كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/30 · أولاً: الحصان الأبيض آتٍ من الغرب
الفصل السابق

30 · أولاً: الحصان الأبيض آتٍ من الغرب

ما وراء الليل

الفصل التالي

في أقصى شرق البرية العظمى، حيث يخرج الشمس والقمر، هبّت ريح من مكان بعيد جداً تحمل رائحة العشب والتراب. مرّت فوق السهوب التي لا نهاية لها، وفوق أعراف الخيل الوحشية، ثم صفعت وجه وانغ هاي البرونزي. ضيّق عينيه قليلاً واتسعت منخراه، كأنه يشم في الريح أمراً لا يدركه سواه. همس: «شوان جو». مزّقت الريح صوته، لكنه سقط في الأرض كبذرة.

على كثيب بعيد وقف حصان بري أبيض تماماً، بالغ الضخامة، قوائمه الأربع كأنها من حديد مصبوب، وعرفه في الريح كشلال فضي متحرك. كانت عيناه كهرمانيتين باهتتين تكادان تصيران شفافتين في الشمس، كحجري يَشم صقلتهما الزمن. راقب وانغ هاي من بعيد بحذر وبشيء لا يُقال: سؤال يتجاوز الحد الفاصل بين الإنسان والبهيمة.

حبس أتباع وانغ هاي أنفاسهم. ساروا مع هذا الجدّ من أسلاف يين-شانغ في البرية سبعة أيام، ورأوا قطعاناً لا تحصى، لكنهم لم يروا حصاناً كهذا: لا يفر ولا يصهل، بل يقف ساكناً كأن البرية كلها ساجدة تحت حوافره. قال غِن، أكبرهم سناً وراعي وانغ هاي الأوثق: «إنه ينتظرك». كان غِن يقرأ من آثار الحوافر مسار القطيع، ومن روثه صحة الدواب، ومع ذلك ارتعش صوته. لم يُجب وانغ هاي، وتقدم خطوة. مال الحصان الأبيض برأسه، وانعكس الرجل في عينيه. قال غِن لاحقاً إنه رأى شفتي وانغ هاي تتحركان بلا صوت، ثم رأى أذني الحصان تنتصبان فجأة، كأنه يصغي إلى كلام لا يسمعه إلا هو وصاحبه. كانت تلك لغة الخيل.

عرف وانغ هاي منذ صباه أنه يستطيع محادثة الخيل؛ لا بلغة البشر، بل بطريقة أعمق وأقدم. حين ينظر في عيني حصان يحس بالوثبة الجارية في الدم، وبحنين السهل، وببهجة الفراء حين تلمسه الريح. وكانت الخيل تقرأ في قلبه نيته الطيبة وثباته ووعده الثقيل كالأرض. اقترب الأبيض بلا وقع تقريباً، كأنه يمشي فوق السحاب: ثلاثون خطوة، ثم عشرون، ثم عشر. وقف أمامه ونفخ في كفه نفساً دافئاً حاراً كنار في باطن الأرض. ناداه وانغ هاي ثانية: «شوان جو»، ووضع كفه برفق على جبهته. ارتجف الحصان ولم يبتعد؛ انساب عرفه بين أصابعه كالحرير، وشعر تحت كفه بنبض قوي كطبل الحرب يقترب إيقاعه من إيقاع قلبه.

قال غِن لاحقاً إنها أول مرة يرى فيها حصاناً يبكي. تدحرجت قطرة صافية من عينه، تحطمت على ظاهر يد وانغ هاي إلى ثماني شظايا؛ لم تكن دمعة خوف، بل دمعة غريب طال ترحاله فعثر أخيراً على مأواه. ومنذ ذلك اليوم لم يفارق الحصان وانغ هاي.

لم يكن ترويض الخيل الوحشية عجباً في البرية، فلكل قبيلة رعاتها الذين يقيدون الفحول بالحبال والسياط. أما وانغ هاي فلم يستعمل حبلاً ولا سوطاً ولا قبضته قط؛ كان يمشي في القفار ويغني للريح وينام تحت النجوم، فتأتيه الخيول التي تهز الأرض حين تعدو من تلقائها. قال بعضهم إن فيه رائحة إله الخيل، وقال آخرون إن أمه رأت في منامها حصاناً أبيض يدخل صدرها فولدته والعطر يملأ الغرفة. لكن ذلك كله حكايات؛ وحده وانغ هاي عرف السبب: كان مستعداً لأن يصير حصاناً.

كان يمضغ العشب ليعرف أعذبه، ويعوي في ليالي القمر حتى يصل صوته عشرة ليّات، ويقف في العاصفة ممطراً حتى يسيل الماء على ظهره. عرف طباع الخيل أكثر من أي راعٍ: أنها تحب الشرب صباحاً، وأن الفرس عند الولادة تحتاج إلى السكينة، وأن طريق الهجرة يوافق مواقع النجوم. في ثلاث سنوات روّض أبهى قافلة خيل في البرية: مئة وثمانية جياد؛ سوداء كالحبر، وحمراء كالنار، وصفراء مرقطة، ورمادية زرقاء كضباب الفجر. وعلى رأسها دائماً شوان جو، الحصان الأبيض الذي يكفيه نظر أو همس من صاحبه.

كانت القافلة تبدو كقوس قزح يجري فوق البرية؛ غبار حوافرها تنين ملتف، وأعرافها وألوان جلودها تلمع تحت الشمس. فتطير الطيور وتبتعد الوحوش ويقف رعاة القبائل مبهورين. جلس وانغ هاي على ظهر شوان جو مستقيماً كالصنوبر: رجل طويل ذو وجه حاد وعينين عميقتين تخفيان شمساً وقمراً ونجوماً. لبس معطفاً من جلد الثعلب، وحمل سيفاً برونزياً قصيراً، وربط شعره بدبوس عظمي، وشابت صدغيه خصل من سنوات نام فيها وأكل مع الخيل البرية.

وحملت آخر الدواب بضاعته: لؤلؤ الساحل الشرقي، وقرون وحيد القرن من الجنوب البعيد، ويشم كونلون في الشمال الغربي، وأدوات برونزية تتقنها قبائل يين-شانغ. كانت تُبادَل بقطعان الماشية وأكوام الجلود، لكنه لم يساوم قط؛ يطلب ثمناً عادلاً، بل يهدي بضاعته أحياناً للقبائل الفقيرة. لذلك شاع اسمه بعيداً وبخير: تاجر على ظهر حصان، مسافر في الريح، والرجل الوحيد من يين الذي يعامل الخيل الوحشية كإخوة. وكانت القبائل تستقبله بأفخم ما عندها، تبادله السلع والأخبار. ومن خبر منها سمع عن بلاد يو يي.

قال له راعٍ أسود البشرة، بعدما استبدل خمسين جلد غنم بسيف برونزي: «امضِ غرباً ثلاثين يوماً، واعبر نهراً عظيماً اسمه هونغ، تبلغ أرضهم. عجيبة هي: تحصد حقولها ثلاث مرات في العام، وثمارها ثلاثة أمثال ثمار سواها، ومواشيها تُسمن في ثلاثة أشهر. جلت أكثر البرية وما رأيت أرضاً أخصب. زعيم يو يي اسمه ميان تشن، رجل شديد، لقبيلته عشرات الآلاف وأسوار أعلى من الجبال. يقال إن كهانهم يحادثون السماء، ولذلك نالوا الحماية؛ لكنهم يحرسون بلادهم كأنهم يحرسون كنزاً». سأل وانغ هاي: «كنزاً؟»

هز الراعي كتفيه: «من يدري؟ يقولون إن للأرض روحاً، وإن من أقام فيها طال عمره. من دخلها إما لم يخرج قط، أو خرج ولم ينطق بما رأى. أمر غريب». ابتسم وانغ هاي؛ لم يؤمن بالخلود، وظنها أرضاً خصبة ومناخاً ملائماً. لكنه كتاجر شم رائحة فرصة: قبيلة غنية منغلقة تحتاج إلى سلع الغرباء وقادرة على بذل المقابل. نادى غِن: «أرح الناس ثلاثة أيام، وأكثروا الزاد والعلف؛ وبعد ثلاثة أيام نسير غرباً». وكان غِن يمشط عرف فرس كستنائية، فعبس وقال إن الناس يزعمون أن زرع يو يي يزدهر لأنه امتص دم الشياطين.

