كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/33 · تشو لونغ
الفصل السابق

33 · تشو لونغ

ما وراء الليل

الفصل التالي

خبا نجم القطب. رفع الصياد العجوز صاليح عينيه إلى السماء.

كان النعاس لا يزال عالقاً في عينيه، لكنه رآه. لم ينطفئ نجم القطب؛ كان ثمة شيء يحجب ما أمامه. ظل أسود غطّى النجم.

كان الظل يتحرك، ببطء شديد، ببطء يشبه تحرّك طبقة جليد.

سقط السكين من يد صاليح وغرس في الثلج. لم يصدر صوت. كأن كل الأصوات قد امتصت.

كان ذلك الظل يزحف في السماء. لا يطير، بل يزحف، كما لو أن شيئاً يجرّ بطنه على الجليد. بطنه هو. لكن لا جليد في السماء؛ لا شيء فيها إلا النجوم. أخذ الظل يغطيها: نجمة، ثم أخرى، ثم أخرى.

ارتخت ركبتا صاليح، فجثا الصياد العجوز. لم يكن يريد الركوع، لكن ساقيه لم تعودا تتحركان.

تبدّل شكل الظل: بدا أولاً كخيط، ثم كنهر، ثم كأسطوانة، ثم—رأى صاليح حدوده: رأسه وجسده وذنبه، تزحف في السماء، في السماء.

جاءه صوت عجوز من خلفه: «تشو لونغ».

استدار صاليح. كان كل شيوخ القرية قد نهضوا. وقفوا في الثلج حفاة، بملابس نومهم الرقيقة، غير أن عيونهم كانت مضيئة. جثت العجوز إيمي، وجثت العجوز أوتشي، وجثت العجوز كارما، وضربن جباههن في الثلج.

قالت إيمي، وصوتها مكتوم في الثلج: «استيقظ تشو لونغ».

لم يفهم صاليح: «أي تنين؟»

رفعت أوتشي رأسها، وعلى وجهها ثلج وتحت الثلج دموع: «تشو لونغ، تشو جيويين».

عاد صاليح ينظر إلى السماء. ظلّ الظل يزحف ببطء، وقد حجب سبع نجمات.

قالت إيمي من الثلج: «نام ألف سنة. والآن فتح عينيه».

شعر صاليح بريح في عنقه. كانت الريح حارة.

رفع رأسه. توقّف الظل.

ثم أضاءت فوقه ومضة: نقطة حمراء في الغرب. ثم ومضة أخرى: نقطة حمراء في الشرق. فانوسان، فانوسان أحمران في السماء. لم يكونا مستديرين، بل بيضاويين قائمين، وفي وسط كل منهما شق أسود؛ يضيق ويتسع، يضيق ويتسع.

ابتلّ سروال صاليح، وتصاعد البخار الحار من تحته. لم يستطع أن يمنع نفسه.

كان الفانوسان ينظران: إلى الأسفل، إلى القرية، إليه.

أراد صاليح أن يصرخ، ففتح فمه، لكن لا صوت خرج. شيء يخنق حنجرته. لم تكن يداً، بل نظرة الفانوسين، ثقيلة كالحجر على عنقه.

وظلت إيمي تسجد: «فتح عينيه. فتح عينيه».

وأخيراً قال صاليح: «تلك... عينان؟»

استدار أحد الفانوسين في السماء، واستهدفت بؤبؤه العمودية صاليح. رأى أن البؤبؤ أسود، كسواد ليلة بلا نجوم؛ وما حوله أحمر، كدم سال لتوّه. وفي البؤبؤ شيء يتحرك. رأى رجلاً يركض ويفتح فمه ويصيح بلا صوت، ثم ذاب الرجل وصار ماءً دموياً.

التصق ظهر صاليح بالأرض. خبط بيديه في الثلج وقبض حفنة منه؛ كان الثلج حاراً. كانت النظرة المنسكبة من السماء حارة، وثلج القرية يذوب، والجليد يتشقق، وشقوقه تزحف على الأرض كالأفاعي.

سمع بكاءً. لم يكن بكاء بشر، بل بكاء الجليد. تصاعد بخار حار من مواضع التشقق، وفيه رائحة الكبريت.

تحرك الفانوس نحو الشمال ببطء، كسفينة تطفو على الماء، مع أنه لم يكن في السماء ماء. وخلفه امتد ظل طويل، جسده. كان بعرض قرية؛ أما طوله فلم ير صاليح بدايته. امتد إلى الأفق، وحجب جسده كل نجوم الأفق.

شجّ الشيوخ جباههم من السجود، وسال الدم إلى الثلج فصار وردياً.

قالت إيمي: «أتوسل إليك، أغمض عينيك».

لم يتحرك الفانوس، لكن بؤبؤه انكمش.

شعر صاليح أن جسده خف، وأنه يستطيع الحركة. انقلب على بطنه وزحف نحو القرية، وقد تسلخت ركبتاه وتجمدت يداه، فلم يجرؤ على التوقف.

زحف ثلاثين خطوة ثم التفت.

كان الفانوس لا يزال معلقاً في السماء.

لكن أين القرية؟ اختفت. لم يبق في موضعها إلا ثلج أبيض نظيف: لا بيوت، ولا كلاب، ولا بشر.

توقف صاليح، فلامست يده شيئاً صلباً مستديراً أملس. رفعه: وعاء دافئ فيه نصف وعاء من عصيدة لا تزال تتصاعد منها الأبخرة. كان الوعاء معلقاً فوق الثلج؛ لا طاولة ولا موقد ولا بيت، بل وعاء واحد وعصيدة حارة.

رماه صاليح. تحطم على الأرض وتناثرت العصيدة، فحرقت الثلج حفرة. تحت الحفرة لم تكن تربة، بل حراشف سوداء بحجم الأظفار تتحرك وتتنفس.

زحف إلى الوراء حتى اصطدم ظهره بشيء. كان خزانة خشبية قائمة في الثلج، بابها مفتوح، وفيها ملابس معلقة لا تزال دافئة. أما أصحابها فقد اختفوا.

استدار الفانوس، فرأى صاليح هيئته كاملة. لم يكن فانوساً، بل عين تشو لونغ. بين العينين مسافة ثلاثين تشانغاً، وبينهما درع من حراشف سوداء يتنفس؛ وكلما انفرجت حرشفة بان تحتها لحم أحمر ينزف، وقطرات الدم تسقط في السماء وتصير شهباً.

نهضت إيمي ومدت ذراعيها ووجهها إلى السماء: «يا تشو لونغ—»

ثم أخذت تغني. لم يكن غناء، بل صوت يشبه انشقاق الجليد، وانهيار الثلج، وصراخ إنسان يدفن حياً. فهم صاليح: كانت لغة قديمة يقول بها الشيوخ:

> نمتَ ألف سنة، وعبدناك ألف سنة. > والآن استيقظتَ وجعتَ. > نحن هنا.

التفتت إيمي إليه، وكانت عيناها مضيئتين كمصباحي السماء. قالت: «إنه جائع. يبحث عن طعام».

هز صاليح رأسه: «إنه يأكل—»

لم يكمل. ظهرت القرية. خرجت البيوت من الثلج، بيتاً فبيتاً، حتى اكتملت. لكن لونها تبدل إلى أسود، إلى سواد الحديد المحروق. كانت النوافذ حمراء، لا لأن في داخل البيوت نوراً، بل لأن الحمرة ترشح منها.

رأى صاليح بيته، فزحف إليه وفتح الباب. كان الداخل حاراً، والنار لا تزال مشتعلة في الموقد. وكان غطاء الفراش منتفخاً يتحرك ويتنفس.

«من هناك؟» سأل.

رفع الغطاء. لم يكن تحته أحد؛ كان الغطاء وحده ينتفخ ويتنفس.

خرج صاليح، فوجد أوتشي واقفة خارج الباب لا تتحرك. مرّ الريح في جسدها فتبعثرت حوافه كغبار أو دخان. كان جسدها من رماد، والرماد ما زال يتساقط.

