كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/21 · القسم الأول: رائحة العدل
الفصل السابق

21 · القسم الأول: رائحة العدل

ما وراء الليل

الفصل التالي

فوق جبل غوي كانت الغيوم تهبط واطئة. جلس تشيونغ تشي على القمة، وقد ضمّ جناحيه ليصدّ بهما الثلج والريح. كانت عيناه كهرمانيتين، وبؤبؤاه شقّين عموديين. في أسفل الجبل دخان مواقد، وبكاء، وضحك؛ أمّا هو فلم يتحرّك، بل ظل يراقب. راقبهم أعواماً لا يذكر عددها. الصخر وحده يذكر: ففي الصخرة التي جلس عليها حفرة حفرتها حرارة جسده.

هبّت ريح الغرب برائحة التراب الأصفر، فحرّك أنفه. كانت رائحة البشر؛ تكون طيبة أحياناً، وكريهة أحياناً أخرى. نفض الثلج عن جناحه الأيسر، وكان رمادياً مزرقاً، ريشه قاسٍ كصفائح الحديد. في الأسفل قرية صغيرة لا تتجاوز مئة نفس، يعرف أهلها لا بوجوههم بل بروائحهم: الصياد العجوز برائحة راتنج الصنوبر ودم الأيل، وجامع الأعشاب برائحة الجذور المرّة، والحدّاد برائحة الفحم والصدأ. كان يميّز الرائحة التي تخفّ، فهي رائحة من دنا موته، والتي تشتد، فهي رائحة قلب يتبدّل.

نهض تشيونغ تشي. كان أكبر من ثور، وعلى ظهره خطوط نمر سوداء فوق وبر أصفر، وله أربعة قوائم وأنياب ومخالب، وفوق ذلك جناحان. لم يكن نمراً تماماً ولا طائراً تماماً؛ كان تشيونغ تشي، أحد الوحوش الأربعة المشؤومة. وله قاعدة غريبة: لا يأكل إلا الخائنين وعديمي الوفاء. بعض أهل السفح يصدقون هذا وبعضهم لا يصدق، ولم يكن يعنيه الأمر. كان ينتظر فقط الرائحة التي يعرفها، الرائحة التي تشد حلقه وتُحكّ مخالبه وتدفع أنيابه إلى الخارج. لم تكن جوعاً، بل غضباً واشمئزازاً لا يعرف لهما اسماً.

في ذلك النهار لم تأتِ الرائحة. عاد فاستلقى، واضعاً ذقنه على كفّيه، ولفّ نفسه بجناحيه. نزل الثلج حتى بدا كصخرة بيضاء، ولم يبق ظاهراً إلا أذناه تتحركان أحياناً. كان يصغي إلى نداء الباعة وشجار الناس وضحكهم. ويميّز الضحك الصادق، الخارج من البطن، من الضحك المصنوع الذي يُعصر من الحنجرة. كان يكره الأخير، لكنه لا ينزل في النهار. النهار للبشر والليل له، وذلك قانون وضعه لنفسه، وسبب وجوده.

انشقّ الغيم، وسال ضوء القمر عليه. فتح عيناً واحدة ونظر إلى البدر، ثم أشاح؛ لم يكن يحب المرايا، لأنها تريه صورته: وحشاً ونذير شؤم. أطلق عواءً يشبه نباح الكلب فيرتد بين الوديان. لم يصعد أحد؛ فالجبل له، وهكذا قُسِم له منذ البدء: «على بُعد مئتين وعشرين ليّاً إلى الغرب يقع جبل غوي، وفيه تشيونغ تشي، جسد نمر وجناحان وصوت كنُباح الكلاب». قدر وقانون لا مهرب منهما.

وفي ليلة لاحقة استيقظ فزعاً على رائحة لم يشمّها قط: رائحة نظيفة، كندى الصباح وحبر مطحون لتوّه وفخّار خرج من الفرن. كانت أنظف من أن تكون من عالم البشر. وجّه أنفه شرقاً، صوب مدينة صغيرة صاخبة، مدينة ياو. ضاق حلقه هذه المرة لا غضباً، بل باضطراب غامض. فتح جناحيه، قفز من الصخرة، وحملته الريح فوق الجبال والأنهار والغابات حتى اختلط بالسواد.

