كان ظل جبل بُوتشو يضغط على النهر المتجمد، بارداً كالسيف. جثا يوان على الجليد، والإزميل في يده، وقد شقّ اهتزازه ما بين إبهامه وسبابته حتى سال الدم، وتناثر فتات الجليد على وجهه فلم يمسحه.
— «لا ماء يخرج.»
تمتم الصياد. لم يأكل الشاب منذ ثلاثة أيام. كان ذلك النهر المجلّد، عند سفح بُوتشو، المجرى الوحيد للماء. بلغ سمك الجليد ثلاثة أقدام، وقد نقر يوان ثلاثةً وعشرين ثقباً، ولم يخرج ماء من واحد منها.
في الثقب الرابع والعشرين رفع الإزميل فوق رأسه وضرب به بكل قوته. انشق الجليد. لكنه لم يكن الشق الذي صنعه؛ بدأ من تحت قدميه وانتشر كشبكة عنكبوت. نفذ منه ضوء أزرق، لا ضوء الشمس؛ فضوء الشمس لا يكون بهذا البرد. نهض يوان. كان الجليد يتحرك، والنهر كله يتحرك. أخذ الماء تحته يدور أسرع فأسرع: دوامة زرقاء. تراجع، فانزلقت قدمه وسقط، وانغرست يده في الشق. كان الماء حاراً؛ في نهر شتوي متجمد كان يغلي. سحب يده وقد احمرت كفّه من الحرق.
أخذ الجليد يذوب من أسفله، شِبراً بعد شبر، والضياء يزداد. رأى في القاع كتلة من نور أزرق تصعد، تقترب، تكبر.
— «أنقذ—»
تحطم كل الجليد، وسقط يوان في الماء. لكنه لم يَغُص؛ حمله الماء المغلي في الهواء. ومن بين قطع الجليد نهض ذلك الكائن: وجه إنسان وجسد أفعى، وشعر قرمزي ينسدل كشلال، والماء يجري من جسده، وكل قطرة منه تشع زرقة.
عرف يوان الاسم الذي يعرفه كل من يعيش تحت بُوتشو: غونغ غونغ، إله الماء، سيد كل مياه العالم. جرّ ذيله الأفعواني فوق الجليد؛ فصار الجليد المكسور ماءً، ثم جمد الماء، ثم تكسر من جديد، وخلفه طريق من ماء وجليد.
ظل يوان معلقاً في الماء، لا يجرؤ على الحركة أو التنفس. لم ينظر غونغ غونغ إليه، بل إلى جبل بُوتشو، الجبل المغروس في السحاب، الذي يقال إن ذروته تسند السماء.
— «أين...»
رفع رأسه، وانساب الماء من شعره الأحمر؛ كل قطرة تذيب قطعة من الجليد. سمع يوان نفساً، لا كلاماً: كل زفرة كمدّ البحر.
— «واحد... اثنان...»
عدّ يوان الأنفاس. وعند النفس السابع قال غونغ غونغ:
— «تشو رونغ. لقد جئت.»
اهتز النهر، وتدحرجت صخور من الجبل. سقط يوان على جليد باقٍ فشجّ ركبته، وتطلّع غونغ غونغ إليه للمرة الأولى. كانت عيناه زرقاوين داكنتين، أزرق من أعمق موضع في النهر، بلا حدقات.
— «لا...»
شعر يوان أن دمه يجري إلى الخلف، وقلبه يقفز إلى حلقه. ابتسم غونغ غونغ، فزاد خوفه.
— «يا إنسان، ممّ تخاف؟»
ارتجفت شفتا يوان. قال الإله عنه:
— «تخاف مني. لا حاجة لك إلى ذلك.»
امتد ذيله وتوقف قبالته. كانت حراشفه خضراء مزرقة، كل واحدة بحجم رأس إنسان، وكان يوان يرى وجهه مشوهاً فيها. ثم أعاد غونغ غونغ بصره إلى الجبل.
— «بعد اليوم، لن يخافني أحد.»
لم يفهم يوان، لكنه سمع في الكلمات شعوراً لا هو غضب ولا كبرياء؛ مثل الصوت الذي يسبق ذوبان النهر. قال غونغ غونغ: «انظر.» وبدأ يلف ذيله حول أسس الجبل، حلقة بعد حلقة. تحرك شعره الأحمر من غير ريح، وتدفق الماء من خصلاته فصار جداول تسيل إلى النهر؛ وبدأ النهر يفيض.
