في شمال البرية الكبرى قام جبل تشنغدو زايتِيَان. كان من العلو بحيث تغرز خاصرته في بحر السحاب، فيما تقيم قمته فوقه، في ضوء لا ينقطع وثلج لا يذوب. لم ينبت عليه عشب؛ إنما صخور حمراء قاتمة، طبقات فوق طبقات، كأنها مذبح من عهد الفوضى الأولى. وفي ذروته غَوْرٌ على هيئة جسد عملاق اضطجع هناك حقاً.
كان كوافو يسكن ذلك الغور. لم يكن في البرية رجل أعظم منه: الجبال العادية لا تبلغ ركبته، وإذا انتصب أدخل رأسه في أعالي السحاب، واستنشق صفاء السماوات التسع ونظر إلى الأنهار والجبال التي لا تنتهي. كانت حول أذنيه حيّتان صفراوان، غليظتان كالأشجار العتيقة، وعلى ساعديه حيّتان أخريان أثقل منهما؛ تقيم الحيّات الأربع معه، تلمع حراشفها كالذهب وتلعق ألسنتها الحمراء ريح العلو.
لم يكن كوافو يعدّ نفسه وحيداً. معه رفاقه الأربعة، وفوقه الشمس والقمر والنجوم، وتحته العالم. وكان يجلس عشرات السنين على القمة، يراقب الشمس تنهض من يانغ غو في الشرق، وتقطع السماء، ثم تهبط إلى يو غو في الغرب، في طقس أقدم من الكلام.
استيقظ ذات يوم من نوم دام مئة عام. مدّ جسده، فطار ثلج القمة في عاصفة، ثم قال لنفسه بصوت كالرعد من جوف الأرض: «نمت مرة أخرى. ما دامت الشمس في السماء، فكل شيء بخير.»
لكن الشمس ذلك الصباح لم تنهض كما ينبغي. كانت تجرّ نفسها، وترتجف كطائر عظيم قُيّدت أجنحته. ثم اجتازت وسط السماء متأرجحة، يضيء نورها ويخبو، وعلى أطرافها بقع حمراء داكنة تتسع كجروح متعفنة. وحين بدأت تهوي لم يكن ذلك ميل الغروب الطبيعي، بل سقوطاً خارج السيطرة، كيد خفية تجرّها إلى الأرض.
رأى كوافو، بعينيه اللتين تخترقان الضباب والمسافات، أن تيارات السماء التي تحفظ مسار الشمس قد اضطربت؛ تصادمت ودوّرت نفسها، فضاعت الشمس عن مدارها. ثم ألقى بصره في باطن الأرض، فوجد جذور جيانمو المقطوعة تتلوى في الأعماق. كان جيانمو شجرة الوصل بين السماء والأرض والبشر، وكانت الأباطرة الثلاثة فو شي ونووا وشِن نونغ يعبرون عليها، إلى أن قُطعت يوم فُصلت السماء عن الأرض. بقيت جذورها في الطبقات التسع السفلى، وفيها روح هائلة تحفظ نظام العالم. والآن كانت تلك الروح مضطربة.
فهم العملاق: إذا سقطت الشمس، غَرقت البرية الكبرى في ظلام وبرد لا آخر لهما، وماتت الكائنات وتجمدت الأنهار والجبال. عرف أيضاً ما يستطيع فعله: أن يطارد الشمس، وأن يحملها إن أدركها. وعرف الثمن؛ فشمس العالم أصل النار والضوء، ولا جسد، ولو كان جسده، يصبر على حرّها طويلاً.
نظر إلى الحيّتين على ذراعيه وإلى الحيّتين عند أذنيه، فحدّقت فيه أربع عيون. قال: «فهمت.» ثم دخل كهفه وأخذ عصاه السوداء، طولها مئات الجانغ وغِلظها جبل، محفورة كحلقات شجرة وكتعاويذ قديمة. كانت فرعاً من جيانمو التقطه حين سقطت الشجرة في شبابه؛ لا يبلى، صلب كالحديد وخفيف كالريش.
كانت الشمس قد اقتربت من الأرض. سمع كوافو أمواج النار تضرب السماء، ورأى الأنهار تتبخر والغابات تجف والوحوش تهرب من أوكارها. تنفّس، فابتلع الضباب كله في صدره، وخطا. قطعت خطوته الأولى مئة ليّ، ثم الثانية والثالثة. تزلزل جبل تشنغدو زايتِيَان وراءه وانحدر ثلجه انهياراً، أما هو فلم يلتفت.
انتشر خبر مطارد الشمس في البرية. رأت القبائل عملاقاً تمسك أذنيه ويديه أفاعٍ ذهبية، وفي يده عصا سوداء، يعبر الجبال والأنهار ويغطي نصف السماء بظله. ركع الناس مذعورين؛ أما الشامانات العجائز فقد قرؤوا في تشققات عظام السلاحف أن الشمس تهوي وأن العملاق ذاهب لإنقاذها.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.