حين اقترب رأى المشاعل فوق السور. حطّ في شقّ بين آجرّاته، فتتبّع الرائحة حتى بلغ داراً كبيرة تحيط بها جدران عالية وشوك حديدي وحرس: سجناً. صعد إلى سطحه، ولصق أذنه بالبلاط البارد، فسمع في الأسفل كلاماً واهناً مخلوطاً بالسعال. تطلّع من نافذة ضيقة ذات قضبان، فرأى رجلاً جالساً على قش، ثيابه ممزقة وشعره منفوش، في وجهه آثار دم، وفي يديه قيد وفي قدميه أغلال. غير أن عينيه كانتا صافيتين تماماً: لا حقد ولا خوف ولا ضغينة، بل سكينة. ارتجف ظهر تشيونغ تشي. عرف أن هذا الرجل لا ينبغي أن يكون هنا.

مرّ حارسان يحملان مشعلين، فقال أحدهما: «ألم يعترف ذلك العجوز بعد؟» وقال الآخر: «بماذا يعترف؟ لا تستطيع أن تفتح فمه. ووزير الأشغال الأعلى مصرّ على انتزاع إقراره؛ لو أراد قتله لفعل». رد الأول: «يريد إقراره ليسكت أفواه الناس». لم يفهم الوحش كل الكلام، لكنه شمّ فيهما الرائحة النتنة ذاتها؛ رائحة الخيانة وانعدام الوفاء. غاصت مخالبه في البلاط فتشقق.

انتظر حتى هدأ المكان، وبعد الضربة الثالثة لخشبة الساهر نزل إلى الفناء صامتاً. لم يفتح القفل؛ دار إلى الجدار الخارجي وغرس مخلبه فيه، وانتزع لبنة ثم أخرى حتى صنع فتحة تكفي إنساناً. نهض الرجل على صوت السلاسل، ونظر إلى النمر ذي الجناحين. لم يصرخ ولم يهرب. وقف الاثنان متقابلين من خلال الفتحة.

ركع الرجل ببطء، وقال بهدوء: «أجئت لتأكلني؟» هزّ تشيونغ تشي رأسه نفياً. قال الرجل، وقد برق ضوء صغير في عينيه: «أم جئت لتنقذني؟» هزّ الوحش رأسه مرة أخرى. لم يعرف لماذا أتى. ابتسم الرجل ابتسامة بالكاد تحركت فيها شفتاه: «إذن جئت لتراني؟» لم يجب الوحش؛ استدار خطوتين ثم عاد، ورفرف بجناحيه مشيراً إليه أن يتبعه.

زحف الرجل عبر الفتحة، والسلاسل تجرجر خلفه. مشى تشيونغ تشي ببطء من أجله؛ كان الرجل يتألم في كل خطوة لكنه منتصب الظهر، لا كأسير بل كقائد. عند السور بسط الوحش جناحيه على الأرض، ففهم الرجل وصعد إلى ظهره متردداً. أقلع تشيونغ تشي به فوق السجن والسور والخندق، طائراً نحو جبل غوي. كان الحمل ثقيلاً عليه، إذ لم يحمل أحداً من قبل، لكنه لم يبطئ.

قبل الفجر حطّ به فوق القمة. نزل الرجل من ظهره، وسأل: «ما اسمك؟» فلم يصدر عن تشيونغ تشي إلا عواء. قال الرجل: «أنت تشيونغ تشي، أحد الوحوش الأربعة المشؤومة. لكنك أنقذتني». لم يقرّ الوحش ولم ينفِ، إذ لم يعرف أكان ما فعله إنقاذاً أم لا. ثم قال الرجل: «اسمي بو يي، وأنا من رجال شون العظيم». لم يعرف الوحش بو يي ولا شون؛ عرف فقط رائحته الصافية.

بدأ الشرق يبيض، وقال بو يي وهو ينظر إلى دخان المواقد أسفل الجبل: «عليّ أن أعود. اتهموني زوراً؛ فإن هربت ثبتت التهمة. سأعود حتى يحقق شون في الحقيقة». أطلق تشيونغ تشي أنيناً خافتاً؛ العودة تعني السجن والأغلال والروائح الكريهة. مدّ بو يي يده ولمس وجهه قائلاً: «شكراً، مهما كان سبب مجيئك». ثم مضى هابطاً، وسلاسله ترسم أثراً في التراب. جلس تشيونغ تشي في موضعه تحت الشمس، عاجزاً عن فهم ما في صدره.

عندها نزل صوت إمبراطور السماء من داخل عظامه، كإبر لا تُحتمل: «تشيونغ تشي، هل تعرف بو يي؟ إنه خادم شون، حافظ الجبال والأنهار، راسم خرائط العالم، ومسجّل أسماء الكائنات. يعرف مواضع الجبال ومسارات الأنهار وكل أسرار الأرض، ومنها موضع دفن الأداة المقدسة». ارتعدت أذنا الوحش.