هرب يوان إلى مرتفع، وتكسرت كتل الجليد خلفه وتبعه الماء. صعد صخرة والتفت: اختفى النهر وصار بحيرة زرقاء. كان غونغ غونغ ملتفاً في قلبها، وذيله غاطساً فيها. صعدت فقاعات زرقاء وانفجرت ضباباً، فتكاثف الضباب قطرات وصار ستارة ماء تدور حوله أسرع فأسرع. سد يوان أذنيه من الصوت. انشقت الستارة كستارة تُسحب، ونهض غونغ غونغ؛ لم تكن له ساقان، لكن ذيله انتصب حتى قارب طول بُوتشو.
فتح ذراعيه وصاح: «تشو رونغ!» فارتفع ماء النهر كله معه. اندفعت من البحيرة تنانين ماء لا تحصى، بحراشف وقرون وشوارب زرقاء: عشر، مئة، ألف. طافت حول غونغ غونغ وحول الجبل، فشق صوته سحب القمة.
انكشفت ذروة بُوتشو: عمود حجري هائل، منقوش، عمود السماء الذي يسندها. خفت عواء غونغ غونغ، وحدّق إلى شيء في القمة. ضيّق يوان عينيه: نار، ضوء أحمر صغير، لكنه أشد سطوعاً من الشمس.
— «تشو رونغ... لقد جئت.»
جاء صوته همساً واضحاً. سكن الجبل، وتوقفت الصخور والريح وتنانين الماء في الجو. سمع يوان نبض قلبه، ثم صوتاً خفيفاً قديماً من القمة:
— «أتيت من جديد.»
ارتجف جسد غونغ غونغ وقرقرت حراشفه.
— «آتي في كل مرة.»
— «وتخسر في كل مرة.»
ابتسم غونغ غونغ ابتسامة عميقة: «أعرف.» وانفجر سطح الماء، فقذفت الموجة يوان عن صخرته. عض شفته حتى لا يصرخ، ونزل الدم إلى فمه، مالحاً زفراً. سقطت ستارة الماء وتبددت التنانين مطراً، لكن غونغ غونغ بقي هناك، يلف ذيله أشد ويجمع قوته. أدرك يوان أنه سيصعد ليقاتل، مع علمه بالخسارة.
صرخ: «لا تذهب!» لكن الإله لم يلتفت. صعد، وكل خطوة من ذيله تسحق صخراً، وشعره الأحمر وراءه كنهر أحمر. عاد الضباب فغطى نصفه، فيما لوّنته الزرقة. عرف يوان أن السماء والأرض ستتغيران بعد هذه المعركة، ولم يعرف كيف؛ عرف فقط أن غونغ غونغ يبتسم وهو يصعد، ابتسامة من يعرف أنه سيخسر، ومع ذلك يذهب ليقاتل.
سكن بُوتشو، وهدأ سطح النهر. استلقى يوان على الصخر ونظر إلى السماء: صار نصفها أزرق، والنصف الآخر أحمر كالنار. # القسم الثاني: نار تشو رونغ
ظل لهب القمة يحترق ثلاثة آلاف عام من غير أن ينطفئ. جلس تشو رونغ في قلبه متربعاً مغمض العينين. ألسنة ناره تلعق جسده فلا تحرق جلده ولا شعره؛ كانت ناره هو، لا تحرق سيدها، بل تحرق السماء. فتح عينيه، فإذا هما حمراوان عكرتان كالفحم المحترق. لقد شاخ إله النار، أما ناره فلم تشخ: هي نار ثلاثة آلاف عام، قادرة على ثقب السماء وتجفيف البحر.
نهض من اللهب، قصيراً أضأل من البشر، نحيلاً أحدب قليلاً، بشعر رمادي أبيض. قال لنفسه كحطاب عجوز من سفح الجبل: «عاد.» مشى حافياً على صخر أحرقتْه النار ثلاثة آلاف عام، فلم يكن حاراً بل بارداً كالجليد. بلغ حافة القمة ونظر إلى أسفل. حجبت السحب منتصف الجبل، لكنه رأى الضوء الأزرق يصعد مسرعاً، يحطم الصخور حيث يمر. رأى الذيل ذا الحراشف الخضراء المزرقة، والشعر القرمزي، والوجه البشري والعينين الزرقاوين كما كانتا قبل ثلاثة آلاف عام: لم يتغير غونغ غونغ.
قال تشو رونغ: «أتيت من جديد.» حمل صوته بعيداً وفتح حلقة في سحب المنحدر. توقف غونغ غونغ ورفع رأسه، فتلاقت عيناه الزرقاوان بعيني النار الحمراوين عبر السحب والدخان وثلاثة آلاف عام.
