استقصوا كل ما يمكن استقصاؤه. لم تكن تشينغبينغ كبيرة، لكنها تضم سبع عشرة قرية. أصدر غو وِنيوان إعلاناً، وعلقه على شجر السنط العتيق عند مدخل كل قرية: بلاغ عن قتل وسلب، ودعوة إلى الإقرار أو تقديم الدليل، ومكافأة لمن يدل بخيط. ثلاث تيلات من الفضة؛ مبلغ يكفي أسرة في تشينغبينغ نصف عام.
في صباح التعليق زار بنفسه أقرب ثلاث قرى. الأولى قرية ليو لين، وعند مدخلها سنطة قديمة نُزع من لحائها جزء كبير؛ قالوا إن مريضاً نزعه قبل عامين ليغليه دواءً. لم تمت الشجرة، لكن موضع النزع اسودّ كندبة لا تلتئم. علق الإعلان إلى جوارها. سقطت حشرة سوداء صلبة على كتفه، فلم ينفضها؛ شاهدها تزحف ببطء إلى كمّه ثم تفرد جناحيها وتطير.
الثانية تشانغجياقو، قرية صغيرة من عشرات البيوت المتزاحمة على جانبي أخدود جاف، لم يبق فيه إلا وحل أسود ونبات قصب أبيض السنابل يهتز في الريح. علق الإعلان على الجدار القرميدي الوحيد، جدار بيت أسرة ثرية تقشر بياضه فظهر الطوب الأزرق تحته. وقف أمامه قليلاً. كان أهل القرية يراقبون من بعيد في جماعات صغيرة، لا يقتربون. خرج طفل عار من زقاق، نظر إلى الورقة ولم يقرأها ثم عدّاء حافي القدمين فوق الطين اليابس. ولما هم غو وِنيوان بالخروج سمع عجوزاً تقول: «المسؤول الجديد فتي». فرد صوت آخر: «وما نفع الفتوة؟ في تشينغبينغ، من يأتي لا يتغير شيء». لم يلتفت. امتد الطريق الترابي إلى خارج القرية ثم إلى أفق رمادي.
والثالثة وانغجياتشوانغ. كانت سنطات المداخل مختلفة، لكن الإعلانات واحدة: ورق أبيض وحبر أسود وختم الياَمِن الأحمر. وكان الزنجفر لا يزال يلمع، كجرح كُوي على الورق.
ثم انقطع الخيط، انقطاعاً تاماً، كأن مقصاً قطع الزمن بضربة واحدة.
وقائع قبل خمسين عاماً؛ من يذكرها ماتوا جميعاً تقريباً.
استدعى غو وِنيوان وانغ ليو. خدم الرجل في تشينغبينغ قريباً من ثلاثين عاماً، ابيض شعره لكن ظهره ظل مستقيماً؛ فالجندي لا ينحني ظهره حتى مع الشيخوخة. وقف تحت القاعة ويداه إلى جانبيه ورأسه منخفض. كانت مفاصل يديه غليظة وباطن إبهامه متصلباً، آثار سكين حملها في شبابه.
قال غو وِنيوان: «يا وانغ ليو، قضيت ثلاثين عاماً هنا. هل وقع في تشينغبينغ من قبل أمر جسيم؟»
ثقل نفس وانغ ليو فجأة، شهيقاً بعد شهيق، كأن شيئاً سد حلقه. ابتلع ريقه، ثم رفع رأسه ببطء. لم يكن في عينيه جواب، بل ذكرى عميقة كالماء في قاع بئر، لا يرى المرء ضوء سطحه إلا بعد أن يحدق طويلاً.
فكر، وهز رأسه: «لا». ثم أضاف: «لكن كان هناك أمر غريب».
توقفت يد غو وِنيوان فوق ذراع الكرسي.
«ما هو؟»
تراجع وانغ ليو خطوة، لا بإرادة، بل كما يتراجع الجسد من تلقاء نفسه حين يعرف أن الكلام إذا خرج لن يعود. خفض صوته حتى صار كدخان تبدده نفخة:
«قبل خمسين عاماً كان في تشينغبينغ رجل حراسة محلي، ليس موظفاً، لكنه يدبر شؤون الناحية: الحراسة الليلية، وجباية الضريبة، والسجل. جن فجأة، فأحرق بيته وأحرق زوجته وأولاده معه، ثم قفز في بئر، بئر الشرق».
