كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/32 · القسم الأول: أرضٌ خاوية
الفصل السابق

32 · القسم الأول: أرضٌ خاوية

ما وراء الليل

الفصل التالي

ظلّت ريحُ قمة كونلون تهبّ عشرة آلاف عام. والثلج على الذروة لا يذوب.

والسحب تتلاطم تحت القدمين.

استيقظت نُوَى من خواء كونلون.

فتحت نُوَى عينيها.

اندفع ضوء النهار إلى حدقتيها.

وضيّقت الإلهة ذات الرأس البشري والجسد الأفعواني عينيها قليلاً.

تحرّك ذيلها الأفعواني على السرير الحجري برفق.

احتكت الحراشف بالحجر الأزرق. فجلست.

وانسدل شعرها الطويل.

شعرٌ أسود غطّى نصف السرير الحجري.

مدّت نُوَى يدها.

ومرّت أصابعها بين خصلاتها.

خارج النافذة كان كونلون.

وفي الداخل كانت هي.

نَفَس واحد.

ولم يكن بين السماء والأرض غيرها.

خرجت أمّ الأرض زاحفةً من كهفها.

ورسم ذيلها على الأرض الصخرية قوساً. كان قصر خواء كونلون فسيحاً أكثر مما ينبغي.

فسيحاً إلى حدّ أن الصدى فيه فارغ.

وفسيحاً إلى حدّ أنّ سقوط إبرة يُسمع رنينه.

لكنها لم تكن تملك إبرة.

لم يكن لنُوَى سوى نفسها.

زحفت الإلهة ذات الرأس البشري والجسد الأفعواني في الممر الطويل.

وعلى الأعمدة الحجرية حُفرت ملامح بان غو.

توقفت نُوَى عند أحدها.

مدّت يدها.

لامست أطراف أصابعها عروق الحجر.

كان الحجر بارداً.

فسحبت الإلهة ذات الرأس البشري والجسد الأفعواني يدها.

— «بان غو.»

فتحت نُوَى فمها.

وردد الممر صوتها.

— «لقد رحلت.»

فأعاد الصدى: رحلتِ—رحلتِ—

أطرقت أمّ الأرض.

وألقت رموشها ظلاً على وجنتيها.

ثم خرجت نُوَى من خواء كونلون.

كان باب الجبل مفتوحاً على مصراعيه.

وانقضّت السماء والأرض في وجهها.

وقفت الخالقة عند باب الجبل، ذيلها ملتفّ، وقامتها البشرية منتصبة، وأرسلت بصرها بعيداً—

جبالٌ وأنهار وغابات ومراعٍ؛ مهيبة، واسعة، بديعة. لكنها كانت خاوية. خاوية إلى حدّ يضيق معه الصدر. أخذت نَفَساً عميقاً. في الهواء رائحة عشبٍ أخضر، ورائحة تراب، وشذى زهر، ورطوبة ماء، لكن لم يكن فيه شيء آخر؛ لم يكن فيه دخان الحياة. لا كلام، لا ضحك، لا بكاء. كل شيء موجود، إلا شيئاً واحداً—الناس. بدأت تسير، وذيلها يجرّ العشب. حكّت أوراق العشب حراشفها، وبلّلت قطرات الندى الذيل. اجتازت بحراً من الأزهار، أزهاراً برية تتفتح بجنون: حمراء وصفراء وبنفسجية وبيضاء، تغطي الجبال والسهول. فراشات تطير بينها، ونحلٌ يغوص في قلوبها. توقفت، وانحنت، وقطفت زهرة بيضاء وقرّبتها من أنفها. كان عطرها خفيفاً. أرخَت يدها فسقطت الزهرة. ومضت.

بلغت شلالاً. كان يهوي من جرفٍ يبلغ مئة تشانغ، يتصاعد منه الرذاذ ويعبره قوس قزح. وقفت تحته، فضرب الرذاذ وجهها، وتسرب البرد إلى جلدها. رفعت رأسها. الماء يأتي من العلو ويقع إلى السفل، ثم ماذا؟ ثم يمضي. لا أحد يراه، لا أحد يعجب به، لا أحد يقف لأجله—سواها. بقيت طويلاً، حتى ابتلّ كتفاها تماماً، وحتى انغمس ذيلها في البركة. كان ماؤها صافياً، ترى فيه حصى القاع، والأسماك والروبيان والنباتات المائية.

خفضت نُوَى بصرها إلى السمك. كان يسبح ذهاباً وإياباً في أسراب. قالت بصوت خافت:

— «لكم رفقة.»