— «آتي في كل مرة.»
— «وتخسر في كل مرة.»
ابتسم غونغ غونغ: «أعرف.» صمت تشو رونغ، وعاد إلى وسط النار. مد يده فيها وأخرج سلاحه: عصا سوداء لإيقاد النار، أطول من الذراع وأغلظ من الرسغ، رأسها محمرّ من الاحتراق وقبضتها مسودة. لم يستخدمها خلال ثلاثة آلاف عام إلا ثلاث مرات، وكلها ضد غونغ غونغ، وفي كل مرة هزمه بها. وضعها على ركبتيه وانتظر.
إله النار يعرف الانتظار؛ فالنار تستطيع أن تحترق ثلاثة آلاف عام، وهو يستطيع أن ينتظر مثلها. لكن إله الماء لا ينتظر. الماء يتحرك ويعجل؛ إذا لاقى عائقاً اندفع فيه، فإن عجز دار حوله، فإن عجز صدمه. كان غونغ غونغ يصدم دائماً: يعود منهزماً، يسقط إلى سفح الجبل ثم إلى النهر المتجمد، ينكسر جسده الأفعواني ويتناثر شعره الأحمر، فيغمر نفسه في النهر ثلاثمئة عام ثم يعود؛ يخسر، ويستشفي، ويعود. عشر مرات في ثلاثة آلاف عام. وفي كل مرة الحوار نفسه: «أتيت من جديد»؛ «آتي في كل مرة»؛ «وتخسر في كل مرة»؛ «أعرف.»
غير أن تشو رونغ شعر هذه المرة ببرودة غريبة، لا برودة الماء، بل شيء لم يجده قط في غونغ غونغ. قبض على العصا حتى ابيضت مفاصله. قفز لهب القمة ثلاث تشانغ، فأضاء بُوتشو ونصف السماء، وأضاء وجه غونغ غونغ الذي اندفع من السحاب. التف ذيله على حافة القمة، وارتفع نصفه الأعلى، وشعره الأحمر يطير عرضاً في الريح، وخلفه عشرة آلاف تنين ماء تلمع حراشفها الزرقاء بلون أرجواني تحت النار.
رفع تشو رونغ رأسه: «أتيت.»
أجاب غونغ غونغ وهو ينظر إليه: «أتيت.»
لم ير يوان عند السفح ما يقع في الذروة، لكنه سمع الكلمتين تهبطان من علُ، ثم انشقت السماء. أزرق يضغط من الشمال وأحمر يندفع من الجنوب، فاصطدما في الهواء. غطى يوان عينيه من البريق؛ كأن في السماء شمسين، واحدة زرقاء وأخرى حمراء. اهتز بُوتشو، وتشققت الصخرة تحت قدميه، فوثب قبل أن تهوي في بحيرة الجليد وتفجّر عمود ماء مئة تشانغ.
تشابك الأزرق والأحمر كأفعوين عظيمين. أراد الأزرق ابتلاع الأحمر، وأراد الأحمر حرق الأزرق، حتى تشوهت السماء. ومن احتكاك اللونين خرج برق أرجواني عريض، لا برق السماء، فضرب الجبل وفجّر فيه حُفراً. انهال الحطام كالمطر، فضم يوان رأسه، وكانت الحجارة تضرب ظهره حتى كاد يختنق، فعض أسنانه كي لا يصيح.
قال تشو رونغ من القمة، وهو يلوّح بعصاه، فتتبدد ثلاث تنانين ماء بخاراً: «ضعفت. ماؤك ليس كما كان. قوتك الإلهية تنحسر.» وبموجة نار أخرى تبخرت خمس، وبثالثة تحطمت عشر إلى قطرات. لم يجب غونغ غونغ. ظل مشدوداً إلى الحافة، يعارض اللهب في الهواء. صارت التنانين ثمانية آلاف ثم خمسة آلاف؛ كل ضربة من عصا النار تفني مئات.
لكنه لم يتراجع. أدخل يده في صدره وانتزع حرشفة. ذابت في كفه ماءً، وتكثف الماء تنيناً اندفع من جديد. قطب تشو رونغ حاجبيه: «تحوّل أصلك إلى ماء. ستستنزف نفسك حتى الموت.» لم يجب غونغ غونغ، وانتزع حرشفة أخرى. فقد جسده عشرات الحراشف، وانكشف تحته لحم أزرق يرتجف، ينز منه دم أزرق. وكل قطرة تسقط على الصخر تذيبه حمماً تسيل إلى أسفل وتفتح طرقاً من نار.
