<!-- المصدر: السطور 1–716 | SHA-256: 1f7c302f74dd6e2e26521e7987a5202898992ed08a9c52003431f23ec396e525 -->
— في ذلك الوقت كان هدير مدّ البحر العميق بطيئاً ثقيلاً، تخالطه صريرات نموّ الأشجار العملاقة —
خارج البحر الشرقي شجرة مقدسة اسمها فوسانغ.
كان ارتفاعها عشرة آلاف رِنّ، وسائر جسدها أسود حالك. أغصانها وأوراقها كمظلّة، تحجب السماء والشمس. هناك عشّ الشمس.
كانت عشرة غربان ذهبية تقيم فوق الشجرة. ريشها لهب ذهبي مشتعل، ولها ثلاث أرجل، تتقاطر من أطراف مخالبها الحمم. وكل غراب منها يحمل شمساً على ظهره.
تستريح تسعة فوق الأغصان، ويحلق واحد في السماء. ومن هنا جاء الليل والنهار.
ظلّ نظام الطيران في السماء قائماً عشرات آلاف السنين، لم يخطئ قط، ولم يتبدل منذ الأزل.
كان الأخ الأكبر أضخمها جسماً. يجثم فوق أعلى غصن، حيث الحرارة أشدّ ما تكون؛ فأي كائن عادي يقترب يصير رماداً، أما الغربان الذهبية فكانت تجد فيه الراحة.
كان مغمض العينين كأنه نائم، غير أن وعيه الروحي ظل يقظاً يراقب قبة السماء. فإذا أجهد الأخ الأصغر المناوب نفسه، كان أول من يبسط جناحيه ليحلّ محله.
أما الأخ الثاني فكان أشدّها طبعاً. لا يكف عن تمشيط ريشه بمنقاره؛ ومع كل نقرة تتطاير شرارة، فإذا هوت في البحر صارت فقاعة تغلي. لم يكن محباً للكلام، إنما ينقر الغصن بمنقاره الذهبي:
«طَقّ، طَقّ، طَقّ.»
كأنه يعدّ الساعات.
وكان الأخ الثالث أدقها التزاماً بالمناوبة. لا يحتاج إلى من يذكّره؛ فما إن تحين الساعة حتى يخفق بجناحيه ويطير. يخط ريش ذيله الفجر في السماء، وإذا لامست أطراف مخالبه سطح البحر ارتفع ضباب الصباح.
رآه سائر إخوته جامداً متحجراً، لكنه كان يقول:
— النظام هو النظام.
— نظام الطيران في السماء هو ناموس السماء.
وكان الأخ الرابع يحب أن يغتسل بالماء قبل الإقلاع. يطير إلى ما فوق غانيوان ويضرب سطحها بجناحيه. كان ماء غانيوان مالحاً مرّاً دافئاً، ويقال إنه الموضع الذي كانت شيخه تستحم فيه. هناك تغسل الغربان الذهبية غبار النجوم عنها؛ فإذا تناثرت القطرات على الريش أصدرت أزيزاً، وملأ البخار الجو كالسحاب.
أما الأخ الخامس فكان أشدها ميلاً إلى النوم، لا يفتح عينيه إلا آخراً. كانت شمسُه مغطاة بطبقة رقيقة من الضباب، غائمة فيها مسحة كسل. وكلما جاءت نوبته تأخر الصباح في عالم البشر قليلاً، وبقي ضباب الجبال طويلاً لا ينقشع. ومع ذلك كان أطيبهم طبعاً، لا يتشاجر قط مع إخوته.
وكان للأخ السادس أطول ريش، ينساب خلفه كنهر من الحمم. فإذا عبر السماء نثر دائماً بعض ريش الضوء: إن وقع في البحر صار بركاناً، وإن وقع في الجبال أشعل حريقاً برياً. لم يكن يفعل ذلك عن عمد؛ إنما كان كسولاً عن جمعه. وبّخه الأخ الأكبر على ذلك مراراً، فيعده السادس في كل مرة، ثم يعود إلى عادته نفسها.
وكان لهب الأخ السابع الذهبي يميل إلى الحمرة، ككتلة نحاس ليّنتها النار فوق سندان. يطير هو أخفضهم، فيرى أنهار البرية العظمى كخيوط فضية لامعة ملتفة فوق الأرض الزرقاء الخضراء. وكان يجد ذلك مسلياً، فيدور منخفضاً كثيراً، فتزداد في عالم البشر ساعات الشفق.
أما الأخ الثامن فكان أضعفهم هزالاً، ولهبه ذهبي باهت كضوء الفجر حين يبدأ في الظهور. وكان جباناً؛ يرتجف في كل مناوبة، لأنه يخاف المرتفعات. الأمر مضحك حقاً: شمس تخاف العلو! لكنه كان يخافه حقاً، فيطير متعرجاً، فتكثر في عالم البشر هالات الشمس؛ وهي دوائر الضوء التي ترتجف من طرفي جناحيه.
وكان الأخ التاسع يحب الغناء. لم يكن أهل البشر يسمعون غناءه؛ فهو ارتعاش الطاقة الروحية، يهز أوراق فوسانغ، ويهز صعود موج البحر وهبوطه. فإذا غنى تموّجت غانيوان، وتساقط الندى من أوراق فوسانغ تباعاً. وكان يقول إن ذلك هو تناغمه مع العالم.
وأصغرها الأخ العاشر. كان لهبه الذهبي أبهت اللهب، فيه رقة ضوء الوليد، كالشعلة التي تثب لتوها في جوف الموقد. لم تكن مخالبه قد اشتدت، ولا تزال حافة منقاره مصفرة بصفرة الصغار. كان يختبئ دائماً خلف أعلى الأوراق ويراقب إخوته وهم يتناوبون خفية.
لم يكن قد أدرج بعد في نظام الطيران. وكانت شيخه قد قالت:
— حين يكتمل ريش الأخ العاشر، يستطيع أن يحمل الشمس ويصعد بها إلى السماء.
فكان العاشر ينتظر ذلك كل يوم. كان ريشه يطول يوماً بعد يوم، وكان لهبه يزداد سطوعاً يوماً بعد يوم.
— جاء من باطن الأرض صوت نبض، رزيناً كنبض القلب —
تحت فوسانغ بحر لا قاع له. وفي البحر جذور ضخمة مغروسة في عروق الأرض؛ سوداء كالحبر، غليظة كأكتاف الجبال. وكانت تتشابك مع جذور شجرة أخرى، اسمها جيانمو.
كانت جيانمو تصل السماء وتصل البشر بالآلهة. وفي باطن الأرض كانت جذورها ملتفة بإحكام مع جذور فوسانغ، تتبادل معها الطاقة الروحية. ذلك نظام تقرر منذ أن شق بانغو السماء والأرض: شجرتان، إحداهما تصل السماء، والأخرى تأوي الشمس، تتقاسمان عروق الأرض الروحية. ما دامت العروق لا تنضب، فلن تموت الشجرتان المقدستان.
وكان نظام الطيران موسوماً في جذع فوسانغ، لا بسكين، بل بلهب ذهبي. كل خط منه نافذ في الخشب؛ رموز وسمتها شيخه، خطاً خطاً، بنار الشمس الحقيقية في أطراف أصابعها. كانت الرموز تدور كأنها حية، وتحدد تعاقب الساعات. وما على الغربان الذهبية إلا أن تنظر إليها لتعرف من يصعد إلى السماء ومن يستريح. لم تخبُ تلك الرموز طوال عشرة آلاف عام.
لكنها بدأت تومض في الآونة الأخيرة، كشعلة في مهب الريح، تضيء وتخبو.
وكان الأخ الثالث أول من اكتشف الخلل. شعر بالإعياء في مناوبته، وما كان ينبغي أن يحدث هذا. كيف تتعب الشمس؟ إن لهب الشمس من عروق الأرض الروحية؛ ما دامت الطاقة لا تنفد، لا ينطفئ اللهب.
غير أن جناحي الأخ الثالث ثقلا. اضطر إلى بذل جهد أكبر من المعتاد كي يصعد إلى قبة السماء. وخفض بصره إلى صدره وبطنه، فرأى في اللهب الذهبي خيطاً من بخار أسود، دقيقاً خافتاً إلى أقصى حد. فارتعد قلبه، لكنه لم يعلن شيئاً، وأتم الرحلة كلها صامتاً.
وحين عاد حطّ على غصن فوسانغ وأخذ يراقب إخوته في هدوء.
كان الأخ الثاني قد أحسّ هو أيضاً. تسارع إيقاع تمشيطه لريشه، وصار صوت «طَقّ طَقّ طَقّ» أكثف من ذي قبل؛ وكانت تلك علامة ضيقه. نقر ريشة عالقة بها نفحة سوداء، وأمسكها في منقاره غارقاً في الصمت. داخل الريشة التوى البخار الأسود كحية دقيقة، يصارع داخل اللهب الذهبي، ثم تلاشى.
لكنه حين تلاشى، التقط وعي الأخ الثاني الروحي ما حدث: لقد دخل البخار الأسود في لحاء فوسانغ، وامتصته الأغصان.
وفي أثناء استحمام الأخ الرابع في غانيوان، لاحظ تغير الماء. كان ماء غانيوان ثابت الحرارة، دافئاً ذا ملوحة ومرارة خفيفتين. لكنه عندما انقضّ فيه ذلك اليوم، شعر ببرد ينفذ إلى العظم. كان يتسرب من القاع، كلسان جليد يمتد من البحر السحيق.
طار الرابع فجأة، ونفض القطرات عن جسده. تحت ضوء الشمس لم تتبخر القطرات، بل تجمدت حبيبات ثلج، وسقطت في غانيوان ترنّ. انقبض بؤبؤا عينيه الذهبيتين فجأة.
أما ريش الضوء الذي ينثره السادس، فلم يعد يشعل حرائق الغابات. كان يهبط متمايلاً إلى غابة؛ وكان يفترض أن ترتفع منها النيران، لكن الغابة ظلت ساكنة تماماً. لم يصعد من موضع سقوط الريش إلا خيوط قليلة من الدخان الأزرق، ثم انطفأت، كحجر ألقي في بركة عميقة فلم يثر إلا تموجاً واهناً.
لم يصدق السادس، فنثر ريشات أخرى، فكان الأمر كما هو. كانت حرارة ريش ضوئه تهبط.
— من داخل قلب الشجرة أتى صوت تصدع خافت —
استدعى الأخ الأكبر الأخ الثالث.
— هل شعرت به؟
أومأ الثالث.
— شعرت. لقد ضعف لهبي ثلاثة أعشار.
نظر الأكبر إلى قبة السماء البعيدة، إلى الموضع الذي كانت جيانمو قائمة فيه. هناك الآن فجوة فارغة. لقد قُطعت جيانمو، وكان ذلك منذ زمن بعيد؛ فانفصل البشر والآلهة، وانقطع سلّم السماء.
كانت جذور فوسانغ وجيانمو متصلة. وحين قُطعت جيانمو، أصيبت عروق الأرض الروحية في أعماقها إصابة بالغة؛ كانت ضربة سيف في تلك العروق، ولم يلتئم جرحها حتى اليوم. في كل يوم كانت الطاقة الروحية تضعف، وبدأت جذور فوسانغ تيبس. صارت الأوراق تصفر، وتسقط على البحر كأوراق نقود جنائزية احترقت.
وكانت رموز نظام الطيران تومض بعنف أكثر، وأحياناً لا تضيء ليلة كاملة. أخذت الغربان الذهبية تعتمد على وعيها الروحي لتمييز الدور، وبدأ الخوف يتسلل إليها. ماذا لو تعطل نظام الطيران؟ ماذا لو اختلت الساعات؟ ماذا لو لم تعد فوسانغ قادرة على الصمود؟
لم تجرؤ على التفكير.