«أنتم...» علقت الكلمات في حلقه.

فتحت أوتشي فمها. لا لسان فيه، بل رماد يدور داخله.

قالت إيمي، يتسرب صوتها من حنجرتها: «لسنا بشراً منذ زمن. نحن جزء منه. كنا كذلك منذ ألف سنة».

نظر صاليح إلى يد أوتشي. كان جلدها يتساقط، وما يقع منه على الأرض يصير ثلجاً. لم يكن تحت الجلد لحم، بل حراشف سوداء.

اقتربت إيمي. ظل جسدها كاملاً، لكن ظلها لم يكن كذلك: انبسط على الأرض في هيئة أفعى.

قالت: «أنت أيضاً ستصير قريباً. كل من تراه عيناه يصبح جزءاً منه».

نظر صاليح إلى السماء. كان الفانوس معلقاً فيها يتحرك جنوباً. مع كل خطوة يظهر في القرية بيت أسود آخر، وفي الثلج وعاء آخر أو ثوب أو زوج حذاء؛ كلها دافئة، تحتفظ بحرارة أصحابها، لكن أصحابها اختفوا.

نهض صاليح وركض شمالاً، خارج القرية وإلى السهل الثلجي. ابتعد الضوء الأحمر فوق رأسه. ظل يركض حتى نسي البرد والخوف والتعب.

توقف والتفت. اختفت القرية والفانوس. كانت السماء سوداء، لا نجوم ولا قمر ولا تشو لونغ.

جلس في الثلج وضحك حتى ارتجف جسده كله. كان حلماً. كان حلماً.

خفض رأسه. كان في الثلج ضوء، ليس ضوء قمر ولا نجم، بل ضوء أحمر يصعد من تحت قدميه.

كان فوق شيء واسع طويل. ركض شمالاً، وكان امتداد جسده شمالاً أيضاً.

أضاءت الحراشف تحت قدميه، وصعد الضوء الأحمر من أخمصيه. رأى أن ما تحته ليس ثلجاً، بل جسد تشو لونغ. ظل يركض ليلة كاملة فوق جسد تشو لونغ.

ظهر الفانوس أمامه، لا في السماء بل على الأرض، على بعد تشانغ واحد. وخلفه رأس هائل، وعلى زاوية فمه شيء معلق: ملابس بشر، ما تزال تقطر دماً.

كان تشو لونغ فاتح العينين، وفي بؤبؤيه ظل صاليح.

أراد صاليح الهرب، لكن قدميه التصقتا بالأرض. نظر إلى الأسفل، فإذا كاحلاه يغوصان في الحراشف. كانت الحراشف رخوة كالمستنقع، تبتلع قدمَيه وساقيه وركبتيه شيئاً فشيئاً.

جاء صوت إيمي من بعيد: «إنه ينظر إليك. فإذا حفظك في ذاكرته، صرتَ عينه».

رفع صاليح رأسه. في بؤبؤ تشو لونغ كان ظله يذوب ويصير عيناً، عيناً حمراء تدور في البؤبؤ وتنظر إليه، وتنظر إليه وهو يغوص شيئاً فشيئاً.

فتح صاليح فمه، وأخيراً خرج صوته: «النجدة—»

أغمض تشو لونغ عينيه، ثم فتحهما.

اختفى كل شيء: صاليح، والقرية. صار السهل الثلجي نظيفاً تماماً. لم تبق إلا عين تشو لونغ: واحدة في السماء تنظر إلى عالم البشر، والأخرى مغمضة، تهضم.

لم يتحدث أحد عن ذلك.

طلعت الشمس، لا من الشرق بل من الشمال. لكن أحداً لم يلحظ، ولم يجرؤ أحد على أن يلحظ.

جلست إيمي عند باب بيتها، وفي يدها إبرة وخيط. تمر الإبرة في القماش، تخرج، ثم تمر من جديد. وكانت أصابعها ترتجف.

قال الجزار تامير وهو يقف أمامها وسكين نظيفة في يده، تفوح منها رائحة الكبريت: «نقص خروف واحد أمس. ليس ذئباً، باب الحظيرة كان مغلقاً».

لم ترفع إيمي رأسها. ظلت أصابعها ترتجف وإبرتها تمر في القماش.

قالت العجوز بصوت خافت، لا خفوت انخفاض الصوت بل كأن شيئاً امتص أكثره ولم يبق إلا صداه: «الناقص إنسان».

قطب تامير حاجبيه: «لا أحد ناقص. ثلاث وعشرون أسرة، واحد وخمسون نفساً، كلهم هنا».

وضعت إيمي الإبرة وسألته: «عددتهم؟»

أومأ: «عددتهم هذا الصباح».

«وأين صاليح؟»

تجمد تامير: «صاليح؟» ثم فكر وهز رأسه: «من صاليح؟»

خبا النور في عيني إيمي. لم ينطفئ، بل انكمش إلى الداخل، كما ينكمش النور في بؤبؤ تشو لونغ.

قالت: «لا شيء. أخطأت التذكر».

مضى تامير حاملاً سكينه، وتبددت رائحة الكبريت في الريح. عرفت إيمي تلك الرائحة: إنها لعاب تشو لونغ. كانت رائحة لعابه على تامير، لكنه لم يتذكر صاليح ولا ما حدث البارحة.

وقفت إيمي، فسقطت إبرتها. انحنت لتلتقطها، فإذا الإبرة قائمة في الهواء، لا مغروسة في التراب، كأن شيئاً يحملها. سحبت إيمي يدها، فسقطت الإبرة في الأرض. وكانت الأرض حارة.

حفرت إيمي التراب. على عمق ثلاث بوصات وجدت شيئاً: سن إنسان، طازجاً، في جذره دم وما زالت له حرارة. لكن لا عظم تحته؛ سن وحيدة لا غير. دفنتها من جديد.

دخلت القرية. لم يتبدل ترتيبها، بل لونها. تحركت كل الجدران نحو الشمال بمقدار إصبع. لم تره عين عادية، لكن إيمي شعرت به: شقوق الجدران لم تعد تتوافق. كانت الشقوق شرقاً وغرباً، وصارت الآن شمالاً وجنوباً، منتظمة كأن شيئاً قضمه قضمة فأزال طبقة كاملة.

كان أول بيت بيت أشكا. الباب مفتوح والماء يغلي في القدر، وفيه لحم يتقلب في الماء المغلي، لكن أشكا لم تكن هناك.

وقفت إيمي عند الباب. هبّت الريح من الداخل برائحة اللحم والكبريت.

«أشكا؟» لم يأت جواب.

ظل الماء يغلي واللحم ينضج. بجانب الموقد أوعية وعيدان طعام؛ واحدة في الشرق وأخرى في الغرب، وفي الأوعية شاي لا يزال دافئاً.

دخلت إيمي المطبخ. كان شيء شفاف يلمع على الأرض خلف الموقد. قرفصت ولمسته: مخاط. مخاط شفاف التصق بطرف إصبعها وامتد خيطاً إلى تشي حتى انقطع. ضربت رائحة الكبريت أنفها، كرائحة البيض الفاسد والجلد المحروق.

كان المخاط أيضاً على الجدار والخزانة، وسلسلة منه تمتد على الأرض من الموقد إلى الباب الخلفي المفتوح. خارجه الثلج، وفيه أثر، لا أثر أقدام بل خط جر، كما لو جر إنسان بعيداً. لكن لا أثر مقاومة: خطان متوازيان يمتدان إلى السهل الثلجي خارج القرية.

اتبعت إيمي الأثر ثلاثين خطوة، ثم غطاه الثلج الجديد. لكنها رأت أبعد منه شيئاً: نتوءاً طويلاً يمر تحت الثلج ويمتد شمالاً. كان النتوء يتحرك ويتنفس.

عادت إيمي إلى القرية. كان تامير عند المدخل، سكينه لا يزال في يده، لكنها تقطر لا دماً بل مخاطاً شفافاً. أشار بها إلى الشمال.