توقف تشو رونغ عن التلويح بالعصا ونهض للمرة الأولى. تفرق اللهب عن وجهه العجوز: «تقاتل بحياتك.» قال غونغ غونغ أخيراً: «أعرف.»
— «لن تفوز.»
— «أعرف.»
— «فلماذا—»
لم يكمل إله النار؛ رأى في العينين الزرقاوين شيئاً لا يفهمه، لا غضباً ولا عدم رضا، لا رغبة في الحرب ولا نية قتل، بل سكينة إنسان رهن كل ما يملك ومضى إلى موته. ارتخت يده على العصا. سأل بصوت ثقيل كالسحاب: «لماذا؟»
ابتسم غونغ غونغ، فتراجع تشو رونغ خطوة.
— «لأنني إن لم أقاتل، فلست شيئاً.»
انتزع غونغ غونغ من صدره أكبر حرشفة، بحجم نصف إنسان وحافتها ما تزال تحمل لحماً ودماً أزرقين. ذابت في كفه وصارت تنين ماء هائلاً، شفافاً يرى في بطنه النور الأزرق يدور. كان ذلك ماءه الأصلي، وقد أنفق فيه ثلاث أعشار حياته. عرف تشو رونغ هذه الضربة؛ لم يستعملها غونغ غونغ في المرات التسع السابقة. كان قبلها يقاتل ثم ينسحب ليعالج جراحه، أما الآن فلا نية له في انسحاب. شد تشو رونغ عصاه، وعاد اللهب أشد وأعلى.
— «جننت. تقاتل بحياتك.»
— «أعرف.»
— «لن تفوز.»
— «أعرف.»
— «فلماذا—»
— «قلت لك. إن لم أقاتل، فلست شيئاً.»
دفع الإله ذو الشعر القرمزي تنين الماء الأصلي. فتح التنين فمه ليعض تشو رونغ، فضربه إله النار بكل قوته. التقت موجة النار وتنين الماء، وانشق بُوتشو من وسطه. رأى يوان الشق الأسود ينزل من السحب إلى منتصف الجبل، ورأى الجبل كله يرتجف ويتمايل، وصخوره تنحدر كالدموع. هرب بكل ما يستطيع والحطام يسيل وراءه. قفز فوق جليد متشقق وتسلق جداراً صخرياً، فمر سيل الصخور تحته وردم بحيرة الجليد.
رفع رأسه؛ لم تعد السماء سماءً، بل نصفها بحر أزرق هائج ونصفها بحر أحمر يغلي. وفي موضع اصطدامهما تمزقت السماء بشق أرجواني لا نور فيه ولا لون ولا شيء؛ فراغ. لم يجرؤ يوان على النظر، لكنه لم يستطع أن يصرف عينيه. # القسم الرابع: صدمة الغضب في بُوتشو
تراجع تشو رونغ في القمة ثلاث خطوات. ذابت الصخرة تحت قدميه وظهرت ثلاث حفر من حمم. كانت يده ترتجف أيضاً، وقد انشق ما بين إبهامه وسبابته ممسكاً بعصا النار، فلم يخرج دم بل لهب؛ وكل قطرة منه تحرق الصخر رماداً. أمامه كان غونغ غونغ ملتفاً عند حافة القمة، وقد تساقطت عشرات حراشفه وانكشف لحمه الأزرق، والدم الأزرق يسيل على الجسد ثم الصخور، يذيب الصخور ويتدفق في الشقوق فيوسعها.
— «أستأتي أيضاً؟»
كان غونغ غونغ يبتسم. أدخل يده ثانية في صدره وانتزع حرشفة أكبر. صاح تشو رونغ: «توقف!» لكنه لم يصغِ. انتزعت الحرشفة معها قطعة كبيرة من اللحم، فاندفع الدم الأزرق ورش اللهب؛ خبا لحظة، ثم عاد أشد. صارت الحرشفة تنين ماء، يضربه تشو رونغ فيبخره. حرشفة، تنين، تبخير؛ مرة بعد مرة. خمسة عشر تنيناً من ماء الأصل، كلها بددها إله النار، لكن كل واحد منها دفعه خطوة إلى الوراء. وبعد الخطوة الخامسة عشرة ارتطم ظهره بعمود السماء، العمود الحجري البارد الذي يسند السماء. لامسه اللهب فلم يسخن.
شعر تشو رونغ بالبرودة من خلفه، وفهم فجأة: لم يكن غونغ غونغ يهاجمه؛ كان يدفعه إلى عمود السماء. لم يكن هدفه منذ البدء تشو رونغ، بل السماء.
