ركض كوافو إلى الشرق ثم نحو الجنوب الشرقي، حيث تتجه الشمس الساقطة إلى بقايا الفوضى الأولى: أرض من جبال مكسرة ومجاري جافة وتربة سوداء لا تنبت شيئاً، حتى الريح تموت فيها. كانت قدماه تدويان كالرعد، وكان هواؤه الأمامي يتصلب حائطاً لا يرى، فيحطمه بصوت يسمعه الناس على مسافة مئة ليّ.
مرّ بجبل تشينغ تشيو، حيث كانت الثعالب ذات الذيول التسعة تقيم شعيرة. رأت الثعلبة الأقدم ظله فصرخت: «أخرجوا أحجار الروح، أقيموا حاجز الجبل!» لكن الحاجز لم يكتمل حتى عبر كوافو فوق القمة. لم يدسها، غير أن ريح قدميه بعثرت الأحجار وحملت صغار الثعالب في الهواء؛ فلفّت العجوز ذيولها التسعة حولها وأنقذتها، ثم قالت وهي تنظر إلى أثره: «لا تلوموه. إنه يفعل أمراً عظيماً.»
كانت حرارة الشمس تقترب. احمرّ جلد العملاق ثم انتفخ وتقرّح، كأن آلاف السكاكين المحماة تقطعه. وعند نهر وي، صار حلقه ناراً. جثا ووضع وجهه في الماء؛ وما إن لامست شفتيه الماء حتى صار بخاراً أبيض. فتح فمه، فهبط النهر أقداماً، وانصبّ فيه عمود ماء غليظ كجبل، بطينه وعشبه وسمكه. شرب كوافو نهر وي كله؛ ظهر قاعه، وماتت الأسماك التي لم تلحق بالحفر في الوحل، واصفرت أشجار الضفتين.
لكن ريّاً كهذا لم يدم إلا لحظة. كانت الشمس تبخّر الماء من مسامه، فصار في غيمة من البخار. قال بصوت مخدوش: «لا يكفي.» ثم بلغ النهر الأصفر. انحنى فوقه وشربه أيضاً، حتى انقطع مجراه وجفّ طينه نفسه. جلس أهل الضفتين في القاع العاري يحفرون بأيديهم عن قطرة، وينظرون إلى ظل العملاق الهارب ولا يعرفون ماذا يريد.
بعد النهر الأصفر عاد العطش، أشد من قبل. اسود جلده، وتقوّست حراشف الحيّتين على ساعديه واحترقت أطرافها. وكانت حيّتا الأذنين أقرب إلى الشمس؛ تعكرت عينا إحداهما، وبقي لسان الأخرى خارج فمها يرتجف. أنزلهما كوافو إلى صدره، حيث الحرارة أقل، وقال للحيّات الأربع: «اصمدن قليلاً.» فرددن بفحيح خافت كأوتار تكاد تنقطع.
رأى خلال ركضه كيف أفسد اضطراب السماء روح الأرض: مواضع فرغت فيها الروح فجف النبات وصار الصخر غباراً، ومواضع انفجرت فيها فنمت الأشجار ملتوية مفزعة. مرّ بربوة قفزت فجأة إلى ألف جانغ، وتدفقت من شقوقها حمم حمراء. تناثرت الحمم على كاحليه وطبعت فيه سواداً، لكنه لم يشعر إلا بالشمس التي ملأت ثلث بصره كفاكهة عظيمة فاسدة.
سمع الشمس تدعوه؛ كان همّها العميق كنبض قلب محتضر. ففهم أنها رأت مطاردته منذ البدء وكانت تنتظره. رفع عصا جيانمو، فأضاءت خطوطها بذهب هادئ، وراحت جروحه تلتئم ثم تحترق ثم تلتئم من جديد، في صراع صامت بين بقايا الشجرة السماوية ونار الشمس.
وعند تخوم الجنوب رأى كوافو داخل كرة النار شجرة بيضاء اللهب، أوراقها ذهب خالص. كانت أشبه بفوسانغ في الشرق وروومو في الغرب، لكنها أصلهما الأقدم: روح خشب الشمس، وقلب الشمس ونفسها. كانت جذورها المغروسة في نظام المسير السماوي تنقطع واحدة واحدة. عند انقطاع الأخيرة ستسقط الشمس وتموت. شدّ كوافو عصاه، وأسرع حتى صارت الشمس في متناول يده.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.