كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/31 · الصمت والبيضة
الفصل السابق

31 · الصمت والبيضة

ما وراء الليل

الفصل التالي

صمتٌ مطلق. لم تكن حتى كلمة «الصمت» قد وُجدت.

ولم يكن ذلك فراغاً؛ فالفراغ، على الأقل، فيه «خلوّ». كان هذا أقدم من الفراغ: كتلة من الفوضى الأولى. أغمض عينيك ومدّ يدك، فلا تمس شيئاً—ذلك هو الفراغ. أما إذا مددت يدك في الفوضى لامست شيئاً دافئاً لزجاً ثقيلاً، كبياض البيضة، وليس بياضها: مادة الأشياء قبل أن تنفصل، فلا ماء ولا هواء ولا تراب ولا نار، بل كلّها متشابكة مختلطة ذائبة. كانت الفوضى كبيضة دجاجة: بيضة لا حدّ لها، حمراء قاتمة، تتلوّى ببطء. لم يكن زمن، إذ لم ينفصل الليل عن النهار، ولذلك لم تكن «الأيام» موجودة.

نام بان غو فيها. أكان ذلك عشرة آلاف عام، أم مئة ألف، أم طرفة عين؟ لا معنى للسؤال في الفوضى. لكنه كان نائماً، أو بالأحرى: منتظراً. كبذرة مدفونة تنتظر مطر الربيع؛ إلا أن التراب كان الفوضى، والمطر لم يُخترع بعد.

كان إحساسه الأول الضيق. لا ضيق من عسر التنفّس—فلا هواء هناك ولا حاجة له بالنَّفَس—بل ضيق أعمق، كأن لفّته طبقات لا تنتهي من حرير مشبع بالزيت، محكمة كثيفة. أراد أن يحرّك إصبعاً فلم يقدر، وأن يدير رأسه فلم يستطع، وأن يمد ساقيه فلم تنفرجا. فتحت الفوضى عليه إغلاقها، ففتح فمه، وتدحرج من حنجرته صوت: «ضيّق...» كان ذلك أول شعور في الكون؛ لا غضب ولا خوف ولا حزن، بل ضيق بدائي بسيط، يشتد كقرع طبل هائل في باطن الأرض.

فتح عينيه، وكانتا جديدتين لم تُستعملا من قبل. ماذا رأى؟ الفوضى: حمرة قاتمة بلا حدود، كقاع أعمق بحر تحيط به دماء لزجة. اندفعت الحمرة من كل جانب وملأت بصره ووعيه. أغلقهما، فعاد كل شيء كما كان، لكنه عرف شيئاً: إنه في الداخل، في داخل الفوضى. فإذاً ما الخارج؟ دخل السؤال، كشوكة، وعيه المستيقظ. وجود «داخل» يقتضي «خارجاً». وكان عليه أن يعرفه.

بدأ يتحرك. تحرّك السائل اللزج ببطء وثقل، كمن ينقلب في طين عميق. تحررت أصابعه واحدة واحدة، وكانت الفوضى تعلّق بمفاصلها كالدهن، وكل شبر يحتاج إلى قوته كلها. ثم الرسغ، ثم الذراع؛ أخذ يسبح فيها كما يسبح المرء في الوحل، وكل تقدم كدفع جبل. كانت تغلف جلده وتجر عروقه وعظامه وتضغط لحمه، وكان ضيقه يتسع من صدره لا لأن الهواء ناقص، بل لأن «المكان» ناقص. أراد موضعاً يتمدد فيه، يستدير فيه، ويتنفس—إن كان يحتاج إلى التنفس.

مدّ يده أمامه. وما «الأمام» في فوضى بلا اتجاه؟ غير أنه أحسّ بجهة رقيقة، بحدس: هناك تضعف الفوضى، أو لعل الحرارة تختلف. سمّى الجهة الأمامية، وكان فيها فرق حراري ضئيل كإبرة بوصلة تقوده. سبح إليها. كم ظل يسبح؟ لا يدري؛ فالوقت في الفوضى لزج كالعسل، لا يمكن مدّه خطاً مستقيماً. ثم لامست أطراف أصابعه شيئاً.

كان صلباً. توقّف بان غو. كل ما في الفوضى طري لزج سائل، وهذه أول مرة يلمس فيها «الصلابة». وضع كفه عليه: دافئ، أبرد قليلاً مما حوله، أملس مقوّس. دفعه فلم يتحرك، ودفعه بكل قوته فتلاطمت الفوضى حوله وظل ساكناً. كان ذلك الحدّ، حدّ الفوضى؛ قشرة بيضتها. فهم أنه في الداخل، وأن هذا هو حد الخارج. تحسس حرارتها ونسيجها وسماكتها، وهمس: «هذا هو... الحد». كانت سميكة أكثر من جسده بأضعاف لا تحصى. ماذا وراءها؟ لا يعرف. لكنه عرف أنه يجب أن يخرج؛ ليس خياراً بل غريزة، كما لا بد للبذرة أن تشق التراب وللفرْخ أن ينقر القشرة. لقد سئم الضيق.

بحث بكفه على السطح المقوس. كانت عليه خطوط كدوائر جذوع الأشجار أو شقوق صدفة سلحفاة، تلتف من مركز ثم تنتشر. وجد مركزاً غائراً قليلاً أدفأ مما حوله؛ ضغطه فشعر بمرونة ضئيلة. «هنا». قبض يده؛ لا سلاح في الفوضى، غير جسده، فليكن الجسد سلاحه. قال: «انكسر». ثم استنشق الفوضى، لا هواءً بل قوة روحية أولى؛ فهي منه وهو منها، يتنفسها كما يتنفس نفسه. وضرب الغور بكل قوته.

ارتجت الفوضى كلها، لا بعنف بل كنبضة في أعماق الأرض، كقشعريرة في العالم. لم تنكسر القشرة، وأصاب قبضته ألم حاد؛ انزاحت مفاصله تحت الجلد وانشق جلده، أول ذرة ألم في الكون. لم يتوقف. قبض ورفع وضرب مرة أخرى. ظهر في الخط شق أدق من الشعرة، وتسرب منه نور أحمر قاتم—أو فوضى أبهى قليلاً من سواها. كان أجمل ما رآه، لا لشدة ضيائه بل لأنه «مختلف». وفي فوضى لا تتغير، كل اختلاف معجزة.