قال الصوت إن الأداة ولدت من نارٍ في الفوضى الأولى، قبل انفصال السماء عن الأرض وتسميّة الشمس والنجوم. ليست بمعدن ولا بحجر، لا حارة ولا باردة ولا مضيئة ولا مظلمة، لكن قربها يحرّك الجبال ويحوّل مجاري الأنهار وينبت الخشب الميت ويجعل الموتى يتكلمون. رأى تشيونغ تشي رائحتها صغيراً حين أخذته أمه إلى مخبئها، لكنه لم يخبر إمبراطور السماء. وعند انفصال السماء والأرض تمزقت الأداة إلى شظايا تفرقت في الجهات، لكل منها قوة، ولم يعرف مواضعها جميعاً أحد إلا بو يي: تحت صخور البحر الشرقي، وعلى قمم كونلون الثلجية، وفي غابات الجنوب الخانقة، وفي كهوف بحر الشمال المتجمدة.

اختار إمبراطور السماء بو يي لأنه نقي لا يخفي شيئاً ولا يطمع في القوة، لكنه ظل يخشاه لهذا السبب عينه ويراقب قلبه، منتظراً فيه ذرة كدر، فلم يجدها سنة ولا عشراً ولا عمراً. ثم قال الصوت، ناعماً كنصل يشق الحرير: «هناك من يريد سرقة الأداة؛ افتروا عليه ليأخذوا ما يحرسه. اذهب وكل من افترى عليه. نفّذ الحكم، فهذا هو عملك».

وقف تشيونغ تشي مرتجفاً. كان دائماً قاضياً يأكل غير الأوفياء، لكنه لم يعرف قط معيار الحكم. الآن سمّى له الإمبراطور هؤلاء. نشر جناحيه ولم يطِر حالاً؛ وقف طويلاً في الريح، ثم اتجه إلى المدينة.

# القسم الثاني: السكين الذي صار له قلب

طار تشيونغ تشي هذه المرة نهاراً، فرآه الناس: نمر له جناحان في السماء، فصرخوا وأغلقوا أبوابهم. لم يلتفت إليهم، بل هبط في دار الوزير الأعلى، حيث تشققت ألواح الفناء تحت مخالبه. خرج الوزير بثوب فاخر ووجه شاحب وعينين لا تكفان عن الدوران، وفتح فمه ليستدعي رجاله، لكن الوحش انقضّ عليه قبل أن يخرج صوت. ثم تتبّع الرائحة نفسها إلى الثاني والثالث والرابع، وإلى كل من شارك في افتراء بو يي. لم تخدعه حاسة شمّه؛ كانت رائحة الخيانة غليظة حتى أغثته.

كان يعضّ ويمزّق ويأكل، وفي كل عضّة يطعن شيء صدره. لم يكن ذلك شفقة؛ بل لأنه اكتشف، مرعوباً، أنه يستمتع بحرارة التمزيق والمضغ. كان هذا أكثر ما يخيفه: أن تكون البهجة عند القتل طبيعته الحقيقية. ومع ذلك أطاع، فهذا أمر إمبراطور السماء ومهمته. وحين سقط الأخير، وقف وسط الفناء، وفمه أحمر ومخالبه دامية وريشه ملطخ بقطع اللحم، وعوى نحو سماء رمادية لا يعرف أسمعه الإمبراطور أم لا.

ثم سمع وقع القيود. كان بو يي عند البوابة، وقد رأى الدم وما على فم تشيونغ تشي. بقيت عيناه صافتين، لكن شيئاً جديداً ظهر في صفائهما. اقترب، داس بركة الدم، ورفع يده البيضاء فمسح الدم عن زاوية فم الوحش. ارتجف تشيونغ تشي كله وخفض رأسه، كأنه لا يقدر على النظر إلى تلك العينين. قال بو يي: «أكلتهم من أجلي. أنت سكين إمبراطور السماء. شكراً لأنك نفذت الحكم، لكن ذلك ليس خطأك». أنَّ الوحش. لكنه عرف في قلبه أن الأمر خطؤه أيضاً، لأنه أحسّ اللذة.

وصل شون العظيم مع جنوده ووزرائه. نظر إلى قيود بو يي وأمر باعتقال الوزير الأعلى، غير أن الرجل ورجاله كانوا قد ماتوا. ثم واجه تشيونغ تشي. كانت عيناه عميقتين كالبئر القديمة، لا حارقتين كعيني الإمبراطور ولا صافيتين كعيني بو يي. قال: «سمعت بك، أيها الوحش. أرسلك إمبراطور السماء قاضياً، لكن القاضي لا يفهم قوانين البشر. عد إلى جبلك». طار تشيونغ تشي، والدم يقطر من جناحيه، ولم يلتفت؛ خاف أن يرى عيني بو يي مرة أخرى.