وبالطبع لم يجبها السمك؛ واصل السباحة وحسب. استدارت نُوَى عن الشلال، وعبرت وادياً عميقاً تحف جانبيه جدران صخرية شاهقة، تنبت فيها صنوبرات تتشبث جذورها بشقوق الصخر. عبرت الريح الوادي، وأطلقت عواءً متصلاً، كأن أحداً يبكي. توقفت وأرهفت السمع: لم يكن غير الريح، لا بكاء. واصلت طريقها، وذيلها يسحق الحصى. ثم صعدت جبلاً عالياً؛ وحين بلغت القمة كانت السحب تحت قدميها والسماء فوق رأسها. وقفت وأدارت بصرها: جبال فوق جبال، تمتد حتى حافة الأفق. هناك كانت الشمس الغاربة، ذهباً منصهراً يحرق السحب بلون النار. منظرٌ مهيب، من فرط بهائه يخال المرء أنه يريد أن يصرخ. فتحت فمها، لكنها لم تصرخ. ولمن تصرخ؟ أطبقته، وشعرت بشيء يسد حلقها. نزلت من الجبل، ومضت نحو النهر الأصفر. ومن بعيد سمعت هدير الماء.

حين اقتربت، وجدت ماء النهر عكراً، والرمال والطين تتقلب فيه، والموج يضرب الضفة ويرفع أكواماً من الزبد كالثّلج. قرفصت عند الحافة، ولفت ذيلها تحتها، ومدّت يدها إلى الماء. كان بارداً، وانساب الطين بين أصابعها. سحبت يدها، فقطر منها الماء الموحل. أطرقت إلى السطح. لم يكن هادئاً، فالأمواج والرمال تتخبط فيه. لكنها رأت رغم ذلك—

انعكاساً: رأس إنسان، وجسد أفعواني، وشعر طويل يتدلّى فوق الماء، وملامح تهتز في التموجات. تجمدت. أهذه هي؟ اقتربت حتى كاد طرف أنفها يلامس السطح. انعكس وجهها: حاجباها، وعيناها، وأنفها، وشفتاها. إذاً هذه هيئتها. مدّت يدها، ولمست بطرف إصبعها الماء برفق، فاضطرب السطح وتحطم الانعكاس. سحبت يدها وانتظرت حتى سكن الماء؛ فتجمع الانعكاس ثانية، وعاد هيئتها كاملة. نظرت إليه، فنظر إليها. بين السماء والأرض لم يكن سوى هي وانعكاسها. ظلت تحدّق طويلاً، حتى آلمها عنقها. ثم اعتدلت، ونظرت حولها. النهر يجري شرقاً، والجبال تمتد، والسماء واسعة، وكل شيء مكتمل، إلا شيئاً واحداً—

ينقصها من يقف إلى جانبها، ومن يتبادل النظر معها، ومن يقول كلمة. أطرقت مرة أخرى إلى سطح الماء، إلى انعكاسها. وفجأة سخن صدرها، ونهضت من أعماقها فكرة، كشرارة نار، كبرق، كبذرة تشق التراب. وضعت يدها على صدرها، وارتجفت أصابعها قليلاً. فتحت فمها، وانضغط صوت من حلقها، خافتاً وواطئاً، لكنها سمعته:

— «أأخلق... بشراً؟»

كررت نُوَى، بصوت أعلى قليلاً:

— «أخلق بشراً.»

ثم أعلى:

— «أخلق بشراً!»

تموّج الصدى فوق صفحة النهر: أخلق بشراً—أخلق بشراً—أخلق بشراً—

نهضت نُوَى، وانبسط ذيلها. نظرت إلى الماء، وإلى انعكاسها، إلى ذلك الوجه والحاجبين والشفتين والملامح. وعرفت. عرفت كيف ستخلقهم. هبت الريح من النهر فحرّكت شعرها الطويل ورداءها. وقفت في مواجهتها، يدها على صدرها، وفي صدرها كان القلب يخفق سريعاً.

# القسم الثاني: خلق البشر من الطين

ركعت نُوَى عند النهر الأصفر، وذيلها ملتف فوق الطين. غرست كلتا يديها في تراب الضفة. كان التراب الأصفر ليناً مشبعاً برطوبة النهر. حملت قبضة منه، فتسرّب بين أصابعها. حملت ثانية، هذه المرة أكثر، ووضعته أمامها. ثم غرفَت قبضة من ماء النهر، وصبّته من كفها على التراب. وبدأت تعجن الطين، تضغطه بأصابعها حتى امتزج الماء بالتراب، والطين يخرج من الشقوق بينها بصوتٍ رطب: بطق، بطق.