قال: «ذاب الثلج هناك. ثمة شيء تحته يطوق القرية».

لم تنظر إيمي إلى الشمال، بل إلى الجنوب. الثلج هناك يذوب أيضاً، وكذلك في الشرق والغرب. كان الثلج في حلقة حول القرية كلها يتحول إلى ماء حار يتصاعد منه بخار أبيض مشبع برائحة الكبريت.

قرفص تامير ولمس ماء الثلج الذائب، فسحب إصبعه فوراً: «حار».

لكن لم يكن الأمر حرقاً وحسب. ابيض طرف إصبعه، لا من التجمد بل من التآكل. تساقط الجلد طبقة طبقة، وبان تحته لحم أحمر، ثم بهت الأحمر فصار أسود، ومن تحته نبت شيء: حراشف.

نظر تامير إلى أصابعه، وارتجف وجهه. فتح فمه ثم ابتسم، لا بصوت بل بشد زاوية فمه إلى أعلى. نهض ومضى شمالاً كأن شيئاً لم يحدث، وسكينه تقطر مخاطاً وأصابعه تنبت حراشف.

عادت إيمي إلى بيتها وأغلقت الباب. وما إن استدارت حتى تدلى شيء من عارضة السقف: شعر إنسان طويل أسود. لم يكن متدلياً من رأس، بل مغروساً في العارضة؛ نبت الشعر من عروق الخشب.

جاءت بكرسي ووقفت عليه وشدت الشعر. كان حاراً. أخرجت سكيناً وقطعت خصلة، فسال من القطع سائل، لا دم بل مخاط شفاف. وقع على وجهها فحرقها ثم خدّرها.

مسحت المخاط، فمسحت معه بشرة وجهها. علقت على أصابعها طبقة رقيقة من جلدها، شفافة بلون المخاط نفسه.

في الليل جلست إيمي في البيت بلا مصباح؛ فالمصباح لا يضيء. ليس لأن الزيت نفد، بل لأن الضوء نفسه لا يضيء. تستطيع الشعلة أن تشتعل، لكنها حمراء، ولا تنير إلا دائرة بحجم فانوس، وما وراءها سواد لا ترى فيه جداراً ولا يدها.

ترصدت عند النافذة. كان شيء يتحرك خارجها؛ عرفت أنه ليس إنساناً. فالناس لا يزحفون حول القرية منتصف الليل ولا يصدرون، وهم يزحفون، صرير حراشف تحتك.

رفعت طرف الستارة. كان الخارج أحمر، لا بحمرة الضوء بل بحمرة العيون. عينان معلقتان عند مدخل القرية، على ارتفاع تشانغ. لم تر من النافذة إلا أسفلهما، وكان يرشح دماً—لا، ضوءاً أحمر يجري كالدموع. حين يقطر على الأرض يذيب الثلج ثم يتغلغل في الطين، فينبت منه شعر أسود إلى قدم، وتحت الشعر فروة رأس.

أنزلت الستارة وأسندت ظهرها إلى الجدار. كان جلد ظهرها يتحرك، لا خوفاً. لمست صفوفاً صلبة، صفاً وصفين، تبدأ من لوحي الكتف وتمتد نزولاً. نزعت ثيابها وأدارت ظهرها إلى المرآة. لم تر شيئاً في الظلام، لكنها عرفت بالشكل الذي تحت أصابعها: حراشف.

في اليوم الثاني اختفى شخص ثانٍ. لا، لا يجوز القول إنه اختفى؛ فلم يعد أحد يتذكر أن شخصاً كهذا كان موجوداً.

جلست إيمي عند الباب تراقب أهل القرية يمشون، منشغلين بقوة. لكن ظلالهم لم تكن صحيحة. كانت الشمس فوق الرأس، فيفترض أن تكون الظلال تحت الأقدام؛ لكنها كانت طويلة وراءهم، لا على هيئة بشر بل على هيئة أفاعٍ تتلوى على الأرض.

مر الجزار تامير. سقطت أظافر يده اليسرى كلها، ونبت مكانها حراشف سوداء. قطع اللحم بيده وسكينه، ثم رفع نصفه بتلك اليد الحرشفية إلى فمه وأكله نيئاً، والدم يسيل من زاوية فمه.

هل رآه أحد؟ لا. أو رأوه ولم يروا فيه غرابة، لأنهم هم أيضاً يأكلون بالطريقة نفسها.

كانت القدور في البيوت حارة، لكن ما فيها ليس لحماً بل حجارة وأحذية وخشب. يغرف بعضهم الحجارة بالملاعق ويقرمشها ثم يبتلعها، ويمدحون طراوة لحم اليوم. نظرت إيمي في أحد القدور؛ كانت حجارة سوداء مكسوة بمخاط شفاف ينساب فوقها فيجعلها تبدو كرائحة اللحم. لم يعرف الآكلون، فقد تغيرت ألسنتهم ونبتت عليها الحراشف، فصارت صلبة لا تتذوق الحجر، بل لا تتذوق إلا مخاطاً بطعم لحم نيء مالح وكبريتي.

في اليوم الثالث نقص واحد آخر. توقفت إيمي عن حفظ الأسماء؛ ذاكرتها نفسها كانت تبهت كلون ثوب يغسله الماء. تتذكر الأمس، لكن أول أمس غائم، وما قبله لا شيء منه إلا صور: فوانيس حمراء في السماء، وشيء داخل بؤبؤ.

تغيرت أصابعها. ارتخت أظافرها، ونما شيء أسود صلب في شقوقها. جذبت منه فأخرجت شريطاً رفيعاً طويلاً، لا خيط لحم بل حرشفة تنبت من تحت الظفر. وعلى باطن فخذها كان الجلد ينسلخ كما ينسلخ جلد أفعى. تحت الجلد لم يعد لحم الفخذ صحيحاً، بل حراشف سوداء مرتبة بحجم عملة، تنفتح وتنغلق مع تنفسها.

خرجت. بقيت البيوت هي البيوت، لكن طلاء جدرانها يتقشر؛ وما يتقشر لم يكن طلاء، بل جلد بشر أصفر جاف ملتصق بالجدران يرتعش مع الريح. وفي الثلج أمام البيوت وعاء وزوج عيدان طعام وثوب، موضوعة لترسم هيئة إنسان: الوعاء رأس، والثوب جسد، والعيدان ذراعان. لا أحد هناك، غير أن الأشياء دافئة وتتحرك.

وقفت في وسط القرية. قلّ الناس حولها أكثر فأكثر، لا لأنهم غادروا بل لأنهم اختفوا؛ وظلت أشياؤهم في حالتها الأولى، دافئة وقادرة على الحركة. رأت شفرة حلاقة معلقة في الهواء تحلق شيئاً لا يُرى، وعليها رغوة وشعيرات ودم. ورأت غليوناً يدخن نفسه عند باب لا يقف عنده أحد.

لم تعد تعرف لماذا هي في الثلج، لكن قدميها ظلتا تمشيان. تحت الثلج طين، وتحته شيء يزحف بإيقاع نبضها. إذا توقفت توقف، وإذا مشت عاد، كأن شيئاً نائماً تحت الأرض يجعل خطواتها أنفاسه.

كانت شجرة السوفورا العتيقة عند المدخل لا تزال قائمة، لكنها تحمل آذاناً لا أوراقاً: آذان بشر متباينة الشكل، معلقة بانتظام، رمادية مزرقة كلحم مملح. هبت الريح فدارت الآذان حتى واجهت ثقوبها إيمي.

أتتها من أعماقها أصوات دقيقة واضحة، صوتها هي: «إيمي. إيمي العجوز. هل تسمعين؟»

غطت أذنيها، لكن الصوت كان في أذنيها أيضاً. أخذ صيواناهما يلتويان، كحشرتين تحفران إلى داخل رأسها. شدت شحمتيها بأظافرها؛ كان الألم جيداً، إذ يعني أنها ما زالت هنا. لكن الذي خرج لم يكن دماً، بل ضوء أحمر يسيل من ثقبي أذنيها.