ضحك وانغ هاي: «أتؤمن بهذا أنت أيضاً؟» قال غِن: «إن كانت الأرض لا غير خصبة، فلم يبنون أسواراً أعلى من الجبال ويحذرون المسافرين هذا الحذر؟» ربت وانغ هاي كتفه: «كلما اشتد حذرهم احتاجوا إلى صدق أكثر ليذوب. نحن تجار لا محاربون؛ نذهب بالسلع وحسن النية، فلا علة لهم في أذيتنا. وأريد أن أرى بعيني أرضاً تحصد ثلاث مرات في العام». وبعد ثلاثة أيام انطلقت القافلة غرباً.

طالت الرحلة، قطعت السهول والتلال والأنهار، وظل وانغ هاي يتاجر وينال المدح، لكن قلبه بقي مع المملكة الغربية التي قيل إن السماء آثرتها. وكلما اتجهوا غرباً زادت الأرض جدباً؛ اختفت الخيام والرعاة، ولم يبق إلا كثبان عارية ومجاري أنهار متشققة، والرمل يلسع الوجوه. أبطأت القافلة، ونفخت الخيول وراحت تنبش الأرض، كأن أمامها ما تخافه. وفي مساء اليوم السابع والعشرين، حين كان قرص الشمس يغوص والسماء برتقالاً متقداً، توقف شوان جو فجأة، وأقام أذنيه وأطلق صهيلاً خفيضاً. انحنى وانغ هاي على عنقه وأصغى لما ينقله الحصان الروحي.

كان شوان جو يشم الماء؛ لا ماءً قليلاً، بل ماء غزيراً عميقاً، رائحته كثيفة حتى إن جلد وانغ هاي أحس بالرطوبة، كأن الهواء ممتلئ بعصارة لا تُرى، رغم أن أمامهما صحراء لا عشب فيها. قال: «تابع». ضغط بركبتيه، فتردد الحصان ثم مضى. وبعد نصف ساعة غابت الشمس، وانتشر الشفق وبدأت النجوم ترمش؛ عندها رأى وانغ هاي على الأفق شكلاً غامضاً. حسبه جبالاً، لكن مع اقترابه اتضح.

لم تكن جبالاً، بل سوراً، عالياً كالجبل، ينتصب أسود في الليل ويفصل أنوار الداخل عن بؤس الخارج. لم ير وانغ هاي سوراً كهذا؛ حتى أسوار بو، عاصمة يين-شانغ، بدت ضئيلة أمام ظله. كان وحشاً هائلاً رابضاً في البرية يراقب كل مقترب. أغلق بابه، فأوقف وانغ هاي القافلة على مسافة رمية سهم وتقدم وحده. دوّت حوافر شوان جو في السكون، وتحركت المشاعل فوق السور، وصاح أحدهم: «من القادم؟»

فهم وانغ هاي اللهجة بالكاد، وأجاب: «أنا وانغ هاي من يين-شانغ، أعبر مع قافلتي التجارية. سمعنا أن بلاد يو يي غنية مضيافة، فجئنا نزورها ونبادلها البضائع». طال الصمت، وحسّ بالعيون تحدق من فوق. هدّأ شوان جو القلق بلمس عنقه، ثم جاء صوت أثقل: «من أين جاءت القافلة؟» قال: «من أرض يين-شانغ، عبرنا البرية ومضى علينا قرابة شهر». وبعد صمت آخر صرّ السور وانفتح الباب العظيم شقاً أضاءته المشاعل، وظهر رجل ضخم يقول: «أمر الزعيم ميان تشن أن لا ندخلكم الليلة؛ استريحوا خارجاً، وفي الصباح يستقبلكم بنفسه». شكر وانغ هاي الأمر، وقال إنهم سيخيمون حتى الغد.

ابتلع الباب الضوء وهو ينغلق. عاد وانغ هاي فقال غِن بقلق: «يا سيدي، ليس هذا معتاداً. لم تجعل قبيلة قط تاجراً يبيت خارج المدينة؛ فالتاجر ببضاعته ضيف كريم. ثم إن يو يي منعزلة، فكيف تقبل دخولنا من أول لقاء بلا أسئلة أو طلب منفعة؟ سهولتهم تخيفني». صمت وانغ هاي؛ خاف مثلما خاف غِن، لكن القافلة بعد شهر مرهقة وتحتاج ماءً وعلفاً، وكان حسه التجاري يقول إن حيث يشتد الخطر تعظم الفرصة.

أمرهم أن ينصبوا المخيم ويربطوا الخيل معاً ويتناوبوا الحراسة. وجلس وحده قرب النار ينظر إلى السور، متسائلاً أي قبيلة تبني حصناً كهذا وممّ تحمي نفسها. وفي آخر الليل، حين اشتد الندى وفرقعت النار، شعر برجفة طفيفة تأتي من باطن الأرض. لولا أنه نام سنين مع القطعان وألف نبض التراب لما أحسها: كقلب يدق ببطء وعمق، مردداً صدى عصور. فتح عينيه فرأى شوان جو ينظر إليه، والنار والقلق في عينيه الكهرمانيتين. سأله: «أحسست بها أنت أيضاً؟» نفخ الحصان ونبش الأرض. وضع وانغ هاي كفه على الرمل البارد؛ استمرت الرجفة، نبضة بعد نبضة، كائن يرقد في عمق سحيق ويتنفس بإيقاعه القديم. # ثانياً: سرّ تحت الأرض

قبل الفجر أيقظه صهيل شوان جو. كان الباب قد فُتح، والرجل الضخم الذي ظهر ليلاً مقبل مع عشرين رجلاً. تقدمهم طويل أسمر عريض الفم كثيف الحاجبين، وعيناه مضيئتان كجمرتين: ميان تشن، زعيم يو يي. أمعن النظر في صف الخيل الطويل، وفي عينيه دهشة وتعقيد، ثم أظهر ابتسامة كاملة وقال: «يا ضيف يين-شانغ، هل استرحتم؟ بلادنا نائية، فاعذروا قلة ضيافتنا». شكره وانغ هاي. ودعاه ميان تشن للدخول؛ وحين انطبق الباب خلفهم ألقى وانغ هاي نظرة لا إرادية: باب من خشب عظيم وبرونز، عرضه ثلاثة أقدام، لا يحرّكه إلا عشرات الرجال. ثم رأى ما في الداخل فتجمد.

كان يظن السور يفصل الخصوبة عن القفر؛ لكنه فصل عالمين. خارجه صحراء حجرية لا نبات فيها، وداخله خضرة وزهر. أشجار ضخمة تتشابك حتى تحجب السماء، وحقول مزدحمة سنابلها تدلت مثقلة، وكل نبتة ثلاثة أمثال ما رآه. للهواء حلاوة لا توصف، إذا دخل الأنف أراح الجسد كله. وقف سكان يو يي، رجالاً ونساءً وأطفالاً، على جانبي الطريق بملابس زاهية ووجوه نضرة؛ لا أثر لحيطة البرية التي صقلها الجوع والرمل، بل فضول وحفاوة، والأطفال حفاة يركضون ويضحكون كجدول جبلي. فتح غِن فمه ولم يقل شيئاً.