أخذ يضرب، ويصيح في كل ضربة: «افتح، افتح، افتح!» صار الشق من شعرة إلى خيط إلى صدع. تدفقت منه الطاقة الأولى غير المتمايزة، وغرس أصابعه فيه ومزقه. غرست الشظايا في كفيه وأحرقت الألم، وتسربت الفوضى من الجراح إلى دمه، فزمجر: أول زئير في الكون. اتسع الصدع ولم يكفِ. نظر إلى صدره العريض كالجبال، وذراعيه كالجذوع، وقبضتيه كالصخر. لم يعلم كيف سكن هذه الهيئة؛ لعلها وُلدت لهذا اليوم. تراجع خطوة استهلكت زمناً لا يعرفه في اللزوجة، ثم اندفع بكل جسده في الشق.

صمتٌ في فضاء بلا حدود، حتى إن التنفس صار له صدى.

طفا بان غو في النور. لا فوق ولا تحت، لا أرض يقف عليها ولا سماء يرفع إليها بصره. مرّت أصابعه في النور فلا مست شيئاً؛ وتحت قدميه فراغ لا ينتهي، وفوق رأسه فراغ مثله. هكذا كان الخارج: أرهَب من الداخل. في البيضة موضع للقدم وحدّ للمس؛ أما هنا فلا شيء. خاف للمرة الأولى، لا من خطر—فلا خطر—بل من العدم، من اللانهاية، من الوجود بلا سند. التفت إلى البيضة المحطمة، والفوضى تنساب من صدعها كحية عملاقة جريحة. وفهم فجأة: لم يخرج لأن الضيق أزعجه وحده؛ خرج ليصنع مكاناً يمكن البقاء فيه.

والخلق يحتاج أداة. لم يجد حوله إلا نفسه والبيضة التي تنزف الفوضى. كانت قبضتاه قد كسرتا القشرة وهما صلبتان؛ لكنه احتاج سلاحاً. سبح إلى الشظايا العائمة، منها حاد كسكين ومنها ثقيل كدرع، واختار أعظمها: حافتها مقوّسة، طرفها عريض غليظ والآخر ضيق حاد. أمسكها، دافئة ملساء تلائم كفه كأنها انتظرته. رفع الفأس البدائي. لم يعرف حركة الضرب ولا فنّاً، لكن يديه وجسده عرفا، وفي عظامه ذاكرة أقدم منه، ذاكرة الكون نفسه. رفع ذراعه والفوضى أمامه لزجة متلوية بلا نهاية، وهوى بالفأس.

فانقسمت الفوضى. لم تتكسر ولم تتشقق، بل صارت الواحد اثنين: ارتفع الصافي الخفيف الشفاف كالضباب، وهبط الكدر الثقيل العكر كالطين. وقف بان غو بينهما. مر الصافي صاعداً بارداً خفيفاً كضباب الصباح، وانزلق الكدر هابطاً دافئاً ثقيلاً كوحل قاع النهر. أخذ الموضع الذي يقف فيه ينظف ويجف من اللزوجة. عرف الاتساع. تنفس عميقاً للمرة الأولى: ليس فوضى ولا نوراً أولياً، بل هواءً ينشأ من افتراق السماء والأرض، نقياً حلو المذاق قليلاً وفيه رائحة التراب.

ابتسم بان غو، أول ابتسامة في الكون. بقيت على شفتيه طويلاً؛ لم يعرف لماذا يبتسم، وإنما عرف أن هذا النفس النقي الحلو الترابي حسن. قال: «حسن». كانت أول كلمة. لم يعرف معناها، لكن حنجرته عرفتها؛ اهتزت ومر الصوت على الأوتار كحجر يسقط في بحيرة ساكنة. انتظر جواباً فلم يأتِ، ولم يحزن؛ لم يكن يعرف ما الجواب. عرف فقط أن الصوت صوته، وأنه يستطيع أن يترك شيئاً من نفسه في هذا الاتساع. ثم تنفس بلا صوت مرة بعد مرة، يدخل الصافي بارداً في أنفه ويدور في رئتيه ويخرج، فينهض صدره ويهبط. نظر إليه يتحرك، لا حركة السند ولا النمو، بل حركة الحياة، وأغمض عينيه يصغي إلى النبض الوحيد بين السماء والأرض.

لكن الانفصال كان بطيئاً. الصافي خفيف لكنه شديد الكثافة، والكدر ثقيل لكنه لزج؛ طال تشابكهما حتى بدا كصديقين يمسكان ثياب بعضهما مع علمهما أن عليهما الافتراق. يجر الصافي الكدر إلى أعلى، ويشد الكدر الصافي إلى أسفل. رأى بان غو أنهما لن يفترقا أبداً بغير عون. مد يده اليسرى تحت الصافي الصاعد، حاملاً جنين السماء، واليمنى فوق الكدر الهابط، ضاغطاً جنين الأرض. وقف بينهما وذراعاه ممدودتان كعمود سماء حي؛ خف ضغط السماء على كفه، وثقل ضغط الأرض، واتسعت المسافة ولكن ببطء لم يرضه. فاحتاج أن يصير هو نفسه مُسرِّع الانفصال.

فنَما. لم يكن نمواً هادئاً، بل نمواً عنيفاً سريعاً تصرّ فيه العظام؛ كلما ارتفع الصافي ذراعاً طال ذراعاً، وكلما هبط الكدر ذراعاً ازداد سماكة. رفع رأسه تحت السماء كي لا تهبط، وداس الأرض كي لا تعلو، وجعل نفسه وصلة نجارة بينهما، محشوراً لا فوق ولا تحت، فاتحاً كل شيء.