في اليوم الرابع جلست إيمي على العتبة، وعند قدميها وعاء ماء يعكس وجهها. لم يكن الوجه صحيحاً: نصفه الأيسر وجهها، أما الأيمن فيذوب إلى أسفل كشمع لين، ويرسم هيئة لا تخصها؛ وجنة أعلى وذقن أحد ومبان أرق.

رفعت الوعاء ونظرت قرباً. تحركت العين اليمنى في اتجاه غير عينها اليسرى: اليسرى إلى اليسار، واليمنى إلى اليمين؛ اليسرى تنظر في الوعاء، واليمنى تنظر خارجه. وفي الخارج، على أرض الغرفة، كان إنسان قرفصاء.

استدارت فجأة فلم تجد شيئاً. لكن طرف عينها رآه: شخص وراءها، يداه على ركبتيه، رأسه منكّس، وشعره يغطي وجهه. كانت ركبتاه منفرجتين وقدماه مجتمعتين، كطائر رابض على غصن.

عادت إلى الماء. كان ما يزال هناك في الانعكاس: جالساً وراءها وشعره يتحرك بلا ريح. ارتفعت الشعيرات واحدة واحدة، فكشفت مكان العينين: حفرتين تسيل منهما إضاءة حمراء. عرفته. إنه هي ذاتها، كما كانت قبل أن تغطي الحراشف جسدها.

حطمت الوعاء. سال الماء على الأرض بعكس طبيعته؛ صعد إلى المواضع العالية، وإلى الجدار والسقف، واجتمع بركة مقلوبة لا تقطر. وظل فيها انعكاسها من فوق، ورأت شعر رأسها يتساقط وفروة الرأس تدفع حبيبات متراصة: حراشف حتى على الرأس.

قرفصت والتقطت كسرة وعاء وغرزتها في ساعدها. لم يؤلمها؛ كان الجلد كجلد شخص آخر، لا تحس إلا مقاومة غليظة. نزعتها فخرج قليل من مخاط شفاف مطاطي، تحيط به نقاط سوداء تزحف عائدة نحو الجلد. غرستها أعمق؛ خرج مخاط أكثر ونقاط أكثر. انفصلت نقطة وسقطت، وفور مسّت الأرض انفتحت وصارت حرشفة كاملة بحجم ظفر، ذات حافة حادة ونتوء في الوسط كحرشفة أفعى مصغرة.

نظرت في الجرح. لم ينزف. كان داخله أسود، لا سواد دم متخثر بل لحم تحول كله إلى سواد. كان يتقلص ويتمدد ويتنفس، وتحت غشائه الرقيق أشياء طويلة حية تسبح في اللحم.

نهضت فوجدت البيت قد تغير. الطاولة طاولة والكرسي كرسي، لكنهما وكل شيء عليهما طبقة شفافة كغشاء بياض بيضة جاف. لمست الطاولة فانشق الغشاء وبقيت بصمتها، وظهر لون الخشب—لكن الخشب يتحرك، وفيه شيء يزحف كدود تحت اللحاء، يرفع السطح وينزله ببطء معقول كصدر إنسان. والكرسي يصعد ويهبط، والجدران الأربعة تتحرك. كانت واقفة كأنها في بطن كائن حي.

خرجت. لم يعد الثلج أبيض بل أصفر رمادياً. حين تخطو لا يصدر قرقعة الثلج بل صوت مكتوم رطب، كخطو على لحم. يهبط السطح وتنسرب منه مياه دافئة نتنة، برائحة طين نهر مقلوب، أشد كثافة وحلاوة حتى تضيق الحنجرة منها.

تغيرت البيوت كلها. بقيت خطوطها، لكن الحراشف تسلقتها، وبين طبقاتها مخاط شفاف يسيل إلى الأرض في آثار لامعة كأثر حلزون.

كان باب أحد البيوت مفتوحاً. رأت فيه امرأة عجوزاً تعرفها إيمي لكنها نسيت اسمها؛ تعرف أنها حادثتها وأن تلك العجوز استدانت منها وعاء ملح، لكن الاسم انتزع من الذاكرة وترك حفرة ضبابية. جلست العجوز أمام الموقد. كانت النار تشتعل، غير أن ألسنتها لم تصعد، بل انحنت نحو العجوز كيد تستطلعها. لم تتحرك العجوز، ووجهها هادئ وفمها نصف مفتوح وعيناها نصف مغمضتين. لامس اللهب وجهها فذاب الجلد، لا احتراقاً بل كشمع يسيل إلى الذقن ثم ينقطع خيطاً ويقطر على ركبتها.

لم تتحرك. لكن لسانها تحرك وبدأ يخرج من فمها، أطول فأطول. لم يكن أحمر، بل أسود مكسواً بحراشف دقيقة تلمع رطبة في النار. زحف حتى الأرض وباب البيت.

تراجعت إيمي خطوة. انكمش اللسان مصدراً فرقعة كسوط على حجر مبلل. انطبق الفم، وانفتحت العينان. لم تكن في محجريهما عينان، بل حفرتان يسيل منهما ضوء أحمر. لم يهبط الضوء، بل طفا وتجمد نقاطاً صغيرة تهتز أمام وجه العجوز كفوانيس، ثم تحركت النقاط خارج الباب إلى وسط القرية. تبعتها إيمي.

كانت البئر في الساحة. وعلى حافتها قرفص شخصان: الجزار تامير والرجل الأعرج قربان، الذي لم يعد أعرج. كانت قدماه تمسكان حافة الحجر بثبات، وأصابعه طويلة مرنة تفترش الشقوق كمخالب طير. كانا يأكلان شيئاً انتزعاه من البئر: شريطاً أسود طويلاً ما زال يلتوي. أمسك تامير طرفه وأدخله في فمه الواسع؛ تدلى فكه وصار فمه حفرة، فابتلع الشيء كله، وانتفخت حنجرته بكتلة تنزل ببطء إلى صدره. أكل قربان أيضاً. لم ينظر أحدهما إلى الآخر. كانا يمضغان وأفواههما مفتوحة، وكأن في حناجرهما شيئاً يطحن الطعام: طقطقة حجارة تسحق عظاماً.

اقتربت إيمي فرأت أن ماء البئر جف، وأن قعره حفرة سوداء هائلة بلا قرار. على جدرانها طبقات كثيفة من كائنات نصفها بشر ونصفها أفاعٍ، تصعد ثم تسقط، ثم تصعد وتسقط.

جاء صوت من قاع البئر: «لا تقفي هناك. انزلي. لم يبق إلا أنت».

مال جسد إيمي إلى الأمام من تلقاء نفسه، وسارت قدماها إلى الفوهة كما لو أن خيطاً خفياً يجذبها بقوة لطيفة ثابتة. قاومت ورجعت، فحفر حذاؤها خطين عميقين في الثلج.

واصلت كائنات البئر الصعود حتى توقفت في منتصفه. لم تتوقف لعجز، بل بإرادتها. أمالت رؤوسها ونظرت من حفرتي عينيها. تكاثف الضوء الأحمر الخارج منهما في كلمات لم تعرفها إيمي لكنها فهمت معناها: «لا عجلة. ما زال الوقت مبكراً. لا أحد يهرب».

تبعثر الضوء كالضباب فوق الفوهة. توقف تامير وقربان عن الأكل معاً، واستدارا معاً بمحاجرهما الخاوية إلى إيمي. كانت أفواههما لا تزال ممتلئة وتتحرك، ومن زواياها يسيل الضوء الأحمر، فيذيب الثلج ويكشف تحته جلداً: كانت الأرض نفسها جلداً له مسام وشعر، يتنفس ويعلو ويهبط، وينتصب شعره كسبل قمح.