عاد ليلاً إلى صخرته، وظل يلعق مخالبه حتى زال الدم ثم زال الشعر وبلغ الجلد، لكنه لم يطهر في شعوره. وفي الغد انشقت السماء ونزل إمبراطور السماء نفسه: شيخ أبيض الشعر واللحية في ثوب بسيط، وعيناه ذهبيتان كقطعتين من نحاس محمّى. قال: «عصيت أمري. كان ينبغي أن تأتيني ببو يي، حارس الأداة المقدسة، لا أن تعيده إلى البشر. أعطيتك مهمة واحدة: أن تأكل غير الأوفياء. لكنك صرت تحكم بنفسك فيمن هو وفيّ ومن هو خائن. كيف تجرؤ؟ أنت سكين، والسكين لا ينبغي أن يكون له قلب».

رفعته قوة من الأرض، فتمزقت أجنحته ألماً. أخذ الريش يتساقط، صغيره ثم الكبير، كالثلج الرمادي، ثم انشقّ الجناحان من الجذور. لم يستطع العواء؛ سمع لحمَه وعظمَه يتمزقان. سقط الجناحان على الصخر فتحولا إلى صخرتين رماديتين نقشهما نقش الريش. هوى تشيونغ تشي على ظهره ذي الحفرتين المكشوفتين، وسال دمه على الأرض.

قال الإمبراطور وهو يدير ظهره: «من الآن فصاعداً تزحف كالحشرة. ستظل قاضيّ، لكنك ستطوف الأرض على أربع. اذهب وكل من ينبغي أكله، وتذكّر أنك سكيني». عاد إلى شق النور وانغلق الشق. بقي تشيونغ تشي مع الألم. لم يبك؛ فالوحوش لا تبكي، ولم يستطع حتى أن يعوي. ظل يوماً كاملاً على الصخر، ثم نهض وهو يتشنج، وأخذ يمشي بخطوات بطيئة لا يعرفها، إذ كان قد اعتاد الطيران. قبّل بصوته صخرتي جناحيه الباردتين، ثم انكمش إلى جوارهما.

قبيل الفجر نهض، لا ليقضي حكمه، بل ليجد بو يي. انحدر من جبل غوي وهو ينزلق على الحجارة فتتمزق جراحه، إلا أنه اتبع الرائحة النظيفة حتى وجده عند جدول يغسل وجهه. بقيت حول كاحليه حلقتان من الحديد بعد أن انكسرت قيوده. رأى بو يي الجراح والظهر الخالي، وفهم كل شيء. ركض وركع أمامه، ووضع يده على وجهه الملطخ بالتراب والدم. قال، وقد ارتجف صوته للمرة الأولى: «لقد أخذ جناحيك».

ألصق تشيونغ تشي وجهه بكفّه، وعوى عواءً مبحوحاً. سأله بو يي ما المطلوب منه، فأظهر الوحش أنيابه ومثّل العضة، ففهم: «يريدك أن تبقى قاضياً. ينبغي أن تواصل ذلك؛ عقاب الخائنين ليس خطأ. الخطأ أنه انتزع جناحيك. فإن لم يعد بوسعك الطيران، فامشِ وافعل مهمتك». ثم قال وهو ينظر إلى السماء: «سأعود لرسم الخرائط وتسجيل الجبال والأنهار وحراسة ما يجب حراسته. لكل منا مهمته». مسح رأس الوحش، فاحتك تشيونغ تشي بساقه ثم عاد متألماً إلى طريقه.

لكن الظلام نزل فجأة، أعمق من الليل. انشقت الأرض تحته وابتلعته. سقط إلى قاع صخري، فانفتحت جراحه، ثم أطبقت الفتحة حتى اختفى النور. جاءه صوت الإمبراطور من كل صخرة: «ظهورك بين البشر عار عليّ؛ وحش مجنح مُنع جناحاه لا ينبغي للناس أن يروه. أسجنك ألف سنة، ثم تخرج لتكمل المهمة». بقي وحيداً في حجرة ضيقة لا تتسع إلا لدورانه، بلا ضوء أو ريح أو صوت سوى قلبه وألمه.

حاول أن يحفر حتى بليت مخالبه من غير أن تترك الصخرة أثراً. تساءل كم يبلغ ألف عام؛ فعمره حتى ذلك الحين لم يبلغ آلافاً. استلقى كما كان فوق جبل غوي، ثم هدأ تدريجياً. في العتمة استعاد الريح والثلج والدخان وعيني بو يي ويده وصوته. عرف أن البشر لا يعيشون قروناً، لكنه ظل يتساءل أيرسم بو يي الخرائط بعد، وأيّ يد ستخلفه في حراسة الأداة.