اتسعت عينا إله النار: «أنت—»
— «اكتشفت ذلك.»
جرى الدم الأزرق على فم غونغ غونغ وصبغ ابتسامته بالأرجواني.
— «جئت لأصدم الجبل.»
انقبض قلب تشو رونغ. أراد الاندفاع، لكن الوقت فات. أرخى غونغ غونغ ذيله الملتف على القمة وألقى جسده إلى الخلف من منتصف بُوتشو. اندفع إله النار إلى الحافة ونظر. كان الجسد الأزرق يهبط، والشعر الأحمر والدم الأزرق يطفوان إلى الأعلى، وغونغ غونغ يبتسم. ثم ضرب ذيله فجأة، فالتف على خصر الجبل وانغرس في الصخر حتى حفرت حراشفه أخاديد عميقة.
توقف معلقاً في منتصف الجبل وجمع قوته. التف ذيله حلقة بعد حلقة؛ تصدعت الصخور وتدحرجت. انتفخت عضلات جسده تحت الحراشف، ونفذ نور أزرق من تحت كل حرشفة، أشد فأشد وأعمى للبصر. صب في جسده كل قوته الإلهية: كل قطرة دم، وكل حرشفة، وكل شعرة. لم يبقِ شيئاً؛ ما دام سيموت، فليمت موتة تظل السماء والأرض تذكرانها، وتعلم كل الآلهة أن غونغ غونغ مرّ من هنا.
رأى يوان عند السفح النور الأزرق يشتعل من خاصرة الجبل، أبهى من الشمس والقمر وكل نور عرفه. شفّ بُوتشو كله كأنه نصف شفاف؛ رأى عظام الجبل وعروق الصخر والأنهار الخفية تحته، ورأى في منتصفه قلباً أزرق ينبض: كان غونغ غونغ. دفع قوته إلى الحد، فانتفخ جسده عشرة أضعاف، وصار ذيله عريضاً كعرف جبل وجسده كتلّ. وتحول شعره الأحمر إلى لهب أزرق بارد، لا يحرق شيئاً بل يضيء فقط. حوّل نفسه إلى نيزك يصدم السماء من الأرض.
صرخ تشو رونغ من القمة: «غونغ غونغ، لا!» وقفز إلى أسفل، وتفجر اللهب من جسده، يريد أن يسبقه ويمنعه. لكن الأوان فات. أرخى غونغ غونغ ذيله وانطلق بما جمعه من قوة إلى أعلى، صوب قمة بُوتشو وصوب العمود الذي يسند السماء. كان سريعاً حتى لم ير تشو رونغ إلا خطاً أزرق، ولم ير يوان إلا السماء تتشقق.
انكسر العمود.
تنهدت السماء. انكسر بُوتشو، وانطوى عمود السماء من وسطه. مال نصفه الأعلى ببطء، وانفجر نصفه الأسفل، واندفع الحطام في كل الجهات. لم ينس يوان في حياته صوت انكسار عمود السماء. لم يكن صوت حجر، ولا انهيار جبل، ولا رعداً؛ كانت أصواتاً سمعها من قبل، أما هذا فجاء من أعماق السماء، ومن أعماق الأرض، ومن الجهات كلها، أحاط به واخترقه، كيد تدخل صدره وتقبض قلبه. ثم تنهدت السماء.
جثا يوان على الأرض، ولا يدري متى جثا. اصطدمت ركبتاه بصخر مكسور فلم يؤلمه. لم يشعر إلا بذلك التنهد؛ فيه أسف السماء وذهولها وغضبها وحزنها، كل شيء، إلا النصر. لم يفز أي إله. خسرت السماء؛ انكسر عمودها.
رفع يوان رأسه، فرأى السماء تميل. ليس السحاب هو الذي مال، بل السماء نفسها: هبطت سماء الشمال الغربي، وغارت أرض الجنوب الشرقي. أخذت الشمس والقمر والنجوم تنزلق نحو الشمال الغربي، ببطء لا يتوقف أبداً.
رأى تشو رونغ معلقاً فوق القمة؛ انطفأت ناره كلها، ولم يبق على جسده شرارة. طأطأ رأسه إلى العمود المكسور وإلى الهيئة الزرقاء الهابطة. كان غونغ غونغ يسقط وقد عاد إلى حجمه، وذيله قد انقسم قطعاً، وشعره الأحمر مبعثر، ودمه الأزرق يرش السماء. أغمض عينيه، لكن الابتسامة بقيت على فمه، هي ذاتها منذ السفح، عند الصدم، وفي السقوط. بقوته الأخيرة كسر عمود السماء، فغيّر السماء والأرض، وستتذكره الآلهة كلها. لقد انتصر غونغ غونغ؛ لا على تشو رونغ، بل على السماء.