أطلّ الأخ العاشر برأسه من خلف ورقة وسأل بصوت خافت:
— أخي، هل يمكن أن تموت فوسانغ؟
لم يجب الأخ الأكبر. ضمّ العاشر بجناحيه فقط، وكان لهب أطرافهما يحترق برفق. تلك هي الدفأة الوحيدة التي قدر على منحها.
وصار نوم الأخ الخامس أطول. لم يكن ذلك ولعاً بالنوم، بل كان وعيه الروحي ينغلق على نفسه. فعندما تجف عروق الأرض وتقل الطاقة الروحية، يكلف اليقظانَ أن يبقى مستيقظاً؛ أما النوم فيوفّر شيئاً من الطاقة الشحيحة.
تكور الخامس في لهب ذهبي، كشمس شاحبة. وأثناء نومه كان البخار الأسود فوق جسده أشد وضوحاً: خيوط دقيقة كنسيج العنكبوت تتسرب من أصول ريشه، ثم تغيب بلا صوت في أغصان فوسانغ.
ولم يعد التاسع يغني. قال إنه لم يعد يسمع التناغم. العالم يفقد صوته؛ نبض عروق الأرض في الباطن ضعف، وتموج غانيوان تجمّد، ولم يعد ندى ينعقد على أوراق فوسانغ. كل شيء ساكن ميت.
أدخل التاسع منقاره في جناحه، وغشيت عينيه الذهبيتين طبقة من رماد، كشمس حجبتها غشاوة.
وازداد الثامن خوفاً. كان لهبه باهتاً في الأصل، والآن أصبح باهتاً حتى كاد يكون شفافاً. جثم على الغصن يرتعش، وارتجف من طرفي جناحيه مزيد من دوائر الضوء، لكنها بلا حرارة، كعروق الجليد على سطح نهر شتوي.
— دوّى صوت هائل، مكتوم كصوت انكسار، ثم صوت جسم ثقيل يهوي في البحر —
في ذلك اليوم حدث كل شيء.
بلا نذير، بلا ارتجاف مسبق، انكسر فجأة أكبر أغصان فوسانغ، الغصن الذي يحمل الأخ الأول والأخ الثاني. لم تكسره الريح؛ بل انفجر من داخل اللحاء إلى خارجه.
«كْرَاخ!»
شق الصوت سكون البحر الشرقي كله. لم يكن عند موضع الكسر عصارة شجر، بل فتات مسحوق؛ جفاف بلغ غايته، والخشب مجوف من الداخل.
كان الأخ الأكبر أسرعها استجابة. عند لحظة سقوط الغصن في البحر خفق بجناحيه وطـار. لكن أين يحط؟ كان أقرب غصن أدق من أن يحتمل ثقله، فلم يستطع إلا الدوران في الجو.
تبعه الثاني. شبكت مخالبه غصناً صغيراً آخر فقطعته.
«بوم!»
تناثر الفتات، وخفق الثاني بجناحيه وتناثر ريشه الذهبي، حتى ثبت جسده بصعوبة وحلق إلى جوار الأكبر. دارا في السماء، دورة بعد دورة، وعيناهما الذهبيتان تعكسان الجذع المكسور الباقي؛ كان كشظايا عظم مكسور، بارداً لامعاً يجرح النظر.
رفع الثالث رأسه إلى السماء. انطفأت رموز نظام الطيران. انطفأت تماماً.
أخذ نفساً عميقاً، ولم يذعر. بسط جناحيه بهدوء وقال:
— لم تحن الساعة بعد، لكن عليّ أن أصعد.
طار الثالث إلى السماء، لأن السابع كان لا يزال في مناوبته. ظل السابع يدور، وقد استولى عليه الذعر. صار في السماء ثلاث شموس.
— تعوي الريح العاصفة، وتحترق الأرض، ويتصل فرقعة اللهب —
ثلاث شموس؛ منظر لم يظهر قط في نظام الطيران. لقد انكسر نظام فوسانغ. لم تقصد الغربان الذهبية ذلك، بل كانت كارثة سماوية. لكن الكارثة، ولو كانت من السماء، تبقى كارثة.
بدأت الأرض تحترق. راحت الأنهار تضحلّ بسرعة تراها العين، وتصاعد بخار الماء فصار ضباباً، ثم تبخر الضباب في الحال. انكشف قاع النهر، وتشققت الطينة الجافة وانقلبت صفائح من التراب، كأقراص خبز أحرقتها النار.
وفي الغابات يبست الأشجار من تلقاء نفسها بلا لهب ظاهر. التوت أوراقها، واصفرت وهشّت، ثم اشتعلت ذاتياً، شجرة بعد شجرة، كمشاعل توقد واحدة إثر أخرى.
كانت الوحوش تهرب، تخرج من الغابات وتندفع نحو الشمال الأبعد. لكنها ما إن تركض قليلاً حتى تسقط، يخرج الزبد من أفواهها، وترتجف أجسادها، ويتصاعد الدخان من فرائها. لم تمت احتراقاً؛ بل ماتت لأن أحشاءها جُففت حية بحر الشمس.
# القسم الثاني: انهيار فوسانغ ورماة الشمس
<!-- المصدر: السطور 717–1600 | SHA-256: 1f7c302f74dd6e2e26521e7987a5202898992ed08a9c52003431f23ec396e525 -->
ركع البشر على الأرض، ورفعوا وجوههم إلى السماء. أحرقت ثلاثة شموس عيونهم، فتبخر الدمع في اللحظة نفسها. فتحوا أفواههم، لكن حناجرهم كانت قد يبست حتى لم تعد تخرج صوتاً.
قرع الشامانات طبول التمساح؛ كان إيقاعها عاجلاً مروعاً. وتضرع الناس إلى السماء: «يا إمبراطور السماء! أعد الشموس إلى مكانها!» لكن السماء لم تجب. لم يكن فيها غير الشموس الثلاث، معلقة متألقة، وكانت الأرض كلها كفرن لا حدود له.
صاح الأخ الأكبر في العلو، فاخترق صوته السحاب. لم يكن يتحدى أحداً؛ كان مذعوراً، يدعو إخوته إلى الثبات وهو نفسه عاجز عنه. ظل جسده الضخم يطير في السماء، لا يدري إلى أين يذهب. فبقايا أغصان فوسانغ هشة، وكل غصن منها قد ينكسر؛ ولم يكن أمامه إلا الطيران.
حاول الأخ الثاني أن يهبط إلى غانيوان؛ لعل ماءه يحمله على الأقل. لكنه ما إن دنا من السطح حتى غلى الحوض. انفجرت الفقاعات الحارقة واندفع البخار إلى السماء، فقفز الأخ الثاني وقد ابتلت ريشات بطنه. كان الماء كالصخر المنصهر. أطلق صرخة حادة، ولم يبق من كبريائه شيء، بل ذعر محض.
بقي الأخ الثالث أكثر هدوءاً. خفض ارتفاعه وحاول أن يخاطب الأرض بوعيه الروحي. غاص وعيه في باطنها فلم يلمس غير سكون ميت؛ كان نبض العروق الروحية يكاد لا يُحس، وبقايا جذور جيانمو تتعفن، ونَفَس العفن يرجع عبر الجذور إلى فوسانغ. سحب وعيه صامتاً، ولأول مرة ظهر اليأس في عينيه الذهبيتين.
كان وقت مناوبة الأخ السابع قد انقضى، لكنه لم يجرؤ على الهبوط. خاف أن يهبط فلا يستطيع الطيران بعد ذلك، وخاف أن يكسر أغصاناً أخرى. فظل يطير، إلى غير نهاية؛ وقد خبا لهبه الذهبي حتى بدا كشمس مريضة معلقة عند طرف السماء بلا حول.
وطار الإخوة السادس والرابع والخامس أيضاً. استيقظ الخامس فزعاً، فقد كان الغصن تحته يرتج بعنف في نومه. فتح عينيه فرأى إخوته في السماء؛ لم يمهله الوقت للسؤال، ففتحت الغريزة جناحيه. ولحق التاسع بهم، يطير في صمت؛ كانت أجنحته ترتجف لكن لا ريح تحملها. أما الثامن فاشتد فزعه حتى نسي الطيران، فقبض الرابع على قفاه بمنقاره وجره إلى السماء.
كانت الغربان الذهبية العشر، والشموس العشر، كلها في السماء. صاح الأكبر حتى بح صوته: «عودوا! عودوا إلى الأغصان!» لكن أين بقيت الأغصان؟ كانت أغصان فوسانغ تنكسر بلا انقطاع، وصوتها كطقطقة مفاصل تخلع. غصن بعد غصن؛ ومع كل كسر يتناثر الحطام على البحر، وقد غطت سطحه أوراق رمادية ذابلة: ريش فوسانغ القشري، وكفنه في الوقت نفسه.
حاول الخامس أن يحط على غصن غليظ باق. وما إن لامست مخالبه اللحاء حتى انهار الغصن من داخله؛ كخشب متعفن يسحقه ضغط خفيف فيصير غباراً. خفق الخامس بجناحيه وارتفع بصعوبة، ثم أطلق عواءه: لقد ضاع بيته.
— استمر صوت انكسار الأغصان، ثم تلته أصوات أجسام ثقيلة تهوي في الماء، ثم سكون غريب؛ وسرعان ما بدله عويل ودوي نار هادرة —
تصدع آخر الجذع أيضاً، من قلب الشجرة إلى خارجها، فانفتح شق هائل كأن فأساً غير مرئية شقته دفعة واحدة. لم تعد فوسانغ تحمل أي وزن، واضطرت الغربان الذهبية العشر كلها إلى البقاء في الجو. ظهرت الشموس العشر معاً، وصارت البرية الكبرى أرضاً متفحمة.
جفت الأنهار تماماً، وصارت حجارة القيعان كلساً يتفتت إلى مسحوق عند اللمس. وانكمش البحر؛ تقدّم خط الساحل مئات الليّ إلى الداخل، فكشف قاعاً لم يره النهار قط. ابيضّ المرجان فيه وتكسر كعظام يابسة، وفرشت جثث السمك والروبيان الطينية الشاطئ. ملأ الجو نتن الاحتراق: رائحة الصخر الذائب، ورائحة الكائنات المتفحمة، ورائحة الموت.
لم تعد الغابات تشتعل شجرة بعد شجرة، بل مساحة بعد مساحة. احترقت الجبال بأكملها؛ احمرّت صخورها ثم سالت. لم تكن حمماً، بل سيول صخر ذائب، صافية لامعة كالزجاج السائل، لكنها أشد من الحمم حرارة؛ وكل ما مرت به صار عدماً.
سقطت الطيور من السماء. احترقت أجنحتها وريشها في لحظة، فبدت كدجاج منزوع الريش، ثم نضجت أجسادها في السقوط وتحطمت على الأرض كقطع سوداء متفحمة. وانبطحت الوحوش البرية تعوي؛ اشتعل فراؤها فتدحرجت لتطفئ النار، لكن النار جاءت من السماء ولا تنطفئ. لم يكن لها إلا أن تحترق حية في الخلاء، تاركة وراءها قشوراً ملتوية من الفحم.
وكان البشر يصارعون. لجؤوا إلى الكهوف التي كانت باردة، فإذا هي كجوف فرن؛ جدرانها محمّاة، فإذا أسند المرء إليها التصق جلده ولحمه بها، وإذا نزعهما تركا لطخة دامية. حفروا آباراً عشرات الجانغ، فلم يخرج ماء بل بخار يغلي، اندفع فسلق أذرع الحفارين.