طالت مدة عجن الخالقة، إلى أن صار الطين أملس، لا يلتصق باليد ولا يتشقق. رفعته ونظرت إليه، ثم أغمضت عينيها. ظهر انعكاسها في الماء: الحاجبان والعينان والأنف والشفتان والذقن والأذنان. فتحت عينيها وبدأت تشكله. ضغط إبهامها فصنع محجري العينين، وكشطت بسبّابتها فصنعت جسر الأنف، ولمست بطرفها فصنعت الشفتين. عملت ببطء وعناية: الرأس أولاً، مستديراً صغيراً؛ ثم الجسد والكتفان والذراعان والخصر والساقان. بدّلت ذيلها بساقين. وحين صنعت القدمين توقفت: أصابع صغيرة، خمسة. صنعتها واحداً واحداً.

وحين انتهت من الإصبع الأخير، حملت الإنسان الطيني على كفها. كان صغيراً بطول كفها، مغمض العينين، ضامّ الشفتين، وأطرافه منكمشة. نظرت إليه، فامتلأ صدرها بإحساس لا تصفه: دافئ وممتلئ، ومعه قليل من الفزع. وضعته برفق على عشب نظيف، لين كالبساط الأخضر، وتراجعت قليلاً. ظلّ ساكناً. انتظرت نفَساً، ثم اثنين، ثم ثلاثة؛ لا شيء. قطبت حاجبيها واقتربت. ظل طيناً، بلون التراب الأصفر وبريقه الرطب، لكن بلا نفس، بلا حركة، بلا حياة. لمست وجهه بطرف إصبعها، فلامست برودة الطين وسحبت يدها. أكان ينقصه—

رفعت نُوَى رأسها إلى السماء، ثم انحنت إلى وجهه ونفخت عليه نفخة خفيفة. مرّ نَفَسها فوق وجهه. وبدأ لون الطين يتغير، من لون التراب الأصفر إلى لون الجلد، شاحباً تشوبه حمرة. تحرك جفناه، ثم أصابعه، ثم أصابع قدميه، ثم—

فتح عينيه: عينان سوداوان لامعتان تحدقان في السماء. ثم فتح فمه وأطلق صرخة بكاء.

ارتعشت أصابع نُوَى بعنف. نظرت إليه وهو يبكي، وصوته يعلو. مدّت يدها، وظلت أصابعها معلقة فوقه لا تجرؤ على لمسه، خشية أن تكسره. كان يلوح بيديه وقدميه ويلتوي فوق العشب ولا يكف عن البكاء. أخيراً مدّت يدها وحملته إلى أمام عينيها. كان صغيراً جداً، ليناً جداً، وجسده دافئ. كانت كفها ترتجف. سالت دموعه من زاويتي عينيه إلى راحة يدها، ساخنة رطبة، وفجأة انشق في صدر نُوَى شيء لم تجربه من قبل—الحيرة. فتحت فمها تريد قول شيء، لكنها لم تعرف ماذا تقول. لم تفعل غير أن حملت هذا الكائن الصغير، ونظرت إليه، وأصغت إلى بكائه، حتى صار البكاء الأجشّ أجشّ.

وأدركت فجأة أن هذا الكائن يحتاج إلى شيء. ضمته إلى صدرها، وربتت عليه برفق، وأخرجت أصواتاً غير واضحة:

— «لا تبكِ... لا تبكِ...»

خفت بكاؤه شيئاً فشيئاً حتى سكت. فتح عينيه ينظر إليها، وهي تنظر إليه. كانت عيناه صافيتين كنبع جبل، كندى الصباح، كبحيرة بلا ريح. ورأت زاوية فمه ترتفع قليلاً. في تلك اللحظة أصاب قلبها شيءٌ بقوة. وضعت الإنسان الطيني على العشب، ثم خطفت قبضة أخرى من التراب الأصفر وبدأت تصنع الثاني. هذه المرة كانت أسرع: رأس، جسد، ذراعان، ساقان، أصابع؛ ثم وضعته ونفخت فيه. فتح عينيه وبكى. وضعته إلى جوار الأول وبدأت الثالث، والرابع، والخامس. واحداً بعد آخر. ركعت عند النهر، وصارت الكائنات تخرج من كفيها. ازدادت سرعةً ومهارة، لكن السرعة لم تكفِ؛ فالسماء والأرض أوسع من أن تحاط. صنعت مئة، فبدوا بقعة صغيرة من العشب. صنعت خمسمئة، وبقيت البقعة صغيرة. رفعت رأسها إلى الأرض الواسعة: من النهر الأصفر شرقاً إلى البحر، وغرباً إلى كونلون، وجنوباً إلى البراري الجنوبية، وشمالاً إلى البحر الشمالي. متى ستنتهي إن صنعتهم واحداً واحداً؟ أوجعت يداها وبدأت أصابعها ترتجف.