وكان جسده يتغير في تسع جهات كل يوم. أولاً اشتدت أوتاره كالسلاسل الحديدية وعظامه كالذهب والحجر. ثانياً تكاثفت عضلاته كطبقات جبال مضغوطة. ثالثاً غلظ جلده، قشره كحراشف التنين وخطوطه كصدفة السلحفاة. رابعاً غلا دمه، فلم يعد دماً بل سائلاً أحمر ذهبياً حاراً كالحمم. خامساً طال نَفَسه، تدخل الأنفاس الروحية من فمه وأنفه، تعبر العصب والعظم وتبلغ الدانتيان. سادساً أضاءت عيناه، فلم يعد يرى الأشياء بل نور ما في داخلها. سابعاً حدّت أذناه، فسمع طنين الصافي الصاعد وقرقرة الكدر الهابط. ثامناً امتد عقله خارج الجسد حتى لمس طرف السماء ونهاية الأرض، والعظام تصر والعضلات تضيق كطبقات صخر والدم يغلي كحمم. تاسعاً صارت إرادته أصلب: لم يعد يشك، عرف أنه سيباعد السماء والأرض ولو استنفد نفسه كلها. ثم يعود إلى التغير الأول، يوماً بعد يوم، عبر الدهور بلا انقطاع.

مرّت الأيام، وإن لم تكن الشمس قد خُلقت بعد. صنع لنفسه إيقاعاً؛ كل دورة لصعود الصافي وهبوط الكدر يوم. في «الصباح» الذي عيّنه بداية، يفتح عينيه ويدعم؛ يصعد الصافي ويهبط الكدر، فيطول ويغلظ. وفي «الظهيرة» يبلغ الصافي أقصاه والكدر أدناه، فيسكن لحظة ويحس توتر العالم: السماء تضغط رأسه والأرض ترفع قدميه، وهو نقطة الارتكاز الوحيدة. وفي «المساء» يرتد الصافي شبرَ نفس ويرتفع الكدر شبرَ نفس فتضيق الفجوة قليلاً، لكنه في الغد يشدها أوسع. يوماً بعد يوم، سنة بعد سنة، ألفية بعد ألفية، وقف وحيداً يدعم السماء.

وكان يخاطب الكدر؛ فهو لا يجيب ولا يفعل غير الهبوط، غير أن بان غو أحس بعد كلامه أنه صار يهبط أبطأ، كأنه يصغي. قالها مراراً، تسعة آلاف وتسعمئة وتسعاً وتسعين مرة، بلا جواب، لكن قلبه يخف في كل مرة كأنه يفرغ شيئاً من صدره في السماء والأرض، شيئاً لا يعود ولا يريد له العودة.

ولم يدرك وحدته إلا بعد زمن طويل. في البداية شغلته السماء، ثم استقر العالم وصار المد عادة لا تتطلب كل وعيه، فوجد فراغاً. سأل نفسه: «هل هناك آخرون؟» أوقف ذراعيه، للمرة الأولى في منتصف الدعم. هبط الصافي شِبراً وارتفع الكدر شِبراً وضاقت الفجوة، لكنه لم يبال. قال: «هل—هل أحد—هنا؟» ارتد صوته عن أسفل السماء ووجه الأرض ثلاث مرات ثم مات. همس: «أجيبوني». لم يكن إلا الريح، وهي أنفاسه نفسها وقد صارت ريحاً. قال بصيغة أخرى: «هل من إنسان؟» ولم يكن يعرف الإنسان، غير أنه يعني كائناً مثله يتحرك وينادي ويفكر. ثم صرخ لا بحنجرته بل بصدره وهيكله كله: «هل—من—إنسان؟»

دام الصدى طويلاً، وبعد أن تلاشى آخره سمع «طَقّاً» خافتاً. لم يكن جواباً، بل فقرة من عنقه ظلت مرفوعة طويلاً. أنصت: كان يسمع ريح أعلى السماء وخرير أسفل الأرض، لا نبض قلب آخر. بحث: عيناه تريان نهاية النور وحافة الظلام، لا صورة أخرى. نادى: صوته يهز الصافي والكدر والسماء والأرض، ولا صوت يجيبه. هو الحياة الوحيدة، والوعي الوحيد، والوجود الوحيد الذي يستطيع أن يقول «أنا». دخل الاكتشاف في عموده الفقري كشوكة جليد وانتشر إلى أطرافه. كانت الوحدة أشد من الضيق؛ ففي الضيق لم يكن يعلم أنه واحد، وظن العالم هكذا. أما الآن فقد عرف أن العالم يمكن أن يتسع ويمتد ويكون فيه نور وصوت، إلا أنه لا يملك آخر مثله.

انحنى رأسه، وانزلقت من زاوية عينه قطرة ليست دمعاً—فهو لا يعرف البكاء—بل سائل شفاف دافئ رشح من جسده. سال على خده وسقط في الكدر أسفله، فصار ما حولها عدة أذرع أكثر رطوبة وليناً ودفئاً لا اسم له. لم يلحظ بان غو؛ رفع رأسه وعاد يدعم.

بعد ثمانية عشر ألف عام صار ارتفاع السماء وعمق الأرض وطول بان غو عظيماً، وبين السماء والأرض تسعون ألف لي. صعد الصافي كله، معلقاً فوق صافياً كالزجاج المزجج بضوء أزرق باهت، وهبط الكدر كله، مفروشاً في الأسفل ثابتاً كالحديد الأسود تفوح منه رائحة التراب الرطب. صار الفضاء واسعاً بما يكفي، واتساعه غريب على بان غو. أنزل ذراعيه للمرة الأولى بعد ستة وثلاثين ألف عام. لم تسقط السماء؛ بقيت عالية ثابتة. ولم تهبط الأرض؛ بقيت غليظة مستقرة. خلق المكان والفوق والتحت والسماء والأرض وموضعاً يصلح للبقاء، لكن الفضاء الواسع ظل لا يضم غيره. # ٢. انطفاء العمود

نظر بان غو إلى يديه بعد ستة وثلاثين ألف عام. تشقق الجلد كسرير نهر يابس حتى ظهر العظم، ومن كل شق ضوء ذهبي باهت؛ لم يكن دماً، بل جوهر القوة الذي جمعه وهو يحمل السماء والأرض، يحاول الإفلات من بشرته. كانت مفاصله ضخمة، وكل إصبع أغلظ من جبل، وعلى المفاصل نتوءات كصواعد صخرية، وفي الكفين كُلَلٌ تراكمت طبقة كل يوم حتى صارت ستة وثلاثين ألف طبقة صلبة كالبازلت. غير أن ما أقلقه كان النور: بدأ عند الأطراف ثم الكفين والذراعين والصدر، حتى صار جسده كله مصباحاً عملاقاً يرسل ذهباً من تشققات الجلد. عرف أن قوته تهرب، وأن جسده يكل، وأن حياته—إن كانت له حياة—تبلغ نهايتها.