سقط قريباً من يوان بين ركام الصخر. زحف الصياد إليه على يديه وركبتيه حتى تسلخت راحتاه وركبتاه واختلط دمه بالحجارة، لكنه لم يحس الألم. كان جسد إله الماء حطاماً، وذيله سبعاً أو ثماني قطع، وقد تساقط معظم حراشفه وانبسط شعره الأحمر في الأرض الملطخة بالدم الأزرق. ومع ذلك كان الوجه البشري يبتسم، وعيناه مغمضتان.
ركع يوان عنده، مد يده ثم خاف أن يلمسه، فسحبها ومدها ثانية. وأخيراً وضعها على صدره؛ كان بارداً، بلا خفقان.
— «مات.»
سحب يده، فوجد الدم الأزرق في كفه يضيء، ثم يخبو، ثم يختفي من غير أن يترك شيئاً. ظل راكعاً طويلاً، إلى أن مالت السماء تماماً، وبدأت الشمس والقمر ينزلقان غرباً، وغارت الأرض جنوباً شرقياً، وتحول ماء بحيرة الجليد إلى الشرق. لم يستطع أن يصرخ أو يبكي؛ لم يملك إلا أن يركع وينظر إلى الإله الذي كسر عمود السماء، وإلى ابتسامته.
قال: «انهارت.» لم تسقط السماء دفعة واحدة، بل ذرة ذرة. ظل ركنها الشمالي الغربي يهبط حتى لم تعد الشمس معلقة فيه، فانزلقت غرباً وغابت أبكر من كل يوم. والقمر والنجوم انزلقوا غرباً أيضاً، وكل الكواكب سرت إلى الشمال الغربي كنهر مضيء. رأى يوان الدب الأكبر يغير موضعه، ودرب التبانة يغير مجراه، والقمر يفقد ركناً؛ لا طوراً من أطواره بل القمر نفسه ملتوي. ثم نظر إلى الأرض: كانت تهبط جنوباً شرقياً ببطء لا تراه العين، لكنه أحس بها تميل تحت قدميه. صارت كل المياه شرقاً؛ ما كان يجري غرباً أو شمالاً صار يجري شرقاً. ومنذ ذلك الحين استقر أن الأنهار كلها تعود إلى الشرق.
وقف إلى جوار الجسد طويلاً. وحين تم تغيير السماء والأرض تحرك أخيراً. قرفص وبدأ يحفر بيديه: حجارةً وطيناً وكل ما يقدر على تحريكه. انكسرت أظفاره ونزفت أطراف أصابعه، لكنه لم يتوقف. أراد أن يدفن غونغ غونغ، فلا يتركه وحشاً للبرية أو للشمس والريح. إنه إله الماء، وكان ينبغي أن يعود إلى الماء، لكن الماء جرى شرقاً؛ فلم يبق إلا حفرة. كانت الصخور شديدة الصلابة والتربة رقيقة وتحتها صخر. حفر طويلاً حتى صنع حفرة صغيرة لا تتسع لرأس غونغ غونغ.
جلس يلهث فوق الحطام. خرجت الدموع أخيراً، لا بكاءً بل كأن عينيه صارتا ماءً. لم يمسحها، فانسابت إلى فمه مالحة كالبحر. أراد أن يسب السماء أو ينادي الاسم، لكن صوته انحشر في صدره. لم يخرج منه إلا:
— «لماذا؟»
لم يجبه أحد. صمت بُوتشو، وبدا جسده المكسور كجثة، وبقي جذع عمود السماء في القمة، كعظم مكسور. اختفى تشو رونغ؛ لا نار ولا ضوء أحمر. لا يعلم يوان أرحل أم مات، لكنه يعلم أن السماء والأرض تبدلتا وأنه الشاهد الوحيد.
نهضت ساقاه مرتخيتين وكاد يسقط. اتكأ على صخرة لا تزال دافئة من دم غونغ غونغ الذائب. تذكر اليد التي اقتلعت الحراشف، وحولت الدم إلى تنانين، وضربت العمود. نظر إلى يديه؛ بقيت فيها لطخات من الدم الأزرق وقد جفت وصارت زرقاء فاتحة، لا تزول مهما مسحها. قبض يده أمام العمود والسماء المائلة والمياه الشرقية وقال: «سأتذكرك. وسأجعل الجميع يتذكرونك.»