ركضت إيمي. لم تركض في حياتها بهذه السرعة. كانت ساقاها تركضان وكأنهما ليستا لها، وقد تمزق سروالها فبانت حراشف سوداء مرتبة من أعلى الفخذ إلى الركبة. وصلت إلى مدخل القرية. كان الطريق إلى الجبل باقياً، لكن الأشجار تغيرت: جذوعها مكسوة بحراشف، وأغصانها رخوة كمجسات تتأرجح. لم تعد أوراق، بل خيوط سوداء غليظة تتدلى كالشعر وتلتوي وحدها.

حين مرت تحتها انخفضت الخيوط جميعاً إليها، لمست بعضها كتفها وشعرها، وما إن لمسها حتى التصق كمصاصة دم، وكلما شدته غاص أعمق. صرخت، لكن الخارج من فمها لم يكن صرخة بل عواء أجش، ثم فحيح بلا مقاطع.

مزقت الخيوط عن كتفها. سال من القطيعة مخاط، وحين مس أصابعها أذاب جلدها فوراً وكشف العظم. لم يكن العظم أبيض بل أسود، وعليه حراشف متصلة به، كأن العظم نفسه حراشف مكدسة. حركت أصابعها فانفتحت الحراشف مع انثناء المفاصل كمروحة صغيرة، وأصدرت صوتاً دقيقاً يطابق تماماً إيقاع الشيء الزاحف تحت الطين.

وصار نبضها على إيقاعه: «دوم. دوم دوم. دوم». لم يكن نبض قلب، بل صوت تقلب شيء في الوحل.

جثت إيمي وغاصت ركبتاها في الثلج، وحين ذاب ظهر جلد الأرض دافئاً رطباً ملتصقاً بركبتيها كحرارة جسد آخر. صعدت الحرارة عبر فخذيها وخصرها إلى صدرها، حيث كان شيء يجيبها ويضرب ضلوعها من الداخل. نظرت إلى صدرها؛ تمزق الثوب، وكان تحت الجلد شيء يدور كجنين. لمسته فوجدت حبيبات صلبة مرتبة في دائرة تدور ببطء، وكلما دارت نبض قلبها، وإذا توقفت توقف.

لم تعد تخاف؛ إذ لم يعد للخوف نفع. جلست في الثلج تنظر إلى يدها، والحراشف تتكاثر عليها.

في اليوم الخامس لم تعد إيمي إلى بيتها، بل جلست عند بئر وسط القرية. لم تعد البئر بئراً: اتسعت حافتها حتى صارت فتحة مستديرة قطرها ثلاثة تشانغ، بلا قرار. تسلقت جدرانها أشياء شتى: بشر تغطيهم الحراشف، وأفاعٍ بوجوه بشرية، ومخلوقات بينهما لا يدرى أهي حية أم ميتة. صعدت، فمنها ما خرج ومنها ما سقط؛ وكان صوت سقوطه، بعد زمن طويل، مكتوماً كلحم يقع على حجر.

جلست الخارجات قرفصاء عند الحافة بمحاجرها الخاوية إلى السماء. لم تعد السماء زرقاء، بل حمراء كلها، لا كغروب أو فجر بل كلوح حديد محمّى يصبغ كل شيء بلون واحد. لا غيوم ولا طيور. نزول الضوء الأحمر بعثر اتجاهات الظلال، فلم تعد ظلال الناس بشرية. كانت ظلال الكائنات عند البئر طويلة ملتوية كشرائط تمتد إلى جذور البيوت.

نظرت إيمي إلى ظلها. بدأ من مقعدها وامتد ذيلاً واحداً غليظاً، لا ساقين، التف حلقتين وارتعش طرفه. حركت قدمها فرفع الذيل نفسه أكثر مما حركتها، ثم هبط وصفع الأرض.

نظرت إلى البئر. كان فيها كائن بوجه امرأة يصعد قريباً من الحافة. صارت ملامحه واضحة، حاجبان وعينان وأنف وفم في مواضعها، لكن ابتسامته لا تنقطع، وشفتاه مشقوقتان إلى أسفل الأذنين تكشفان الأسنان. لم يكن ينظر إلى وجه إيمي بل إلى صدرها.

كان ثوبها قد تلف، وتوقف الشيء الدوار تحت جلد صدرها. بدأ بدلاً منه لوح صلب كامل يدفع للخارج من مركز صدرها. امتد الجلد حتى شف وصار ما تحته واضحاً: حرشفة بحجم حجر الرحى، سوداء مرسومة بحمرة كرموز أو وجوه بشر.

قالت الأصوات: «تعالي».

نهض جسد العجوز وحده عند الحافة. هبت من القاع ريح حارة برائحة الكبريت، وفيها أصوات كثيرة رجالاً ونساء وشيوخاً وصغاراً، تقول أشياء مختلفة بنبرة واحدة كأنها تتلو كتاباً. لم تفهم إيمي الكلمات، لكن فمها عرف؛ انفتح وتحرك لسانها وخرج صوت غامض يطابق إيقاعهم.

ركعت، وأسندت يديها إلى الحجر، وأمالت رأسها إلى البئر. تحتها هاوية حمراء، وفيها شيء هائل ملتف طبقات، من القاع إلى الجدار، يملأ البئر. يتنفس: مع الشهيق تصعد الكائنات كلها، ومع الزفير تنزلق إلى أسفل. كانت كل حرشفة بحجم حجر الرحى، سوداء ذات رسوم حمراء مثل ما على صدرها، ومثل نقوش أسفل الفوانيس الحمراء في السماء.

تحرك جزء صغير من ذلك الشيء، طرف منه يرتفع. تساقطت عنه المخلوقات الصغيرة كقشرة جدار إلى الهاوية. وارتفع حتى رأت رأساً هائلاً، رأس أفعى، لكنه ليس رأس أفعى، فالأفاعي ليست لها عينان كهاتين: عينان بشريتان ببياض وبؤبؤ ورموش طويلة. كان البياض أحمر، والبؤبؤ أسود عمودياً. انكمش البؤبؤ إلى خط واتسع ثم انكمش، كأنه يتعرف إليها وهي تتعرف إليه.

ارتفع الرأس حتى بقي تشانغ واحد إلى الحافة. كان فمه مغلقاً، وشفتاه حرشفتين ضخمتين حافتاهما كحد ساطور. ترشح بينهما قطر أحمر مضيء إلى الأجساد في القاع مصدراً فحيحاً. اقترب أكثر، فشعرت بأنفاسه الحارة ورائحة الكبريت والحلاوة المقيتة، كخمر ثمرة متعفنة. طار شعرها وثوبها مع النفس، وأضاءت حرشفة صدرها بالحمرة نفسها.

فهمت فجأة: لم يزحف هذا الثعبان من قاع البئر. كان هناك دوماً، قبل القرية، قبل الجبل، قبل أن تنفصل السماء عن الأرض. وكان ينتظر أن يصير أهل القرية حراشفه، أن يصير الجميع جزءاً منه.

مال جسدها أبعد، وارتفعت ركبتاها عن الحافة، وصار نصفها معلقاً فوق البئر. فتح الثعبان فمه ببطء شديد، بابتسامة تعرف معناها رغم اختلافها عن ابتسام البشر. لم يكن داخله ظلاماً بل ضياءً تتلألأ فيه أشياء لا تحصى كنجم الليل كله.

لم تكن نجوماً، بل حراشف نبتت على أجساد الناس، لكل منها انعكاس مختلف. تعرفت إلى واحدة ناقصة الزاوية: حرشفة إبهام تامير الأيسر، فقد شق ظفره حين كان شاباً يقطع العظام. وتعرفت إلى أخرى أكبر مستديرة زرقاء قاتمة محاطة بخط أبيض: حرشفتها هي، التي نبتت في صدرها.

كيف تكون في فم الثعبان وهي لم تسقط بعد وما زالت في جسدها؟ لمست صدرها؛ كانت الحرشفة باقية، صلبة حادة وحوافها ملساء كالمرآة. وفيها انعكس وجهها الآن، لا وجه الشباب: وجهها المجعد، عيناها الغائرتان وشفتاها المتشققتان.