شعر بالبرد للمرة الأولى. في الفوضى كانت الحرارة لزجة فاترة ثابتة، وحين كان يسند السماء كان دمه حمماً لا تبرد. أما الآن فقد صعد الصافي كله، ولم تعد الفوضى تلامس جلده، واتسع العالم حتى تشتتت حرارته. ارتجف؛ فاهتزت السحب وتكاثف الصافي، وظهرت أول سحابة حقيقية، بيضاء كالقطن رقيقة كالحرير، تمر فوق رأسه. أراد لمسها فلم يستطع رفع ذراعه. لم يكن العجز، بل صوت خفيف: طق. ثم رفع ذراعه الأخرى بحذر، فسمع طقّات أكثر تسري من المرفق إلى الكتف كتشقق جليد بحيرة في الشتاء. لم يكن عظم واحد، بل هيكله الذي حمل العالم ستة وثلاثين ألف عام، ينهار.

قال بهدوء: «ستة وثلاثون ألف عام... هذا العظم حمل كفايته». رأى الشقوق تصعد تحت جلده إلى كتفيه، دافئة كآخر ضوء غروب، فتذكر خطوط قشرة بيضة الفوضى: يومئذ كانت الشقوق تنتشر إلى الخارج في القشرة، والآن تمتد إلى الداخل في عظامه. قبض يده؛ لم يأت صوت فرقعة بل حفيف كأوراق يابسة أو رمل يتسرب من الأصابع. بقيت الكلل صلبة، وما تحتها لم يبق صلباً. لم يهرم؛ فإله الخلق لا يمر بمرحلة الشيخوخة. بل استهلك عضله وعظمه ودمه ونفسه ووعيه في دعم السماء، وانتهى الزيت وذبل المصباح.

وقف بين السماء والأرض يحس موته. لم يخف ولم يحزن ولم يتمرد؛ كان إدراكاً صافياً مثل علمه أن الشمس تهبط والقمر يصعد، وأن الصافي يعلو والكدر ينزل. لم يعلّمه أحد الموت، إذ لم يكن غيره، لكنه عرفه. لم يكن الموت عدواً؛ كان ظلاً حمله معه منذ كسر القشرة، صغيراً أولاً ثم يطول مع ارتفاع السماء وغلظ الأرض، حتى صار أمامه. لم يكن له فم، لكنه قال: اذهب. كان الصوت أخف من الريح، وقد سمعه: حان أن تقف السماء والأرض بنفسهما.

قلب كفه فرأى جلد ظهرها رقيقاً كجناح الزيز، وضوءاً ذهبياً أحمر يتسرب من العروق كأنهار تجف. حرّك أصابعه الجبلية؛ واحدة بعد الأخرى اجتمعت في قبضة. هذه القبضة كسرت البيضة وشقت الفوضى ورفعت القبة، وهي الآن لا تكاد تملك قوة أن تقبض نفسها. فتحها فارتجفت الأصابع، وبدا نور الأطراف ناراً تحرق من الداخل. قال: «انتهى الأمر». ثم سأل: ماذا بعد الموت؟ ماذا يصير جسدي ووعيي؟ هل تبقى السماء معلقة والأرض هابطة؟ أم تعودان فتلتئمان بدوني؟

عندها هبط قلبه حقاً في صدره إلى موضع الدانتيان، حيث أغزر جوهره. وما إن لمس القلب الجوهر حتى أضاء بلون ذهبي أحمر عميق، كفولاذ في فرن أو نار معسكر في برية ليلية. كان ضوءاً إلى الداخل، كيد تمتد من الصدر وتقبض الجوهر. التف القلب والجوهر خيطاً، ثم خيطين وثلاثة وسبعة وتسعة؛ تسعة حبال نور خرجت من القلب، عبرت الأحشاء وشقوق العظم، إلى الأطراف وقمة الرأس وباطن القدمين. صار جسمه فرناً، وصار هو الحديد فيه. أحس أن جسده يختار، لا إرادته: الدم والعظم والعضل والجلد عرفت ما ستصير إليه—غذاء السماء والأرض.

جلس. للمرة الأولى في ستة وثلاثين ألف عام، استقبلته الأرض الكثيفة المتكونة من الكدر بلطف. كثرت شقوق صدره، وتسرب الذهب منها في الهواء كورق خريف يغادر غصنه. لم يبق وقت. لم يسأل: هل أموت؟ فالموت محتوم؛ بل: كيف أموت؟ صار النور الذهبي الأحمر يجري من كل شق كحمم فوق أرض متصدعة، ونفسه يضحل: مع كل شهيق يقل ارتفاع صدره، ومع كل زفير يخفت الضوء الخارج من فمه. كان ينطفئ كمصباح أضاء ستة وثلاثين ألف عام؛ نفد الزيت ولم ينقطع الفتيل، فما زال يستطيع التفكير والاختيار والقرار.

رفع عينيه عن صدره، وعدّ ما صنع: السماء والأرض والريح والسحاب والشمس التي صارت من عينه اليسرى. كصانع يحصي أعمال عمره. أومأ لنفسه. يمكن أن يموت واقفاً كجبل، فتَرِث السماء والأرض هيئته، لكن جسده سيبقى متيبساً ويتفتت بلا شيء. ويمكن أن يستلقي، فيلامس جلده كله الأرض ويأخذ عظامه دفؤها، لكن الجسم يبقى لحماً ميتاً عظيماً: نافعاً، لا نفعه كاف. احتاج طريقاً يجعل قشرته المنهكة تواصل الخلق.