توقفت أم الأرض وهزت يديها. احمرّت بطون الأصابع من الاحتكاك، وامتلأت شقوق الأظفار بالطين، وأوجعها الرسغان. نظرت إلى أكثر من خمسمئة إنسان صغير على العشب: بعضهم يبكي، وبعضهم يحبو، وبعضهم مستلقٍ لا يتحرك، وبعضهم يلوح بأطرافه. ارتفعت الأصوات حول النهر، لكنها لم تبدُ لنُوَى ضجيجاً، بل دليلاً على أن العدد لا يكفي، لا يكفي أبداً. دلّكت رسغيها لتتابع، لكن أصابعها تيبست ولم تعد تنحني. قبضت يدها ثم فتحتها، وانتشر الألم في المفاصل. أخذت نفساً، ونظرت إلى كومة التراب الأصفر كالتل، وإلى النهر الجاري، وإلى الأرض الفسيحة. لا يكفي. تحتاج إلى طريقة أسرع، إلى طريقة تخلق فيها كثيرين دفعة واحدة.

جال بصرها في المكان، وفجأة رأت شيئاً: من جرف ضفة النهر تدلّت كرمة طويلة غليظة من القمة إلى الأرض. كانت من عروق بان غو. نهضت نُوَى وانبسط ذيلها، وزحفت نحو الجرف.

# القسم الثالث: البشر من قطرات الحبل

وقفت نُوَى تحت الجرف ونظرت إليه. كان شاهقاً يلامس السحاب، والكرمة تتدلى منه، غليظة كذراع، بنية داكنة ذات لمعان خافت. أمسكتها وشدتها، فلم تتحرك. شدتها ثانية؛ كانت عروق بان غو ثابتة كأنها يوم كانت في جسده. أمسكتها بكلتا يديها، وأمالت جسدها إلى الخلف، وشدت ذيلها، ثم جذبت بكل قوتها.

تدحرجت شظايا الصخور من الجرف، ونزّ من موضع القطع سائل شفاف لزج تفوح منه رائحة قابضة. لفّت الكرمة على ذراعها وجرتها إلى النهر الأصفر. امتدت من الشاطئ الطيني إلى الماء. أمسكت طرفها وغمرت طرفها الآخر في الماء حتى تشبع كله بالطين، ثم بدأت تلوّح بها. ارتفعت ذراعها ورسمت الكرمة قوساً في الهواء، وتناثر الطين. وعندما لامست الأرض طارت عنها قطرات طين لا تحصى، كبيرة وصغيرة، كالمطر، كالجراد الطائر، كنجوم تهوي من السماء. سقطت على الأرض والعشب والحجارة؛ وكل موضع تقع فيه قطرة—

كان يتغير، ويتلوى، وينمو. من القطرة تخرج أطراف ورأس ووجه، ثم يقف كائن حي: إنسان. فتحوا أعينهم وتنفسوا، ونظروا إلى السماء والأرض وإلى بعضهم، ثم أطلقوا أصواتاً.

لم تكن أصوات بكاء الأطفال، بل أصوات بالغين. فيهم رجال ونساء، طوال وقصار، تختلف ألوان جلودهم وأطوال شعورهم. وقفوا حائرين ثم رأوا نُوَى، ذات الرأس البشري والجسد الأفعواني، وفي يدها الكرمة. وكانت تنظر إليهم وصدرها يعلو ويهبط بعنف. ارتجفت يدها من الجهد، فانزلقت الكرمة وسقطت بثقل. امتد الجمع الكثيف من ضفة النهر إلى العشب البعيد: مئات، لا، آلاف؛ لم تعرف العدد. تحرك الناس: من خطا خطوة وخطوتين، ومن راح يمشي، ومن قرفص يلمس الأرض، ومن رفع رأسه إلى السماء، ومن مد يده إلى من بجانبه. كل شيء يضطرب ويضج. وقفت نُوَى في قلب ذلك الضجيج، وسط الحيوات التي صنعتها. خفق قلبها حتى بدا أنه سيقفز من صدرها، وعرقت راحتاها وخدرت أطرافها. أرادت أن تقول شيئاً، لكن حلقها كان مسدوداً.