بكت صورتها في المرآة، مع أن إيمي لم تحس أنها تبكي. كانت الدموع ضوءاً أحمر يقطر إلى البئر وعلى شفتي الأفعى.

انطبقت شفتا الأفعى بصوت هادر، كأن بابي صخر أُغلقا.

عادت الكائنات الصغيرة على جدران البئر إلى التسلق بجنون، كأنها تهرب من شيء. تدفقت من الفوهة، عبرت جسد إيمي، وانتشرت في القرية. ركعت إيمي عند الحافة تشاهدها تزحف؛ بعضها وطئ ساقيها وبعضها مس كتفيها، لكنها لم تحس بثقلها، بل بالبرد وحده. كانت حرشفة صدرها تمتص حرارتها.

في اليوم السادس، حين استيقظت إيمي، وجدت نفسها في بيتها. لم تتذكر كيف عادت.

كان كل شيء في الداخل كما كان: الطاولة طاولة والكرسي كرسي، والغبار على الموقد، والقدر بارد. جلست، وثيابها ممزقة. وعلى جلدها المكشوف آثار الحراشف الساقطة: حفر صغيرة كثيفة كسطح خلية. قلت الحراشف؛ بقيت القطعة الكبيرة على صدرها صلبة باردة كلوح حديد، وسقط معظم ما على ذراعيها وفخذيها، فبان جلد جديد وردي طري يؤلم عند الضغط، ألم جلد نبت لتوّه تحت الجرح.

جربت الوقوف. استطاعت ساقاها أن تحملاها وقدماها باردتان لا مخدرتان. ذهبت إلى الباب وفتحته.

كانت القرية ساكنة، لا سكون موت بل سكون حقيقي. الشارع نظيف، والثلج عاد أبيض ناصعاً يعكس الشمس. كان الثلج الذي هطل في الليلة السابقة قد غطى كل شيء: لا آثار غريبة على الأرض، ولا حراشف على الجدران، ولا خيوط سوداء في الأشجار.

مرت امرأة. كانت إنسانة لا شيئاً يقلد الإنسان، لأن قدميها أصدرتا قرقعة طبيعية في الثلج وتركتا آثار أقدام بشر. التفتت المرأة إلى إيمي؛ كانت المرأة التي ساعدتها من قبل على إشعال موقدها، وإن بقي اسمها بعيداً عن الذاكرة. ابتسمت لها ابتسامة عادية، وعيونها تعكس ضوء الشمس رطباً دافئاً، ضوء الأحياء.

قالت: «صباح الخير يا خالة إيمي. توقف الثلج، ما أطول شتاء هذه السنة».

فتحت إيمي فمها بلا صوت، ومضت المرأة دون أن تعبأ. ثم جاءت أصوات ثانية وثالثة ورابعة. امتلأت الشوارع بحاملي المجارف والسلال ومن يقود الأطفال. ركض طفل في الثلج، فسقط وبكى حقاً، فشدته أمه وربتت عن ثلجه ووبخته. كان البكاء حقيقياً والشتيمة حقيقية.

تصاعد بخار القدور برائحة دخان الحطب المحترق. كان أحدهم يقطع العظام: طق طق طق، صوت السكين على لوح التقطيع ثابت حقيقي، لا صوت مضغ العظام النيئة بالأمس.

تمشت إيمي ببطء في الشارع، فمرت بدكان تامير. كان يعلق نصف خنزير بخطاف حديدي على العارضة. يداه سوداوان من الدم والدهن، وبين أظافره فتات شحم، لكنهما يدان بشريتان، لهما أظافر رمادية مصفرة لا حراشف.

أومأ لها: «يا خالة إيمي، لحم اليوم طيب، ألا تأخذين شيئاً؟»

هزت رأسها ومضت. وعند باب قربان الأعرج كان جالساً يتشمس، وساقه العرجاء ممدودة مستقيمة في حذاء قطني ثقيل. أغمض عينيه، وتدلت من فمه نقطة لعاب لامعة كادت تقع، فشفطها بصوت وامتشق شفتيه، ثم حيّاها بكلمات مبهمة. أومأت ومضت.

وصلت إلى شجرة السوفورا القديمة عند مدخل القرية. لم تعد عليها آذان. لم يكن على أغصانها العارية سوى طبقة رقيقة من الثلج. تحتها طفل يخط بعصا صغيرة في الثلج. اقتربت ورأت أنه يكتب: «ربيع». كان قد كتب «ربيـ» وتوقف حائراً، لا يعرف كيف يكتب الحرف الأخير.

سمعت إيمي صوتها يخرج، خشناً جافاً، لكنه صوت إنسان: «إنه حرف العين».

رفع الطفل رأسه وابتسم، مظهراً سنه الأمامية الناقصة، ثم عاد يكتب ويتمتم: «جا—ء—الر—بي—ع».

إلى جانب خطه المتعرج في الثلج كان ظل صغير ضبابي، ظل إيمي. نظرت إليه: رأس وجسد وساقان. ما دام ساكناً كان ظلاً عادياً؛ رفعت ذراعها، فرفع الظل ذراعه.

وقفت زمناً طويلاً. طلعت الشمس من وراء الجبل ودفأت وجهها. أغمضت عينيها فشعرت بالدفء على جفنيها. مضى زمن طويل منذ عرفت هذا الإحساس، حتى ظنت أنه لن يعود أبداً.

لكن صدرها بارد. كانت الحرشفة هناك، تحت الثوب والجلد والضلوع، ملتصقة بقلبها، باردة كأن بينها وبين سائر جسدها طبقة فاصلة. أدخلت يدها تحت ثيابها ولمستها. كان فوقها شيء. حكته بظفرها ونظرته: صقيع، طبقة رقيقة بيضاء تذوب عند لمس الأصابع.

رجعت إلى البيت، وأغلقت الباب وفتحت الخزانة. فيها صندوق خشبي لم تفتحه منذ زمن بعيد. تراكم الغبار فوقه وأصاب الصدأ الأخضر قفله النحاسي، فلم تفتحه إلا بعد جهد. فيه أشياء قديمة: مشط خشبي مكسور الأسنان، ومرآة برونزية مكسورة الركن، وأوراق مصفرة مكتوبة. أخذت الورقة العليا؛ بهت خطها بدموع قديمة، لكنها استطاعت قراءته. كان التاريخ في آخرها بعيداً جداً حتى إنها لم تعد تتذكر كم كان عمرها عندما كتبتها.

قرأتها ببطء، تحرك شفتيها حرفاً حرفاً لنفسها. وعند جملة ما اختنق حلقها ولم تكمل. أعادت طي الورقة كما كانت، وردتها إلى الصندوق وأغلقته.

فكت ثيابها ونظرت إلى صدرها. في ضوء النهار بدت الحرشفة أوضح: لم تكن سوداء وحسب، بل عليها دوائر دقيقة تتسع من المركز كحلقات الشجر. وفي مركزها نقطة صغيرة شديدة الحمرة، كقطرة دم متجلطة فيها.

ضغطت النقطة. كانت رخوة تغور قليلاً، وعند الضغط ارتعشت الحرشفة كلها وارتج معها تجويف صدرها. رفعت يدها ولم تجرؤ على لمسها ثانية.

لم تكن النافذة موصدة تماماً. دخلت هبة ريح ومسّت صدرها، فتحولت الحرشفة في لحظة من برودة الجليد إلى حرارة جمرة، كحديد محمى وضع على صدرها. انحنت من الألم، وأسندت يديها إلى حافة السرير، تلهث. خرج العرق من جبينها وقطر على لوح السرير مصدراً أزيزاً كأن الخشب يتآكل. نظرته: لم يكن شفافاً، بل أحمر خفيفاً برائحة زفرة.