نهض—لا، بل رفع نفسه. أعاد ذراعيه فوق رأسه، ولمس كفاه قاع السماء: ما زالت صافية عالية مزرقة. ونظر إلى الأرض: ما زالت غليظة ثابتة مصفرة. مرر يديه على القبة؛ قبل ستة وثلاثين ألف عام خرج من القشرة ولمس الضوء أول مرة، والآن يلمس السماء آخر مرة. حنى رأسه وقال للأرض، ولنفسه وللسماء: «حين جئت، لم يكن شيء. وحين أذهب، سيكون كل شيء». ابتلع آخر نَفَس، لا من الهواء بل من بقية الجوهر الأول المنتشر بين السماء والأرض، وأدخله القلب والعظم وكل قطرة دم. ثم هوى. «أترككم»، قال للسماء والأرض. «للريح. للسحاب. ولجميع الذين لم يولدوا بعد». # ٣. جسدٌ يصير عالماً

لم يسقط بان غو إلى جهة واحدة، بل إلى كل الجهات، ومنذ سقوطه بدأ جسده يتفرق. أولاً شعره الطويل المشعث، الذي لم يمشطه ستة وثلاثين ألف عام. انتشر من رأسه كملايين الجداول السوداء، وكل شعرة ما إن تفارق الجلد حتى تصير نجماً: السوداء نجوماً معتمة تتجمع عناقيد، والبيضاء نجوماً لامعة ترسم أول ضوء الليل، والرمادية سدماً كالشاش. غطت النجوم السماء، وأضاءت واحدة واحدة بأصوات رنانة دقيقة كخرز جليد يقع في طبق من يشم. لم تعد السماء زرقاء خالية؛ تحركت النجوم ببطء، منها ما صار نهراً ومنها ما صار جزيرة، ومنها ما يومض لآخر بعيد. وفي أقصى الشمال استقرت أصغر نجمة، لا تكاد ترى ولا تنطفئ، وأدارت النجوم كلها حولها؛ سيسميها اللاحقون نجم القطب.

ثم عيناه. رفع رأسه قليلاً وفتحتا للمرة الأخيرة، وقد شهدتا الفوضى والصدع وافتراق السماء والأرض. طارت اليسرى إلى الشرق، عالية سريعة تجر ذيلاً أبيض ملتهباً، وتوقفت في أقصى السماء ثم اشتعلت: الشمس، حارقة بيضاء لا تطاق، ورثت حرارة عينه اليسرى. أضاءت الأرض للمرة الأولى؛ تبخرت قطرة الندى من ورقة العشب، وألقت الصخور ظلالاً تتحرك كأول مؤشر مزولة. وطارت اليمنى إلى الغرب أبطأ، تجر ذيلاً برتقالياً أحمر، ثم أضاءت برفق: القمر، ليس بارداً ميتاً بل دافئاً برتقالياً كجمرة تخبو، ورث لين عينه اليمنى. على سطحه ظلال داكنة هي آخر صورة في بؤبؤ بان غو: بقايا بيضة الفوضى وذكرى خروجه منها. اجتمع ضوء الشمس والقمر؛ حرارة اليسرى ولين اليمنى، واحد يحترق في النهار وواحد يحرس الليل، فصار في العالم برد وحر ونهار وليل ويين ويانغ، وعند تعاقبهما يصطبغ الأفق بذهبي أحمر وبرتقالي، لون أول ضوء رآه في الشق.

فتح فمه عند سقوطه ولم يصرخ. أخرج نفساً وصوتاً خافتاً جداً، كتنهد أو وداع. صار النفس ريحاً، كنست آخر فوضى من الصافي وجعلت السماء عميقة شفافة، يرى الناظر فيها الشمس والقمر والنجوم والفراغ البعيد. وصار التنهد رعداً يتدحرج من الشرق إلى الغرب ثم يعود، وصارت حدته برقاً. اجتمعت الرياح والسحب؛ رياح من الجبال الثلجية بطعم البلور، ومن البحر برائحة الملح، ومن الصحراء بحبيبات جافة، وريح من موضع سقوطه لا باردة ولا حارة ولا رطبة ولا جافة، تدور حول رفاته كأنها تبحث وتودع. وصار الرعد منه ما يفلق السحاب، ومنه ما يتدحرج في أعماقه كوحش لا يريد اليقظة، ومنه صاعقة ضربت موضع وقوفه فحفرت حفرة وصهرت صخرها زجاجاً.

ثم العرق. سال من جبهته وعنقه وصدره، لا من حر بل لأن الحياة تتبخر. اجتمع في جداول وهبط ثلاثة آلاف تشانغ على الأرض: أول مطر، خيوطه دقيقة كالإبر كثيفة كالشاش، وكل قطرة دافئة مالحة. نقر المطر الأرض ثم اشتد، فتسرب في شقوقها ورطّبها بلون بني عميق، واجتمع من برك إلى جداول إلى أنهار، ورسم فوق الأرض المتموجة عروقاً فضية. وسال الدم بعده من الجلد المتشقق وفجوات العظم، أغلظ وأحمر وأسخن. دخل الأنهار فصار لها لون أحمر باهت وطعم الحديد، لون الحياة الأول. خرج نهر من جرح معصمه الذي حمل السماء أطول، فصار شلالاً وحوضاً ثم جرى شرقاً عبر السهول والغابات حتى خالط البحر الأزرق؛ أخذ البحر دفء النهر وأخذ النهر ملوحة البحر. وخرج آخر من ركبته الباردة، يمشي ببطء ويلتف حول كل صخرة ويملأ كل حفرة، كأنه يغسل جروح الأرض واحداً واحداً. وانفصلت العروق، فمدت جذوراً في التراب ورتبته طرقاً تصل الجبال بالسهول؛ وصارت هذه الخطوط تضاريس الأرض.

ثم العظام. انهارت العظام العظيمة كصخور جبل تتداعى. انفصلت الأضلاع واحداً واحداً عن العمود الفقري، وانطلقت؛ كل ضلع صار سلسلة جبال على الأرض البعيدة. طار الأول شرقاً، فبخرت المياه وتحرك طين البحر واختلط بالعظم ثم برد فصار جبالاً زرقاء خضراء، نمت عليها الصنوبر وتسرب من شقوقها ماء دافئ، أول حمام حار في الجبل الشرقي. طار الضلع الخامس جنوب غرب، تقلب ثلاثاً وهبط في نهاية سهل، فصار قاعدته وامتد كحد شفرة: جانبه الظليل مكسو بالثلج أبداً وجانبه المشمس دائم الخضرة. أما أقصر ضلع قرب القلب فلم يذهب بعيداً؛ انثنى حلقة عند موضع القلب، وامتلأت حلقتها بماء نقي من نخاع العظم، فصارت بحيرة تعكس السماء والنجوم كأن قلب بان غو ما زال ينبض.

