شرق البلدة، على بعد ثلاثة ليّات، إلى شمال الطريق العام، كان حقلٌ تملكه أسرة ليو وتزرع فيه القمح منذ أعوام. كان سنبله ثقيلاً، أمتن بكثير من قمح الحقول المجاورة. قال أهل القرية إن ترابه طيب وخصب، يطعم الزرع.
لكن غو وِنيوان كان يعلم أن الأمر ليس جودة التراب. كان هناك ميت تحت الأرض يطعم القمح.
تحت فوهة البئر، على عمق ثلاثة أقدام، ظهر الهيكل الأول.
لم تكن العظام ممددة، بل كومة بعثرها من دفع الجسد إلى الحفرة بعد أن مات، فارتخت أطرافه وانثنت كيفما اتفق. الجمجمة في الأسفل وعظام الساقين فوقها. انكسرت ثلاثة أضلاع، وانحشرت شظاياها بين فقرات العمود. كانت بيضاء مصفرة بلون التراب، كقطع خزف مكسور. ونمت جذور دقيقة في شقوقها، فاتخذت العظام سماداً لها.
كان الفاحص الطبي تشنغ شيخاً في الستين، أمضى أربعين عاماً يفحص الموتى في تشينغبينغ، حتى رأى من الجثث أكثر مما رأى غو وِنيوان من الأحياء. وضع نظارة قراءة انشق نصف إحدى عدستيها، وقرفص ببطء عند البئر؛ طقطقت ركبتاه. أخذ يقلّب العظام بملقطه، يرفع كسرة إلى عينيه ثم يعيدها، ويتمتم كأنه يتلو صلاة أو يحسب حساباً.
ثم نهض، وطقطقت ركبتاه ثانية. نظر إلى غو وِنيوان بنظرة لا هي هيبة ولا خوف، بل حيرة من واجه ما لا يفسر.
قال: «رجل في الثانية والأربعين أو الثالثة والأربعين. دُفع إلى الحفرة بعد موته، لم يدفن حياً. ثلاث طعنات في الظهر. واحدة أسفل لوح الكتف الأيسر، قطعت الضلعين الثالث والرابع؛ القاتل أيمن اليد، وطعنته مائلة إلى أسفل، وزاويتها دقيقة جداً. ليس هذا ضرب حطاب عشوائياً، بل يد تعرف السكين. والثانية تحت الضلع الأيمن، خرقت الكبد. والثالثة في وسط أسفل الظهر، خرقت الكلية اليسرى؛ وهي القاتلة. نزف سريعاً ومات سريعاً، ولم تمر بين الطعنة الأولى والأخيرة إلا نفسان أو ثلاثة. كان واقفاً حين طُعن. أما انحراف آثار السكين على العظم فحدث بعد الموت، حين ضغط التراب الجسد في الحفرة؛ ليست جروح طعن، بل أذى وقع بعد الموت».
أنهى الفاحص كلامه، وأسند يديه إلى ركبتيه ونهض. لم يبتعد. انتظر لحظة، ثم مال إلى أذن غو وِنيوان وقال بصوت خفيض لا يسمعه أحد: «يا سيدي، الرسم الذي رسمته مطابق لما وجدناه. لا فرق ولو بشعرة، حتى زاوية الطعنات مرعبة الدقة. من أين عرفت؟»
لم يجب غو وِنيوان؛ لم يكن يعرف بم يجيب. لا يستطيع أن يقول: أخبرني ميت في حلم، فلن يصدقه أحد.
انتقل إلى الموضع الثاني، حقل أسرة تشو، ثم الثالث لأسرة وانغ، والرابع والخامس والسادس والسابع. كل حقل وكل موضع كان قد رسمه بوضوح. وكل حفرة أخرجت عظاماً بيضاء، لمقتولين طُعنوا ثم دُفعوا إلى حفرهم.
وفي عصر واحد استخرجوا سبعة هياكل.
نُقلت إلى فناء الياَمِن، واحداً بعد آخر في صف طويل فوق حجارة زرقاء تحت الشمس. لم يبق لحم ولا جلد ولا عين ولا فم، فلا تنطق العظام؛ لكن كل عظم كان يقول شيئاً. كل أثر سكين، وكل شظية، وكل مفصل مكسور يقول: من قتلني؟ من دفنني هنا؟
وعُرفت هويات السبعة، واحداً واحداً.