هاجروا شمالاً، لكن الشمال كان جحيماً أيضاً. لم تترك الشموس العشر زاوية ميتة؛ غطى الضوء والحر الأرض كلها. ستر الناس أجسادهم بجلود الوحوش، لكنها انكمشت وتشققت، فصارت فتاتاً إذا جُذبت. لم يعد الرضع يبكون؛ جف لبن أمهاتهم، وتشقق شفاههن في أخاديد عميقة. ومع ذلك ضممن صغارهن، ورطبن جباههم بآخر قطرة من ريقهن، لكنها تبخرت في طرفة عين.
ذبح شامانات القبائل القرابين للسماء، وسال دم البقر والغنم فوق التراب المتشقق، فلم يتسرب بل تجمد ككتل صلبة بلون الدم. وجرح الشامانات أجسادهم بالسكاكين، ولطخوا أصنام الآلهة بدمائهم، فلم تجب الأصنام، بل اشتد لهيب الشمس. جثا الشامان العجوز، وحدق في القبة السماوية بكل ما بقي له من قوة؛ فعمي في لحظة. لم تمهل دموعه العكرة أن تسيل، فجففتها الحرارة فصارت حبيبات ملح عند طرف عينيه. لم يبك لنفسه، بل لهذه الكائنات كلها ولهذه السماء والأرض.
وفي الأعالي كانت الغربان الذهبية تعوي بدورها. خفق الأكبر بجناحيه في يأس محاولاً أن يحجب بجسده ضوء إخوته، لكن أضخم غراب ذهبي لا يحجب تسع شموس. وكلما طار أعلى صار ظلّه على الأرض أدق وأشد تكسراً، كغبار عالق في الشمس، لا نفع منه.
وانقلب طبع الأخ الثاني الحاد إلى احتراق ذاتي. اشتعل لهبه الذهبي خارج سيطرته حتى أحس هو نفسه بالألم. كان يصرخ ويتقلب في الجو يريد أن يطفئ نفسه، لكن كيف تطفأ نار الشمس؟ غاص برأسه في غانيوان الجاف، فأحاطه وحل الحوض، غير أن النار بقيت تشتعل وتطلق ضوءاً حارقاً من شقوق القشرة الطينية. صار شمساً من طين، بائساً على حافة الموت.
وبدأ ريش الأخ الثالث يتساقط، ريشة بعد ريشة، ويصير شهباً في السماء. أخذ جسده ينكمش؛ فإذا جف العرق الروحي فقد الغراب الذهبي أصله. كانوا مخلوقات من الطاقة الروحية، فإذا نفدت هلكت ذواتهم. عرف الثالث أن أجله قد حضر، فكف عن الدوران وحلّق ساكناً في وسط القبة، يسكب ما بقي من نوره كله على الأرض. لم يكن ذلك انتقاماً، بل آخر ما يهبه للسماء والأرض؛ ومع ذلك لم يأتِ به إلا الدمار.
دار الرابع والخامس والسادس حول حطام فوسانغ بحثاً عن جزء، ولو صغيراً، يصلح موطئاً للمخالب. لكن فوسانغ كانت تتفكك بلا توقف؛ انشطر الجذع الهائل إلى شظايا وسقط في البحر، فرفع أعمدة بخار إلى السماء، وكان البخار نفسه يغلي.
ولم يقل التاسع شيئاً. طار صامتاً إلى أعلى موضع، ظناً منه أن الابتعاد عن الأرض قد يخفف الأمر. لكن كلما علا اشتدت الرياح. لفّته الرياح الحارة، وتلوى لهب نوره فيها وانسحب إلى حزمة ضوء غامضة، كأثر دمعة في قبة السماء.
كان العاشر صغيراً جداً، لا يكاد يقوى على الطيران؛ جناحاه غضان ضعيفان. تشابكت حرارة الشموس العشر حتى إن أصحابها لم يعودوا يطيقونها. خبا لهبه الذهبي الشاحب شيئاً فشيئاً، كشمعة تحت الريح توشك أن تنطفئ. نادى بصوت رفيع طفولي مرتاع: «يا إخوتي... لم أعد أقدر.» فطار الأكبر إليه وحمله بجناحه، لكن جناحي الأكبر كانا يرتجفان ولهبه هو أيضاً قد أظلم.
تحولت السماء والأرض إلى جحيم لا نهاية له. صانعو الشموس العشر، والشموس نفسها، سقطوا مع العالم في الهلاك. لم يكن ذنب كائن؛ بل كارثة محتومة زُرعت يوم قُطعت جيانمو.
— لا غيمة على امتداد آلاف الليّ؛ الشمس تحرق الأرض، والطنين الخافت لا ينقطع. وفجأة دوّى وتر قوس، وصرخ صوت حاد يشق الهواء والسكون. انطلق سهم، وصاح غراب ذهبي —
وصل هو يي.
لم يأتِ هو يي ماشياً، بل امتطى تنيناً أزرق. كانت حراشف التنين متشققة من الاحتراق وشواربه ملتفة، وعيناه مغمضتين نصف إغماضة من الوهج. طار بمشقة، وكل خفقة جناح تحمل ألماً. وقف هو يي على رأسه، منتصباً كالصنوبر؛ احمر جلده البرونزي تحت الشمس، وضاقت عيناه إلى شقين وفيهما نية قتل باردة.
كان عاري الصدر، وعضلاته ملتفة بارزة. وما إن يرشح العرق حتى يتبخر، تاركاً على جلده آثار ملح بيضاء. حمل على ظهره جعبة هائلة فيها عشرة سهام: أعوادها من أغصان جيانمو الباقية، ورؤوسها من حديد نيزكي، وأذنابها من ريش الطائر الأسود شوان نياو. صنعت الآلهة هذه السهام، بأمر إمبراطور السماء، خصيصاً لإصابة الشموس.
اتخذ إمبراطور السماء قراره: هلكت فوسانغ، وفقدت الغربان الذهبية سيطرتها، وإذا خرجت الشموس العشر معاً فهلكت الكائنات. لا ينقذ البرية الكبرى من الانهيار إلا إسقاط الشموس الزائدة.
أخرج هو يي قوسه، وهو قوس عظيم أحمر قانٍ، لفّ جسده بأوتار تنين مائي، وصُنعت طرفاه من عظم تنين مصقول. أخذ نفساً عميقاً، فأحرقت الرئةَ هواءُ النار، لكنه ثبت كالصخر. أخرج سهماً، ووضعه على الوتر، وجذبه ببطء؛ وأصدرت أوتار التنين فرقعة التوتر. ثبت بصره على السماء.
كانت الغربان الذهبية العشر في فوضى. رأت هو يي والسهم، وأحست تهديد الموت؛ ارتجافة فطرية أمام عدوها. أول من اختاره كان السادس: ريشه أطولها، يجره خلفه في السماء، وكان أوضح هدف.
أطلق هو يي الوتر. «بَنْغ!» غطى صوت الوتر الثقيل هدير الشمس واخترق القبة كلها. انطلق السهم أسرع من أن يُرى؛ لم يبق إلا ظل أسود يشق السماء. لم يملك السادس حتى وقتاً للرد. التقطت عيناه الذهبيتان بريقاً بارداً، وكان السهم قد خرق صدره بالفعل؛ لم يصب الريش، بل أصاب قلب الشمس المشتعل في الصميم.
تصلب جسد السادس فجأة. نظر إلى الجرح في صدره؛ لم يخرج دم، بل نور يتدفق بجنون كسيل ذهبي انفتح سدّه. فتح منقاره ولم يخرج صوت. ارتخت أرجله الثلاث، وانفلتت الشمس التي ظل ممسكاً بها. فقدت الشمس سندها وبدأت تهوي، حاملة جثته وسحب الدخان، من السماوات التسع إلى الأرض، تحترق وهي تسقط. صار ريشه شرارات تملأ السماء، وذاب عظمه ولحمه سائلاً ذهبياً.
سقط في صحراء أقصى الغرب. ارتجت الأرض بعنف وارتفعت في الصحراء سحابة فطرية هائلة؛ تبخر الرمل والحجر في لحظة، وصار موضع الاصطدام حفرة بلا قاع. سقط أول غراب ذهبي.
كان السابع الأقرب إلى السادس، فرأى أخاه يصاب ويهوي بعينيه. جن من الخوف، وصرخ وحاول الفرار، لكن فزعه جعل طيرانه مائلاً وأظهره أكثر. وكان سهم هو يي الثاني قد وُضع على القوس. لم يتردد؛ فالأمر من إمبراطور السماء أن يُسقط تسع شموس ويترك واحدة لتعود إلى المناوبة. كان منفذاً بارداً للأمر.
شد القوس وحدد السابع. سهم آخر! شق السهم الهواء؛ تفاداه السابع، فقفز بجسده عالياً ومر السهم بمحاذاة ريش بطنه، تاركاً خلفه شرارات. ظن أنه نجا، لكن السهم انعطف: منح ريش شوان نياو له قدرة التعقب. رسم السهم قوساً في الهواء، ثم عاد فدخل ظهر السابع وخرج من صدره. وعلى رأسه الخارج علقت نار الشمس الحقيقية، وكانت تخبو سريعاً.
تصلب جسد السابع أيضاً. بدأت شمسه تهوي، وتبعتها جثته. كان سقوطه نحو المستنقع العظيم في الجنوب، لكن مياهه كانت قد تبخرت، ولم يبق إلا قاع طيني متشقق. حفر الاصطدام فيه تجويفاً هائلاً ورفع حول حافته حلقة من التراب. سقط الغراب الذهبي الثاني.
انهارت الغربان الذهبية في الفوضى. أنساها الخوف التفكير، فتفرقت غريزياً في كل اتجاه. صاح الأكبر: «تجمعوا! لا تتفرقوا!» لكن صوته غطته صفارات السهام. كان هو يي يرمي سهماً بعد سهم، وعضلات ذراعيه تنتفخ: يشد القوس ويطلق، يشد القوس ويطلق. وكل رنين وتر ينتزع من الأرض قدراً من حرها، وينتزع حياة أيضاً.
أصاب سهم الأخ التاسع. كان قد طار عالياً، معزولاً بنفسه، لكن أي علو لم يكن خارج مدى السهام. خرقه السهم في حلقه، فانقطع غناؤه فجأة. تجمد شكله في الأعالي، ثم كطائرة ورقية انقطع خيطها، تمايل ودور وهو يهوي. وقع في البحر الشرقي، ففجرت سقطةُه أمواجاً تطاول السماء. امتزج البخار الحار بماء البحر وصار كتلة ضباب بيضاء كثيفة. وبعد وقت طويل ظهرت فقاعات هائلة في موضع السقوط، لكن التاسع لم يطفُ.
وأصيب الرابع في جناحه. هوى برأسه، وحاول أن يستقر بجناح واحد فلم يفلح. سقط على سلسلة جبلية قرب غانيوان، فكسرها وتدحرجت صخورها. انغرس جسده بين الحجارة المتكسرة، وكان صدره وبطنه لا يزالان يعلوان ويهبطان بخفوت؛ ارتعش عود السهم تحت ضلعه، وكان يلهث، ومع كل زفرة يقذف دخاناً فيه شرار. أخذ بصره الذهبي يتبدد، وآخر ما انعكس فيه قاع غانيوان الجاف، الموضع الذي اغتسل فيه يوماً.