انفصلت الذراعان: اليسرى صارت الجبل الشرقي العظيم، واليمنى الجبل الغربي العظيم. وانفصلت الساقان: اليسرى الجبل الجنوبي العظيم واليمنى الجبل الشمالي العظيم. انهار العمود الفقري كعمود السماء؛ صارت أول فقرة فراغ كونلون، وآخرها جبل بوجو. غير أن أعمق فقرة عند أصل العمود لم تصبح جبلاً؛ انكمشت كآكل نمل مذعور إلى كرة وحفرت الأرض بإرادة واتجاه، تجاوزت الصخر والحمم وطبقات الأرض حتى نواتها. دارت حولها الحمم البرتقالية اللزجة، لكن غشاء نور رقيقاً حماها. أخذت تدور وتمتص من الحمم ذرة ذرة من الجوهر الذهبي الأحمر الأخير، حتى انقلب لون الحمم من برتقالي إلى أحمر قاتم إلى رمادي أسود. ثم انكمشت أكثر وفتحت شقاً، شق بذرة تتصدع ليخرج منها برعم، وبقيت تنتظر إشارة لا يعرف أحد متى تأتي.

وانقسمت العضلات والجلد والشعر. انفجرت من صدره حرارة، لا حرارة نار بل آخر ضوء من حياة احترق وقودها. نزعت العضلات عن الهيكل وغاصت في الأرض فصارت حقولاً خصبة سوداء، وفيها دفء جسمه الذي ستحتاجه البذور. سقطت عضلة صدر بين جبلين، انبسطت وغارت أطرافها في الشقوق، وتقعرت وسطها؛ دخلها المطر، وفي العام التالي نبت أول مرج، واخترقت الجذور أليافها كإبر تخيط السماء بالأرض. تقشر الجلد: ما التصق بالحقول صار مراعي، وما علق بالعظم صار غابات، وما دخل الماء صار أعشاباً مائية. سقط جلد ظهره عند النهر كبساط هائل، شمسته الشمس ثلاثة أيام وأمطرت عليه ثلاث ليال، فخرج من مسامه طحلب أخضر لا حصر له وصار مستنقعاً. أما شعر الجسد، فكل شعرة أصل نبات: الطويلة أشجار ضخمة، والقصيرة شجيرات، والزغب عشب وطحلب. وشعر كثيف عند عنقه غرس نفسه في التراب كالرماح، فقسا واخضر وغلط، فصار خيزراناً ثم غابة خيزران، ورنينها في الريح آخر كلام عنقه. صار للأرض خضرة، وانفجرت البراعم وصار حفيفها يغطيها.

أما الأسنان وأشد أجزاء العظم كثافة ولمعاناً كالماس، فلم تصر تراباً بل معادن وحجارة: ذهب وفضة وبرونز وحديد. نثر عظم أسنانه الذهب في الغرب والفضة في الشمال والنحاس في الجنوب والحديد في الشرق، فتجمدت في أعماق الصخور تنتظر الحفر والصهر والسبك. وجد طفل عند ضفة نهر أول حبة ذهب، بحجم إبهامه، أخرجها من الماء ورفعها إلى الشمس فضرب ضوؤها ما بين أصابعه، فضحك وأخفاها في فمه: أول كنز للبشر. وفي الشرق سقطت خامة حديد عند قدم إنسان بعد ألف عام، طرقها بحجر فسمع رنينها الصافي، ودون أن يدري فتح بضربته الباب الأول لعصر الصهر. وتحول أصفى نخاعه ونخاع دماغه وبلورات دانتيانه إلى لؤلؤ ويشم وماس، تطايرت إلى أعماق الأنهار والصخور. وأكبرها وألمعها وأدفؤها طار كنيزك نحو الشمال الغربي، وعبر الجبال والأنهار والسهول وهبط في أعلى قمة كونلون، مغروساً في الثلج، نائماً منتظراً. # ٤. الناس والبذرة

وكان آخر ما خرج من جسده الحشرات الدقيقة التي عاشت فيه بلا اغتسال عبر ثلاثين ألف عام، نتاج الفوضى الذي دخل معه وخرج معه. حين تشقق جلده طارت في الريح وسقطت: الصغير صار نَملاً، والوسط ديداناً وحيات، والكبير طيوراً ووحوشاً. أما ما كان أقرب إلى هيئته، ذا أطراف ورأس وخمس أصابع، فقد التوى وارتعش في الريح ثم وقف ببطء. وحين سكنت الريح، انتصبوا واحداً بعد آخر، ظهورهم مستقيمة كهيئة بان غو وهو يحمل السماء، مصغرة بلا حدود. وقفوا عراة حائرين فوق الأرض الجديدة، ومررت الريح أول بكاء لهم حتى اتصل بكاء ببكاء.

كانت أول من وقف امرأة. بقي على جلدها دفء بان غو ولزوجته. لمست وجهها، فلامست أصابعها شفتيها، وتحركتا. لم تكن تعرف أن لهما اسماً أو صوتاً، لكنها فتحتهما بالفطرة: «آه». كان الصوت قصيراً خفيفاً، فالتفت الجميع، ونظروا إلى أفواههم، ثم قالوا واحداً تلو الآخر: «آه... آه... آه». اختلفت الأصوات علواً وخفوتاً وخشونة وصفاء، لكنها اجتمعت لغة ثانية للأرض؛ الأولى كانت لغة بان غو. قالت المرأة: «نحن...» وأشارت إلى الأرض: «هنا»، ثم إلى السماء: «هناك». نظروا إليها وأومأوا. حملت الريح صوتهم إلى الجبال، فلم تجب، لكن العشب الحديث فوقها حرّك أوراقه كأنه يجيب.

خطت المرأة خطوة، فغاصت أصابعها في الطين الأسود الرطب، وأخذت قبضة صغيرة وشمتها ثم ابتسمت: أول ابتسامة بشرية. لم تعرف أن التراب من عضلات بان غو، ولا أن حرارة جسدها وحرارته الباقية في الطين من أصل واحد؛ عرفت فقط أن التراب حسن. كان هؤلاء لي مينغ، العامة وأسلاف البشر، ولدوا من جسده وورثوا هيئته لا قوته. بدوا صغاراً كالنمل أو الفطر بين الجبال والأنهار التي صار إليها، لكنهم أحياء: يتنفسون وتدق قلوبهم وتدفأ أجسادهم. حقق بان غو وعده: حين رحل صار هنا كل شيء.

