شمال نهر تشي برد التل الجاف الذي ظل ثلاثة آلاف عام تماماً. زال حمرته الداكنة وصار أصفر ترابياً، وانطفأت الأضواء التي كانت تلمع من شقوقه. بدا من بعيد مجرد ربوة عادية عليها عشب بري أصفر يرتجف في الريح الشمالية. وبردت بحيرات الحمم فصارت أرض صخرية سوداء مشققة ملأ الرمل فجواتها. ظل النهر يجري أحمر مقلقاً، لكنه صار أصفى قليلاً؛ قلّت الأرواح المعذبة فيه، وبدلها خيوط نور صغيرة تسبح قرب القاع.
تلك آثار العروق وقد نفذت إلى نهر تشي. فرعها ضعيف لكنه طهّر بعض الماء، فخلصت الأرواح المحبوسة وذابت فيه. ونبتت فوق التل، في وقت لا يعرفه أحد، شجرة نحيفة لا يزيد جذعها على ذراع، تحمل أوراقاً صفراء متفرقة. بدت غريبة في القفر الذي لا ينبت فيه شيء، لكنها كانت حية حقاً؛ غاصت جذورها إلى العرق فشربت منه القليل، وكان ذلك القليل كافياً لتعيش بعناد في أرض الموت. كأن أحداً يهمس، أو يغني.
جاء الصوت من الأعماق ومن العرق النابض ببطء: صوت با. ما زالت هناك ولم تغادر؛ جسدها صار التل، وصوتها صار الريح، ووعيها صار العرق، مبعثراً في شبكة الأرض كلها لا يغيب عن موضع.
لو وقف صاحب قوة روحية عميقة على التل وأنزل وعيه في الأرض لرأى منظراً مدهشاً: عرق عظيم يخفق، آتٍ من الجنوب، عابرٌ قاع نهر تشي، مجتمع تحت التل. بردت الحمم هناك، لكن حرارتها الباقية تبقي العرق حياً. امتص العرق نار الفوضى كلها وحولها روحاً نقية تتدفق فيه بلا انقطاع. وتفرع تحت التل كجذور شجرة: منها ما يصل عروقاً أخرى، ومنها ما يمتد بعيداً، ومنها ما يخرج إلى السطح فيصير ينابيع صافية وأرضاً خصبة. كانت شبكة تتشكل.
لا يغطي امتدادها بعدُ إلا بضعة آلاف من الأميال، لكنه ينمو: كل مئة عام يزيد مئات الأميال، وكل ألف عام يتضاعف مداه. وبعد آلاف سيغطي الأرض كلها. عندئذ يعود طريق السماء والأرض لا كقناة واحدة مثل جيانمو، بل شبكة في كل موضع؛ كل مكان باب، والروح تخرج من الأعماق فتغذي الكائنات. تستيقظ العروق الضائعة، وتقوى أنصاف الآلهة التي ضعفت، ويدخل البشر عصر روح جديد. ولن يستطيع إمبراطور السماء هذه المرة احتكار الطريق، لأنه في كل مكان؛ لا يمكنه أن يقطع الأرض كلها. كان ذلك مشروع با الذي انتظرته ثلاثة آلاف عام: جعلت حياتها بذرة في قفر شمال نهر تشي، تنمو جذورها حتى تغطي العالم وتزهر أبهى زهر.
هبت الريح الشمالية على التل فأحدثت حفيفاً. ولو أصغيت لربما ميزت كلمات واهنة: «انتظروا... انتظروا...» «ذلك اليوم... قريب...» حملتها الريح جنوباً إلى عالم البشر، حيث لا يعلم أحد ما يحدث في الشمال البعيد.