كانت الحرشفة تضيء، وحمرة باهتة مكتومة تتسرب من حوافها وتصبغ وجهها. كانت تومض مع نبضها: تنير عند الضربة وتخفت في الفراغ بينها. وضعت كفها عليها، فآلمتها الحرارة لكنها لم تسحبها.

شعرت من الحرشفة بنبض آخر. لم يكن نبضها؛ كان أبطأ وأثقل. نبضها سريع: دق دق. أما ذاك فـ«دوم—دوم—دوم»، تتباعد ضرباته، وكل واحدة تهز جسمها والسرير ودفّة النافذة غير المحكمة.

لم يكن النبضان متزامنين، لكنهما اقتربا. صار نبضها أبطأ وذاك أسرع، حتى زال الفرق وتراكبا في نبض واحد.

في لحظة التطابق سمعت شيئاً، لا بأذنيها بل في رأسها مباشرة. لم تكن لغة، بل إحساساً فهمت معناه كاملاً:

«قريباً.»

«بقي واحد.»

«وحينئذ يكتمل.»

رفعت إيمي رأسها. السماء وراء النافذة زرقاء أكثر من الحقيقة، والشمس ساطعة والثلج يرد بياضاً يؤلم العين. لكنها رأت عند خط التقاء السماء بالأرض خلف الجبل، بعيداً جداً، شيئاً يتحرك. لم يكن سحاباً؛ كان ظلاً واسعاً يزحف بمحاذاة الأرض من الشرق إلى الغرب، كحبر ينسكب على ورقة بيضاء وينتشر. رمشت، فكان باقياً، أكبر وأقرب.

ثم سمعت صوتاً واطئاً ثقيلاً: هدير لا يأتي من السماء كالرعد، بل من تحت أعمق طبقات الصخر، يهز زجاج النافذة وأطباق المائدة. كانت الأفعى تنقلب تحت جبل ثم تحت جبل آخر، آتية إليها.

اندفعت إيمي إلى الخارج. وقف في الشارع أناس متفرقون ينظرون إلى الأفق؛ قال بعضهم إنه سحاب، وبعضهم إن الطقس سيتبدل، وبعضهم إنه لا يرى شيئاً. أشاروا ثم واصلوا أعمالهم.

قالت إيمي بصوت مبحوح: «ألا تسمعون؟»

استدارت المرأة التي تشعل الموقد: «ماذا نسمع؟»

«تحت الأرض.»

«تحت الأرض؟»

«إنه ينقلب».

أمالت المرأة رأسها تستمع ثم هزت رأسها. سألت الآخرين وهزوا رؤوسهم جميعاً. رأت إيمي في وجوههم حيرة صادقة لا تمثيلاً. آذانهم لا تسمع ذلك الصوت؛ هي وحدها تسمع، لأن الحراشف سقطت عنهم وبقيت حرشفتها في صدرها. ربطتها الحرشفة بما تحت الأرض: إذا انقلب سمعته، وإذا أقبل عرفته، وإذا نبض صار قلبها على إيقاعه.

غطت صدرها بيدها. اشتدت حرارته حتى بان احمرار خافت من وراء الثوب. عادت إلى بيتها مسرعة، أوصدت المزلاج وأغلقت النوافذ كلها وسدلت الستائر. صار البيت مظلماً، لا ينير وجهها إلا وميض الحرشفة.

جلست على السرير تضم ركبتيها وتتكوّر، لكن النبض استمر أوضح فأوضح؛ لا وضوح ما تسمعه الأذن، بل ما يهتز له الجسد كله. اهتز عظمها وأسنانها ودماغها، حتى أرادت التقيؤ والصراخ والقفز من جلدها.

حاولت أن تقلع الحرشفة. غرست أظافرها في شق اللحم عند حافتها ورفعتها بكل قوتها. كان ألماً نافذاً كأنها تقتلع ضلوعها من جذورها، لكنها عضت شفتها وتابعت حتى انشقّت الشفة وسال الدم في فمها، مالحاً زفراً برائحة كبريت الحرشفة.

ارتخت الحرشفة قليلاً فقط، فأظلمت الدنيا أمامها من الألم. نظرت: لم تكن ملتصقة بل نامية في لحمها. خرج من تحتها عدد لا يحصى من الجذيرات البيضاء، تخترق اللحم واللفافة وتلتف حول الضلوع. كانت كلها حية تزحف ولها نبض. في الشق الذي فتحته ظهرت جذيرات ممزقة ترشح نوراً أحمر ومخاطاً شفافاً.

تركتها فسقطت في مكانها، وغرست الجذيرات نفسها ثانية في اللحم. بقي الألم، لكنه صار ألم استقرار، كأن شيئاً عاد إلى موضعه الصحيح. كان جسدها يرحب بعودة الحرشفة، فقد اعترف بها جزءاً منه.

بكت بلا نحيب، وانسابت الدموع إلى ركبتيها. كانت حمراء أيضاً، لكن حمراء قاتمة كدم مخلوط بالماء لا يشع. مسحتها بكمها فترك الماء بقعة حمراء واسعة.

في اليوم السابع لم تخرج إيمي طوال النهار. جلست في الظلام تعد ضربات قلبها وضربات القلب الآتية من تحت الأرض. لم تعد تميز بينهما، ولا تدري أيهما يبدأ: هل ينبض قلبها أولاً ثم تهتز الأرض، أم تهتز الأرض أولاً فيتبعه قلبها.

بدأت تشك في بقاء قلبها. وضعت يدها على موضع القلب في صدرها الأيسر. كان هناك نبض: دوم، دوم، دوم. لكنه الموضع ذاته الذي تغطيه الحرشفة. عبرت الرجة السميكة إلى كفها مكتومة، لا كأنها تلمس قلبها بل قلب غيرها، قلب الأفعى.

سحبت يدها فجأة، وكان كفها مبللاً بعرق بارد. فتحت ثيابها. في الظلام صار الضوء الأحمر أقوى؛ لم يعد يومض بل ظل مضيئاً، تتصاعد شدته وتنحسر ببطء كمد البحر. عند المد يحمر البيت كله، وعند الجزر يظلم فلا يبقى إلا هيئة إيمي.

تغير الجلد حول الحرشفة، فلم يعد لحمًا وردياً بل رمادياً. كانت الحرشفة تكبر، أكبر من أمس بحلقة. لم يعد المسافة من الترقوة إلى السرة تكفيها؛ امتدت حافتها إلى جلد سليم ونبتت عندها حراشف جديدة صغيرة مستديرة كقطرات، تنتشر إلى الجانبين والكتفين. جذبت ياقة ثوبها فرأت على كتفيها حبيبات كثيرة صلبة، كملمس ورق الصنفرة.

أغلقت ثيابها حتى آخر زر، فحجب القماش الضوء وعاد البيت إلى الظلام. جلست تسمع خارجاً ناساً ينادون أبناءهم إلى الطعام ويوبخون كلاباً قلبت أعشاش الدجاج ويصلحون مظلات سقف هدمها الثلج. كانت الأصوات جميلة حتى البكاء، لكنها لم تستطع البكاء؛ جفت الدموع في مقلتيها. امتلأت محاجرها لا بالدموع بل بالنور الأحمر، وكان يرشح مع كل رمشة من زوايا العين إلى تجاعيد الوجه والفم. لعقته؛ بلا طعم ماء، بل إحساس زيت كثيف أملس يخدر اللسان قليلاً.

أخرجت من تحت السرير كسرة مرآة، قطعة مثلثة بحجم كف من الوعاء المحطم. رفعتها أمام وجهها. انعكست عينها اليمنى وقد تغيرت: البياض كله صار أحمر فاتحاً، لا عروق دم بل صبغة متساوية. البؤبؤ بقي أسود لكنه أنحف وأشد عمودية من الأمس.

وضعت المرآة ولم تنظر. لا فائدة؛ جسدها يتغير من الداخل إلى الخارج، من العظم إلى الجلد ومن الدم إلى الشعر، لا تغيراً فجائياً بل تسرّباً، كثوب يغمس في صبغة تتغلغل بين خيوطه حتى يتبدل كله. ولإعادته يلزم تفكيك الثوب إلى خيط، والخيط إلى ليف وغسل كل ليف؛ لكنها لا تستطيع، فقد انقطع الخيط وقُص القماش وصار الثوب عليها.