وفهم أخيراً أن صفاء بو يي لم يكن هبة بلا ثمن، بل شيء اكتسبه في الظلام: حين اتُّهم، وحين جرّ أغلاله، وحين اختار كل مرة الطريق النظيف. وكان تشيونغ تشي يعلم الآن أنه هو أيضاً يملك قلباً؛ يعرف الألم ويعرف ما هو نقي وما هو قذر وما يستحق أن يؤكل. وكان ذلك خطيئته في نظر الإمبراطور، لكنه لم يندم.

شقّ على الجدار علامة بمخلبه، ثم جعلها يوماً. يعد نبضات قلبه حتى رقم اختاره، ثم يحفر خطاً: في السنة الأولى ثلاثمئة وخمسة وستين خطاً؛ وفي العاشرة ثلاثة آلاف وستمئة وخمسين؛ وفي الخمسين امتلأ جدار فانتقل إلى آخر. بعد مئة عام استوت مخالبه، فحفر بأنيابه حتى قصرت. وصار أعمى من طول الظلمة، لكنه صار يسمع قطرة الماء في باطن الصخر وحركة الحمم في أعماق الأرض.

وفي العام الخمسمئة أخذ يحدّث الصخور: «خط اليوم مائل»، «أمات بو يي؟ لا يعيش البشر خمس مئة عام»، ثم يجيب نفسه: «لا أعلم». وفي العام الثمانمئة أحسّ حكة في حفرتي ظهره؛ شيء لين ينمو. كان جناحين جديدين. لمس ظهره كل يوم، حتى ظهرت ريشات صغيرة كالعشب، ثم اكتمل الجناحان في العام التسعمئة. لم يكونا كالسابقين؛ كان ريشهما ليناً كريش طائر عادي، ولم يقدر إلا على الارتفاع أقداماً قليلة في سجنه. عرف أن هذا ثمن السجن.

وفي آخر يوم من السنة الألف حفر آخر علامة، ثم سمع الصخر فوقه ينشق. لم ير النور، لكنه أحس بحرارته على جفنيه. ارتفع ببطء، منخفضاً عن الأرض، ثم طار عبر الشق إلى السطح. لفحته الريح والبرد، وعرف العشب والطين والماء وأصوات الطيور والبشر: العالم باقٍ. عاد الشق واختفى الكهف بكل خطوطه، ولم يبق شاهداً على الألف عام إلا هو.

# القسم الثالث: حارسٌ من حجر

مرّت أزمنة كثيرة، ونسي الناس تشيونغ تشي. صار أحد الوحوش الأربعة حكاية يهدد بها الكبار الصغار: «إن لم تطع جاء تشيونغ تشي فأكلك». وكان يمشي في الطرق وعيناه مغطاتان ببياض العمى، لكن أنفه صار أبصر من عينيه. لا تزال رائحة الخيانة تشد حلقه وتحك مخالبه؛ يجد أصحابها في الليل وبعيداً عن العيون، فيحكم فيهم كما كان. لم يعد يطير عالياً، بل ينساب فوق الأرض كخفاش ضخم. رآه بعضهم في الغسق أو الضباب، نمراً ذا جناحين يمر بلا صوت في آخر الزقاق، فخافوا أو سجدوا أو حسبوه وهماً.

ذهب مرة إلى موطن بو يي، فلم يجد رائحته؛ كان قد مات منذ عهود. لكن في ذريته بقايا خفيفة من الرائحة النظيفة، تضعف جيلاً بعد جيل ولا تنطفئ. ظل على سطح في تلك المدينة زمناً كما كان على قمة غوي، ثم غادر ولم يعد. وهرم: ابيضّ وبره، تراخت أنيابه، وكلّت مخالبه، وصار يمشي أبطأ ويطير أخفض، فيما بقيت حاسة الشم يقظة.

وذات يوم كان يشرب من ماء النهر الأصفر العكر، فسمع الصوت الذي يرعد في العظم، لا من السماء بل من قاع النهر: «تشيونغ تشي، شخت. انتهى عقابك. عد إلى البلاط السماوي وسأمنحك جناحين جديدين». تحرك قلب الوحش عند الوعد، ثم قال بصوته الخشن لأول مرة مخاطباً الإمبراطور: «لا حاجة. لدي جناحان، وإن كانا لا يبلغان بي عالياً، فهما يكفيان. ما حاجتي إلى علوّ أكبر؟ ما زلت أستطيع الحكم، على الأرض أو في الهواء سواء. ما زلت أجد غير الأوفياء وآكلهم».