عندئذ خرج من الجمع رجل. مشى ببطء مترنحاً، كأنه يتعلم جسده المولود، حتى وقف أمامها. كان طويلاً، فاضطرت إلى أن ترفع رأسها قليلاً. نظر إليها ونظرت إليه، ومرت الريح بينهما. فتح فمه. تحركت شفتاه، وخرج من حلقه صوت غامض: هواء أولاً، ثم ارتعاش، ثم—صوت واضح ذو معنى:

— «أنت...»

قالها ثانية: «أنت...»

تيبّس جسد نُوَى. ماذا سمعت؟ صوتاً، لا ريحاً ولا ماءً ولا تغريد طير أو زئير وحش، بل صوتاً ذا معنى خرج من حياة تشبهها. قال: «أنت؟»

كررت نُوَى خافتة: «أنت؟» وكرر هو: «أنت.»

ارتجفت شفتاها ولسعت الدموع عينيها. وضعت يدها على صدرها تخشى أن ينفلق من شدة الخفقان. ثم جاءت امرأة أخرى وقالت صوتاً آخر:

— «أنا...»

قالت نُوَى: «أنا.» ونظرت المرأة إليها وهي ترتجف: «أنا؟» فأومأت المرأة: «أنا.»

قال الرجل للمرأة: «أنت.» وقالت المرأة للرجل: «أنا.» ثم التفتا معاً إلى نُوَى وسألاها في وقت واحد:

— «وأنتِ؟ من أنتِ؟»

تجمدت نُوَى. فمها مفتوح وشفتاها وحلقها يرتعشان، لكن الصوت لم يخرج. غشّى بصرها شيء. نظرت إلى عيونهما الصافية، وإلى انتظارهما الجواب، فانزلقت دموعها: قطرة، ثم قطرتان، إلى التراب عند قدميها.

فتحت الأم نُوَى فمها، وكان صوتها مبحوحاً:

— «أنا... نُوَى.»

كان صوتها خافتاً حتى كاد تذروه الريح، لكنهما سمعاه.

— «نُوَى...» كرر الرجل، ولحنه غير مضبوط، لكنه اسمها.

— «نُوَى.» كررته المرأة أوضح.

غطّت نُوَى فمها، واندفعت دموعها بلا توقف. لقد خلقتهم ومنحتهم الحياة، وأول ما قالوه: «أنت»، و«أنا»، واسمها. وُلدوا، ووُلدت اللغة. اعتدلت، يسندها ذيلها، ورأت مزيداً من الناس يتجمعون من الجهات الأربع، يحيطون بها وينظرون إليها ويركعون. صاح أحدهم:

— «أمّنا!»

وانتشر الصوت وانضمت إليه أصوات أكثر: «أمّنا! أمّنا!» اهتز سطح النهر الأصفر، وحجارة الجرف، وسرب الطيور في السماء. وقفت نُوَى وسطهم، محاطة بأصواتهم ونظراتهم وحياتهم المنحنية أمامها، فزاد بكاؤها. لم تمسح دموعها. أرادت أن تقول: انهضوا، لا تركعوا؛ أنا خلقتكم؛ عليكم أن تتعلموا العيش وحدكم؛ السماء والأرض واسعتان، فامشوا معاً. لكنها لم تستطع. كان حلقها ممتلئاً وصدرها مكتظاً. فاكتفت بأن تقبل السجود والنداء والاسم الجديد—اسم الأم.

# القسم الرابع: عزلة الخالقة

مرّت الأيام. تعلم البشر المشي، فلم يعودوا يتعثرون؛ وتعلموا الكلام، فلم تعد لغتهم «أنا» و«أنت» فقط، بل جملاً أطول ومعاني أعقد. صاروا ينادون بعضهم بأسماء، وتقاسموا العمل: الرجال يصطادون، والنساء يجمعن الثمار، والشيوخ يرعون الصغار.