كان أحدهم تاجر قماش من خارج البلدة، قصير القامة، صغير الهيكل لكنه متين. في عظم فخذه الأيسر إصابة قديمة؛ كسر لم يلتئم جيداً، فلا بد أنه كان يعرج. وعلى كاحله صفيحة نحاسية صدئة، مشبك حذاء؛ أي إنه دفن منتعلاً. عرفه ابن بلدٍ له: خرج قبل اثني عشر عاماً عبر هذا الطريق إلى يانتشو ليتجر بالقماش، وما إن دخل حدود تشينغبينغ حتى اختفى. وبعد رحيله بثمانية عشر يوماً أنجبت زوجته ابناً. لم ير الابن أباه قط. صار الآن في الثانية عشرة، يستطيع النزول إلى الحقل، وحمل نصف كيس من الحبوب، والذهاب مع الكبار إلى السوق. كان يعرف أن أباه تاجر قماش، ورأى القماش مرصوصاً في دكانه، لكنه لم يره. أشار الرجل إلى العظام وقال: «هذا أبوك». وقف الطفل أمامها، ثم نظر إلى أمه التي تبكي حتى لا تقوى على الوقوف. لم يقل شيئاً؛ مد يده وأسند ذراعها. انهار جسدها، فثبتها. كان للصبي قوة لا بأس بها؛ أسند أمه، وأسند معها كومة العظام التي تركها أبوه.
وكان آخر بائعاً جوالاً من المقاطعة المجاورة، يحمل على كتفه صندوقاً ويطوف القرى بالإبر والخيوط. فقد طرف خنصر قدمه اليسرى بسبب صقيع قديم؛ أثر الصقيع أملس كالمصقول، أما القطع بالسكين فحاد. ولم تكن الإصابة في الإصبع وحده؛ فعلى عظام مشط القدم أيضاً تآكل الصقيع. تجمدت قدمه في شتاء قاس، ثم ظل يحمل الأثقال فمات طرفها شيئاً فشيئاً. وكانت له أرملة في قرية يمر بها، ليست زوجة بعقد، لكنها كانت تشتري منه عند كل مرور ربطة شعر حمراء. ثم انقطع عن المجيء، فبقيت تنتظر سبع سنوات، حتى بلغت الثلاثين فتزوجت. وفي يوم زفافها كانت في معصمها ربطة حمراء باهتة.
وكان ثالثهم طالب علم مسافر إلى الامتحان. أسنانه كلها سليمة، حتى أضراس العقل، بلا تسوس؛ لا بد أن أسرته ميسورة. وجنتاه عاليتان، وجبهته عريضة، ومحجرا عينيه غائران، وجه دارس. في جمجمته شق دقيق ليس جرح قتل بل أثر سقوط قديم، وفوق قوس حاجبه الأيسر ندبة تركت خطاً كشعرة يمتد من بين الحاجبين إلى أعلى الرأس. كان من خنان، على بعد ستمئة ليّ. سار شهراً، عبر النهر الأصفر والسهل وهذا الطريق، حتى وصل إلى تشينغبينغ، ثم توقف فيها إلى الأبد. وفي متاعه نسخة بالية من «المختارات»، ملأ هوامشها بخط صغير. بهت الحبر، إلا أن تعليق الصفحة الأخيرة كان غامقاً حتى نفذ إلى ظهر الورقة: «إن وجد من يستعملني، ففي شهر أصلح، وفي ثلاث سنين يكون إنجاز». كتب عبارة كونفوشيوس تلك لأنه ظن أنه يستطيعها، وأن ثلاثة أعوام تكفيه ليصنع أثراً؛ لكنه لم يقطع على طريق تشينغبينغ حتى ثلاثين خطوة.