وقُتل الخامس وهو لا يزال مخدراً بالنعاس. كان كسوله شديداً حتى إن وعيه الروحي في الفرار ظل مشوشاً. وحين جاء السهم لم يمل برأسه إلا قليلاً؛ فانغرس السهم في جمجمته. ارتخى جسده في الحال، وتدلت أرجله الثلاث وانطفأت النار الذهبية على ريشه في لحظة. بدا كخشبة فحم أكلتها النار، وهبط عمودياً من السماء، بلا مقاومة ولا عواء. سقط عند طرف السهل الثلجي في الشمال؛ وكان الثلج قد ذاب منذ زمن، كاشفاً التربة المتجمدة السوداء. اخترقها جسده، وتناثر الطين وقطع الجليد إلى السماء. # القسم الثالث: الشمس الباقية وظهور يان دي
<!-- المصدر: السطور 1601–2500 | SHA-256: 1f7c302f74dd6e2e26521e7987a5202898992ed08a9c52003431f23ec396e525 -->
اندفع الأخ الثاني نحو الأرض. لم يكن هجوماً، بل طلباً للموت. رأى موت إخوته المريع، فتحول طبعه العنيف، أمام الهلاك المطلق، إلى غضب يائس. انقضّ على هو يي كأنه شمس تهوي على الأرض؛ أسرع حتى احترق الهواء أمامه وصار كرة ضوء مؤلمة للعين.
ضيّق هو يي عينيه وأخرج السهم السابع، لكنه لم يطلقه في الحال. انتظر حتى يدخل الثاني مسافة لا تخطئ. كبر شكل الغراب سريعاً في بصره، ثم أرخى الوتر. أصاب السهم صدره، قلب الشمس نفسه. توقف جسد الثاني بغتة وانحرف مسار انقضاضه، فمر بمحاذاة هو يي وسقط. مسح جناحه زعنفة ذيل التنين الأزرق، فاسود الذيل في لحظة وذاب أحد حراشفه كحديد منصهر.
سقط الثاني في البرية وحفر حفرة عرضها عدة ليّ؛ وفي قاعها ظلت جثته تحترق زمناً طويلاً لا تنطفئ.
أما الثالث فبقي محلقاً، وشهد كل شيء. لم يهرب؛ كان الوحيد الذي لم يهرب. في عينيه حزن وقبول. وضع هو يي السهم الثامن على الوتر وصوبه إليه. رفع الثالث جناحاً وأشار إلى العاشر في السماء، ثم إلى نفسه: كان يرجو في صمت أن يُقتل هو ويُترك الأصغر. التقت عيناه بعيني هو يي عبر الهواء المحرف بالحر، ففهم هو يي رجاءه، لكن وجهه لم يتغير. أومأ بخفة، ورن الوتر؛ خرق السهم الثامن صدر الثالث.
مال جسد الثالث إلى الخلف في الجو. وكانت آخر قوته أن يدفع شمسه بعيداً، إلى قبة عالية بعيدة عن الأرض. ثم أغمض عينيه وسقط جسده نحو البحر الغربي البعيد، حيث تلقته الأمواج.
كان الثامن أصغرهم جسماً، فاختبأ خلف السحب يرتجف. ريشه شاحب أصلاً، واختلط بالدخان والبخار حتى كاد لا يرى، لكن وعي هو يي الروحي كان قد قيده. خرق السهم التاسع السحابة الرقيقة، وخرج منها عواء قصير، كصرخة فرخ تخطفه جارحة. سقط جسد الثامن من فتحة السحاب، وأرجله الثلاث متيبسة، إلى جبال الجنوب الغربي؛ حطم عدة قمم، وغطاه تراب انهياراتها جزئياً.
— بعد تسع رنات سهام لم يبق إلا سكون قصير، ثم ناحت آخر غراب ذهبي نياحاً ضعيفاً —
بقي في جعبة هو يي سهم واحد. رفع القوس وصوبه إلى آخر غراب ذهبي: العاشر. لم يعد العاشر يقوى على الطيران؛ كان يرفرف بجناحين غضين ويدور في موضعه. ريشه منكوش متناثر، ولم يبق من لهبه الذهبي إلا هالة رقيقة كفقاعة شفافة توشك أن تنفجر. ما إن انحدرت دموعه حتى صارت بخاراً. نادى إخوته باكياً، فلم يجبه أحد؛ بقي وحيداً في السماء والأرض.
ثبتت يد هو يي كالصخر، ورأس السهم قبالة صدره. سهم واحد آخر ينهي كارثة الشموس العشر. لكن العاشر كف عن الدوران فجأة، واستدار. لم يطِر إلى هو يي ولا إلى البعيد، بل هبط نحو البحر الشرقي، نحو حطام فوسانغ.
لم يبق هناك سوى نصف جذع متفحم، لحاؤه متكربن ومشقوق كصدفة سلحفاة. وفي قلبه ظهر جذر صغير جداً في الهواء، دقيق كإصبع طفل، يمد نفسه مرتعشاً من الفحم. لم يكن ميتاً. كانت جذور فوسانغ تصل عميقاً بعروق الأرض الروحية، ورغم ذبولها لم تنقطع كلياً؛ بقي خيط ضعيف جداً من الطاقة يشق طريقه في ذلك الجذر.
رأى العاشر الجذر وأحس بوعيه تلك النفحة. لم تكن طعاماً وافراً، بل نَفَساً باقياً، لكنها كانت له موطنه الأخير. ضم جناحيه وعدل جسده كفرخ متعب عائد إلى عشه، ثم لم يحط على غصن، بل على الجذع الباقي مباشرة. قبضت أرجله الثلاث على الجذر الواهن. ومض النور الروحي فيه ومضة خافتة، كلؤلؤة أمّ وحيدة مضيئة في قاع بحر مظلم.
لم يطلق هو يي سهمه. رأى أصغر الغربان يتخلى عن التحليق ويعود بإرادته إلى بيته الناقص. شد العاشر مخالبه إلى الجذر، ولصق جسده بالجذع الأسود، وربط لهبه الضعيف بتلك اللمحة من العرق الروحي. لم يُعفَ عنه؛ هو من اختار الهبوط، واختار أن يعلق حياته في عرق باق لا يكاد يستحق اسم «غصن». جثم على الجذع متكوراً كالشمس الوليدة الخارجة لتوها من البيضة، لا تزال رطبة.
بدأ القيظ ينحسر. سقطت الشموس التسع في البحر أو دُفنت في التراب، وبقيت آثارها، لكن أشد سمومها تبدد مع موت الغربان. أنزل هو يي قوسه ببطء، ثم أخرج السهم الأخير وغرسه، لا في الشمس، بل في الأرض المتفحمة عند قدميه؛ غاب عوده عميقاً فيها، وختم به مهمته في رمي الشمس.
لم يبق عند الأفق إلا شمس واحدة، شمس العاشر. ظل الضوء موجوداً، لكنه صار ألطف، كلون الدم العائد إلى وجه من أفاق من مرض طويل. خرج الناجون من الكهوف ورفعوا رؤوسهم؛ لم تعد السماء تؤذي العين، وعاد إليها زرَقها، وبدأت خيوط سحاب قليلة تتجمع. كانت أول قطرة مطر تختمر في علو شاهق ولم تسقط بعد، لكن الأرض شمّت رطوبة الماء.
— سقطت القطرة الأولى على الأرض المتشققة بصوت خفيف كالتنهيدة، ثم الثانية والثالثة، واشتد خرير المطر. ومن الأعماق وصل نبض قوي دقيق —
نزل المطر أخيراً. كان أول الأمر قطرات متفرقة تصفر على التراب المحروق وتختفي، ثم تكاثف إلى خيوط دقيقة كستار تغسل الأرض الحارة. شربتها الأرض بنهم. اجتمع الماء في جداول صغيرة، وركضت إلى قيعان الأنهار الجافة. وعند مرورها أصدرت الأرض السوداء أزيز رضى، وطقطقت الصخور وهي تبرد؛ كانت رجفة من نجا بعد الكارثة.
انتفخت بذور العشب والشجر المدفونة في التراب بالماء وأنبتت سريعاً. دفعت براعم خضراء خجلى التراب المتفحم، وفي يوم واحد تناثر على الأرض الميتة خضار نقطي.
ابتل جذع فوسانغ الباقي. انزلقت المياه فوق لحائه الأسود، وتجمعت في شقوق يعتصم بها الجذر. أخذ الجذر، بتغذية العرق الروحي العميق، يدفع طاقة روحية إلى أعلى ببطء شديد جداً. وفي أعمق شق من مركز الجذع انتفخ برعم دقيق، أصغر من حبة الأرز، بلون أخضر ذهبي خافت: كان برعم فوسانغ الجديد.
ظل العاشر جاثماً فوق الجذع. نزل المطر عليه فلم يتقِه؛ تسرب إلى ريشه المتشقق. لم يعد لهبه الذهبي ناراً، بل نوراً سائلاً ينساب ببطء ويلف جسده. خفض رأسه وألصق منقاره بالجذر، كأنه يرضع أو يصغي. سمع في الأعماق دقات العروق الروحية الضعيفة: قلب مجروح يحاول أن ينبض من جديد، دقة بعد دقة.
لبث هناك حتى انقطع المطر وانفرج السحاب، وحتى طلعت القمر أول مرة في الغسق. كان ضوءه بارداً كالماء، فنشر على جسده. فتح العاشر منقاره وشرب أول جرعة من ضوء القمر، فبدأ يتغير. انكمش اللهب الذهبي كله في جسده، وتقاربت أرجله الثلاث، والتحمت الريشات لتصير نسيجاً كثيفاً بلون ذهب باهت، كأنه جلد.
وقف تحت القمر. طال شكله وارتفع، ولم يعد غراباً ذهبياً؛ صار إنساناً، فتى بجلد قمحي فيه دفء الشمس الباقي، وشعر ذهبي فاتح على كتفيه، وعينين بلون الكهرمان، في عمقهما شعلة ذهبية صغيرة. وقف حافي القدمين فوق جذع فوسانغ. كان هو الأخ العاشر، والغراب الذهبي ثلاثي الأرجل، والشمس الوحيدة.
لكنه لم يعد يحمل الشمس فحسب؛ كان هو نفسه الشمس. أدخلها في جسده. الليل نومه، والنهار يقظته.
نزل الفتى من الجذع، ومشى حافي القدمين فوق التراب الرطب. عبر قاع النهر الجاف، وقد عاد إليه خيط ماء؛ وعبر الغابة المحروقة، وبجانب جذوعها السوداء كانت براعم الخيزران تشق الأرض؛ وعبر عظام الوحوش الساقطة، وبجانبها رؤوس صغار وحوش تستطلع خائفة. انحنى وحمل حفنة من التراب المتفحم المختلط ببذور النبات، ثم نفخ فيها نفساً دافئاً فيه رائحة الشمس، لا إحراق بل دفء. أنبتت البذور في كفه، تأصلت وورقت، فوضع الخضرة الجديدة برفق على الأرض ومضى إلى عمق البرية الكبرى.
مر بقبيلة مجتمعة حول نار باهتة. كان حطبهم رطباً، فلا يضيء. مد يده ولمس كومة الحطب بطرف إصبعه؛ لم يكن شرار ولا حرارة، لكن الحطب اشتعل فجأة بلهب ذهبي مضيء. فزع القوم ورفعوا رؤوسهم إلى الفتى الغريب. كان قد سحب يده وابتسم ابتسامة خفيفة، ثم مضى في الليل. بقيت النار عظيمة، تدفئ وجوههم؛ ولم يروا ناراً دافئة مشرقة كهذه من قبل.
وعبر مستنقعاً حامضاً ماؤه أصفر بني عكر تفوح منه رائحة العفن، إذ كانت أبخرة الوباء محتقنة في باطنه. انحنى ومد يده في الماء. ما إن غاص معصمه حتى غلى الماء كأن حديداً محمى ألقي فيه، وصعدت فقاعات كثيرة من القاع؛ لم تكن بخاراً، بل طاقة روحية مطهرة. تلاشى الاصفرار سريعاً وصار الماء صافياً حتى القاع. وفي الطين كانت خيوط فطرية بيضاء، مصدر الأبخرة الممرضة، فلفتها نقاط ذهبية وحللتها حتى تلاشت. صار المستنقع عين ماء نقية. سحب الفتى يده وعلى معصمه دائرة حمراء من حرق الأبخرة، لكنها سرعان ما زالت.