استقر العالم: تشرق الشمس، عين بان غو اليسرى، بيضاء محمومة فوق كل ورقة فتصير عروقها خرائط شفافة للعالم الجديد؛ ويطلع القمر من الغرب، عينه اليمنى، برتقاليّاً ليناً على الأنهار فتتكسر صفحتها إلى قشور فضية، وفي كل قشرة نجمة، وتعيدها الريح ترتيباً كأن الكون يلعب شطراً لا ينتهي. والنجوم هي شعره ولحيته، والريح نفسه برائحة تراب وعشب، والمطر عرقه يرطب الأرض والكائنات. صار هدوء الأرض حياً: حفيف عشب، وغناء طير وحشرة، وخرير ماء. تعبر الريح من الشمال الغربي فتنحني رؤوس العشب وتنهض كآلاف الأيدي، وتعبر الغابة فيصنع احتكاك الإبر الصنوبرية حفيفاً، وتعبر الوادي فيرد صدى طويل على قصير. وينزل النهر من الجبال فيرغي، ثم يهدأ في السهل كمرآة تعكس السماء والسحب وظل طائر يتعلم الطيران.

والبشر لم يعودوا يقولون «آه» وحدها. دحرجوا أصواتاً في حناجرهم: «غُرّ، ووو، يي، آآ»، يرسلها واحد ويتلقاها آخر ويقذفها لثالث كما لو كانوا يلعبون كرة لا تُرى. أخذ طفل حجراً ووضعه في يد طفل آخر، فمر من يد إلى يد وعاد إلى الأول دافئاً بدفء الكفوف لا بالشمس. لم يعرفوا أسماء التبادل أو العطاء أو الرابطة بين أنا وأنت؛ عرفوا أن ذلك يجعلهم أقل وحدة. وبان غو لم يعد موجوداً—بل كان موجوداً في كل مكان.

وفي عميق الأرض، حيث لا تبلغ شمس ولا قمر ولا نجم، بقيت فقرة العمود عند أصله ملتفة في الصخر. لم تمت. لو بقي لبان غو فم لقال: «ما زالت حية». صارت بذرة تتنفس لا برئتين بل بعظم؛ تنفتح شقوقها وتنغلق كرضيع يمص إصبعه، ببطء وضعف لا يكاد يرى، ومن كل نبضة يتسرب نور أخضر رقيق؛ لا أحمر الفوضى ولا أبيض الضوء الأول ولا ذهب الدم، بل أخضر لم يظهر في العالم قبل ذلك: لون الحياة. لم يصِر بان غو شجرة؛ صار بذرة.

مر الزمن وهو يتعلم إيقاعه: سريعاً في الشمس، بطيئاً في الظلام، سريعاً في النهر، بطيئاً في الصخر، وفي نواة الأرض يكاد يقف. ظلت الفقرة زمناً لا تدري: عشرة آلاف عام، مئة ألف، أم لحظة. والبذرة لا تحتاج إلى معرفة الوقت، بل إلى معرفة متى تشق التراب. جاء اليوم: تسرب ماء مطر دفأته الشمس من السطح، قطرة قطرة عبر شقوق الصخر، حتى وقع على الفقرة. ارتجفت وانفلقت لا انكساراً بل كبذرة بازلاء تفتح غلافها لبرعم. خرج من الشق خيط أبيض ناعم ضعيف، تحميه الصخور من الريح، وراح يصعد. عبر الحمم فلم تحرقه بل منحته قوة، وعبر الصخر فلم يسحقه بل صار سلماً يتشبث به. وحين خرج من التراب توقف الريح والسحاب لحظة، وبرق الشمس والقمر، وأبطأت الأنهار نبضة، ثم عاد كل شيء، لكنه لم يعد كما كان.

خرجت الشتلة في مركز الأرض: ساق رقيق وورقتان فقط، تضئهما الشمس بأخضر زمردي شبه شفاف. وجدتها امرأة تمشي حافية في البرية فوق حقول عضلات بان غو، فشعرت بدفء الأرض، كشعلة ضعيفة في العمق. كشفت التراب ورأت الورقتين؛ لم تعرفهما، فالنبات ما زال قليلاً جديداً، لكنها أحست أهميتهما. حمتها بكفها من الريح، وفكت كرمة عن خصرها وصنعت حولها سياجاً صغيراً. ركعت وقالت صوتاً واحداً له معنى: «همم». ارتعشت الأوراق، ربما جواباً وربما ريحاً. لم تذهب؛ لم تستطع أن تقول «أرافقك»، لكن جسدها قالها، فجلست قربها وساقاها متقاطعتان وكفها على ركبتيها كتمثال صغير.

أغلقت شمس بان غو عينها عند الغروب فصار الأفق برتقالياً ثم أرجوانياً ثم أسود، وأيقظت نجوم شعره الليل. نظرت المرأة إليها وعرفت أنها جميلة. ثم فتح قمره عينه اليمنى، وفرش نوره البرتقالي على الورقتين فصارتا خضراوين كالزمرد. لمست ورقة بطرف إصبعها، باردة ملساء كشحمة أذن طفل، فعادت يدها إلى صدرها؛ وللمرة الأولى شعرت بشيء يدق هناك في إيقاع نباتها. لم تعرف اسم القلب ولا أن النبضين من صدر عملاق واحد، لكنها عرفت أن هذه، مثلها، حية.

نمت الشتلة أمام العين؛ غلظ الساق وكثرت الورق، وانتشرت الجذور. لم تكن تأخذ غذاءً عادياً، بل تجمع قطرة قطرة جوهر بان غو الذي تفرق في السماء والأرض والجبال والأنهار. كانت طفل بان غو، وريثه الوحيد. امتدت جذورها في الظلام كأفاعٍ روحية تبحث لا عن جثمانه الذي صار كل شيء، بل عن أصفى جوهره الباقي في التراب. كل قطرة تصعد في الخشب تزيد الساق شِبراً والورقة ضوءاً. ستصير الشجرة جسراً بين السماء والأرض، لكنها كانت آنذاك شتلة، وجذورها امتدت شرقاً وجنوباً وغرباً وشمالاً صوب الأطراف الأربعة.

