة الداكنة على الكتف، انطبع في ذاكرته.
في الليلة السادسة.
رأى غو وِنيوان دفن الجثة.
لم يكن في الليل قمر، وكان الظلام أسود كقاع قدر؛ لا تُرى فيه اليد أمام الوجه. رجل واحد يحمل مجرفة حديدية ويحفر تحت الصفصافة الملتوية. صوتها: تش، تدخل التراب، ثم تخلخل، ثم تنثر التراب على العشب: شش شش. ضربة بعد ضربة بإيقاع ثابت. كأنه يقطع عظماً؛ لا، أبطأ وأثقل. قطع العظم له فرقعة، أما الحفر فصوت مكتوم: تش، تش، تش، وفي كل مجرفة رنّة حديد تصطدم بحجر.
كان الحفرة عميقة حتى إن الرجل فيها لا يظهر منه إلا نصف رأسه. جرّ الجثة إلى حافتها، فتركت الثياب فوق الطين خطاً طويلاً: شش. ثم دفعها إلى الداخل؛ سقطت في القاع بصوت مكتوم. ردمها بمجرفة بعد أخرى، ولما امتلأت الحفرة داس التراب وقفز عليه مرتين: دوم، دوم. ثم جمع التراب الزائد في كيسين قديمين مرقعين، حملهما على ظهر انحنى من ثقلهما، ومضى خطوة خطوة إلى النهر.
كان الماء يهدر. لم ير سطحه في الليل، بل سمعه فقط. فكّ أفواه الأكياس وألقى التراب فيه. ارتطم التراب بالماء وارتفعت رشقة. كان أسود أولاً، ثم صار أصفر حين ابتل، ثم تفرق وجرفه التيار، أخف فأخف حتى لم يبق شيء. عاد سطح النهر هادئاً، ولم يبق إلا صوت الماء: شش، شش، كأن شيئاً لم يقع.
حدق غو وِنيوان في النهر. في الليل كان أسود، لا ترى منه إلا خيط لمعان عابر من ضوء بعيد. يصل اللمعان ثم يختفي عند القرب. وفي الموضع الذي أُلقي فيه التراب اتسعت دوائر فوق الماء، إلى وسط النهر ثم الضفة الأخرى ثم ذابت. كأن الرجل لم يدفن قربه قط، وكأن التراب لم يلق فيه قط، وكأن شيئاً لم يقع.
في الليلة السابعة.
رأى غو وِنيوان الحفرة السادسة؛ ليست الأولى، بل السادسة. ومع الرجل صاحب المظلة صاروا سبعة.
ورأى ما تحت النقاط المضيئة. تحت كل حقل إنسان مدفون، وعظام كل واحد تتوهج. لم يكن ذلك نار فوسفور، فنار الفوسفور خضراء تومض وتخبو. كان الضوء أبيض ثابتاً، كأن العظام نفسها تصدره، أو كأنها امتصت ضوء القمر زمناً طويلاً في التراب ثم أخذت تطلقه ببطء؛ كل عظم يخرج ضوءاً ضئيلاً شاحباً، كشمعة أوشكت أن تنطفئ.
سبع نقاط ضوء، تصنع قوساً يبدأ عند طرف الطريق العام الشرقي ويمتد إلى الشمال الغربي، عابراً سبعة حقول. لم تكن المسافات بينها بعيدة، بعضها عشرات الخطوات وبعضها مئات. سبعة أعوام، وسبع أرواح، وسبعة حقول. رجل واحد زرع، خلال سبعة أعوام، سبع بذور إلى جوار طريق تشينغبينغ. لم تكن بذوراً لمحصول، بل موتى.
استيقظ غو وِنيوان عند أول الفجر. كان الضوء الذي يمر من ورق النافذة رمادياً أزرق، بارداً. أخرج يده من الغطاء وقبض أصابعه في الهواء البارد، فلم يمسك شيئاً. لكنه عرف أنه صار يملك سبع صور.
جلس أمام الطاولة، وفوقها سبع ورقات، في كل واحدة رسم مختلف: وجه الرجل، عريضاً كث الحاجبين محفور الجبين؛ الرجل يمشي تحت المظلة؛ منظر التل البعيد؛ لطخات الدم البنية التي جفت ثم ابتلت؛ ظهر حامل السكين بثوبه الرمادي ورقعته الداكنة وغرزه المعوجة؛ رجل يحمل كيساً ويلقي التراب في نهر يلمع؛ ثم مواضع الحقول السبعة.
سبع ورقات، سبع صور، سبع ليال، سبع زوايا نظر. إذا اجتمعت، كشفت جريمة قتل كاملة: من قتل، وأين قتل، وأين دفن الجثة، بكل موضع وتفصيل.
غير أن سؤالاً لم يفارق غو وِنيوان منذ الليلة الأولى، حتى بعد أن رسم الصور السبع: من الذي أرسل إليه هذه الأحلام؟ أهو الرجل صاحب الثوب الأزرق الذي طُعن ثلاث طعنات، روح مقتول تنتظر من ينصفها؟ أم أن صاحب الأحلام هو القاتل نفسه؟
نظر إلى الصور، فانبثق في داخله خاطر كالإبرة: دخل من رأسه، عبر دماغه، وانغرز في قلبه. إن كان القاتل هو من يرسل الحلم، فلماذا يروي لقاضٍ كل ما اقترفته يداه بهذا الوضوح؟ أيفعل ذلك تباهياً؟ مستحيل؛ فالمتباهي لا يترك هذا العدد من الثغرات. أيود أن يُقبض عليه؟ أم لسبب آخر؟
لم يجد غو وِنيوان جواباً، لكن الحاكم غو حفظ السؤال.
رتب الأوراق السبع، طواها بعناية، ووضعها في كمّه. نهض، فتح الباب، ومشى إلى ضوء نهار تشينغبينغ.
في اليوم الرابع عشر من توليه المنصب، كان ذاهباً لحفر قبر.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.