عاد الفلاحون، بعد يوم عمل، عند الغروب حاملين معاولهم. أعدت زوجاتهم العشاء، ولعب الأطفال في الساحة، واجتمع الجميع قرب موقد النار يجففون ثياب العرق ويتحدثون عن طرائف الحقل. وتحت أقدامهم سال عرق ضعيف، تسربت روحه إلى التربة وغذّت الزرع؛ كان المحصول أثقل من الأعوام الماضية، وانحنت السنابل بحبها. لم يعرفوا السبب وظنوا أن الأمطار كانت أوفر، فضحكوا وخططوا لاستصلاح أرض وزرع بذور أكثر. وعلى بعد مئات الأميال جلس شامانات في مدينة قديمة حول دروع سلاحف يفحصون شقوقها بعد النار؛ أفرحتهم العلامات لأنها قالت إن تحت أرضهم روحاً كثيفة.
قال الشيخ الذي يتقدمهم مشيراً إلى الأرض: «هنا. تقول النبوءة إن هذه الروح ستزداد حتى تجعل المدينة من أعظم الأرض الروحية في العالم.» لم يعرفوا مصدرها، لكنهم وثقوا بالنبوءة، فقرروا الاستقرار وبناء مذبح وحراسة المكان جيلاً بعد جيل. كان اسم المدينة تشاوغه. وبعد قرون صارت تشاوغه، كما قالت النبوءة، أكثر المدن ازدهاراً؛ جعلها ملك يين شانغ عاصمة لحكمه الواسع، ودهش الشامانات من كثافة روحها فجاؤوا من كل ناحية يبحثون عن أصلها.
قال بعضهم إن روحها من عرق تحت الأرض يتصل بموضع في أقصى الشمال؛ ولا يعرفون ما فيه، لكن الأساطير قالت إن جيانمو كانت تصل البشر والآلهة ثم انهارت. فقال شامان أبيض الشعر: «لعل العرق من بقايا جذورها. سقطت الشجرة، لكن جذورها عاشت وامتدت تحت الأرض ثلاثة آلاف عام حتى وصلت إلينا.» وأومأ الآخرون؛ كان تفسيراً معقولاً لكثافة روح تشاوغه.
قال آخر: «إن صح ذلك فلعل لعروقها فروعاً في أمكنة أخرى. فلنرسل من يبحث عن مزيد من الأراضي الروحية.» فأرسل ملك يين شانغ فرقاً كثيرة؛ وجدت في مواضع عدة روحاً كثيفة، فبنت المدن ونقلت السكان، وازدهرت تلك المدن حتى صارت إقطاعات قوية. لم يعرف أحد أن كل العروق التي وجدوها تتصل بمصدر واحد، تحت التل الجاف في شمال نهر تشي.
ثم مرت آلاف أعوام؛ سقط يين شانغ، وضعف تشو، واشتعلت حروب الربيع والخريف والممالك المتحاربة في الأرض الوسطى. لكن المدن المبنية فوق العروق ازدادت رخاءً: محاصيل وفيرة، سكان كثيرون، وجيوش قوية. وكان أهل تلك المدن يرون أحياناً في الليل حلماً واحداً: امرأة في ثوب أخضر جالسة في قفر أحمر، ظهرها إليهم ووجهها للجنوب، لا تتحرك كأنها جلست مئات السنين. يشع منها دفء ضعيف يتسرب إلى الأرض ثم يسري في العروق إلى الجهات. لم تظهر ملامحها إلا جانب وجهها، وعلى فمها ابتسامة ساكنة مطمئنة، كمن انتظر طويلاً فنال ما أراد. وعند الاستيقاظ بقي ظلها في الأذهان بلا تفسير.
قال قوم إنها نُوِي وا التي خلقت البشر وتحرسهم خفية، وقال قوم إنها هان با، ابنة الإمبراطور الأصفر المنفية إلى شمال نهر تشي، جلبت الجفاف ثم غذّت عروق الأرض، وقال قوم إنها الأرض نفسها اتخذت هيئة امرأة خضراء لتحرس كل حي. لا يعلم أحد الحقيقة؛ تناقلت الأجيال الروايات حتى تشوهت، ولم تبق إشارات إلا في كتب قديمة.