وقفت نُوَى بعيداً تراقب. رأتهم يطاردون الصيد في حلقة، برماح حجرية، منهم من يصيح أو يطرد، ومنهم من يضرب، حتى يقع الوحش فيهتفون. ورأتهم يجمعون الثمر: يصعدون الشجر، يقطفون ويرمون لمن أسفل، فيلتقطه الآخرون ويضعونه في سلال مضفورة من الكرمة التي أعطتهم إياها، ثم صاروا يستعملونها في الربط وصنع الحبال. رأتهم يبنون أكواخاً واطئة من أغصان وقش وطين، مجتمعةً حتى صارت قرية. عند الغسق ارتفع دخان المواقد، وفاحت رائحة الطعام، وجلسوا حول النار يقتسمون الصيد والثمار، يضحكون ويتحدثون ويتمازحون. كان الأطفال يركضون بينهم ويقفزون ويسقطون ويبكون، ثم ينهضون ويركضون من جديد.

حلّ الليل فاشتعلت النار أكثر، وقفز اللهب وطار الشرر إلى السماء. تحلق الناس حولها وبدأوا يرقصون: تصفيق، ودقّ أقدام، ودوران؛ خطوات بسيطة وإيقاع سريع. غنوا كلمات قصيرة مكررة لا معنى معقداً لها، لكن اللحن والإيقاع وتآلف الأصوات طاف في الليل حتى بلغ مكاناً بعيداً. سمعته نُوَى. وقفت على تل بعيد، ذيلها ملتف على العشب، وضوء النار يلمع ويخبو على وجهها. رأت الراقصين والمغنين والجالسين معاً يسردون الحكايات. كان شيخ يتحدث والآخرون يحيطون به في صمت: يحكي عن صيد ووحوش ضارية ونجاة ونصر. لم تسمع نُوَى ما يقول، لكنها رأت وجوههم مضيئة، لا بضوء النار وحده، بل بضوء آخر يخرج من العيون ومن القلب—ضوء حي حقيقي دافئ.

ارتفعت زاوية فمها دون قصد. كانت تبتسم، لكن ابتسامتها لم تدم إلا لحظة. ثم صعد من قلبها شيء لا اسم له؛ ليس حموضة ولا مرارة ولا ألماً، بل شعور الوقوف بمحاذاة البهجة من دون أن تستطيع أن تخطو إليها، أن ترى غيرك في دفئه ولا تكون إلا ناظرة، شعور أن تُستبعد. خلقتهم، هي أمهم، ومنحتهم الحياة واللغة وكل ما يحتاجونه ليكثروا ويعيشوا. لكنها وقفت هناك، تفصلها عنهم مسافة التل، تسمع ضحكهم وغناءهم وكلامهم، ولا تفعل إلا أن تنظر وتسمع. لم تمضِ إليهم، لا لأنها لا تريد، بل لأن—

خفضت الإلهة ذات الرأس البشري والجسد الأفعواني نظرها إلى ذيلها. تحت ضوء القمر كانت حراشفه ترد نوراً بارداً. ثم نظرت إلى البشر: لهم سيقان وأقدام، يرقصون في دوائر ويتسابقون ويمرحون ويجلسون كتفاً إلى كتف. أما هي فلا تملك إلا هذا الذيل؛ تزحف وتلتف وتنساب. لم تكن مثلهم، ولم تكن مثلهم قط. منذ ولدت كانت وحدها؛ وبعد أن تحوّل بان غو، لم يبق في السماء والأرض سواها. استيقظت في خواء كونلون أمام قصر فارغ، ومشت عند الشلال وعبرت الوادي وصعدت الجبال، ولم يكن معها إلا صوت الريح والماء. الآن امتلأت الأرض بآلاف البشر، لكنهم، خلاف بان غو وخلافها، يشبه بعضهم بعضاً: لهم رفاق. أما هي فالأخرى الوحيدة.

لاحظها نفر من الناس. تركوا النار وصعدوا التل وركعوا أمامها:

— «أمّنا.»

نظرت نُوَى إليهم وفتحت فمها تريد أن تقول «انهضوا». وقالتها بصوت هادئ. نهضوا مطأطئي الرؤوس، لا يجرؤون على النظر إليها. قال أحدهم:

— «تعالي واجلسي إلى النار، يا أمّنا.»

هزت نُوَى رأسها.

— «لا.»

ثم أضافت بخفة:

— «اذهبوا أنتم.»

تبادلوا النظرات، وانحنوا ثانية، ثم عادوا إلى النار.