غادر بُوتشو وسار مع النهر المتجه شرقاً، وكل خطوة تخلف أثراً دموياً. لم يلتفت؛ خاف إن التفت ألا يستطيع المسير. ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ مشى. إذا عطش شرب الماء العكر الممزوج بالطين والحصى وغبار العمود، يخدش حلقه لكن ألمه أخف من ألم قلبه. وإذا جاع أكل السمك الذي طفا أبيض البطن من اضطراب السماء، نيئاً زفراً، لكنه أقل زفراً مما في قلبه.
وفي الليلة الثالثة بلغ بحر الشرق. كان ماؤه أزرق كلون دم غونغ غونغ. ركع على الشاطئ وغمر الماء البارد ركبتيه. غرفه في كفيه؛ فيه ضياء أزرق ضعيف، ليس دم الإله بل بحر، ومع ذلك ظن يوان أن غونغ غونغ يكلمه. جلس عند البحر ليلة كاملة، وعند الفجر رأى خصلة قرمزية طويلة دقيقة تطفو. خاض إليها وانتشلها؛ كانت شعرة، أقوى من الحرير وأحمر من اللهب. لفها حول معصمه ونهض.
لم يعد صياداً. لا شبكة له ولا إزميل ولا قارب، لكن لديه تلك الخصلة واللطخة الزرقاء في كفه، والحقيقة التي رآها. صار راوياً. في كل قرية يقص بُوتشو وغونغ غونغ وتشـو رونغ، حرب الماء والنار، وانكسار عمود السماء، وميل السماء شمالاً غربياً وغور الأرض جنوباً شرقياً، وإله الماء الذي مات صادماً الجبل. صدقه بعضهم وكذبه بعضهم، شتمه بعضهم مجنوناً ومدحه بعضهم بطلاً، ولم يحكم يوان. كان بعد القصة يقول فقط:
— «يومها تنهدت السماء. والرعد الذي تسمعونه ليس رعداً؛ إنه السماء تتنهد.»
ثم يمضي إلى قرية أخرى، ويعيد الحكاية، ثم يمضي، بلا نهاية، كما ظل غونغ غونغ من قبل يتحدى تشو رونغ. # القسم الخامس: السماء تميل إلى الشمال الغربي
وبعد أعوام كثيرة شاخ يوان. مر من شبابه إلى كهولته ثم شيخوخته، فابيض شعره وانحنى ظهره وضعفت ركبتاه، لكن خصلة الشعر القرمزي في معصمه بقيت حمراء: كالنار، كالدم، وكالضوء الأزرق الذي اندفع منذ زمن بعيد من قمة بُوتشو إلى عمود السماء. كان يتوكأ على عصا ويمشي على ساحل بحر الشرق. ظل البحر يجري شرقاً، وظلت السماء مائلة، والشمس والقمر ينزلقان غرباً، والأرض منخفضة في الجنوب الشرقي عالية في الشمال الغربي. لم يعد شيء إلى ما كان؛ إذا انكسر عمود السماء، بقيت السماء مائلة إلى الأبد.
رفع يوان رأسه فرأى السحب تهرول إلى الشمال الغربي، والشمس تمضي غرباً والنجوم تجري شمالاً غربياً، كما في ذلك اليوم. بلغ قرية قائمة على جرف بحري، لا تعيش فيها إلا بيوت قليلة من الصيد. تحلق الأطفال حوله؛ كانوا يعرفونه، ذلك العجوز الذي يأتي كل عام ويروي القصة ذاتها. ومع ذلك أرادوا سماعها، لأنه يحسن روايتها، ولأن عينيه تبرقان حين يروي، ولأن الخصلة في معصمه تضيء، ولا سيما في الليل. وجلس يوان على صخرة كبيرة عند مدخل القرية. جلس الأطفال أمامه على الأرض، ووقف الكبار خلفهم عند الجدران وقد ضموا أذرعهم. سمعوا القصة مرات لا تحصى، لكنهم حضروا دائماً؛ إذ كانت مختلفة كل مرة: يزيد تفصيلاً، أو يبدل تشبيهاً، أو يصمت فجأة وينظر إلى السماء شاردًا ثم يقول شيئاً لا يتوقعه أحد.
قال أولاً في ذلك اليوم:
— «لقد شخت.»
تحير الأطفال والكبار؛ لم يكن ذلك افتتاح القصة. نظر إليهم بعينين عكرتين، لكن في عمقهما بقية ضوء أزرق، لون الدم الذي تسرب إلى كفه منذ أعوام.