ورد في «شان هاي جينغ: كتاب البرية العظمى الشمالية»: «هناك امرأة تلبس ثوباً أخضر، تدعى با ابنة الإمبراطور الأصفر. جهز تشي يو جيشه لمحاربة الإمبراطور، فأمر الإمبراطور يينغ لونغ بمهاجمته في برية جي تشو. حبس يينغ لونغ الماء، فاستدعى تشي يو سيد الريح وسيد المطر فأطلقا ريحاً ومطراً شديدين؛ فأنزل الإمبراطور الإلهة با، فتوقف المطر وقُتل تشي يو. ولم تستطع با أن تصعد ثانية، فلا تمطر الأرض التي تقيم فيها.» سطور قليلة هي كل ما حفظه البشر عنها. لم يعلموا حقيقة نفيها إلى شمال نهر تشي، ولا سر سقوط جيانمو الذي عرفته، ولا أنها انتظرت آلاف الأعوام ليعود نمو الجذور.
وظل موضع واحد يحمل أثرها: التل البارد في شمال نهر تشي. وفي يوم بعد آلاف السنين ساق عاصف رملي جماعة مسافرين إليه. أرادوا الراحة عند النهر، لكن التل الأصفر جذبهم. لم يكن عالياً، بضع جانغ، ولا عجيب الهيئة، إلا أنهم شعروا عند اقترابهم بدفء غريب في القفر القارس. داروا حوله فوجدوا في ظهره غؤوراً كأثر إنسان جلس متربعاً، وفي قاعه صخرة سوداء يشف منها ضوء أحمر ضعيف. مد أحدهم يده ولمس الصخرة.
لم تكن حارة بل دافئة. لكن ما إن لامستها أصاب وعيه دوار؛ رأى العرق يخفق تحت الأرض، وأرواح نهر تشي تذوب بسلام، وشبكة العروق التي تنمو تحت الأرض كلها. ورأى في قلبها وعياً خافتاً يلتفت إلى نظره ويبتسم. سحب يده فجأة وسقط جالساً. سأله رفاقه ماذا رأى، فعجز عن الكلام طويلاً، ثم قال مرتعشاً: «هي... ما زالت هنا...»
«من؟»
«تلك... المرأة ذات الثوب الأخضر.»
تبادلوا النظرات. لم يروا في القفر سوى تل عادي، وشجرة يابسة نحيفة، ونهر أحمر. نهض المسافر وحفر حفرة عند قدم التل، أخرج كيس بذور من متاعه ودفنه ثم سقاه ماءً. سأله رفيقه لماذا، فسكت قليلاً وقال: «لقد انتظرت طويلاً؛ لعلها... تريد أن ترى شيئاً أخضر.»
وبعد أشهر نبتت من الكيس بذرة واحدة، شتلة خضراء طرية شقت الأرض عند التل ونمت بعناد. كانت تتمايل في الريح الشمالية كأنها ترقص؛ أول نبتة حقيقية في شمال نهر تشي منذ آلاف السنين. كبرت يوماً بعد يوم، تشرب غذاء العرق تحت أرض كانت محروقة لا عشب فيها. وبعد أشهر أزهرت زهرة صغيرة جداً، بتلاتها بيضاء وقلبها أصفر، تتمايل في الريح وتنشر عطراً خفيفاً.
خفق العرق في عمق التل خفقة طفيفة، وفي لحظتها بث التل كله دفئاً خافتاً يكاد لا يُحس. من وضع يده عليه وجد حرارة تأتي من باطن الأرض، كحرارة جسد إنسان؛ بل كنبض قلبه. كان التل يتنفس حقاً. تنفس آلاف السنين، وسيظل يتنفس آلافاً أخرى، إلى أن تغطي العروق الأرض، ويعود طريق السماء والأرض، ويصل العالم البشري الذي انتظرته. عوت الريح الشمالية، ورفعت ضباب نهر تشي، فصار ظل الزهرة الصغيرة غامضاً.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.