راقبتهم نُوَى وهم يعودون إلى تلك الدائرة المضيئة، إلى الغناء والضحك. كانوا يستطيعون العودة، وهي لا تستطيع. أخذ ضوء النار في عينيها يصغر ويصغر حتى صار نقطتين، ثم تحطمتا وانحدرتا على وجنتيها. مسحت وجهها فابتلت أصابعها. نظرت إلى دموعها الشفافة في ضوء القمر، كذوبان ثلج قمة كونلون. قبضت أصابعها واستدارت. ترك ذيلها خطاً طويلاً في العشب. غادرت النار والأغاني والحيوات التي خلقتها. إلى أين؟ لم تعرف. زحفت بلا توقف، وظهرها للنار ولعالم البشر. عبرت العشب والغابة والجداول، ولم تلتفت؛ لو التفتت لرأت المواقد كالنجوم على الأرض. قبل البشر لم تكن هناك مواقد، بل ريح وماء فقط. هي خلقت البشر، والبشر أشعلوا النار، وصار في الأرض نور. لكنه نور البشر، لا نورها. فأين نورها؟ رفعت رأسها فرأت كونلون، خواء كونلون تحت القمر وبين النجوم، قائماً وحيداً. هناك خرجت، وهناك تعود. اتجهت نحوه، والقمر يطيل ظلها، وذيلها ينعطف مرة بعد مرة. زحفت طويلاً حتى انتقل القمر من الشرق إلى الغرب وابيضّ الأفق. بلغت سفح كونلون أخيراً، ورفعت رأسها إلى القمة المستترة بالسحب، وبدأت الصعود. كان ذيلها يجر فوق الدرج الحجري.

غمر الثلج جانبي الطريق، وخرجت أزهار اللوتس الثلجية أحياناً من الشقوق. صعدت درجةً درجة؛ كل درجة تبعدها عن عالم البشر، وكل درجة تقربها من وحدتها. ولم يكن لها إلا أن تصعد، ففي الأعلى سريرها الحجري وكهفها وخواء كونلون الفارغ الذي تركه بان غو.

# القسم الخامس: شرابٌ وحيد في كونلون

على قمة خواء كونلون كانت الريح تهب. وقفت نُوَى أمام باب الجبل؛ كان الباب الحجري موصداً. وضعت كفها عليه، فكان برده ينفذ إلى العظم. دفعته بقوة. في الداخل ظل القصر فسيحاً كما كان، مظلماً كما كان، صامتاً كما كان. زحفت إليه، وذيلها ينزلق فوق الحجر.

لم تشعل الخالقة مصباحاً؛ لم تحتج إليه. كانت تعرف كل عمود، وكل بلاطة، وكل جدار. وصلت إلى كهفها ودفعت بابه الصغير. بقي السرير الحجري كما تركته: وسادة حجرية ولحاف حجري، باردان بلا دفء. لم تستلقِ، بل زحفت إلى النافذة ودفعت شباكها الحجري. انسكب ضوء القمر، فدخل النور إلى القاعة. اتكأت على الحافة ونظرت إلى الخارج. ماذا ترى من قمة كونلون؟ بحر السحاب، والجبال، وعالم البشر: مواقده في البعيد المنخفض كالنجوم، متناثرة في كل مكان. كانت تعرف أن عند كل نار ناساً يرقصون ويغنون ويسردون ويضحكون. ترى النور ولا تسمع الصوت، لأنه بعيد حتى تذروه الريح. حدّقت طويلاً حتى تيبس عنقها وجفّ بصرها.

تركت النافذة وزحفت في القاعة. في زاوية منها أشياء جمعتها منذ أزمان: حجارة ملونة بقيت من إصلاح السماء، ويشم كونلون المتكثف في الجبل، وأزهار وأعشاب غريبة جفت منذ زمن. قرفصت ورتبت ذيلها، وراحت تقلب الأشياء العتيقة. كل شيء يحمل ذكرى وحكاية، لكن لا أحد تعرف أن تروي له الحكاية. التقطت حجراً خماسي الألوان، بحجم الكف وناعم السطح، تتداخل ألوانه وتلمع تحت القمر. لمسته وتذكرت شيئاً. أخذته إلى الخارج. في قمة كونلون ثلج لا يذوب طوال العام. انحنت وحملت قبضة منه؛ ثلج كونلون ليس ثلجاً عادياً. عادت إلى الداخل ووضعته على الحجر، ثم أجرت قوتها الإلهية. لان الحجر الخماسي في كفها ورقّ وتشكل، حتى صار كأساً حجرياً صغيراً مستديراً، تتدفق فيه الألوان الخمسة. وضعت فيه الثلج، فذاب ببطء وصار ماء صافياً. رفعت الكأس إلى أنفها؛ لماء الثلج لا رائحة. هزته برفق فتراقص الماء، ونظرت إليه: هذا ماء كونلون، هذا خمرها.