ساد صمت طويل، ثم صعدت قوة من الماء إلى عظامه. احترق موضع الجناحين، وأضاء الريش، ثم صار صلباً كصفائح الحديد، يلمع طرفه ببرد. رفرف فارتفع فوق الشجر والسطوح والجبال، لا ارتفاعاً منخفضاً بل طيراناً حقيقياً. لم ير السماء بعينيه، لكنه أحسّ الريح والسحاب فيها وعوى عواءً كالرعد. ثم هبط ولم يشكر؛ لم يكن يطلب فضلاً، بل يؤدي ما اختاره.

وبعد أعوام أخرى بقي بين الناس رسمٌ لا يعرفون أصله: وضعوا عند القبور وحشاً حجرياً جسده جسد نمر وظهره مجنح، جالساً وعيناه إلى البعيد، سموه «وحش حراسة القبر» ليردع الأرواح الشريرة ويحرس الموتى. كان تشيونغ تشي يمر بالمقابر ويشم الحجر الذي لا رائحة له، ويدرك أن تلك صورته. يجلس قبالة التمثال في الوضع نفسه، ثم يطوف حوله ويمضي. وحش مشؤوم أو نذير كارثة أو تمثال قبر، الأمر عنده سيّان. كان فقط يحكم.

وفي الليالي النادرة يتذكر بو يي؛ فهو الإنسان الأول الذي رآه ككائن حيّ يتألم، لا وحشاً ولا أداة ولا إلهاً. لم يعرف اسم الأداة التي حرسها بو يي ولا صورتها ولا أين صارت، لكنه عرف أنها لا بد أن تبقى في موضع ما، تنتقل حراستها كما تنتقل رائحة بو يي في نسله.

وفي ليلة على قمة جبل مجهول شاخ تشيونغ تشي حتى صار لا يكاد يسير؛ تساقطت بعض أسنانه وكلّت مخالبه. نهض مع ذلك ليتبع رائحة خيانة، فإذا ببرق يشق السماء ويضيء صخرة أخرى. كان في شقها شيء لا هو حجر ولا شجر ولا حي، تفوح منه رائحة باهتة. اقترب فتجمد: إنها رائحة بو يي، لا بو يي نفسه بل شيء لمسه. عرف أنها شظية من الأداة المقدسة، مخبأة في جبل غوي، في موضع جلوسه القديم.

استلقى حولها وغطاها بجناحيه في المطر الغزير، كما يغطي تمثال الحراسة قبراً. ظل ثابتاً كصخرة حتى انقشع الغيم وطلع القمر. ثم حفر بمخالبه وجمع الحصى فوقها حتى اختفت تماماً. لم يسأل نفسه أهو ترتيب أم مصادفة؛ شعر فقط أن عليه الحراسة. نزل ببطء نحو قرية في السفح، حيث شم رائحة خيانة، فذلك أيضاً مهمته. صار قاضياً وحارساً، لا بأمر الإمبراطور أو بو يي بل باختياره.

وكانت الريح تمر فوق كومة الحصى. لو ألصق إنسان أذنه بها لربما سمع خفقة ضئيلة في العمق، كنبض قلب الوحش.

وبعد زمن لم يعد أحد يذكره. في قرية الجبل سُحب رجل ليلاً من بيته، ووجدوه صباحاً عند المدخل ميتاً، فمه مفتوح وعيناه جاحظتان. لم تبك زوجته إلا قليلاً. ثم عرف الناس أنه باع أرض الأسرة خفية للمقامرة، وحين خسر باع ابنته. لم تكن زوجته تجرؤ على الكلام ولم تكن القرية تعلم، لكن تشيونغ تشي علم. رآه شخص ظلاً أسود يخرج من القرية بطيئاً أعرج، جناحاه يجرّان وراءه وريشه يتساقط. كانت آخر مرة شوهد فيها هناك.

لم يمت، لكنه لم يعد قادراً على السير. وجد كهفاً عميقاً في جبل غوي، يستره اللبلاب، لا يتسع إلا لجسده. يشرب الماء الناز من الجدار ويأكل عشب المدخل؛ لم يترك اللحم رغبةً بل عجزاً عن صيد شيء. مرّت فصول تخضر فيها الكروم وتصفر ثم تخضر. سمع يوماً مسافرين يقولون: «هذا الجبل عميق، لنذهب، لا شيء فيه»، فصمت ولم يرد أن يراه أحد. صار عجوزاً لا يشبه تشيونغ تشي.

وفي ليلة أيقظته رائحة خفيفة جداً مرت من فم الكهف: رائحة بو يي، أو رائحة الشيء المدفون. اضطرب. لم ير بعينيه، لكنه أحس أن الشظية تتحرك في باطن الأرض. نهض بصعوبة، شق اللبلاب برأسه، وصعد نحو القمة تحت ضوء القمر. كانت الحصى في مكانها، لكن الرائحة تغيرت: لم تشتد فقط، بل صارت حادة كخمر معتقة. حفر طول الليل حتى لمس الشيء، فإذا هو حار بحرارة تنبع من داخله كحرارة حي. احتضنه كما فعل في ليلة المطر.