وكان رابعهم نجاراً عابراً. عظامه غليظة، ولوحا كتفه أعرض من المعتاد بإصبعين، وعلى ترقوته عظم زائد كثيف صنعه حمل الأخشاب سنين. تآكل مفصل رسغه من كثرة العمل، لا من مرض. وفقد نصف سبابته اليسرى، لا بقطع سكين بل بأسنان منشار. ظل يعمل رغمها، لأن يده تعلّمت الحرفة. قالت زوجته إن أول ما يفعله صباحاً هو أن يلمس المنشار، لا ليشحذه، بل ليجس أسنانه بطرف أصابعه ويسمع إن كان رنينه حاداً. خرج إلى يانتشو ليبني قاعة أجداد، فأرسل صاحب العمل من ينتظره يوماً كاملاً، فلم يأت. انتظرت زوجته ثلاث سنين ثم باعت عُدته: منشاراً، ومسحفين، وثلاثة أزاميل، وحجر شحذ. لم يكف ثمنها لشراء معطف قطني جديد. اشتراها نجار شاب لم يعرف صاحبها، ورأى أن المنشار يقطع الخشب كأنه توفو. لم يعلم أن بين أسنانه آخر دفء بقي في يد رجل انتظره أحد اثني عشر عاماً.
وكان خامسهم تاجر ملح يسافر منفرداً. أسنانه مطحونة، لا من حلوى بل من عض حبال أكياس الملح وشدها. سطوح أضراسه ملساء كحجرين. في أضلاعه ثلاثة كسور ليست من القتل، بل من عراك؛ فتاجر الملح يضع حياته على حد السكين. لم يعرف أحد اسمه في حياته، وإنما عرفوه بلقب تشاو الجسور. وكان جريئاً حقاً: يسير وحده ليلاً، وخنجر في خصره، ونصف كيس ملح في كيسه، من الساحل إلى الداخل، وربح الرحلة يكفيه ثلاثة أشهر. لكن عظامه لم تحتفظ بشيء ثمين، لا فضة ولا مشبك نحاس ولا حُلية يَشْم. في يده اليسرى زر واحد، زر نحاسي ليس له. لعلّه انتزعه من ثوب قاتله وهو يتشبث به. ظل ممسكاً به عشر سنين حتى نحتت العظام حفرة صغيرة احتضنته. وحين نقب الفاحص الزر من بين عظام أصابعه سقط في الصينية برنّة صافية، كأنه يقول: «حصلت عليه». لكن صاحب الدليل مات منذ عشرة أعوام، ولم يعد يستطيع أن يسلمه لأحد.
واحداً بعد آخر، عُرفت هوية السبعة: جميعهم مسافرون مروا بهذا الطريق واختفوا داخل حدود تشينغبينغ. أقدمهم منذ خمسين عاماً، عظام مبعثرة لم يبق منها إلا بضعة عظام فخذ ونصف جمجمة سحقتها الأرض. وأقربهم زمناً الرجل صاحب المظلة، قبل سبع سنوات.
ظل غو وِنيوان يحدق في ملف القضية طويلاً، ثم سأل: «هل وجدتم أداة القتل؟»
وقف رجال الياَمِن تحت الدرج، مطأطئي الرؤوس، ولم يجيبوا.
وبحثوا ثلاثة أيام أخرى. في قاع البئر عند الزاوية الشمالية الغربية من حقل الذرة، تحت الحجر الأزرق الذي يغطي الفوهة، كان البئر جافاً وقد نضب ماؤه منذ زمن. استخرجوا من وحله خنجراً صدئاً متآكلاً، حده ملتف وجسده مغطى بصدأ أحمر قاتم يشبه دماً جافاً. كان المقبض ملفوفاً بقطعة قماش تهرأت نصفها، لكن لونها ظل ظاهراً: ليس رمادياً فاتحاً، بل رمادي داكن، لون الرقعة في الثوب الذي رآه في الحلم. وعلى طرفها خيوط معوجة غليظة، من خيط رديء مقطوع باليد لا بالمقص.
نظر غو وِنيوان إلى الخنجر، وإلى القماش، وإلى حرف «هان». عرف أنه وجد الجواب. لم يبق إلا سؤال واحد: لم يجد الرجل. لقد مات؛ وإن بقي حياً فلن يبلغ عصرهم، فقاتل قبل خمسين عاماً لا بد أن يكون الآن في المئة.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.