عادت إلى النافذة واتكأت عليها، ورفعت الكأس إلى السماء المرصعة، ودرب التبانة يقطعها، وتحته مواقد البشر. نظرت إليها طويلاً، ثم ابتسمت. بدأ السرور عند زاوية فمها واتسع ببطء، لكن في عينيها شيء أبرد من ضوء القمر.

فتحت نُوَى فمها وقالت كأنها تخاطب نفسها:

— «عالم البشر...»

توقفت، وتحرك حلقها.

— «ما أجمله.»

شربت ماء الثلج. كان بارداً، من الحلق إلى الصدر. وضعت الكأس وظلت تحدق في المواقد، ثم قالت بصوت أخفض:

— «أما أنا...»

عضّت شفتها.

— «فليس لي سوى هذه الكأس.»

لم يسمعها أحد، ولم يعرف أحد، ولم يجب أحد. ابتسمت، وفي ابتسامتها حزن لم يعرفه غيرها. ملأت كأساً أخرى من ماء الثلج ورفعته هذه المرة إلى النجوم:

— «بان غو. لقد صرت السماء والأرض. في السماء والأرض كل الأشياء، وفي كل الأشياء أنا. خلقتُ البشر. صار للبشر رفقة. أما أنا...»

شربت الكأس الثانية.

— «فما زلت وحدي.»

شربت كأساً بعد كأس. كان ثلج كونلون لا ينفد، والكأس الخماسية صغيرة، لكنها شربت كثيراً. ولم تسكر مهما شربت؛ فهي إلهة، والآلهة لا تسكر. ولعل في ذلك قسوة أخرى. وضعت الكأس وأسندت ذقنها إلى ذراعها ونظرت بعيداً. بدأت مواقد البشر تنطفئ، واحدة بعد أخرى. تأخر الليل، وتعب الناس وذهبوا إلى النوم. خبا الضوء حتى لم يبق إلا نزر متفرق مشتعل. وجاء الغناء، تحمله الريح إلى الأعلى، متقطعاً غامضاً. لكنها عرفت اللحن؛ إنه اللحن الذي كان البشر يغنونه حول النار. أغمضت عينيها وأصغت. حملته الريح ثم أخذته، يجيء ويذهب مراراً. تحرك ذيلها بخفة فوق الأرض الحجرية، واحتكت حراشفه بالحجر.

وعينا نُوَى مغمضتان، وشفتاها تتحركان قليلاً. راحت تهمهم مع اللحن، ذلك الغناء البشري البسيط الذي سمعته من بعيد. ثم توقف صوتها. تسربت الدموع من شق جفنيها المغلقين. لم تمسحها، فسالَت إلى ذقنها وقطرت على حافة النافذة. وبعد زمن فتحت عينيها. نظرت إلى الكأس الخماسية في يدها، ثم إلى عالم البشر. كانت معظم المواقد قد انطفأت، ولم يبق إلا واحدة أو اثنتان تلمعان في ضعف. بدأ الأفق يبيض، ويوم جديد يقترب. سيستيقظ البشر ويواصلون التكاثر والغناء والرقص ورواية الحكايات وإشعال النار، جيلاً بعد جيل. أما هي فستبقى هنا، على قمة خواء كونلون، تنظر وتسمع، وتملأ لنفسها كأساً من ماء الثلج، وتشربها للنجوم، ثم تقول لنفسها:

— «ما أجمل عالم البشر.»

— «لكن ليس لي سوى هذه الكأس.»

نهضت نُوَى وانبسط ذيلها. ابتعدت عن النافذة، وتركت الكأس عليها وفيها نصف كأس من ماء الثلج. كان سطح الماء يعكس السماء والنجوم الأخيرة والفجر المقبل. وفي القاعة زحفت نُوَى إلى السرير الحجري واستلقت عليه. انتشر شعرها الطويل فوق الوسادة الحجرية، وأغمضت عينيها، وظلت آثار الدموع عند زاويتيهما. لم تمسحها. في الخارج واصلت الريح هبوبها؛ ومن عالم البشر البعيد جاء آخر خيط من الغناء ثم تبدد. ولم يبق بين السماء والأرض إلا صوت الريح والماء، وفي خواء كونلون: إلهة، وذيل أفعواني، ووحشة لا حدّ لها.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.