أما شوان جو فلم تخدعه الوفرة. ظل يحرك أذنيه ويطلق نحيباً خافتاً كأنه ينذر. نقل ظهره إلى وانغ هاي توتراً ليس خوف خطر، بل حيرة حيوان وطئت حوافره أرضاً لا يفهمها. كانت الأرض تهتز: رجفة أدق وأعمق، كالنبض أو القلب، تصل من أغوارها. وضع وانغ هاي يده على عنق الحصان ليبعث إليه سكينته. ناداه ميان تشن: «يا أخي وانغ هاي، هلم إلى قصري، أما خيلك وبضاعتك فيرعاها رجالنا».

تردد وانغ هاي، نزل وألصق جبهته بجبهة شوان جو وحرّك شفتيه بلا صوت، فسكن الحصان أخيراً. اقترب غِن وهمس: «ابتسامات هؤلاء ممتلئة أكثر من اللازم». أومأ وانغ هاي. كانت ابتسامة أبناء القبائل تحرك زاوية العين والفم وتريح الجسد، أما ابتسامة يو يي فلا يتحرك فيها إلا الفم، والعين ساكنة بل فارغة؛ كبركة عميقة تتلألأ سطحاً ولا تُرى يد في قاعها.

كان قصر ميان تشن في قلب المدينة، خانق العلو. أمامه ثمانية أعمدة حجرية يعانق ثلاثة رجال الواحد منها، محفورة عليها خطوط متلوية تمتد من القاعدة إلى القمة وتتجمع في رمز لم يره وانغ هاي: عين مفتوحة أو شمس على وشك أن تطلع. دخل القصر فرأى جلود وحوش كاملة زاهية معلقة على الجدران وبُسطاً غليظة لا صوت للقدم عليها، وفي الوسط مرجل برونزي مربع يحمل رمز العين نفسه ويبدو تحت النار كأنه يدور. وكان كهنة يو يي ينتظرون بثياب بيضاء تجر أذيالها كأشباح. حدق كبيرهم الهزيل، الغائر العينين والحاد كنسر، في وانغ هاي طويلاً ثم أومأ لميان تشن. قال الزعيم: «ضيوف يين-شانغ أهل صهر البرونز؛ فما النفائس التي جلبتم؟»

بدت عبارة تجارية عادية فاطمأن وانغ هاي، ثم لمح في زاوية مظلمة صبياً متدرباً راكعاً ينقش بسكين عظم على صَدفة سلحفاة بحجم كف. كانت مليئة بالرموز، وعرف وانغ هاي بعضها: كتابات شعائرية من يين-شانغ للتدوين والعرافة. ارتجف الصبي وكاد يسقط السكين، ثم نظر إلى الكهنة والزعيم وتأكد أنهم لا يراقبونه، وأشار إشارة صغيرة يعرفها وانغ هاي: لا تتكلم.

أدار وانغ هاي عينيه بلا أثر، وراح بابتسامة التاجر يسرد اليشم واللؤلؤ وقرون وحيد القرن والبرونز. أبدى ميان تشن رغبته في مبادلتها بالطعام والقماش والماشية؛ سارت الصفقة بسهولة تكاد تنسيه ريبه. لكن حين ذكر وانغ هاي أنه يريد الإقامة نحو عشرة أيام، تغير وجه الزعيم قليلاً: «عشرة؟ بلادنا منغلقة، وحتى الضيف الكريم لا يمكث طويلاً. فلتكن ثلاثة أيام؛ نكرمكم فيها كأعز الضيوف وتطلبون ما تشاؤون، وبعدها تتبادلون السلع وترحلون». سخر وانغ هاي في قلبه: رحلة ثلاثين يوماً مقابل ثلاثة أيام راحة، لكنه شكره في الظاهر كأنه راضٍ تماماً.

وفي الليل أقامت يو يي مأدبة كبرى: نار في ساحة المدينة، نساء يغنين ويرقصن، رجال يطوفون بأوعية الخمر، وأطفال يخترقون الجموع وضحكاتهم مبعثرة. أسكر المضيفون الأتباع حتى انهارت يقظتهم، أما وانغ هاي فلم يشرب إلا جرعات وقال إنه ضعيف على الخمر. لم يلحوا عليه، بل أكثروا من اللحم المشوي والفاكهة الطازجة؛ وكانت الفاكهة أحلى من كل ما عرف، تتفجر عصارتها في الفم كالعسل. وفي أوج السهرة تسلل، دار خلف القصر، ومضى بمحاذاة بيوت حجرية واطئة تحت ضوء قمر فاضح. سمع كلاماً خافتاً من أحدها؛ كان الصبي الناقش. قال: «أيها الضيف، تمهل».

خرج الفتى من الظل، لا يزيد على اثنتي عشرة أو ثلاث عشرة سنة، وعلى ملامحه حزن أكبر من عمره. سأله وانغ هاي: «كيف عرفت أني سأجيء؟» قال: «لأنك لا تصدق. عيناك قالتا لي. أهل المدينة ينظرون إلينا بطمع أو خوف، أما أنت فعيناك لا تكفان عن السؤال». سأله وانغ هاي عن اسمه، فقال: «رِن». وتذكره: «رِن الذي ينقش الصدفة؟ ما نقشته كتابة يين». قال الصبي إن أمه من يين، لاجئة آوتها يو يي قبل ثلاثين عاماً ثم تزوجت أباه، وهي التي علمته النقش على العظام. حسب وانغ هاي السنوات: في ذلك الوقت لم تكن يين-شانغ قد تأسست بعد، وكان أسلافها يقاتلون القبائل، وتشتت كثير من أهل يين بالفعل.

سأله: «أين أمك؟» صمت رِن ثم قال: «ماتت قبل ثلاث سنوات». وتسارع صوته: «أيها الضيف، ارحل غداً، لا تنتظر اليوم الثالث. ارحل الليلة إن استطعت، قبل أن يُغلق الباب تماماً». قال وانغ هاي: «لماذا؟» فتح رِن فمه ثم تصلب. التفت وانغ هاي فرأى كاهناً أبيض الرداء على بعد عشر خطوات، عيناه في وجهه الذابل تلمعان رعباً. قال بصوت يابس: «تأخر الليل، ولا ينبغي للضيف أن يكون هنا». كان رِن قد اختفى في الظل. انحنى وانغ هاي للكاهن ومضى وكأن شيئاً لم يقع، لكنه شعر بعينيه معلقتين بظهره كلعق لسان أفعى.

في الفجر ذهب إلى الإسطبل بحجة تفقد الخيل. استقبله شوان جو بصهيل عتاب لأنه تركه ليلة في مكان غريب، فداعب وانغ هاي عرفه وهمس له حتى حك رأسه في كتفه. ظهر غِن شاحباً، وقد بدا أنه لم ينم: «تفقدت البئر الشرقية. عمقها غير طبيعي؛ البئر العادية تجد ماءها بعد ثلاث أو خمس قامات، أما هذه فرميت فيها حجراً وعددت ستين حتى سمعت ارتطامه». حسب وانغ هاي: حجر يسقط قرابة أربع قامات في اللحظة، وستون نبضة تعني بئراً لا تقل عن عشرين قامة. لماذا يحفرون بئراً بهذه الغزارة في البرية؟ وأضاف غِن: «وضعت أذني على الأرض طوال الليل. تحتها شيء حي».

سأله وانغ هاي: «أي شيء؟» قال غِن بحيرة: «ليس كائناً؛ كأن الأرض نفسها تتنفس. كل ربع ساعة تقريباً تصل رجفة ضئيلة من الأسفل، رجفة منتظمة أكثر من أن تكون زلزالاً». تذكر وانغ هاي النبض خارج السور، ووضع كفه على الأرض. بعد لحظات شعر بها: نبضة، سكون، نبضة، إيقاع يكاد يوافق قلبه، كأن في باطن الأرض قلباً هائلاً بطيئاً.