هذه المرة كان الشيء يشع. لم ير النور بل أحس بالحرارة تزداد، ثم سمع في قلبه صوت بو يي، خفيفاً كريشة تقع على الماء: «تشيونغ تشي. لقد حَرست أعواماً كثيرة». جمد الوحش. لم يكن بو يي، لكنه صوت يحاكيه. سأله الشيء: «أتريد معرفة اسمي؟» هزّ تشيونغ تشي رأسه: «لا. وعدت بو يي ألا أسأل عن اسمك أو قوتك أو وجهتك». قال الصوت: «بو يي لم يعد». أجاب: «أعرف. لكن نسله باق».

قالت الشظية إن بو يي أخفاها كي لا يجدها الناس، أما هو فغطاها كي لا يبللها المطر، فقال تشيونغ تشي: «لا أعرف كيف تكون الحراسة. أنا فقط لا أستطيع الرحيل». وسألته: «أنت لا تدين لبو يي ولا لي بشيء، فلماذا تبقى؟» دفن أنفه قربها وتذكر بو يي في الماضي، وتذكر عبارة لم يفهمها إلا بعد طول عمر: «نحن حليفان». قال أخيراً: «أشعر أنه لو كان حياً لأراد أن يبقى أحد هنا».

تنهد الصوت كريح في صنوبر وقال إن نقاء بو يي قصير العمر كعمر البشر، لكنه أنقى حتى مما أدهش إمبراطور السماء. ثم قال: «أتريد أن تراني؟ ليس بعينيك». وافق الوحش. فظهر له نور القلب، لطيفاً دافئاً كعيني بو يي وكوعاء الماء وظهيرة الكهف. رأى هيئة باهتة بثياب بو يي وعينين صافيتين، ابتسمت وقالت: «شكراً لك». سألها تشيونغ تشي: «لماذا اتخذت صورته؟» قالت: «لأنه الشخص الوحيد الذي لم تنسَه».

# القسم الرابع: الاختيار الأخير

قالت الهيئة: «سأرحل، لا مغادرةً بل تفرّقاً. لكل شظية من الأداة بعد التمزق مصير: منها ما عُبد، ومنها ما دُفن، ومنها ما صُهر سلاحاً أو طُرح مهجوراً. أما أنا فسأصير جزءاً من السماء والأرض». سأل تشيونغ تشي بقلق: «بعد ذهابك، هل تبقى رائحة بو يي؟» فضحكت الهيئة برفق: «رائحة بو يي زالت منذ زمن؛ ما تشمه هو رائحة ذاكرتك، رائحتك أنت».

وضعت يدها كنسمة فوق رأسه، وقالت: «لك خيار أخير: تفرّق معي. انتهت مهمتك، فلا تحكم ولا تحرس ولا تعش». كان قد صار عاجزاً تقريباً، وكان التفرّق راحة وسلاماً. لكنه هزّ رأسه: «لا. بقي عمل. شرقاً، على مسافة ثلاثمئة ليّ، قرية تفوح منها رائحة خيانة كثيفة». قالت: «ساقاك عرجاوان وأسنانك ومخالبك كليلة، وقد لا تعود». قال: «أعرف». ولما سألته لماذا، استقام على رجليه المرتجفتين وقال: «أنا قاضٍ؛ وهذا اختياري».

تراجعت الهيئة، ثم سطعت حتى غدت نقاطاً صغيرة تذروها ريح الصباح. تفرقت الشظية في السماء والأرض، ولن يستطيع إمبراطور السماء جمعها أبداً. وقف تشيونغ تشي فوق القمة؛ اختفت رائحة بو يي والأداة، ولم يبق إلا عشب وتراب وندى ورائحة الخيانة الآتية من الشرق. توقف عند كومة الحصى وشمها، ثم مضى بلا تردد.

وقرب السفح سمع من الغرب صوتاً دقيقاً كصراخ رضيع. عرف أنه صوت صغير وحش، لا طفل. كان أمامه طريقان: في الشرق خائن يستحق الحكم، وفي الغرب صغير مجهول يحتاج إلى حراسة. لم يعد جسده قادراً على أن يكمل المسافتين؛ إن قطع ثلاثمئة ليّ شرقاً فلن يرجع إلى جبل الغرب. وقف طويلاً بين ريحين.