ومر بمدينة بشرية وضيعة، سورها من تراب مدكوك قصير متشقق. كان أهلها يقيمون شعيرة؛ طلى الكاهن وجهه بطين طباشيري أبيض، وأمسك حجراً قداحاً يضربه بصوان لإيقاد النار. تطاير الشرر على الوقود، لكنه كان رطباً فلا دخان يخرج مهما ضرب. تقدم الفتى ووضع يده برفق على الحجر. رفع الكاهن رأسه، فرأى الغريب يأخذ منه الحجر والصوان، ثم يجمعهما ويفرقهما. في كفه اشتعلت شعلة ذهبية صغيرة من غير وقود، معلقة ساكنة. وضعها الفتى في الوقود فاشتعل فوراً بنار ذهبية صافية بلا دخان.
سجد الكاهن والناس، ظانين أن إله النار تجلى. رفع الفتى الكاهن وقال: «لا تسجدوا لي. النار بجانب أيديكم.» وأشار إلى الحجر وإلى الغابة خارج المدينة. «لكم أنتم فقط لم تتعلموا بعد كيف تبقونها مضيئة.» ترك الشعلة الذهبية العائمة ومضى. لم تكن لها حرارة، لكنها لم تنطفئ قط. وضعها أهل المدينة على مذبحهم، ومنها أخذوا نارهم؛ فلم تخمد مواقدهم منذ ذلك الحين.
مشى الفتى سنوات كثيرة، وآثاره في أنحاء البرية. حيث حل اخضر النبات وكثر الحصاد. علّم الناس أن يميزوا التيارات الدافئة في باطن الأرض، وهي بقايا أمواج العروق الروحية، وأن يحفروا الآبار حيث تجتمع؛ فكان ماؤها دافئاً حتى في الشتاء. وعلّمهم أن يختاروا السفوح المشمسة لزراعة الدخن المقاوم للقحط، فتتدلى سنابله ثقيلة وتلمع ذهبية فاتحة.
وعلّمهم أيضاً طبائع الأعشاب: ما يطرد الحمى وما يبدد البرد. ذاق مئة عشبة؛ ففي بطنه نار الشمس الحقيقية، وكل عشبة مسمومة تدخلها تُصفّيها النار. لذلك صار جلده شفافاً حتى يُرى النور الذهبي يدور في بطنه، ناراً تحرق سموم العشب. فرق للبشر مئة عشبة، وحمل في المقابل سمومها المئة.
لم يعرف الناس اسمه، فسموه يان دي، إمبراطور اللهب: فـ«يان» ناران، نار في السماء ونار في القلب. كان الفتى الشمس، وكان أيضاً دخان المواقد بين الناس.
وبعد أعوام لا تُحصى كبر برعم فوسانغ في جذعه الباقي وصار شتلة صغيرة ذات أوراق خضراء ندية، تطوق حوافها خيوط ذهبية فاتحة. كانت ما تزال أصغر من أن تحمل الشمس، لكن جذورها غاصت عميقاً واتصلت من جديد ببقايا جذور جيانمو. في ظلمة الأرض اشتبكت بقايا الشجرتين المقدستين بإحكام. كانتا منذ أن شق بانغو السماء والأرض في تعايش مقدر: واحدة تصل السماء، والأخرى تأوي الشمس. تحطمتا كلتاهما، لكنهما لم تموتا تماماً.
ظل نبض الأرض ضعيفاً مستمراً. كانت العروق الروحية تصلح نفسها ببطء شديد، كجرح هائل ظل ينزف آلاف السنين؛ لقد توقف الدم، لكن لحماً جديداً بدأ ينمو عند الحواف. ولعل جيانمو يعود وفوسانغ يزدهر يوماً، فتتصل السماء بالأرض ثانية؛ لكن ذلك مستقبل بعيد جداً.
أما الآن فالبرية الكبرى باقية. يزرع الناس ويصطادون، يعملون عند الشروق ويستريحون عند الغروب. تشرق الشمس الوحيدة في وقتها وتغيب في وقتها. لم تعد تحتاج إلى أغصان فوسانغ لتتناوب عليها، لأنها تعلمت أن تصعد بنفسها من الأفق، وأن تغطس إلى يو يوان، الهاوية المظلمة في الغرب، لتستريح وتدخر قوتها قبل أن تشرق من الشرق في اليوم التالي.
كانت تلك الشمس هي العاشر، وهي يان دي. صار الفتى الشمس نفسها، وصار بذرة النار بين البشر. قسم نفسه نصفين: نصفاً في السماء يدفئ الأرض، ونصفاً بين الناس يشعل دخان الطعام. # القسم الرابع: بذرة النار والمرجل وشرايين الأرض
<!-- المصدر: السطور 2501–3200 | SHA-256: 1f7c302f74dd6e2e26521e7987a5202898992ed08a9c52003431f23ec396e525 -->
كان ذلك كفّارته.
ووعده الصامت للسماء والأرض، ولإخوته التسعة الراحلين.
إن ألصقت أذنك بالأرض في ليلة عميقة السواد، فلعلك تسمع، من جوفها السحيق، نبضاً إثر نبض، راسخاً، تخالطه خفقة حارة.
إنها جذور جيانمو وفوسانغ الباقية، تضخ معاً الشريان الروحي؛ وهو أيضاً الدفء الخالد المتبقي من الشمس الأخيرة في أعماق الأرض.
**【فصل بذرة النار】**
ظل اللهيب الذهبي المعلّق فوق المذبح مضيئاً زمناً طويلاً.
طويلاً حتى رُممت شقوق سور المدينة بالطين الأصفر المدكوك، وحتى قُطع جزء من الغابة خارجها ثم نبتت غابة جديدة، وحتى شاخ الكاهن الذي سجد يومئذ على الأرض، فابيضّ شعره ولحيته.
أما اللهيب فلم يتغير: صغيراً، لا ينطفئ، ولا دخان له.
مدّ بعض الناس أيديهم نحوه، فلم يحسوا بحرارة. لكن إن أدخلوا فيه غصناً يابساً اشتعل الغصن.
وظل في وسط المذبح يدور في سكون. وأحياناً، في عمق الليل، يزداد لمعاناً، كأنه أحس بشيء.
وقبل موت الكاهن العجوز دعا الكاهن الذي سيخلفه إلى فراشه.
كانت عيناه قد عكرتا حتى كاد لا يرى، لكنه أدار رأسه جاهداً صوب المذبح، حيث هالة ذهبية ضبابية.
قال: «حرسته ستين سنة.»
«وستين سنة وأنا أفكر في تلك العبارة التي قالها إله النار.»
انحنى الكاهن الفتي وألصق أذنه بشفتيه.
خرج صوت العجوز متقطعاً: «قال إن النار في متناول أيدينا، لكننا لم نتعلم بعد كيف نجعلها تبقى مشتعلة.»
«أفنيت ستين سنة في التفكير. تعلمنا الصوان، وقدّاحة النار، وفتيلها. لكن أذلك ما عناه؟»
أغمض العجوز عينيه وتنهد طويلاً. وحين خرج نَفَسه الأخير، ارتخت ملامحه.
انتظر الشاب طويلاً فلم ير صدره يعلو ثانية. لم تكن عينا العجوز قد أطبقتا؛ ظلتا تتجهان إلى المذبح، وكانت الهالة الذهبية تعكس على حدقتيهما آخر بقعة مضيئة، ثم انطفأت هي أيضاً.
حرس الكاهن الجديد اللهيب عشر سنين، وأخذ يفكر في العبارة ذاتها.
تعلم جميع أفراد العشيرة الصوان وقدّاحة النار والفتيل، لكنهم لم يستطيعوا أن يلدوا لهباً آخر؛ وبقي ذلك اللهيب وحيداً.
وبعد عشر سنين حل بالمدينة جفاف عظيم.
انقطع النهر خارجها، واصفرت شتلات الدخن في الحقول. اجتمع الناس حول المذبح يتضرعون إلى إله النار أن يمطر.
ركع الكاهن الجديد في المقدمة، ورفع رأسه إلى اللهيب الذهبي المعلق. كان يحترق في هدوء، لا يستجيب لدعائه.
وفجأة تذكر عيني الكاهن العجوز العكرتين عند موته، وتذكر الجواب الذي لم يفهماه.
نهض واتخذ قراراً.
أخذ غصناً يابساً وأشعله من اللهيب الذهبي. اشتعلت النار فيه برتقالية حمراء عادية، لا ذهبية.
رفع الغصن فوق رأسه وخرج من المدينة، فتبعه الناس.
دخل مجرى النهر الجاف؛ كان طينه قد تشقق قطعاً. أشعل الغصن في المجرى، فلم تشتعل النار، ولم تفعل سوى أن سوّدت الطين المتصدع.
ألقى الغصن على الأرض وركع، ثم شرع يحفر بيديه: يشق الطين، ويحفر طبقة التراب الصلبة تحته.
تبادل الناس النظرات، ثم قصدوه واحداً واحداً، ركعوا إلى جواره، وحفروا معه.
حفروا يوماً وليلة؛ تشققت أظفارهم واندملت أطراف أصابعهم بالدم. تسرب الدم إلى المجرى الجاف فابتلعته الأرض في الحال.
وعند الفجر في اليوم الثاني، بلغ الحفر عمقاً كبيراً. وفي قعر الحفرة أخيراً تسرب شيء من الرطوبة؛ لم يكن ماء، إنما اسودّت التربة قليلاً.
عندئذ ارتفع اللهيب الذي ظل معلقاً فوق المذبح من تلقاء نفسه.
خرج طافياً من المدينة، وبلغ فوق الحفرة في المجرى، ثم هبط ببطء على البقعة الصغيرة من الطين الرطب.
صدر صوت خافت خافت: «تس». كصوت حديد أخرج من النار وغُمس في ماء بارد.
وانطفأ اللهيب.
صرخ الناس ذعراً، لكن صراخهم دام لحظة واحدة؛ إذ رأوا، في الموضع الذي انطفأ فيه، برعماً أخضر صغيراً يشق التراب.
كان ساقه أخضر غضاً، وعلى أوراقه عرق ذهبي دقيق، كالأوعية، يسري فيه ضوء ذهبي ببطء.
ودوى الرعد من طرف السماء. وتدفقت الغيوم السوداء من حيث لا يدرون، وهطل المطر.
كان ذلك أول مطر في تلك السنة على البرية العظمى.
دام المطر ثلاثة أيام وثلاث ليال؛ عاد النهر يجري، واستقامت شتلات الدخن من جديد.
نقل الناس العشبة الصغيرة من عمق المجرى وزرعوها في المذبح، فظلت تنمو هناك.
كانت أوراقها رطبة دائماً، حتى في سنوات القحط؛ فإذا نظروا إليها صباحاً وجدوا على طرف كل ورقة قطرة ندى.
تلك بخار ماء تمتصه من أعماق الأرض، يأتي عبر عروقها حين تضخ جذور جيانمو الباقية الشريان الروحي.
إنها الرطوبة الضئيلة التي تكاد لا تدرك.
سمّاها الناس عشب يان دي.
وقال أهل البرية العظمى: إن إله النار تركها للأرض؛ إنها بذرة نار أخرى، ليست ناراً تحترق، بل ناراً تنبت الخضرة.
**【فصل مرجل الدواء】**
حين كان الفتى يتذوق مئة عشبة، ترك مرجلاً.
صنعه من حجر أخضر واحد، صهره بالنار الحقيقية. كان صغيراً يحمل باليدين، رقيق البطن حتى يكاد ينفذ منه الضوء.
إذا وُجّه إلى الشمس أمكن رؤية نقوش سحب تسري في جداره؛ وهي آثار النار الحقيقية التي صهرته.
كل عشبة دوائية ذاقها الفتى صُفّيت في هذا المرجل.