قال غِن فجأة: «اسأل حصانك». كان شوان جو ينكش الطين بحافره الأمامي، لا ينظر إلى صاحبه بل إلى الأرض، أذناه ملتصقتان برأسه وأنفه متسع وحلقه يئن. تلك ردة الخيل حين تحس بالأرض تهتز، لكنها لا تفعل ذلك إلا إن سمعت قطيعاً يعدو من بعيد؛ فما القطيع الذي يمكن أن يكون تحت التراب والحجر؟ ركع وانغ هاي عند الموضع الذي حفره الحافر. كان التراب دافئاً على غير عادة الصباح، وقرب أنفه منه فشم رائحة بالغة الخفة: رائحة عشب، بل رائحة عشب متعفن أقدم وأشد، كأن نبات ملايين السنين تخمر في العمق ثم رشح إلى السطح.

لم يشم هذه الرائحة إلا في مكان واحد: العِرق الروحي، سر يين-شانغ الأكبر. يقال إن الملك المؤسس تشنغ تانغ نهض فوق القبائل لأن عاصمته بو قامت فوق عِرق روحي؛ وهو مسار خفي من القوة يرقد في باطن الأرض، يجعل التربة خصبة والمحاصيل وافرة والمواشي نامية. لكنه نادر. لم يكن ليين-شانغ سوى عرق بو، وقد بدأ منذ ثلاثة أجيال يضعف؛ خفت خصب الأرض وتحول الحقل الذي يحصد مرتين إلى حقل يحصد مرة. قال الكهنة إن العرق الروحي، كالكائن الحي، له دورة حياة وفناء لا تُرد.

لكن دفء التراب ورائحة العشب المتعفن والنبض المنتظم تحت قدميه لا تشير إلا إلى معنى واحد: تحت يو يي فرع من عرق روحي ما زال حياً. وهكذا اتضحت فجأة حكايات الحصاد الثلاثي والثمار المضاعفة، والسور الجبلي، والابتسام العجيب في وجوه الناس. نهض وانغ هاي ووجهه شديد: «انسحبوا. اجمعوا الجميع واربطوا البضاعة؛ نغادر اليوم». انذهل غِن ثم أسرع. لكن الوقت كان قد فات.

دُفع باب الإسطبل من الخارج ودخل ميان تشن مع الكهنة البيض، في أيديهم أجراس برونزية. وما إن رنت حتى أطلقت كل الخيل صهيل عذاب، وقامت على قوائمها تصارع القيود. حتى شوان جو ارتجف بعنف، وانقلب كهرمان عينيه إلى بياض، وفار الزبد من فمه وأنفه. قال ميان تشن بصوته الجهوري وقد اختفت ابتسامته: «خيولك مذعورة يا أخي وانغ هاي؛ ابقَ أياماً حتى تهدأ». وقف وانغ هاي أمام شوان جو ويده على عنقه: «لا حاجة؛ الطريق لا يحتمل التأخير». قال ميان تشن: «لكن خيلك لا تريد الرحيل». فصرخ شوان جو صرخة لم يسمعها صاحبه منه من قبل: خوف، خوف خالص بدائي لا يُكبح.

صاح وانغ هاي: «ماذا فعلتم؟» قال الكاهن العجوز كحفيف ورق يابس: «لا شيء. جعلنا الخيل تدرك فقط ما الذي تطأه حوافرها». نظر وانغ هاي إلى أسفل. عند حوافر شوان جو انشق التراب بلا صوت، وخرج منه ضوء أزرق شاحب بارد حتى العظم، كأن شيئاً في جوف الأرض فتح عينه وينظر عبر الشق إلى فوق. # ثالثاً: نذير الرأس الطيري

حين مات وانغ هاي كان القمر ناقصاً. كانت منتصف الليلة الثالثة، وقد احتُجز منذ ثلاثة أيام في المسكن الذي أعده ميان تشن له: ضيافة في الاسم وسجن في الحقيقة. فُرق أتباعه في أنحاء المدينة، وحُبست الخيول في إسطبلات شتى، وأخذ شوان جو وحده. حاول المقاومة، لكن ما إن قبض على سيفه البرونزي حتى وُضع رمح عظمي عند حلقه. قال الحارس بهدوء كأنه يدعوه إلى جرعة خمر: «للمدينة ثلاثة آلاف مقاتل وأنت معك ثلاثون؛ فلا تبلغ بنا ذلك». أرخى وانغ هاي قبضته، لكن قلبه هوى في جليد: إن تجرأت يو يي علانية على ذلك، فهي لم تنوِ قط أن تتركه حياً. وقتل تاجر في البرية المرتبطة بالثقة أمر لا يكاد يُتصور، إلا لمن يثق ألا يترك ذلك أثراً.

في غروب اليوم الثالث جاء ميان تشن بلا مواربة. جلس قبالة وانغ هاي ونقر الطاولة: «لم يكن بين يين-شانغ ويو يي عداوة، وحبسنا لك ضرورة. أعد بشيء واحد، وغداً ترحل بخيلك وبضاعتك». لم يرد وانغ هاي. قال ميان تشن: «أن تنسى كل ما رأيته وسمعته هنا، لا سيما هذه الأيام. اشرب وعاء حساء، نم ليلة، واستيقظ فلا تذكر شيئاً؛ وتسير قافلتك سالمة إلى يين-شانغ. أليس ذلك خيراً للجميع؟» كان الوعاء أمامه، سائله أخضر داكن نافذ الرائحة؛ عرفه وانغ هاي: حساء عشب محو الذاكرة، يورث سباتاً ثلاثة إلى خمسة أيام ثم يذهب بما قبله. سأله: «وإن لم أشرب؟» تنهد الزعيم: «ستشرب، وإلا اضطررنا إلى إبقاء ذكرياتك في تراب يو يي إلى الأبد». وقف عند الباب وقال: «الليلة ليلة القمر الناقص، والعرق الروحي فيها أشد قلقاً. إذا مرّ النقص غداً وعرفت مصلحتك فاشرب؛ وإن لم تعرف...» ثم مضى.

جلس وانغ هاي وحده والقمر يرسم على الأرض ظلالاً مبقعة. أغمض عينيه وأغرق إحساسه في جسده، فوجد رجفة الأرض أعنف من الأيام السابقة، كوحش تحتها يضطرب هذه الليلة. لم ينوِ شرب الحساء؛ فحتى لو نسي فلن تتركه يو يي، لأن من عرف سر العرق الروحي يظل خطراً ولو محته الذاكرة. ولم يتركوه حياً إلا لأنهم يحتاجون إليه في ليلة القمر الناقص. ثبتت العبارة في رأسه كمسمار برونزي: لماذا يصير العرق حين ينقص القمر أشد قلقاً، ولماذا يعني ذلك ليو يي؟ تذكر قول الكاهن: «جعلنا الخيل تدرك ما الذي تطؤه». لقد جعل العرق الروحي القفر جنة، ولذلك علت الأسوار وحُرست الأسرار. ولو عرف بقية قبائل البرية بعرق حي عند يو يي لتدافعت كالذئاب إلى رائحة الدم، ولم يحمها سور حتى لو بلغ السماء. لذلك يجب أن يقتلوه.

فتح عينيه ونقر الأرض. كان النبض أقوى، حتى أحس بالأرضية ترتفع وتهبط. العرق يستيقظ ويتنفس ويصعد من العمق، وفهم فجأة: في ليلة القمر الناقص يصعد العرق، وتريد يو يي أن تخمد نشاطه بالدم. لم يعتزموا نجاته منذ البدء؛ فلعل دم أحد أسلاف يين-شانغ هو أفضل قربان لتهدئة العرق. سمع خطوات ثقيلة ومشاعل تضيء من شق الباب، فنهض وسل السيف. انعكس وجهه على نصله، العروق نافرة في صدغيه، والعينان ساكنتان.