وفي الليلة الثالثة مات رجل في القرية الشرقية داخل فناء بيته. وجد القرويون آثار قدم حيوان عظيم، وفي وسطها خط جرّ، كأن ساقه لا تعمل جيداً. ولم يكن حولها إلا زوج واحد من الآثار. قال أحدهم: «ما هذا؟» ولم يجبه أحد.

هنا توقفت مِنغ تشانغ عن الحفر في ألواح الخيزران. كانت يدها قد كلّت، والنهار يميل إلى الغروب. جاء سؤال من زاوية الغرفة، حيث جلس رجل يلفه جلد وحش ويخفي الظل وجهه: «وماذا حدث بعد ذلك؟» أجابت: «لم يظهر في تلك القرية شرير بعد ذلك. ثم وجد الناس في كهف غربي جبل غوي وحشاً جديداً: جسد نمر وجناحان، لكنه في حجم الكف، صوته كصوت الرضيع وجناحاه أصلعان بلا ريش. أسموه تشيونغ تشي الصغير، لكننا نعرف أنه ليس تشيونغ تشي الحقيقي».

سأل الرجل: «وأين الحقيقي؟ أمات؟» قالت مِنغ تشانغ: «لا أدري. يقول بعضهم إنه مات في الشرق، ويقول آخرون إنهم رأوا ظل جناحين في كهف الغرب. لكنه اختار، بين الحكم والحراسة، الحراسة». قال الرجل: «ولِمَ؟ الحكم طبيعته، وهو وحش مشؤوم». أخذت قلم الحفر ونقشت السطر الأخير: «لأنه شاخ؛ الحكم يحتاج قوة، أما الحراسة فلا تحتاج إلا قلباً».

نهض الرجل فانزلق جلد الوحش عن وجه شاب له عينان صافيتان كعيني بو يي، تشبهان عيون كثيرين ولا تشبهان أحداً. قال إن القصة جميلة، وإنه ينتظر تشيونغ تشي أيضاً. تعجبت مِنغ تشانغ. قال: «في دمي مهمة: أحرس شيئاً، تنتقل من جيل إلى جيل حتى وصلت إليّ». سألته ما الذي يحرسه، فلم يجب، بل ابتسم وخرج إلى الليل. تذكرت مِنغ تشانغ كلمة الحليف؛ كان بو يي وتشيونغ تشي حليفين، فهل هي وهذا الشاب كذلك؟ لم تعرف.

أشعلت مصباح زيت، فتوهجه الضعيف أضاء الغرفة المملوءة بالألواح والحكايات والوحوش. خرجت حاملة المصباح في طريق جبل غوي، تمشي ببطء لكن بعزم. الجبل والنجوم والقمر والريح لم تقول شيئاً. وعلى القمة، تحت كومة الحصى، كان شيء يضيء ضوءاً ضئيلاً؛ لم تعد الأداة فهي قد تفرقت، بل شعرة بيضاء تركها تشيونغ تشي، صبغها الزمن ذهبية باهتة. كانت تضيء مثل مصباح مِنغ تشانغ، خافتة لا تنطفئ.

وفي آخر الفصل كتب شارح قديم: «تشيونغ تشي، في جبل غوي، جسد نمر وجناحان، يأكل غير الأوفياء، ثم لا يُعرف موضعه؛ قيل صار وحش حراسة حجرياً، وقيل صار وحشاً جبلياً صغيراً، ولا يعلم أي القولين أصح». وتحت ذلك حاشية بخط رديء: «سمعت من صيادي جبل غوي أنه عند محاق كل شهر يظهر في القمة ضوء كمصباح؛ ومن بعيد يبدو نمر جالس بجناحين، رافعاً رأسه إلى القمر، كأنه يحرس أو ينتظر. ويقال إن تشيونغ تشي لم يرحل، بل يحرس ما اختاره قلبه، وينتظر من ينتظره».

تهب الريح من جبل غوي فوق وحوش الحراسة الحجرية عند القبور. وراءها غابة صنوبر وسرو، وفيها قبر مجهول يحمل لوحاً بلا اسم، عليه: «لا تابوت هنا، بل قبضة من تراب قديم؛ وفوقها في ليل بارد نمر مجنح حرس مصباحاً صغيراً». لا يعرف أحد صاحب القبر، لكن كل من يمر به يشعر أن مصباحاً ينبغي أن يكون هناك، مضيئاً جداً، وقلباً لا يتوقف عن الخفقان.

*نهاية الحكاية — سجل الوحوش الغريبة من كتاب الجبال والبحار، المجلد الأرضي، الحكاية التاسعة: «تشيونغ تشي له جناحان»، الاختيار الأخير للوحش ذي جسد النمر.*

*الحكاية التالية: ينغ جاو يطوف السماء — الحصان ذو الوجه البشري وحراسته الأبدية.*

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.