في اليوم الثامن خرجت أخيراً، لا رغبة منها بل لأن البيت خلا من الطعام. كانت جائعة جوعاً لا يشبه جوع الأمس؛ لم يعد فراغ معدة وانقباض أمعاء وسيلان لعاب عند رائحة الدخان. كان جوعاً أعمق، جوع العظم والدم والحرشفة. جذيراتها تمتص شيئاً من لحمها ثم تبعث إشارة تجعل جسدها كله يحس نقصاً.

ماذا ينقصه؟ لم تعرف، لكنها عرفت إلى أين يجب أن تمضي. مشت قدماها وحدهما في الشارع الرئيس، عبرت مدخل القرية وشجرة السوفورا نحو سفح الجبل.

هناك منحدر حجارة لا ينبت فيه إلا شوك يابس وصخور. صعدت فوقه إلى صخرة كبيرة. كان خلفها طفل من القرية، تعرف وجهه ولا تتذكر اسمه، قرفص يحتضن ركبتيه ويدفن وجهه فيهما، وكتفاه ترتجفان من البكاء.

وقفت أمامه. رفع وجهه الملطخ بالدمع والمخاط، شفتاه زرقاوان من البرد أو الرعب. فتح فمه يريد الكلام فلم يخرج من حنجرته إلا أنين مسدود. قرفصت إيمي أمامه ومدت يدها تمسح دمعه. كان خده دافئاً رطباً بحرارة حي.

توقفت أصابعها لحظة أطول. أحست بالجلد الطري وبالأوعية تحته تنبض سريعاً. شمّت رائحة، لا رائحة لبن الطفل بل رائحة الدم المتسرب من أعماق الجلد، لا بأنفها بل بالحرشفة. سخنت في صدرها وأخذت تنبض بإيقاع أسرع من قلبها كأنها لا تحتمل الانتظار. التوت جذيراتها نحو الطفل كإبر بوصلة يجذبها مغناطيس.

انزلقت أصابع إيمي إلى عنقه النحيل، حيث الشريان الكبير يدق سريعاً. وضعت إبهامها عليه، ضغطت فغاص قليلاً ثم ارتد، وضغطت ثانية.

لم يهرب الطفل. نظر بعينيه الحمراوين من البكاء، وفيهما خوف ليس منها وحدها، بل خوف غريزي كخوف أرنب يرى ذئباً؛ يعرف الجسد قبل المعرفة أن الخطر أمامه. كان يرتعش رعدة خفيفة، كقطة تمسك من رقبتها فلا تقاوم.

نظرت إيمي إلى يدها. لم تعد يدها؛ سقطت أظافر أطراف الأصابع ونبت بدلها خمس حراشف صغيرة تعكس نوراً أسود. عطش. عطش. عطش. لا، جوع، أقسى جوع عرفته، أقوى من ثلاثة أيام بلا طعام ومن ثلاثة أيام في الصحراء بلا ماء. كان يحرق من النخاع إلى الخارج حتى ارتجفت ورأت حمرة أمام عينيها، وعرفت أنها إن لم تشبعه الآن ماتت واحترقت رماداً.

جذبت عنق الطفل إليها. فتحت فمها، ووجهت أسنانها إلى الشريان. تغيرت الأسنان: القواطع حدت، والأنياب طالت، والأضراس صارت حادة؛ لم تعد أسنان بشر بل أسنان أفعى. تحركت غدد في حنكها وأفرزت سائلاً لزجاً سال إلى طرف اللسان.

وقبل أن تعض قال الطفل: «يا جدتي إيمي».

كان صوته صغيراً رفيعاً مبحوحاً.

«لا أجد أمي».

توقفت أسنانها على جلد عنقه، لا يفصلها عن الشريان إلا سمك ورقة.

قال: «خرجت أمي أمس ولم تعد. بحثت يوماً كاملاً، في كل مكان، ولم أجدها».

بكى، لا بكاء عالياً، بل شهقات من أرهقه البكاء حتى لا صوت له. ارتفع كتفاه وانخفضا، ومع كل ارتفاع تحرك جلد رقبته تحت أسنانها.

«يقولون إنها خرجت من الجبل، لكني أعرف أنها لم تذهب. هي في القرية. أشم رائحتها، لكني لا أجدها».

أغلقت إيمي فمها وطبقت شفتيها، وتوقفت غددها. أطلقت الطفل.

تراجع خطوتين، اصطدم عقبه بحجر وسقط. لمس الخط الدموي الرقيق في عنقه فلطخ يده بالدم، فعاد يبكي خوفاً. اختلط بكاؤه بالهدير المنخفض البعيد، هدير الأرض، لكنه الآن أقرب: «ررروم... ررروم».

وقفت إيمي باستقامة ونظرت إلى يدها. بدأت حراشف الأظافر تنكمش إلى الشقوق، واحدة فواحدة، حتى لم يبق إلا خمس بقع رمادية سوداء كتراب تحت الأظافر. وضعت تلك اليد على حرشفة صدرها. كانت لا تزال تدق وتحترق وترسل نداء الجوع، لكنها لم تصغ إليه. لم تنتصر عليه، بل اختارت ألا تسمع.

ذهبت وأقامت الطفل ومسحت دمعه ومخاطه بكمها. ظل يبكي لكن أخف. أمسكت يده وقادته إلى القرية؛ كانت صغيرة باردة في كفها كقطعة جليد، وكال على يدها أثر الحراشف القاسي، لكنه لم يسحبها.

عند المدخل صادفا قربان الأعرج. جاء يعرج، ورأى الخدش الدامي في عنق الطفل وسأل. قالت إيمي: «سقط عند منحدر الصخور». قال قربان: «آه»، وأخذ الطفل ليعيده إلى البيت. بعد خطوات التفت الطفل إلى إيمي.

لم تكن نظرته نظرة من يرى محسناً ولا من يرى وحشاً، بل نظرة من يرى إنساناً ضائعاً.

وقفت إيمي عند المدخل تشاهد ظهره يصغر حتى انعطف خلف جدار واختفى. نظرت إلى يدها المرتجفة. لم تكن ترتجف برداً بل جوعاً؛ كان الجوع يتخبط بين الحرشفة والعظم، لكنها لن تطعمه اليوم. غداً، قالت لنفسها، غداً. ثم فكرت: ربما بعد غد، أو الذي بعده.

لكنها عرفت أن يوماً سيأتي لا يعود فيه التأجيل ممكناً. أي يوم سيكون؟ هل هو اليوم التاسع؟

«اللعنة على اليوم التاسع»، شتمت. أخذت الريح الشتيمة وبددتها في شارع القرية الفارغ.

عاد الشارع بلا بشر. الأصوات التي كانت هناك، أصوات الناس والقدور وكشط الثلج، اختفت. لم يذهب الناس؛ بل إن أذنيها لم تعودا تسمعان. لم يبق فيهما إلا نبض الأرض:

«دوم. دوم. دوم».

كان يقترب.

ذهبت خلف بيتها إلى قبو حفرته بنفسها لخزن الخضر صيفاً وكان خالياً شتاءً. رفعت باب الخشب ونزلت. كان القبو حالكاً، لا يضيء أمامها إلا مربعاً بقدر ذراع ضوء حرشفة صدرها الضعيف. جدرانه تراب يابس، ومن سقفه جذور متدلية ليست جذور شجر، مختلفة السمك: منها ما هو أرفع من إصبع ومنها ما هو أغلظ من المعصم.

أسندت ظهرها إلى جدار الطين ووضعت الحرشفة عليه لتبرد.

لكن ما إن مست الطين حتى جاء من خارج القبو صوت مكتوم بعيد، كأن شيئاً خرج من الأرض.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.