تركه في وادٍ يدعى جيانغشوي، وكان أهله ماهرين في تمييز الأعشاب.
وقبل رحيله قال لهم: «لا تعبدوا هذا المرجل. استعملوه.»
«إذا وجدتم عشبة جديدة لا تعرفون طباعها، فاطرحوها فيه واطبخوها على نار هادئة. فإن أظهر بطنه ذهبياً فهي مقوية دافئة، وإن أحمرّ فهي شديدة الحرارة، وإن اخضرّ فهي باردة قليلاً، وإن اسودّ فهي سامة.»
تسلم المرجل شاب يدعى تشي بو.
حمله تشي بو وطاف جهات كثيرة من البرية العظمى. وكلما وجد عشبة جديدة، ألقاها في المرجل وطبخها كما أوصاه الفتى، ثم راقب لون جداره وسجله.
ومع مرور الأيام سجل مئة وثمانين نوعاً.
وذات يوم بلغ موضعاً يدعى تشولوه، كان قد شهد معركة كبرى لتوه.
تكدست الجثث في الوادي، وسال الدم إلى النهر فاحمر ماؤه، وملأت الرائحة النتنة السماء.
رأى تشي بو على جراح القتلى عفناً أخضر لم يره من قبل. كشط منه قليلاً وألقاه في المرجل يطبخه على نار هادئة.
لم يسود بطن المرجل، بل صار أبيض فضياً باهتاً جداً؛ لم يكن ضوءاً بل قواماً، كضوء قمر تكثف فوق حجر.
لم يفهم تشي بو؛ لم ير لوناً كهذا قط.
فجرّب أن يدهن العصارة المطبوخة على جرح جندي متعفن. وفي الغد بدأ الجرح يلتئم.
فرح تشي بو فرحاً عظيماً، لكنه قبل أن يكتمل فرحه رأى البياض الفضي ينتشر فوق بطن المرجل.
لم يكن نقش صهر، بل تآكلاً. ظهرت شقوق دقيقة كثيفة، وتسرب من بينها خيط بعد خيط من غاز أسود.
كان ذلك السّم البارد إلى أقصى حد الكامن في العفن الأخضر. كان المرجل يختبر السم بدلاً منه ويتحمله.
فزع تشي بو. غسل المرجل في ماء نبع جبلي، وضمده بالأعشاب، وجففه ببطء على نار هادئة؛ فلم ينفع شيء.
كانت الشقوق تعمق كل يوم.
وبعد ثلاثة أشهر، في صباح ما، استيقظ تشي بو ليجد المرجل قد تحطم إلى اثنتي عشرة قطعة.
كانت حوافها جميعاً سوداء متفحمة، إلا قطعة القاع التي بقيت خضراء كما كانت.
وعلى ذلك الحجر الأخضر نقش سحابة ذهبي باهت: جمرة صغيرة من النار الحقيقية تركها الفتى حين صهر المرجل.
جمع تشي بو القطع الاثنتي عشرة ولم يرمها. أعاد تركيبها بحبل من الكتان.
لم يمكن سد الفواصل، لكن كرومًا بالغة الدقة نبتت بينها، وكانت ذهبية، فطوقت القطع وأمسكتها معاً بإحكام.
فعاد المرجل صالحاً للاستعمال، غير أنه لم يعد يكشف تغير الألوان، وفقد قدرته على اختبار السم.
لكنه اكتسب قدرة أخرى: كل دواء يطبخ فيه، حتى حساء عادي لطرد البرد، يترك في الفم حلاوة خفية.
كانت تلك عصارة الكروم الذهبية المدفونة في شظايا بطن المرجل؛ راتنجاً أفرزته جذور جيانمو وجمرات فوسانغ بعد أن تعايشتا تحت الأرض.
إنه دم شجرتي الخلق الإلهيتين.
ومنذ ذلك الحين سُمي هذا المرجل المحطم المرمم مرجل شيننونغ، وسميت شقوقه نقوش السموم المئة.
قال بعضهم إن كل شق هو سم عظيم. فتذوق شيننونغ للناس مئة عشبة، وتحمل مرجل شيننونغ، نيابة عن شيننونغ، سمومها.
تحطم اثنتي عشرة مرة، وشدته الكروم الذهبية من جديد اثنتي عشرة مرة.
وفي شيخوخته عاد تشي بو إلى وادي جيانغشوي ودفن مرجل شيننونغ عند منبع الوادي إلى جانب عين النبع.
وقال: «حين تلتئم شقوق المرجل كلها، فلن يبقى في السماء والأرض سم جديد.»
ولم يأت ذلك اليوم بعد.
واليوم امتلأ ذلك الوادي بالكروم الذهبية، وتثمر توتاً أحمر شديد المرارة؛ وبعد أن تزول المرارة يحس اللسان بحلاوة.
تخفف تلك الحبات كثيراً من الحميات، ويسميها أهل الوادي ثمر يان دي.
ويقولون إن دفء يان دي الباقي في باطن الأرض لم ينطفئ، وما زال يعد للبشر دواءً شافياً.
**【فصل شرايين الأرض】**
في أقصى الشمال وادٍ سحيق لا قرار له، وجانباه ليسا صخراً بل بلورات حمراء داكنة؛ فإذا طرقتهما أحد سمعت رنين معدن.
يسميه أهل البرية العظمى الهاوية الحمراء، تشي يوان.
ويقولون إنه في زمن بعيد بعيد انهدم طرف من السماء، فسقطت كتلة نار من فوق وحفرت هذه الهاوية، وظلت تحترق حتى باطن الأرض ولم تنطفئ قط.
في كل انقلاب شتوي يتصاعد من تشي يوان دخان أبيض بلا رائحة.
وإن وقفت عند حافتها يومئذ ونظرت إلى أسفل، رأيت في الأعماق البعيدة نقطة نور ذهبي تومض، كعين ترمش ببطء.
إنه نبض جوف الأرض؛ حين تضخ جذور جيانمو وفوسانغ الباقية الشريان الروحي، تضغط على القشرة الضعيفة في ذلك الموضع فتحدث رجفة.
وفي يوم الانقلاب الشتوي يشعل أهل البرية العظمى في كل مكان نيراناً كبيرة من غير موعد.
لا يعرفون السبب، إنما هي عادة تركها الأسلاف: يجب أن تكون الحطب في غاية الجفاف، وأن يبلغ اللهيب أشد ضوءه.
ويقولون: إنهم بذلك يخبرون النار التي تحت الأرض أن نيران الأرض ما زالت مضيئة، وأن الناس لم ينسوا.
وفي انقلاب شتوي جاءت إلى حافة تشي يوان عجوز عمياء.
كانت محدبة الظهر تتكئ على عصا من خشب العناب. محجرا عينيها فارغان لا مقلتين فيهما، لكنها توقفت عند الحافة بدقة لا تخطئ.
جلست قبالة فم الهاوية متربعة، كأنها تنظر إلى شيء أو تنتظر شيئاً.
سألها الناس: من أين جئت؟ فقالت: «من مكان فيه شمس.»
فضحكوا وقالوا إن الشمس في كل موضع من البرية العظمى.
قالت: «ليست تلك هي ذاتها. الشمس التي أعنيها صارت من إنسان.»
ثم سكتت وانتظرت.
حل ليل الانقلاب الشتوي، وأخذ النور الذهبي في أعماق الهاوية يشتد، وتصاعد الدخان الأبيض كعمود إلى السحاب.
انفرج فم العجوز عن ابتسامة صغيرة، ثم تكلمت بصوت صاف كصوت فتاة:
«ما زلت هنا إذن، يا العاشر.»
وفجأة سال من محجريها الفارغين صفان من الدموع الحمراء بلون الحمم.
فزع بعض الناس ومدوا أيديهم ليجروها بعيداً، لكنها لم تتحرك. كانت عصا العناب مغروسة في الأرض وقد أخرجت جذوراً.
قالت: «لن أرحل. انتظرت طويلاً حتى وصلت إلى هنا. أنا السابع.»
تجمد من حولها؛ لم يعرفوا ما معنى السابع. لم يروا إلا عينيها المجوفتين والدمعتين الحمراوين المحترقتين.
قالت إنها ليست إنسانة، بل غصن من شجرة فوسانغ. حين كانت الشمس تأوي إليها تركت فيها علامة محروقة.
وبعد أن انكسرت فوسانغ، قذفتها صدمة الانهيار إلى جليد أقصى شمال البرية العظمى، فظلت تحت الجليد أزمنة لا تحصى.
وكان هذا الدفء الضئيل من جوف الأرض هو ما أيقظها.
وحين استيقظت كانت عيناها قد تلفتا من التجمد. وتحسست طريقها نحو الجنوب، ومشت زمناً طويلاً طويلاً. # القسم الخامس: الدفء الباقي، العالم السفلي، والشجرة العتيقة
<!-- المصدر: السطور 3201–3700 | SHA-256: 1f7c302f74dd6e2e26521e7987a5202898992ed08a9c52003431f23ec396e525 -->
رفعت العجوز يدها وهي تتكلم وأشارت إلى محجري عينيها.
قالت: «لم يُعمِ التجمّد هاتين العينين؛ بل أعمتهما أنواره.»
«في آخر مرة أقلع فيها من فوقي، كان ساطعاً أكثر مما يحتمل.»
«لا أحقد عليه. أنا غصن من فوسانغ، وخُلقت لأكون مأوى للشمس.»
«جئت فقط لأقول له إن برعم فوسانغ الجديد قد صار شجيرة، وإن جذور جيانمو الباقية لا تزال حية.»
«فلا يستعجل. فليتمهل. الأرض قادرة على رعايته.»
وما إن أنهت كلامها حتى أخذت نقطة النور الذهبي في قاع الهاوية تومض بعنف.
لم يعد إيقاعها بطيئاً راسخاً كالبندول، بل صار متلاحقاً كنبض القلب، كأن أحداً في أعماق لا يبلغها أحد قد سمعها.
دام الوميض حتى آخر لحظة من تلك الليلة. وعند فجر الانقلاب الشتوي عاد النور بطيئاً راسخاً.
أما العجوز التي كانت عند الهاوية فقد اختفت.
لم يبق إلا عصا العناب مغروسة في الأرض، وقد نبت من رأسها غصن جديد، بأوراق خضراء غضّة حواشيها مطوقة بخيط ذهبي باهت.
كانت فوسانغ.
**【خاتمة: الدفء الباقي】**
إذا مضيت إلى أقصى شرق البرية العظمى، وعبرت أمواج البحر الشرقي الخضراء التي لا حد لها، رأيت في أشد المواضع اضطراباً جذع شجرة هائلًا لا يبرز من الماء إلا ثلاثة أقدام.
إنه جيانمو، الجزء الذي بقي فوق سطح البحر حين انكسر تحت الضغط.
هو أسود متفحم، وعليه فضلات طيور النورس. لكن إن اقتربت منه في قارب صغير ولمسته بيدك، وجدت تحت القشرة المحروقة دفئاً.
ليس دفء الشمس، بل حرارة تفيض من الداخل: كالجمر المتبقي، كجسد حي.
في كل اعتدال ربيعي يضطرب سطح البحر بلا سبب. يقول الصيادون الشيوخ إن جيانمو يتقلب تحت الأرض.
تمتد جذوره في أعماق البحر، تحاول أن تجد قاعاً آخر تشق منه التراب، لكن قشرة البرية العظمى غليظة جداً فلا تستطيع الخروج؛ فلا تملك إلا أن تتقلب ثم تنام نوماً ثقيلاً.
وفي ليلة الاعتدال الربيعي، إن ألصقت أذنك بالجذع، سمعت صوتاً يجيء من باطن الأرض، مكتوماً ممتداً، كأنه تنهيدة، أو كأن إنساناً بعيداً بعيداً ينادي اسماً.