— «سأموت قريباً. وقبل أن أموت، سأرويها مرة أخرى. للمرة الأخيرة.»
ساد القرية صمت. هدأت ريح البحر، وسكت الموج، وحتى الطير لم ينادِ. وضع عصاه عرضاً على ركبتيه، ولمس الشعر الأحمر في معصمه.
— «اسمعوا. منذ أعوام كثيرة، تحت جبل بُوتشو، كنت صياداً. كنت أنقر ثقوباً في النهر المتجمد، فرأيت نوراً في قاع الماء. نوراً أزرق.»
بدأ يروي ببطء، يلفظ كل كلمة جلية، كأنه يتلو تعويذة أو يغني أغنية قديمة. أغمض عينيه لكنه رأى: نهر ذلك اليوم، والنور الأزرق، والهيئة الهائلة التي نهضت من الجليد المحطم؛ غونغ غونغ، بوجه الإنسان وجسد الأفعى والشعر القرمزي المنسدل. كان يبتسم. ابتسم وهو يصعد، وابتسم وهو يصدم الجبل، وابتسم وهو يسقط.
بلغت الحكاية المعركة: الضوء الأزرق والضوء الأحمر متشابكان، تنانين الماء وطيور النار تتصادمان، بُوتشو يرتجف والسماء تتمزق. عندها ارتعش صوت يوان، لا خوفاً، بل لأنه يعرف ما سيأتي. حكى انكسار عمود السماء، والتنهد، وكيف جثا في الحطام ولم يستطع أن يحفر حفرة. ثم توقف. لم يجرؤ الأطفال على صوت، وحبس الكبار أنفاسهم. فتح يوان عينيه ونظر إلى السماء؛ كان الليل قد حل، والنجوم تسير إلى الشمال الغربي، كما في تلك الليلة تماماً.
سألهم: «هل سمعتم الرعد من قبل؟»
أومأ الأطفال.
— «ليس ذلك رعداً. إنها السماء تتنهد. كلما دوى الرعد، تتنهد السماء؛ تتنهد لذلك اليوم، وللإله الذي صدم عمود السماء. تتنهد لغونغ غونغ.»
عم السكون، ولم يبق سوى الموج والريح. نهض يوان من الصخرة فتأرجح جسده. هم شاب أن يسنده، فأشار إليه العجوز ألا يفعل. اتكأ على عصاه ومشى إلى حافة الجرف، إلى بحر الشرق، وإلى السماء المائلة، وإلى الماء الجاري شرقاً. فك خصلة الشعر القرمزي من معصمه ورفعها فوق رأسه. طارت في ريح الليل، صوب الشمال الغربي، صوب بُوتشو. أفلتها، فحملتها الريح إلى البحر والسماء والشمال الغربي، حتى غابت عن عينيه.
استدار إلى أهل القرية وقال:
— «انتهت الحكاية. عليكم أن تذكروا غونغ غونغ. اذكروا لماذا تميل السماء، ولماذا يجري الماء شرقاً، واذكروا أن الرعد ليس رعداً؛ إنه السماء تتنهد.»
وفي اليوم التالي مات يوان. وجده أهل القرية جالساً على الصخرة الكبيرة عند الجرف، متربعاً مغمض العينين، وفمه معقود بابتسامة تشبه تماماً ابتسامة غونغ غونغ حين مات. دفنوه فوق الجرف، ووجهه إلى بحر الشرق وإلى جهة بُوتشو. لم يقيموا شاهداً، بل وضعوا على التراب حجراً أزرق، من ذلك الأزرق الذي تصقله مياه البحر زمناً طويلاً.
ثم تناقل أهل القرية الحكاية جيلاً بعد جيل. وكل من يبلغ النهاية يقول الجملة نفسها:
— «يومها تنهدت السماء. والرعد الذي تسمعونه ليس رعداً؛ إنه السماء تتنهد.»
وبعد ذلك حملت الريح العبارة إلى كل مكان: إلى الجبال، وإلى الساحل، وإلى كل ركن يسكنه بشر. وكلما دوى الرعد تذكر أحدهم إله الماء المسمى غونغ غونغ، وتذكر أنه كسر عمود السماء، وأنه غيّر هيئة السماء والأرض، وتذكر ابتسامته قبل موته، وتذكر قوله:
— «لأنني إن لم أقاتل، فلست شيئاً.»
يدوي الرعد، وما زالت السماء تتنهد، من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، ومن الأزمنة السحيقة إلى هذا اليوم.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.