لم يخف الموت؛ خاف أن يموت فلا يعلم أحد سر يو يي، ويظل قومه مخدوعين بقبيلة تتستر بالود. كان عليه أن يخلّف شيئاً. اقتُحم الباب ودخل عشرات الحراس برماح عظمية، يتقدمهم الكاهن العجوز ورداؤه الأبيض كالكفن. صاح: «يا وانغ هاي، أتدري ذنبك؟» لم يجب. رفع الكاهن جرسه: «من تجسس على العرق الروحي فذنبه أن يُقرَّب إليه». مع رنين الجرس اهتزت الأرض وانشقت، وتفجر الضوء الأزرق فغمر وانغ هاي: نبض العرق ونفسه وذاته، كتنين هائل رقد ملايين السنين ثم فتح عينه.

اندفعت الرماح معاً. صد بسيفه اثنين أو ثلاثة، لكن رؤوسها جاءت من كل صوب. اخترقت شفراتها الباردة معطف الثعلب وأضلاعه وقلبه الذي كان يدق بعنف. احمر العالم لحظة. وهو يهوي رأى دمه يتسرب في شقوق الأرض، والضوء الأزرق يشربه بجشع، والعرق يتفتح في نظره المحتضر كزهرة شيطانية.

خرج آخر نفس له في جملة لم يسمعها أو يفهمها أحد، لأنها كانت بلغة الخيل: ما قاله لشوان جو عند لقائهما، وعدٌ ووصية. ثم مات. جر الحراس جسده خارج المدينة إلى أرض قاحلة فوق العرق مباشرة. قال الكاهن إن طقس القربان يقتضي دفن الجسد في العرق حتى يتقبله تماماً. ولم يتوقع أحد ما حدث للجسد الذي أخذ يبرد.

بدأ التحول باللحم. كان صدر وانغ هاي مثقوباً والدم قد نزف، لكن حين وضع في الحفرة ارتجف اللحم حول الجروح؛ لم يلتئم، بل تبدل. انضم طرف الجرح ببطء، وتحول اللون من رماد الموت إلى الأحمر ثم إلى أزرق الضوء. لم يكن اللحم الجديد لحم إنسان، بل نسيجاً أدق وأشد؛ وحين نبتت أول رقعة كاملة امتص الحراس أنفاسهم: غطتها حراشف صغيرة كثيفة. ثم تحولت العظام بصوت طقطقة، كيد خفية تعيد صوغها؛ التفّت الأضلاع صاعدة في حلقات عند الصدر، وقصرت عظام الذراع وغلظت وظهرت عليها دوائر كحلقات الشجر، ودقت عظام الساقين وبرزت عند المفاصل أشواك عظمية حادة.

وكان أفظع التحول في الرأس. كان وجه البطل شديد الملامح، عالي الحاجبين مربع الفك؛ فإذا بالجمجمة تتغير بصمت: ينكمش الفك ويحدّ، ينحسر الجبين ويرتفع قمة الرأس كأن شيئاً ينطح من الداخل، تبرز عظام الوجنتين وتتطاول محجرا العينين. وتغير الجلد من برونزي صقله الرمل إلى رمادي أبيض، ثم أصفر باهت، ثم أبيض عاجي لامع. وخرجت منه ريشات لا تحصى، زغباً أولاً ثم ريشاً أطول وأكثف، أبيض صافياً: ريش طائر حقيقي.

تراجع الحراس يصرخون أو يسقطون، لكن التغير استمر على مهل وبإيقاع مهيب. تغير وجه الكاهن نفسه؛ فالكتب السرية الموروثة تقول إن العرق ينمي الأشياء ويخصب الأرض ويحفظ أرواح الموتى، ولا تقول إنه يحيل جسد إنسان إلى هيئة غريبة. ومع أول ضوء للفجر اكتمل التحول. لم يعد في الحفرة وانغ هاي، سلف يين-شانغ ومروّض الخيل وبائع البرية الأشهر، بل وجود جديد لا اسم له: رأس مكسو بالريش الأبيض على جسد إنساني لفّته الحراشف والأشواك العظمية.

كان رأس طائر وجسم إنسان. مال الرأس قليلاً، عيناه مغمضتان ومنقاره الطويل موارب كأنه يصيح بلا صوت. أضاء الفجر ريشه فتلألأ كل ريشة كخيط من ضوء القمر، وبين حراشف صدره لم يبق من الجروح شيء، بل لحم جديد يلمع بالأزرق. لم تكن لعنة، أو ليست لعنة يفهمها الكاهن؛ بل صدى العرق الروحي. ابتلع العرق دم وانغ هاي واتخذ جثته وعاءً. ليس للعرق إرادة، لكنه يملك ذاكرة؛ حفظ مظلمته وغضبه وهمسته الأخيرة. والطير أحرّ مخلوقات البرية، يعبر أي سور ويرى أي سر، فحوّله العرق إلى رأس طائر وجسم إنسان كي تبقى معاناته على صورة ما.

وقف الكاهن طويلاً مرتعباً ثم قال: «ردموا». أفاق الحراس وألقوا التراب، لكن حين وقع على الرأس الطيري تحرك الجفنان، ثم انفتحا ببطء. لم تكونا عينَي إنسان ولا طائر، بل كهرماناً ذائباً تغمره زرقة صاعدة من القاع. اخترقت النظرة التراب والظلام والموت وحدقت إلى السماء. صرخ الحراس، رموا رماحهم وفروا؛ فلم يبتعدوا حتى جاء صوت ميان تشن قاسياً: «من أفشى حرفاً مما حدث اليوم فعشيرته كلها مذنبة معه».

تقدم ميان تشن إلى الحفرة، ونظر إلى الجثمان زمناً في ضوء المشاعل، ثم قال للكاهن بصوت لا يكاد يسمع: «يا أخي وانغ هاي، لِمَ هذا؟» رُدمت الحفرة ودُك التراب ونما العشب فوقه كأن شيئاً لم يحدث. لكن الرأس تحت الأرض ظل مفتوح العينين، يرشح من حدقتيه الضوء الأزرق كالدمع، فينقع التربة حوله. تذكر العرق: دم وانغ هاي وظلمه وجريمة ليلة القمر الناقص.

بعد سبعة أيام أطلق شوان جو صهيلاً طويلاً وقطع قيوده؛ لم يقدر أحد على إيقافه، وكل من اقترب طرحه. داس شوارع يو يي، وحطم المرجل البرونزي المنقوش بالعين، ثم قفز فوق السور العالي كالجبل كأن له جناحين. هبط في البرية، التفت مرة إلى المدينة التي سجنت سيده وسجنته، وفي عينيه حزن لا يخص حصاناً، ثم اندفع شرقاً، ناحية يين-شانغ، ليؤدي الوعد. طارده فرسان يو يي وأمطروه سهاماً، لكن السهم لا يدرك الحصان الروحي كما لا يدرك الليل الفجر. صار برقاً أبيض يجري، ودخانه طريق طويل يصل وانغ هاي الميت بيين-شانغ الحية.