لقد رشحته طبقات الحجر الرملي، فلا يعود مفهوماً، ولا يبقى منه إلا ذيل صوت مبهم: «… يا العاشر.»
إنها جذور فوسانغ الباقية تناديه.
هاتان الشجرتان الإلهيتان ولدتا معاً وتهدمتا معاً، وها هما تتساندان على الحياة في ظلام باطن الأرض.
وليستا وحيدتين؛ فالشمس التي حملتاها طوال العصور انقسمت الآن إلى نصفين.
نصف في السماء يضيء جسديهما الباقيين، ونصف ذاب في دم الأرض، بجوار جذورهما؛ تضخ معه وتنبض معه وتنتظر معه.
تنتظر أن يخرج لجيانمو ورقه الأول من جديد، وأن تأوي إلى فوسانغ شمس أولى من جديد، وأن تتصل السماء والأرض مرة أخرى.
وقبل أن يأتي ذلك اليوم، فإن كل إنسان وكل كائن حي في البرية العظمى، وكل شروق وكل غروب، وكل إيقاد لنار كبيرة، وكل غليان لدواء، وكل سنبلة دخن ثقيلة تتدلى على منحدر مشمس، وكل جرعة من ماء بئر دافئ في الشتاء، هي الدفء الخالد الذي تركه بين البشر ذلك الفتى الذي كان أصغر الشموس.
**【فصل العالم السفلي】**
لم يترك يان دي للبشر بذرة النار ومرجل الدواء ونبض شرايين الأرض الهادئ فحسب.
في ليلة عميقة السواد، ذهب الفتى أيضاً إلى العالم السفلي مرة.
كان ذلك قبل أن يتحول إلى شمس، حين كان لا يزال يجوب البرية العظمى. طافت خطواته الجبال والمستنقعات والمدن العامرة والبراري الخالية من الناس.
وفي يوم بلغ أقصى الغرب، حيث شق ضيق لا يتسع إلا لرجل يدخل جانبه، لكنه عميق إلى حد أن برداً يتسرب منه على مدار السنة.
لم يكن ذلك البرد كريح الشتاء العادية؛ كان يخترق الثياب واللحم وينفذ إلى نخاع العظم. لم يكن برد تجميد، بل برد فناء وسكون.
نمت على الصخر قرب الشق طحالب رمادية حية، لكنها باردة بلا أي دفء للحياة حين تمسها.
كانت تلك، في حكايات أهل البرية العظمى، شق العالم السفلي: موضع انقطاع الطاقة اليانغية، والباب الأخير الذي تمر به أرواح الموتى في طريق عودتها.
لا يقترب الأحياء منه أبداً، لكن الفتى جاء.
وقف عند فمه وترك برد الفناء يندفع إلى وجهه. غطت طبقة صقيع رقيقة شعره وحاجبيه، فلم ينفضها.
دخل الشق جانباً.
في الداخل ممر ضيق، وجانباه الصخريان رطبين تتندى عليهما قطرات لزجة رمادية بيضاء معكرة، كأنها نقي عظم مخفف.
مضى إلى الأمام، فأضاءت النار الحقيقية في جوفه من تلقاء نفسها. ومن وراء جلده الشفاف أمكن رؤية ضوء ذهبي يدور بين أعضائه؛ كانت النار تقاوم عنه برد المكان.
لم يكن الضوء قوياً، لا ينير إلا ثلاثة أقدام تحت خطاه.
مشى طويلاً حتى بدأ يسمع صوتاً آخر: في البدء نحيباً خافتاً، ثم همسات مشوشة، ثم لغواً مكتظاً لا يميز؛ كأن أفواهاً لا حصر لها التصقت بأذنه تتكلم بما لا يسمع.
توقف ونظر إلى أسفل. لم تعد تحته الطريق الحجرية الرطبة، بل ضباب رمادي لا حدود له يلتف ببطء عند كاحليه.
وفي الضباب وجوه مبهمة بعد وجوه، لا ملامح لها إلا خطوط عامة. كانت تفتح أفواهها كأنها تقول شيئاً، لكن لا صوت يخرج منها سوى الهمس الدقيق الذي يقشعر له السن.
قرفص الفتى ومد يده في الضباب. لامست أطراف أصابعه وجهاً، فتجلت ملامحه: كانت عجوزاً، بعينين فارغتين وفم يتحرك.
وسمع قولها: «لا أجد الطريق.»
سألها: «إلى أين تريدين الذهاب؟»
قالت: «لا أعرف. نسيت.»
سكت الفتى، ووضع كفه على جبهتها. تسرب من راحته ضوء ذهبي باهت إلى ما بين عينيها.
وفجأة أضاء في محجريها الفارغين شيء؛ لم يكن ضوءاً، بل انعكاساً ضعيفاً كضوء النجوم على بحيرة.
رأت خيطاً شديد الدقة ذا بريق ذهبي باهت يمتد من صدرها إلى أعماق الضباب.
كان خيط الفكر الذي شده، من غير قصد، أقرباؤها الأحياء حين ظلوا يشتاقون إليها في عالم الأحياء. كان ضعيفاً كخيط العنكبوت، لكنه بقي متصلاً ومضيئاً.
بكت العجوز فجأة، وانهمرت دموع رمادية من محجريها؛ فتفرق الضباب في رقعة صغيرة.
قالت: «أراه. ابنتي لا تزال تفكر فيّ.»
قال الفتى: «اتبعي الخيط، ولا ترخيه.»
أومأت، وقبضت على الخيط الذهبي الذي لا يتبين إن كان حقيقة أم خيالاً، ومشت خطوة خطوة إلى عمق الضباب حتى خفتت صورتها. ولم تقل كلمة أخرى.
تابع الفتى طريقه، وصادف وجوهاً أكثر؛ على كل وجه حيرة. نسوا إلى أين يذهبون، ونسوا من هم، فظلوا يهيمون في الضباب بلا غاية.
لامسهم واحداً واحداً، ومع كل لمس كان ضوء كفه يضعف درجة، وراحت النار الحقيقية في بطنه تتأرجح؛ فقد كان اليِن هنا كثيفاً إلى حد أن نار الشمس الحقيقية بدأت تتعب.
لكنه لم يتوقف.
لامس صياداً شاباً قتله حشر سام في الجبل يوم كانت زوجته توشك أن تلد. لقد علقت روحه في الضباب لأن تعلقه بالطفل الذي لم يولد كان عميقاً.
وأول ما سأله حين لمسه: «أهو ولد أم بنت؟»
قال الفتى: «بنت.»
ارتجف وجه الصياد بعنف، وكادت ملامحه المتكونة من الضباب تتلاشى، لكنه ثبتها، ثم سأل: «أهي بخير؟»
قال الفتى: «تشبهك.»
لم يسأل الصياد بعد ذلك. طأطأ رأسه فرأى الخيط الذهبي، وفي طرفه الآخر هيئة رضيع تمد يدها نحوه.
كانت يد الرضيعة في قدر حبة فول، لكن دفئها عبر حدود العالم السفلي وعالم الأحياء ووصل إليه.
أمسك الخيط وسار إلى الطفلة وعلى وجهه ابتسامة؛ لم تكن ابتسامة راحة أبدية، بل ابتسامة أب يتوق إلى لقاء ابنته.
تابع الفتى، وصارت خطواته أثقل. تحولت النار الحقيقية في جوفه من ذهبية إلى حمراء داكنة كجمرة توشك أن تخبو، ومع ذلك ظل يلمس الوجوه.
لم يكن يحتاج إلى أن يسأل من هم أو أن يعرف أسماءهم. كان هو الشمس: الشمس تضيء الصالح والطالح، الحي والميت. ولو لم يضئهم لبقي هذا الضباب ضباباً إلى الأبد، ولبقيت هذه الأرواح حبيسة فيه بلا طريق.
لا يدري كم مضى من الوقت، لكن الضباب خلفه راح يرق. كانت معظم الوجوه قد سارت على الخيوط الذهبية، ولم يبق إلا نفر قليل.
كانوا منسيين تماماً؛ لم يبق في عالم الأحياء من يفكر فيهم. انقطعت خيوطهم الذهبية منذ زمن، وكانت مواضع القطع سوداء محترقة.
# القسم السادس: ذاكرة الشمس ونور العالم السفلي
<!-- المصدر: السطور 3701–4288 | SHA-256: 1f7c302f74dd6e2e26521e7987a5202898992ed08a9c52003431f23ec396e525 -->
كانت تلك آثار ذبول قوة التذكر تماماً.
نظر الفتى إليهم في صمت، ونظروا إليه في صمت. لم يتضرعوا ولم يبكوا؛ لم يكن فيهم إلا الحيرة، كورق ساقط في الريح لا يدري إلى أين يطير.
قرفص الفتى ومد يده، لا ليلمس الوجه بكفه، بل ليقبض بأصابعه الخمس على يد ذلك الوجه.
كانت يدين شبحيتين، باردتين فارغتين لا إحساس لهما، لكنه أمسكهما كما لو أنه يمسك إنساناً حقيقياً.
قال للوجه: «أنا أتذكرك.»
لم يستجب؛ كان قد نسي حتى معنى الكلام. لكن الفتى لم يستسلم.
صهر من ناره الحقيقية في جوفه خيطاً ذهبياً دقيقاً جداً. خرج الخيط من كفه والتف حول الأصابع الشبحية.
لم يكن خيط قوة التذكر، بل شيئاً أبقى منه: ذاكرة الشمس لكل شيء.
كانت ذاكرته، بوصفه يان دي وقد مشى سنوات في البرية العظمى، بكل جبل رآه، وكل نهر، وكل عشبة، وكل إنسان، قد صهرت خيطاً؛ وكان الطرف الآخر في يده هو.
كان الفتى مرساة عالم الأحياء. ما دام يتذكرهم فلن يتبددوا تماماً.
بدأ الوجه يستعيد ملامحه. كان وجهاً هرماً للغاية، تجاعيده عميقة حتى يمكن أن تحبس حبة دخن.
فتح العجوز فمه وقال بصوت مبحوح يكاد لا يُسمع: «من… أنت؟»
قال الفتى: «أنا الشمس.»
كأن العجوز لم يفهم، فسأل ثانية: «هل لا يزال… أحد يتذكرني؟»
قال الفتى: «أنا أتذكرك.»
أضاءت في عيني العجوز العكرتين آخر نقطة من نور؛ لم تكن خيطاً ذهبياً ولا ناراً حقيقية، بل العزاء الأبسط الذي يحسه إنسان عادي حين يعلم أن أحداً لم ينسه.
قال العجوز: «إذن لا بأس.»
ثم أغمض عينيه وتحول جسده إلى ضباب رمادي وتفرق.
لم يختف؛ بل ذاب في هذه الأرض، وسيصير ذرة تراب في عمق العالم السفلي، ينتظر مئات وآلاف السنين حتى تقلبه أمواج شرايين الأرض ويصير حياة جديدة.
نهض الفتى. لم يبق في جوفه من النار الحقيقية إلا خيط أخير، كنقطة ذهبية بحجم حبة فول أصفر، تضيء وتخبو بين جمر أحمر داكن.
كان متعباً جداً، لكنه لا يستطيع أن ينطفئ هنا.
استدار وعاد إلى الطريق التي جاء منها. ومن الضباب وراءه وصل همس خافت؛ لم يكن صوت الأرواح، بل صوت الضباب نفسه يخاطبه.
سأله: «لماذا جئت؟»
توقف الفتى ولم يلتفت. قال: «لأن هنا لا نور.»
صمت الضباب لحظة، ثم سأل: «أنت الشمس. كيف تصل الشمس إلى العالم السفلي؟»
قال الفتى: «أفلا أكون شمساً في المواضع التي لا تصلها الشمس؟»
ثم خطا خطوته الأخيرة وخرج من شق العالم السفلي.