«أي بئر؟»
لم يرفع وانغ ليو بصره؛ ظل يحدق في الطحلب الأخضر بين شقوق البلاط، كأنه يقرأ فيه كتابة. ثم قال بصوت أخفض:
«البئر نفسها التي استخرج منها سيدي أول هيكل أبيض».
ذهب غو وِنيوان ورجاله إلى قبر ذلك الرجل.
كان على تل ترابي على بعد ثلاثة ليّات خارج البلدة، قبراً مهجوراً لا يزوره أحد. انبسط رأسه وكسا العشب البري سطحه؛ عشب ذيل الكلب والشيح أعلى من الإنسان، متراص لا يرى المرء تحته إلا بعد أن يفرقه. ظهرت شاهدة حجرية مائلة إلى اليمين، كرأس ناعس. محا المطر والريح معظم كلماتها، ولم يبق مقروءاً إلا أربعة أحرف: أسرة هان، تشانغ. أما البقية فصارت ندوباً في الحجر.
وقف غو وِنيوان أمامه ساعة كاملة. هبت الريح على التل فحركت الأعشاب، وسارت الغيوم في السماء؛ مر ظلها على وجهه ثم انزاح، فأظلم وجهه ثم أضاء، ولم يتغير تعبيره: تعبير رجل يفكر. كان يفكر في هان تشونغ الذي أحرق بيته وقتل زوجته وأولاده ثم ألقى نفسه في البئر؛ أي عزم يجعل رجلاً يرفع يده على أهله؟ وأي شيء يخنق قلبه حتى يختار النار ثم البئر؟
سأل وانغ ليو: «حين مات هان تشونغ، هل دفن أحد جثته؟»
فكر وانغ ليو طويلاً ورأسه منخفض، ثم قال: «نعم، على ما قيل، جدي».
ثم رفع رأسه: «يا سيدي، كان جدي الفاحص الطبي القديم».
«وزوجته وأولاده؟ هل ماتوا في الحريق؟»
هز رأسه: «لا أدري. قال بعضهم ماتوا، وقال آخرون إن أحداً لم ير جثة. كان زمن فوضى، ولم يسأل أحد».
سمع غو وِنيوان ذلك وقبض يده داخل كمّه حتى اشتدت.
قال: «ابحثوا. أريد واحداً من أسرة هان، واحداً نجا منهم، يكفي واحد».
استمر البحث شهراً.
وفي قرية صغيرة عند أطراف تشينغبينغ اسمها هانجياتشوانغ، كان نصف سكانها من آل هان. وجدوا حفيد هان تشونغ من الجيل الرابع، هان يوتيان. كان فلاحاً في الخمسين، لم يغادر تشينغبينغ في حياته إلا إلى السوق، ولا يدري لماذا جاءه المسؤول. حين وصل غو وِنيوان كان الرجل قرفصاء في فناء داره يقشر الذرة، والحبوب الذهبية تنساب من بين أصابعه بحفيف.
شرح له غو وِنيوان أنهم يحققون في قضية قديمة. وضع هان يوتيان الكوز، ومسح قشوره بثوبه، ثم أخرج من البيت شيئاً: ليس كتاباً، بل دفتر حسابات منسوخاً باليد. كان ورقه رديئاً أصفر هشاً، لا بد من قلب الصفحة برفق كيلا تصير فتاتاً. لم يتجاوز بضع عشرة صفحة، وفي كل واحدة سجل.
كُتب في الصفحة الأولى: «الناس». وتحت الكلمة سبعة أسماء، ومع كل اسم تاريخ ومكان ومقدار الفضة المسلوبة. أول اسم مؤرخ قبل خمسين عاماً، وآخرها قبل سبع، الرجل الذي حمل مظلة ورق الزيت.
قال هان يوتيان إن جده أعطاه الدفتر قبيل موته. كان طريح الفراش، هزيلاً كهيكل، عيناه غائرتين كحفرتين سوداوين. دس الدفتر في يد حفيده؛ وكانت يده باردة كأنها أُخرجت من ماء بئر، لا برودة عادية بل برودة تصدر من العظم، برودة الموت.