بعد ثمانية وعشرين يوماً سقط شوان جو في البرية خارج بو. انكشفت العظام من حوافره، وامتلأ جسده جروحاً، ولطخ الدم والطين فراءه الأبيض. جاء شانغ جيا وي، ابن وانغ هاي المقيم في دار الحاكم بو، فوجد حصان أبيه يحفر بآخر قوته رمزاً في الأرض. ركع عنده ومسح عرفه المبلل بالعرق والدم. رفع شوان جو رأسه؛ انعكس وجه الشاب الذي يشبه أباه فيه: الملامح الحادة والحاجبان والعينان العميقتان. ثم أصدر صهيلاً مبحوحاً، أعمق حزناً، وأخبره بلغة الخيل أن وانغ هاي مات بيد يو يي، في ليلة القمر الناقص، فوق عرق روحي. انشق جرحه من الألم فلم يستطع إتمام الكلام، لكنه قال ما يكفي. شحب وجه شانغ جيا وي، ثم صار كحديد، ثم كدم. نهض وسل سيفه البرونزي وأطلق نحو يو يي زئيراً هز السماء. قال شيوخ بو إنه أفظع صوت سمعوه؛ لم يشبه صوت إنسان، بل عواء العرق الروحي في باطن الأرض. # رابعاً: الدم والروح

في يوم جمع شانغ جيا وي الجيش، امتلأت سماء بو بسحب رصاصية. لم تفارقه تفصيلة بلغته من صهيل شوان جو: «حين مات أبوك كان القمر ناقصاً». ركب فرساً حربياً كستنائياً، وخلفه ثمانية آلاف مقاتل من يين-شانغ مدججين بالسلاح، وجوههم صلبة كالحديد. كبروا على حكايات وانغ هاي، الرجل الذي يروض الخيل ويحاورها، أسطورة لا تسبقها في قلوبهم إلا أسطورة تشنغ تانغ. ماتت الأسطورة، وبقي شوان جو. لم يعد قادراً على رحلة بعيدة، فجروح حوافره كشفت العظام وسهم عظمي بقي مغروساً في ضلعه. نزعه شانغ جيا وي بيده ووضع العشب الطبي، ثم ركع أمام الحصان وألصق جبهته بجبهته. قال بلغة أبيه القديمة المباشرة: «سأعيده». أغمض شوان جو عينيه، وتدحرج كهرمان دمعه إلى التراب.

انتشر خبر المسير سريعاً، وبعثت القبائل رسلاً تسأل. لم يجب شانغ جيا وي وهو على ظهر جواده إلا: «قتل يو يي أبي وانغ هاي. لا نسير لاحتلال أرض ولا لطلب غنيمة، بل لاسترداد العدل». وكانت كلمة العدل ثقيلة في البرية؛ فالقبائل تتنازع، لكن قتل التاجر محرّم يثير سخط الجميع. التجار دم البرية، يجلبون السلع والأخبار من الآفاق، وقتلهم إعلان حرب على كل قبيلة وخروج من نظام الأرض. لذلك، في طريق الغرب، أرسلت سبع أو ثماني قبائل محاربين لينضموا إلى حملته.

بعد ثلاثين يوماً وصل الجيش تحت أسوار يو يي، السوداء الرابضة كالجبل. هذه المرة اكتظ السور بالمقاتلين والمشاعل كنجوم، وكان ميان تشن قد استعد. أوقف شانغ جيا وي فرسه ورفع رأسه إلى السور الذي رآه أبوه آخر ما رأى. تذكر الأب والحصان الأبيض الذي خر عند باب الدار، وتذكر الرمز الذي حفره شوان جو بقوته الأخيرة؛ رمز لم يعرفه كهنة يين، كعين مفتوحة وكشمس ستشرق: رمز العرق الروحي. في لحظة موته فوق العرق نقش وانغ هاي بسر لغة الخيل في ذاكرة شوان جو.

صاح: «أنا شانغ جيا وي من يين-شانغ، أطلب لقاء ميان تشن، زعيم يو يي». صمت السور ثم ظهر ميان تشن من خلف الشرافات. بدا كأنه شاخ عشرة أعوام في شهر، ذابل الوجه غائر العينين، لكن صوته بقي جهورياً: «يا ابن أخي شانغ جيا وي، هل أنت بخير؟» قال: «أتيت أطلب شيئاً: عظام أبي». طال صمت ميان تشن، والعيون من أعلى وأسفل عليه، والريح تلف الرمل بين الجيشين المتقابلين كسورين.

قال أخيراً بصوت أجش: «مات أخوك وانغ هاي حقاً؛ مات مرضاً. بذلت يو يي كل ما في وسعها لعلاجه، فلم تنفعه الأدوية. وقد أعدنا أتباعه وبضاعته كاملة». كان كذباً مضحكاً؛ وانغ هاي في ريعان القوة وأقوى من الحصان الوحشي، فكيف يموت فجأة؟ لكن ميان تشن لا يستطيع قول الحقيقة: لا أنه قتله ولا سبب قتله. قال شانغ جيا وي بسخرية: «مات مريضاً؟ فأين عظامه؟ شريعة يين ترد الميت إلى موطنه؛ سلمني عظام أبي وأنسحب الآن». تحركت تفاحة حنجرة ميان تشن؛ لا يستطيع تسليمها، فجسد وانغ هاي صار ذاك المخلوق ذا الرأس الطيري المدفون فوق العرق. إن سلّمه انكشف السر، وإن لم يفعل قامت الحرب.

قال ميان تشن كالحطب الجاف: «قال عند موته إنه يرغب أن يدفن في يو يي، ماءها وترابها يربيان الناس، ويريد أن يرقد هنا». فهاج جنود يين غضباً؛ لم يفهموا التفافات المعاذير، فهم يعرفون أن بطلهم مات وأن قاتله فوق السور يكذب كذباً مثقوباً. سل شانغ جيا وي سيفه ببطء وقال: «إذن آتي لأخذه بنفسي». دامت الحرب سبعة أيام.

في اليوم الأول حاولت قوات يين الهجوم، لكن السور عالٍ سميك؛ تُدفع السلالم وتترك الكباش عليه آثاراً بيضاء، وتمطر سهام يو يي كالجراد فتكثر الخسائر. وفي اليوم الثاني أرسل شانغ جيا وي رجالاً يحفرون نفقاً، فلما بلغوا منتصفه اصطدمت المعاول بشيء صلب: ألواح حجرية زرقاء سوداء محفورة برمز العين. دوّى عليها ضرب الفؤوس كالرعد المكتوم. قال الكهنة إنها طبقة حراسة وضعها العرق الروحي؛ كما حمى يين في القديم يحمي يو يي الآن. ولتحطيمها لا بد أن يحفروا أعمق من موضع الألواح. ظلوا يحفرون أياماً وليالي، حتى جاء في اليوم الثالث من الحفر دوي عظيم من طبقات الأرض؛ اهتز النفق، وتساقط التراب، وصرّت الدعامات ثم فرّ العمال زاحفين، وانهار الممر خلفهم. وحين خرجوا مغبرين وجدوا الأرض تهتز، وقد انشق خط طويل يحيط بمدينة يو يي.

وفي الوقت نفسه تغيرت حقول المدينة. ذبل الزرع القوي فجأة، والتوت أوراقه واصفرت، وتساقطت الثمار فصارت عند الأرض ماءً أسود، وامتلأت الحبوب التي كانت ذهبية في المخازن بعفن رمادي أخضر في ليلة واحدة. أصيب العرق الروحي. لم يكن شانغ جيا وي يعرف سره، ولا ما اكتشفه أبوه فدفع حياته، ولا أن حرب الأيام السبعة تقطع شرايين الأرض طعنة طعنة؛ كان ابناً يطلب ثأر أبيه، ولا يفكر إلا في كسر المدينة واسترداد العدل. وفي اليوم السابع اقتُحم الباب أخيراً.

انهار الباب البرونزي، عرضه ثلاثة أقدام، عند غروب اليوم السابع وأثار الغبار، وتدفق جنود يين كالسيل. قاتلت يو يي بعناد ويأس، فكل زقاق صار ساحة، وكل بيت حصناً، لكن المصير حُسم: منذ انشق التراب وذبلت الزروع بدأت مياه العرق تنقطع وتنسحب من تحت الأرض. مات ميان تشن في قصره. وجده شانغ جيا وي راكعاً أمام مرجل برونزي مربع مليء برمز العين، ينزف من منافذ وجهه السبعة وقد فارق الحياة، عيناه متسعتان بالذعر من رعب أشد. قال الكهنة إن دويّاً مكتوماً صدر قبل موته، كأن شيئاً انقطع. عندها اهتزت عشرات الليّات حول المدينة، وجفت الآبار كلها، وخفتت الشقوق التي كان يسيل منها الضوء الأزرق كأن يداً خفية سحبت روحها.