كان النهار قد طلع عند فم الشق. وسقط أول ضوء للصباح على وجهه تماماً.
أضاءت تلك النقطة الذهبية الصغيرة من النار الحقيقية في جوفه بضوء الصباح، فاشتعلت من جديد دفعة واحدة؛ لهب ذهبي أشد من ذي قبل.
وقف عند فم الشق واستنشق نفساً عميقاً، ثم تابع السير.
لم يكن يعرف أن شق العالم السفلي، بعد رحيله، أضاء فيه لأول مرة ضوء ضئيل.
لم يكن شمساً، بل دفء النار الحقيقية الذي بقي. صار نقطة ذهبية صغيرة معلقة، كذرة غبار، تطفو في الضباب الرمادي في هدوء.
ومنذ ذلك الحين، حين يموت قريب لأهل البرية العظمى، يشعلون مصباحاً أمام قبره ويخلطون في زيته قليلاً من دقيق الدخن.
كان الدقيق ذهبي اللون باهتاً، ولا يعرفون لماذا يفعلون ذلك؛ إنما يتوارثونه جيلاً بعد جيل.
ويقولون إن المصباح ليس ليهدي الأحياء، بل للموتى، كي يروا قليلاً من نور في طريقهم إلى العالم السفلي.
إنه ذرة الغبار التي تركها يان دي في أعماق ذلك العالم، تلقي على كل روح عابرة خيطاً من ضوء. **【فصل الشجرة العتيقة】**
كان الغصن الجديد الذي نبت من جذع فوسانغ الباقي ينمو ببطء شديد؛ ببطء حتى تتفتت الصخور الصماء في الجبال، ولا يبلغ سمكه إلا قدر فم وعاء.
لكنه لم يكف عن النمو. مدت جذوره في الأعماق، عبر طبقات الصخر المتكسرة، والأنهار الجوفية المتلاطمة، وعظام الموتى ورمادهم المتراكم على مر آلاف السنين، نزولاً نزولاً حتى لمست جذور شجرة أخرى.
كانت تلك جذور جيانمو الباقية.
حين انهارت السماء انكسر جيانمو من وسطه، وسقط تاجه الهائل في جنوب شرقي البرية العظمى. وصارت آثار ارتطامه مستنقعاً يمتد آلاف الليّ، أكبر أرض رطبة فيها.
ينمو في ذلك المستنقع قصب غريب؛ سيقانه جوفاء شديدة الصلابة. وفي الخريف يزهر، فتكون سنابله ذهبية باهتة، فإذا هب الريح بدت أمواجاً من ذهب.
يقول الشيوخ إن ذلك نخاع جيانمو يتسرب من تحت الأرض.
فجيانمو شجرة تصل السماء؛ ونخاعها أنقى طاقة روحية وأخفها بين السماء والأرض. ولو تهدم الجذع، ما دامت الجذور باقية لا تفنى الطاقة.
وفي كل اعتدال خريفي يرتفع عند طرف المستنقع ضباب عجيب، ليس أبيض، بل أزرق فاتحاً جداً. فإذا صعد بدا المستنقع كله ملفوفاً بطبقة رقيقة من زجاج ملوّن.
ومن دخل بقارب إلى عمق المستنقع في ذلك الوقت رأى منظراً عجيباً: تتكاثف على سنابل القصب الذهبية قطرات ندى شفافة، وفي كل قطرة ضوء بالغ الدقة يسري.
وإن جُمعت القطرات ونظر إليها في ضوء الشمس، ظهرت فيها ظلال صغيرة جداً: قصر خرب، جدران باقية مهدمة، وعوارض سوداء متفحمة؛ وفي الوسط جذع عظيم يجلس عليه ظل إنسان مبهم لا يتحرك، كأنه نائم أو ينتظر.
قال بعضهم إن هذا ذاكرة جيانمو.
كان لجيانمو عقل وروح؛ اتصل بالسماء والأرض وشهد ذهاب الآلهة ومجيئهم. وكل ما رآه ذاب في نخاعه. يتسرب النخاع إلى القصب، فيزهر القصب، ويتكاثف الندى على الزهر، فتنعكس فيه صور العصور الغابرة.
بهذه الوسيلة الوحيدة التي بقيت له يسجل جيانمو الأزمنة التي مضت. وهو ينتظر أيضاً أن يقف ذات يوم الظل المبهم الجالس على الجذع.
كان ذلك الظل أول إنسان، بعد أن شق بانغو السماء والأرض، تسلق جيانمو وصعد إلى البلاط السماوي.
كان إنساناً لا إلهاً. حين صعد كان جيانمو شجرة كاملة. تسلق خطوة خطوة أغصانها وأوراقها طوال سبع سنين؛ إذا عطش شرب الندى من أوراقها، وإذا جاع أكل ثمرها الأخضر.
وبعد سبع سنين بلغ السماء. رآه الآلهة مجرد بشر فلم يعبأوا به، لكنه وقف على قمة تاج جيانمو وقال لهم جملة.
كان جيانمو يتذكرها، لكن جرحه عميق وذاكرته مبتورة، فلا يستطيع مهما استعادها أن يجمع صورتها الأصلية.
لذلك يكوّن قطرة ندى تلو أخرى، ويعيد فيها صورة الظل القديم مرة بعد مرة، أملاً في أن يفهم أحد في يوم ما الصورة ويتذكر عنه تلك العبارة.
وبعد سنوات لا تحصى، رأى شاب يقطع القصب تلك الصورة مصادفة في قطرة ندى. حمله الفضول فقصد بقاربه أعمق المستنقع.
كان هناك جزء هائل أسود متفحم من جذع، آخر ما ظهر من جيانمو فوق الماء بعد سقوطه.
ألصق الشاب أذنه به، فسمع لا صوتاً بل رجفة لا تنقطع، تكرر فيها قول واحد:
«الإنسان أيضاً يمكن أن يساوي السماء.»
تجمد الشاب. لم يكن يعرف القراءة ولا دقائق الأمور، لكن الكلمات السبع اندفعت كتيار نار من أذنه وأحرقت قلبه.
عاد إلى قريته وقالها لأهلها، فضحكوا منه: السماء سماء والإنسان إنسان، فكيف يساوي الإنسان السماء؟
سكت الشاب، ولم يعرف كيف يجادلهم، لكنه آمن.
آمن بذلك البشر الذي تسلق جيانمو وصعد إلى السماء في العصور الغابرة، وآمن بالجذع الأسود الذي بذل آخر طاقته الروحية كي يورث هذه العبارة.
ترك قطع القصب وبدأ يزرع الأشجار، شجرة إثر شجرة على حافة المستنقع، وكلها مما يمكن أن يعلو كثيراً.
وقال: «حين تكبر هذه الأشجار وتعظم، يستطيع من بعدنا أن يتسلقها فيقترب من السماء قليلاً.»
لم يكن ليرى ذلك اليوم، لكنه آمن بأن اللاحقين سيرونه نيابة عنه.
**【فصل شرر النجوم】**
تضيء النقطة الذهبية في الهاوية الحمراء مرة كل انقلاب شتوي، وتسكن في الليالي والأيام الثلاثمئة والأربعة والستين الباقية. لكن السكون ليس موتاً.
فحرارة قاع الهاوية لا تتبدد قط: إنها بقايا نار يان دي الحقيقية، مختلطة بعصارة فوسانغ وراتنج جيانمو.
امتزجت القوى الثلاث التي كانت مستقلة في ظلام باطن الأرض، ولم تنتج لهباً ولا نوراً بل مادة خاصة جداً: كزيت وليس زيتاً، وكدهن وليس دهناً.
تسري ببطء في شقوق الطبقات السحيقة، ذهبية داكنة، لزجة كالعسل. تسري من البطء بحيث لا تتحرك في ستين سنة إلا بضع بوصات، لكنها لا تكف عن السريان.
تتبع اتجاه الشرايين الروحية تحت الأرض، فتتسرب في صمت إلى جهات البرية العظمى الأربع. حيث تمر ترتفع حرارة الطبقات قليلاً؛ لا حرارة محرقة، بل أدفأ من الصخر المعتاد بمقدار ضئيل.
لكن ذلك الفارق اليسير يكفي لتغيير أشياء كثيرة.
في شمال البرية أرض متجمدة منذ القدم، لا ينبت على سطحها شيء إلا طبقة رقيقة من الطحلب في ذروة الصيف، طحلب رمادي أخضر لا حياة فيه.
تسرب فرع بالغ الرقة من ذلك التيار الدافئ الذهبي الداكن تحتها. لم يذب الجليد، لكنه أرخى بلورات الثلج في عمقه شيئاً يسيراً.
وفي الربيع التالي نبتت أول عشبة خضراء طرية. عاشت صيفاً واحداً، لكنها أخرجت بذوراً.
نثرتها الريح في أنحاء الأرض المتجمدة. وفي السنة الثالثة ظهرت أكثر من عشر أعشاب، وفي الخامسة أكثر من مئة، وفي العاشرة صار هناك مرج قصير نمت فيه زهرات صفراء باهتة لا تكبر عن حبة أرز.
لكنها أزهرت فوق أرض مجمدة منذ الأزل، كنثار نجوم على ليل.
هذا ما يفعله التيار الدافئ تحت الأرض. لم يصنع معجزة؛ إنما أرخى قبضة تجمد العصور قليلاً. وما بقي فعلته الأعشاب بنفسها: مدت الجذور، وأخرجت الورق، وفتحت الزهر.
لكن تلك القوة التي رخّت القبضة كانت السبب الأول لنماء كل شيء.
لم يكن أهل البرية العظمى يعلمون بالتيار الدافئ، لكنهم لاحظوا تبدلات دقيقة لا يلحظها إلا من أقام في الأرض زمناً طويلاً.
فبئر كانت تتجمد شتاءً لم تتجمد ذلك العام، وأشجار فاكهة على منحدر ظليل كان الصقيع يسقط أزهارها دائماً بقي زهرها مفتوحاً.
ودخل صياد عجوز الجبل للصيد وبات في كهف. أيقظه البرد في منتصف الليل، فألصق ظهره بالجدار الصخري، وشعر فجأة أنه دافئ قليلاً.
ظن أنه توهم، فألصق كفه به. كان دافئاً حقاً؛ لا دفء الشمس، بل دفء يخرج من الداخل.
عاد فأخبر قومه، فقالوا إنه خرف. لم يقتنع، فقاد بعض الشبان إلى الكهف.
ألصق الشبان أيديهم بالجدار، فكان بارداً؛ وكذلك وجده العجوز حين لمسه. انتظر طويلاً وبقي بارداً، فلم يعد يجادل.
لكنه في كل شتاء كان يقصد ذلك الكهف. في معظم الأوقات كان الجدار بارداً، إلا أنه، أحياناً قرب الانقلاب الشتوي وفي أبرد الأيام، يدفأ فجأة بدفء خفيف عابر.
وحين يضع العجوز كفه عليه يشعر كأن شيئاً حيّاً ينبض في عميق الأرض.
وفي أحد الشتاءات اصطحب حفيده إلى الكهف، وكان اليوم قارصاً والريح الشمالية كالسكاكين.
طلب من حفيده أن يضع يده على الجدار. قال الصبي: «جدي، الصخرة ساخنة.»
ابتسم العجوز وقال: «تذكر هذا الإحساس. إنها حرارة جسد الأرض.»
أومأ الحفيد. لم يكن يعرف من أين جاءت تلك الحرارة، لكنه عرف أن الفتى الذي، كما قال جده، صار شمساً، لم ينس كهفاً كهذا ولا صياداً عجوزاً كهذا.
ففي أعمق موضع من باطن الأرض، ما زال الفتى يتذكر.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.