في الشمال الشرقي، تحت الجبل الشرقي الذي صار ذراع بان غو اليسرى، وجدت جذورُها عرقاً من الطاقة الروحية، أصفى ما بقي من دمه، محبوساً في الجبل كنائم عظيم. لامسته الجذور فارتج، لكنه ثقيل يحتاج ألف عام ليوقظ، فثبتت هناك تنتظر. وحين يفيق يتدفق إلى جيانمو عبرها، فيصير أول عرق روحي متصل ومصدر ما ستسميه الأجيال اللاحقة أصل عروق التنين.

وفي الشمال الغربي عند كونلون، وجدت الجذور لا عرقاً بل نقطة ضوء ذهبي دافئة مدفونة في الثلج: أكبر شظايا جوهر بان غو. التفّت حولها للحراسة لا للأخذ كذراع أم حول رضيع. دارت الشظية، وظهرت على سطحها خطوط دقيقة كالجبال والأنهار والشمس والقمر والنجوم، تتغير وتسجل نبض هذا العالم. سيجدها قوم بعد ألف عام ويسمونها يشم كونلون أو جوهر السماء والأرض أو «الكتاب السماوي»؛ أما الآن فليست إلا حجراً دافئاً تحرسه الجذور.

وامتدت مجموعة ثالثة إلى نواة الأرض، تبحث عن القلب. لم يتحول القلب؛ توقف عند سقوطه، فهو ليس عضواً بل محور، أول قلب نابض حرّك صعود الصافي وهبوط الكدر. بقي في القلب كتلة سوداء متجمدة بحجم قبضة. لمستها الجذور فارتعشت، لا عودة إلى حياة بل ذكرى نبض، وسكبت تلك الذكرى في الجذور. لذلك صارت تبحث بالفطرة عن شقوق العالم ونقائصه، لا لتصلحها فوراً بل لتعرف مواضعها؛ فقد رآها بان غو في النهاية ولم يبق له وقت. بعد ألف عام تمتد الجذور إلى كل زاوية، فتجد كل شق وتلتئم به ببطء، أو تزرع إلى جانبه شجرة جديدة إن استعصى الالتئام. هذه الشجرة الخارجة من فقرة بان غو هي جيانمو. # ٥. ما يبقى

استمرت أول شجرة في العالم بالنمو. لم يبلغ تاجها السحاب بعد، لكنه تجاوز كل شجر حوله، وكان جذعها ما زال رقيقاً يحيط به إنسان بذراعيه، ومع ذلك فيه هيبة ليست من هذا العالم. أشرقت عليه الشمس، عين بان غو اليسرى، فمر الضوء بين أوراقه ونثر ذهباً مكسراً على الأرض. راقبه القمر، عينه اليمنى، ولف جذعه بنوره اللين. مرت الريح، نفس بان غو، فهزت كل ورقة برفق؛ وهطل المطر، عرقه، عند جذوره فأطعم امتدادها. لم يمت بان غو؛ غيّر طريقته في الحياة: في كل شبر هواء وقطرة نهر وصخرة وحبة تراب، في حرارة الشمس ولين القمر ونفس الريح وهدير الرعد، وفي الشجرة الصاعدة.

ستظل الشجرة تنمو حتى يلمس تاجها السماء وتصل جذورها الأرض كلها، وعندها تصير السماء والأرض واحداً حقاً. لكن ذلك ليس الآن؛ فهي شتلة. في الربيع تخرج على أغصانها براعم صفراء ملتفة كقبضات طفل، تنفرج في النور وتلتقط المطر وضوء النجوم والريح ذات رائحة التراب. وفي الخريف تتبدل أوراقها، لا إلى اصفرار الذبول بل إلى ذهب كرقائق الذهب وأحمر كمرآة نحاس. لا تسقط، بل تصطدم في الريح رنيناً كرنين الأجراس الحجرية والناقوس، أول آلة موسيقية بين السماء والأرض.

بعد موت بان غو تشكلت السماء والأرض. تبادل الشمس والقمر الضوء بلا فتور، وجرت الرياح والسحب بلا فتور، واندفعت الأنهار بنبض لا ينقطع، وكثرت النباتات بالحياة. تكاثر البشر، يصطادون ويجمعون ويشعلون النار بحك الخشب ويربطون الحبال للتذكر. لا يعرفون بان غو، لكن ظله فيهم: قيامهم منتصبين، ونظرتهم إلى النجوم، وأكفهم العاملة بلا كلل، كلها ميراثه. عند الشروق يخرجون من الكهوف، يفركون عيونهم ويتثاءبون فيصير نَفَسهم ضباباً أبيض تمزقه ريح الصباح؛ يأخذ الرجال رماحاً حجرية، وتحمل النساء الأطفال، ويلتقط الشيوخ الحطب، ويمشون نحو موضع الشمس لأن فيه الضوء والدفء والتراب الذي لا يبرد تحت القدم. وعند طلوع القمر يجلسون حول نار، يقرع واحد جذعاً أجوف ويدندن آخر لحناً بلا كلمات، عالياً ثم منخفضاً كريح في واد أو ماء حول حجر، ويغلقون عيونهم في وهج يصبغ الظلام برتقالياً: أقرب ما يكونون فيه إلى الحلم.

وفي باطن الأرض تحولت فقرة إلى جيانمو، وجذورها تمتد إلى الجهات الأربع؛ وبعد ألف عام تشق الأرض وتبلغ السماء، فتصل السماء والأرض وتصير طريق العوالم الثلاثة. وعلى قمة كونلون، في الثلج، تنام شظية الجوهر: أرفع الآثار السحرية وبداية الحكايات الآتية، قلب الكتاب السماوي. ويبدأ عرق روحي في الاستيقاظ تحت الجبل الشرقي، يصعد في جذور جيانمو ويصل سبعة مسارات الأرض وثمانية عروقها، فيغدو المنبع العام للطاقة الروحية: عرق التنين.

هنا تنتهي حكاية انفتاح السماء والأرض. أما حكاية انهيارهما فلم تبدأ بعد.

ومن بعيد جاء اهتزاز يكاد لا يُسمع، لا يُعرف من أين، كأن شيئاً في أعماق الكون يتقلب في نومه.

لكن تلك حكاية أخرى.

— نهاية الحكاية الأولى من «مجلد السماء».

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.