انقطع العرق. ووجد شانغ جيا وي عظام أبيه في أرض خلاء وسط المدينة، تحت ثلاثة أقدام من التراب. حين كُشف القبر حبس الجميع أنفاسهم؛ لم تكن هيئة وانغ هاي البطولية، بل رأس طير بريش أبيض فوق جسد إنسان ملفوف بالحراشف والأشواك. ومض الضوء الأزرق في محجري الرأس كمصباحين خامدين، وحين ركع الابن قرب الحفرة تحركت العينان كأنهما عرفتا الابن. ركع جنود يين؛ لم يعرفوا أن هذا صدى العرق وطريقة الأرض في حفظ الذاكرة، وظنوا أنه لعنة يو يي الخبيثة على وانغ هاي.

حمل شانغ جيا وي بقايا أبيه ولفها بردائه. ارتجفت يداه ولم يبكِ؛ قال كلمة خافتة لا يسمعها إلا الجسد، ثم نهض وأصدر آخر أوامره: «أبيدوا المدينة». لم يعصه أحد. دخل جنود يين البيوت بالسيوف البرونزية والرماح العظمية، وقتلوا كل من وجدوا: الشيوخ والنساء والأطفال. اشتعلت النار في كل ناحية، وحجب الدخان القمر الناقص، وظلت تحترق الليل كله حتى الفجر.

لم يبق من مدينة يو يي المزدهرة إلا جدران مكسورة وجثث سوداء في الطرق ورائحة الجلد واللحم المحترق. ابتلعها قفر الخارج كأنها لم تكن. في الفجر خرج شانغ جيا وي حاملاً جسد أبيه من المدينة المدمرة، وخلفه جيش يين وثيابه مضرجة. فنيت يو يي، لكن المرجل البرونزي ذو رمز العين اختفى؛ قال بعضهم إن كاهناً أبيض نجا ودفعه في أعمق بئر، وقال آخرون إنه غاص بنفسه في الأرض المشقوقة. على أي حال دُفن الرمز معه.

فتش كهنة بو الخرائب بأمر شانغ جيا وي، وحفروا الأرض ودخلوا الأنفاق وقلبوا التراب المحروق شبرًا شبرًا بحثاً عن بقايا قوة العرق، فلم يجدوا شيئاً. انطفأ الضوء الأزرق إلى الأبد، وانقطع فرعه في الحرب وتبددت بقاياه في الأرض. وحين أبلغوا شانغ جيا وي، كان على ظهر جواده يحتضن بقايا أبيه، مرهقاً هادئاً. قال: «إن لم نجده فلا نجده. أكان لنا عرق أم لم يكن، فلن تسقط يين-شانغ». لكن التاريخ أثبت خطأه؛ بقيت يين-شانغ قروناً، غير أنها بدأت منذ ذلك اليوم الانحدار: غلة الحقول تقل، والسمك في الأنهار والوحوش في الغابات ينقص. نقل ملوك شانغ العواصم مراراً، ظاهراً هرباً من الماء واختياراً للأصلح، وباطناً طلباً للقوة الروحية المتلاشية: من بو إلى شياو، إلى شيانغ، إلى شينغ، إلى يان. ولم تستعد الأرض في أي موضع خصب عصر تشنغ تانغ.

نقش الكهنة أسئلة العرافة على أصداف السلاحف، وسألوا أرواح الأسلاف والجبال والأنهار والأشباح وإرادة الشمس والقمر. تشققت الأصداف في النار، وأشارت الشقوق كلها إلى الغرب، لكن الغرب لم يبق فيه غير خراب وعشب بري ينمو بجنون. أعيدت عظام وانغ هاي إلى بو ودُفنت في أعظم جنازة؛ قُتل ثلاثمئة عبد قرباناً، ودُفنت برونزات ويشم وعظام خيل لا تحصى. ووضع الجسد الطيري في تابوت برونزي صنع له خصيصاً، غطاؤه طوطم إنسان برأس طائر، صورة الجدّ الأقدم في أساطير شانغ.

كان عذر يو يي لوفاته «مرضاً شديداً لم يُشفَ». وخلّد أهل شانغ شجاعته وأمانته في إعلان جنائزي يقول إنه مات بخير في يو يي. وتناقل الناس أنه تاجر ماهر في الخيل أصابه مرض في أرض غريبة، ولم يفهم أحد معنى تلك البقايا الطيرية. بحث الكهنة طويلاً ثم أبقوا نصاً واحداً: «في البرية العظمى إله، هيئته رأس طير وجسم إنسان، واسمه وانغ هاي». ودخل النص بعد قرون في «سجل البرية الشرقية» بين الوحوش والآلهة العجيبة، فمر به القراء وعدّوه خرافة جديدة، ولم يعرف أحد ما جرى في ليلة القمر الناقص.

دُفن سر العرق مع يو يي. ولم ير أحفاد القاتلين والمقتولين في القصة إلا حرباً عادية أفنت دولة. أما الحقيقة فغرقت تحت التراب، عميقاً جداً. # خامساً: نبض باطن الأرض

الزمن نهر، وعلى سطحه أسرار منسية لا عدّ لها، وفي عمقه شيء يصعد ببطء. بعد ثلاثمئة سنة من موت وانغ هاي، جاء وو دينغ إلى يين-شانغ، فأعاد نهضتها ووسع أطرافها شرقاً وغرباً. وكانت زوجته فو هاو بطلة نادرة، تقود الجيوش فلا تُهزم، وبلغت البرونزات في عهدها ذروة زخرفها ومهابتها. في الظاهر بقيت يين-شانغ سيدة العالم وأقوى دولة تحت الشمس والقمر؛ لكن من يقدرون على حس نبض الأرض شعروا بقلق: شيء في عمق بعيد جداً يستيقظ ببطء.

كانت فو هاو أول من سجّل هذه الرجفة. كانت لا تُقهر في الحرب وقائدة جيوش يين الثلاثة، وأكبر كاهناتها أمام المذبح؛ تقرأ شقوق أصداف السلاحف وأحشاء القرابين، وتضع كفها ليلاً على الأرض لتحس النبض الرقيق القادم من الأعماق. في ليلة بلا قمر، بعد أن أخمدت تمرداً حدودياً، عسكر جيشها في البرية غير بعيد من أطلال يو يي. انطفأت النيران ونام الجنود، وجلست وحدها أمام خيمتها؛ لم تستطع النوم، إذ ناداها قلق مبهم. وضعت كفها على التراب وأغمضت عينيها: أحست بخشونة الرمل وبرودة الرطوبة وارتعاش الديدان الخافت في الطبقات. ثم تحت كل ذلك، تحت كل عمق تبلغه الحواس البشرية، التقطت رجفة أقدم وأبعد.

دق، دق، دق. كنبض قلب، بطيء جداً، نبضة كل ربع ساعة تقريباً، لكنه دقيق وقوي وعميق. عبر آلاف القامات من الصخر وعصوراً لا تحصى، وصعد موجة بعد موجة من أعمق القاع إلى كفها. فتحت فو هاو عينيها وتسارع نفسها؛ عرفت الرجفة. حين كانت فتاة قال لها كاهن بو العجوز، وهو أعمى يرى أوضح من المبصرين: «للأرض قلب؛ العروق الروحية دمها، ونبضها نبض الأرض. في الشرق جد اسمه وانغ هاي، مات فوق عرق حي. جعل دمه العرق يتذكر دفء البشر. كان أول وآخر رجل من يين-شانغ يتحد جسده بعرق روحي». سألت الفتاة: «وأين العرق؟» تنهد: «انقطع في حرب الابن الذي ثأر لأبيه. ومنذ ذلك لم تحظَ يين بحماية عرق حقيقية؛ نقلنا العواصم وأقمنا الشعائر وصلّينا، لكن الأرض ازدادت فقراً. مات العرق، أو قل نام». سألته: «هل يستيقظ؟» صمت طويلاً، ثم أشار إلى الأرض: «اسمعي. لم يمت قط، إنما هبط إلى عمق أبعد. إنه ينتظر من يفهم لغته».