قال الجد: «احفظه. فإذا مت فأحرقه معي. لا تره أحداً». ثم أغمض عينيه ولم يفتحهما مرة أخرى.
قلب غو وِنيوان الدفتر. في الصفحة الأولى: أخذت ثلاث تيلات، قتلت رجلاً. وفي الثانية: أخذت ثماني تيلات، قتلت رجلاً. ثم الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة؛ كل شيء مسجل: الأداة، والوقت، والمكان، ومقدار المال المسروق.
وعند صفحة توقف. لم تكن تسجيلاً لجريمة، بل كلاماً كتبه هان تشونغ نفسه. خط مضطرب وحبر باهت؛ وفي آخره نفد الحبر فصار خدوشاً جافة. كان واضحاً أن يده ترتجف، يكتب كلمات ثم يتوقف، ثم يكتب ويتوقف. كتب: السجل الأول، ثلاث تيلات وقتل رجل؛ والثاني، ثماني تيلات وقتل رجل؛ والثالث والرابع والخامس والسادس والسابع. ثم اضطرب الخط فجأة، وجاء في السطر التالي:
«خمسون عاماً. ليست أنا من يصنع هذه الأحلام. أرواح السبعة خيطت في روحي. آخر أنفاسهم محبوس بين شقوق عظامي، ولم تتركني يوماً. كل ليلة أموت من جديد مكان واحد منهم: أرى بعينه، وأتألم بجسده، وأبتلع آخر نفس بحنجرته. لم أرسل الحلم إلى غو وِنيوان؛ إنما تلك الأنفاس السبعة لم تعد تُحبس، ففاضت من روحي وانسابت إلى حلمه.
تشد قدمي، وتشد يدي، وتشد عنقي. لا تتكلم، لكنني أعرف ما تريد قوله: أعيدوا لي حياتي، أعيدوا لي حياتي. تكررها مرة بعد مرة، خمسين عاماً. اختبأت في البئر وفي النار، فوجدتني. اختبأت في التابوت، فكانت تنتظرني فيه».
أغلق غو وِنيوان الدفتر وزفر زفرة طويلة، طويلة حتى ظن هان يوتيان أنه نسي التنفس. ثم رفع رأسه إلى السماء، وكانت رمادية لا يدرى: أمطر أم يثلج؟ رمادية كوجه ميت.
وأخيراً فهم السؤال الذي لم يفارقه منذ استيقظ في صبيحة اليوم السابع: من صاحب الأحلام؟
لم يكن الضحايا، لم يكونوا قط. أحلام المظلوم تصرخ وتبكي وتشد ثوب من يسمعها. ليست هادئة كهذه، ليست صوراً دقيقة كخريطة وتفاصيل كاملة كدرس في كشف الجريمة. في أحلام الليالي السبع لم تكن صرخة ولا رجاء ولا محاولة لاستدرار شفقته.
ذلك لأن صاحب الحلم لا يريد شفقته، بل يريد منه أن يحقق الأمر.
كان هان تشونغ: الرجل الذي أحرق بيته وقتل زوجته وأولاده وقفز في البئر قبل خمسين عاماً؛ الرجل الذي ظلت سبع أياد تمسكه خمسين عاماً؛ الرجل الذي لبث في موته خمسين عاماً أخرى، حتى عجز عن الاحتمال، فصار يتخبط من قاع البئر ويعرض الأدلة واحدة واحدة أمام حاكم المقاطعة.
فهم غو وِنيوان فجأة لماذا أرسل هان تشونغ إليه. لم يكن هان تشونغ عاجزاً عن إيجاد غيره، بل كان ينتظر رجلاً يملك القرار. حاكم المقاطعة يملك القرار: يحفر الأرض، ويحقق في القضية، ويعلن للناس. يخرج العظام السبعة من باطن التراب، ويجعل أسماء الموتى السبعة تُنادى من جديد. انتظر هان تشونغ خمسين عاماً حتى جاء إلى تشينغبينغ حاكم جديد، شاب لا يطمع، دقيق في عمله. حاكم سيتحرى.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.