ركعت فو هاو في البرية ودموعها تسيل بلا صوت؛ لقد سمعته، وكانت الأولى منذ ثلاثمئة عام. لكنها عرفت أيضاً أنه ما يزال يهبط إلى طبقات لا يبلغها البشر. حين عادت إلى عاصمة يين نقشت ما أحسته على صدفة سلحفاة ودفنتها تحت أساس المعبد، وجمعت الكهنة وقالت: «العرق لم يمت، بل هبط. صار عميقاً بحيث لا نستطيع أن نغترف من روحه، لكن قلبه ما زال يدق وسيبقى. بعد ألف سنة أو عشرة آلاف قد يصعد من جديد؛ تصير الأرض خصبة وتحصد الحقول ثلاث مرات، لكننا لن نرى ذلك اليوم». دوّن الكهنة قولها وورثوه، لكن أحداً لم يعد يحس النبض؛ صارت السجلات تُعد أوهاماً، أغلقت في المخازن، ثم ضاعت في نقل عاصمة لاحق.

ومضت قرون. غزا الملك وو تشو، فسقطت يين-شانغ. في يوم معركة مويي قيل إن أرض بو تشققت إلى هوة لا قاع لها وخرج منها ضوء أزرق شاحب، أضاء لحظة قصيرة ثم انطفأ كآخر تنهيدة للأرض. قال قوم إنه وداع العرق ليين، وقال آخرون إنه غاز مستنقعات أضرمته الحرب؛ لا أحد عرف، فقد ابتلع عنف الليل ودمه كل شيء. قامت تشو مقام شانغ، وتبدل سيد العالم، ووزع ملك تشو الإمارات ووضع الطقوس والموسيقى واستمر العمران بوجه آخر. نُسي العرق تماماً؛ صار الذين سمعوا قلبه تراباً، ودفنت أصدافهم تحت الخراب، ولم يبق إلا قلة تعرف أن اسماً من أسلاف شانغ وملوكها الأوائل ارتبط بسرّ بالغ الخفاء: وانغ هاي.

ثم مرت قرون أخرى، وفي عصر الربيع والخريف والممالك المتحاربة، حين تنافست المدارس واضطرب العالم، وجد المؤرخ الأعمى تسوه تشيو مينغ، وهو يصنف تاريخ لو، بين رقائق متناثرة خبراً من شانغ لا يزيد على بضعة عشر حرفاً: «أمير شانغ هاي نزل ضيفاً على يو يي، فقتله سيد يو يي ميان تشن وطرحه». كان ذلك التفسير الرسمي لمقتل وانغ هاي، الجد السابع لملك شانغ، وهو ضيف بين قوم أجانب. أدخل تسوه تشيو مينغ الكلمات في «حوليات الخيزران» فصارت نصاً قانونياً؛ جملة بلا سبب ولا تفصيل ولا خاتمة، كحصاة محيت حوافها واستقرت في زاوية سجل التاريخ.

وبعد زمن، جمع عالم من جين الشرقية اسمه غان باو غرائب العالم، فالتقط خبر وانغ هاي وقد صار: «وصل وانغ هاي إلى يو يي، وكان خادم إله النهر ثوراً، فقتلته يو يي وأخذت الثور». تحولت القصة إلى سطو عادي طلباً للمال، فأدخلها غان باو في «البحث عن الأرواح» مع حكايات الآلهة والأشباح. تلاشت ليلة القمر الناقص والجسد الطيري والعرق المكسور في ضباب الأساطير. أما مؤلفو «كلاسيكية الجبال والبحار» فسجلوا البقايا التي شبعها العرق: «في البرية العظمى إله، هيئته رأس طير وجسم إنسان، اسمه وانغ هاي». ستة عشر حرفاً فقط؛ بلا تفسير ولا بداية ولا نهاية. مجد رجل وظلمه، صعود وهبوط عرق لقرون، وحرب غيرت مصير شانغ، كلها انكمشت في تلك الكلمات.

لكن في وادٍ بلا اسم شرق البرية العظمى، تحت ألف قامة من أنقاض يو يي، كان قلب العرق الروحي لا يزال يدق. لم يمت أبداً؛ كانت فو هاو على حق، فقد نام فقط. بعد أزمنة من السكون، يقتات حرارة نواة الأرض ويلعق جرح انقطاعه، صار يتعافى ببطء. غدا نبضه أعمق وأقوى مما كان. ولم يمت وانغ هاي تماماً؛ حفظ العرق ذاكرته وامتزجت به. كل دقة في القاع الذي لا ضوء فيه تحمل وجوده: ليلة القمر الناقص، القتل الظالم، والعينان اللتان انفتحتا في الرأس الطيري. هو ينتظر، والعرق ينتظر؛ ينتظران يوماً يصعد فيه العرق إلى السطح فتخرج ذاكرته معه إلى النهار.

متى يكون ذلك؟ لا يعلم أحد؛ بعد ألف عام أو عشرة آلاف، لكنه سيحدث يوماً. سيخترق العرق صخره وترابه ويعود إلى سطح القشرة. عندها يحس كل إنسان رقيق الحس اهتزاز الأرض، وتخرج من العمق همهمة طويلة غليظة: علامة عودة العرق إلى الحياة.

حينئذ لن يبقى نبض باطن الأرض حبيس باطنها، بل يصعد عبر الجبال والأنهار والبحيرات والبحار، وعبر المدن والحقول حتى يبلغ السماء. سيستيقظ كهنة جدد وسحرة جدد ومن يفهمون لغة الأرض من أحلامهم في تلك الليلة، يضعون أكفهم عليها ثم يبتسمون والدموع تملأ وجوههم، لأنهم سيحسون ذلك النبض القديم الدافئ: دق، دق، دق، بالإيقاع نفسه الذي كان في ليلة موت وانغ هاي. وسيستيقظ وانغ هاي أيضاً؛ يطلق العرق ذاكرته، ويجري الضوء الأزرق ثانية فوق الأرض. هل يظل برأس طائر وجسم إنسان؟ لعله لا، ولعله يكون قد امتزج بالعرق فلا يميز أحدهما من الآخر. لكنه لن ينسى أنه كان رجلاً اسمه وانغ هاي، روّض حصاناً أبيض اسمه شوان جو، ومات في غربة ليحفظ سراً.

سيروي قصته بلا صوت في كل دقة للعرق، وكل عشبة تنبت عليه، وكل قطرة ماء يرويها. وهذه المرة سيفهمه أحد. هنا ينتهي سفر الأرض؛ سفر البشر يروي أفراح البشر وفراقهم، وسفر الأرض يروي نبضها وذاكرتها. وعند نهايته ينفتح سفر جديد ببطء: سفر السماء. ماذا سيسجل؟ أهو ما بعد صعود العرق، أم الكائنات التي تطير فوق السماء وتصل الأرض بالسماء؟ الجواب مدفون عميقاً مع عظام وانغ هاي وقلب العرق. إنهما ينتظران من يسمع. ربما ولد ذلك الإنسان، وربما لم يأت بعد؛ لكن نبض باطن الأرض لا يتوقف: دق، دق، دق، لا ينقطع لحظة.

**انتهى سفر الأرض: سجل وحوش «كلاسيكية الجبال والبحار».**

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.