كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/28 · نُوِي با: إيقاف المطر — الفصل 4
الفصل السابق

28 · نُوِي با: إيقاف المطر — الفصل 4

ما وراء الليل

الفصل التالي

ثلاثة آلاف عام تكفي لتحول البحر إلى أرض والجبال إلى سهل، لكنها عند با كغمضة. غطاها الحمم تماماً وصارت تلاً جافاً أحمر داكناً، شقوقه تضيء من الداخل، وفي قمته غؤور موضع عينيها الذي ما زال يطل على الجنوب. لم تغمض عينيها لحظة طوال تلك الأعوام.

شاهدت قيام شيا وسقوطها، وازدهار شانغ وانهيارها، وتقسيم ملك تشو للأرض وحروب الأمراء، ونيران الربيع والخريف والممالك المتحاربة، واصطدام أفكار المدارس المئة، واتحاد إمبراطوريتي تشين وهان وانقسامهما. لكن شيئاً واحداً لم يتغير: بقايا جذور جيانمو نائمة عميقاً، قوة هائلة كعملاق نائم تمتص غذاء الأرض وتنمو ببطء ولا تظهر. كانت تعرف أنها تنتظر فرصة، لكنها لم تعرف ما هي.

وفي أشد أيام الشتاء برداً نزل ثلج كثيف؛ ما إن يمس التل حتى تذيبه حرارة با فيصعد بخار أبيض، مشهد ألفته خلال آلاف السنين. لكن ذوبان ذلك اليوم حمل ذبذبة واهنة بالكاد تُحس، تجاوبت مع نار الفوضى. اضطربت النار في داخلها، فأنزلت وعيها إلى الأرض وتتبعت الإشارة، كإبرة تخترق الصخر والتراب: عشرة أميال، فعشرين، فخمسين، فمئة، حتى وجدت المصدر.

كان عند بقايا جيانمو شق أدق من الشعرة يمتد شمالاً، تسري فيه روح ضعيفة لا تكاد ترى: عرق روحي وليد. كادت با تصرخ؛ بدأت الجذور تنمو أخيراً. كانت تمد جذوراً في كل اتجاه كالعروق، وكل موضع تمر به يصير عرقاً روحياً، أساس طريق السماء والأرض المقبل. تابعت با ذلك العرق حتى عبر الصخور والمياه الجوفية وعروق المعدن، ثم توقف تحت تلها.

امتزج العرق ببحيرة الحمم تحت التل: تدخل حرارتها العرق، وتتسرب روحه إلى الحمم، فيتوازن الأمران. صار جسد با موقد تحويل؛ تمتص العروق حرارة نار الفوضى وتحولها روحاً نقية ترسلها عبر جذور جيانمو إلى الأرض، وحين تمر الروح بجسدها تحمل معها بعض الحرارة فتضعف نارها قليلاً. فهمت با فجأة: هذه هي الفرصة التي انتظرتها. وجدتْها بقايا جيانمو لتجعلها مبدأ العرق؛ نارها تمده بالحرارة التي لا تنفد، وهو يمتص حرها وينقذها من الاحتراق الأبدي.

حين سقطت الشجرة قبل ثلاثة آلاف عام امتصت جذورها الطاقة المنبعثة وبدأت بعثاً بطيئاً، لكنها احتاجت إلى روح أكبر مما في باطن الأرض. فامتدت شمالاً تبحث عن قوة من أصلها. جيانمو من عمود بانغو الفقري، ونار الفوضى من حرارة شقه العالم، وهما من أصل واحد. أحست الجذور نار با، فامتدت ثلاثة آلاف ليّ في جوف الأرض حتى اتصلت بها. ضحكت با من عمق التل؛ صوت كاحتكاك الحجر، مملوء بالارتياح: «إذن كان انتظار ثلاثة آلاف سنة لهذه اللحظة.»

وبينما يمتص العرق حرارتها أخذت نار الفوضى التي عذبتها أكثر من ثلاثة آلاف عام تضعف قليلاً، ببطء شديد لكنه واضح. وصار العرق أكثر نشاطاً، يخفق كوعاء دم تحت الأرض؛ مع كل خفقة تسري روح من الشق إلى مدى أبعد. عرفت با أن ذلك البدء فحسب. فالعرق صغير ويحتاج آلافاً أو عشرات آلاف السنين، ثم تنسج العروق تحت الأرض شبكة كبرى تنقل الروح إلى كل شبر. تعود الكائنات إلى الازدهار، وتستيقظ القوى المفقودة، ويعود طريق السماء والأرض في صورة لا تكون شجرة واحدة، بل شبكة عروق في العالم؛ كل عقدة فيها باب بين السماء والأرض. عندها لن يستطيع إمبراطور السماء احتكاره لأن الطريق في كل مكان.

أغمضت با عينيها وأنزلت وعيها إلى الأعماق. رأت العرق خيطاً رفيعاً يخرج من بقايا جيانمو إلى بحيرة الحمم، ورأت نار الفوضى تمتصها العروق بعينها؛ هدأت النار الوحشية كحيوان رُوِّض. وتفرعت العروق في الجهات كلها، ضعيفة لكنها نسجت بداية الشبكة. عبر فرع منها نهر تشي جنوباً؛ أحست أرواح النهر به فجاءت وتجمعت حول نوره، فهدأت عن صراخها وأغمضت عيونها وتحولت نقط ضوء تلاشت في الماء. واصل العرق عبور الغوبي والمراعي والجبال والسهول، وأفاقت شظايا العروق الضائعة في الزمن واتصلت به. رأت با شبكة هائلة لا تراها العين تنشأ في جوف الأرض.

ذلك هو الطريق الجديد، لا جيانمو مفردة بل شبكة عروق في كل الأرض. لم تكتمل، لكن لها ملامح؛ وبعد آلاف أو عشرات آلاف السنين ستتكون، فيمتلئ العالم بالنَفَس الروحي ويعود اتصال السماء والأرض بشكل آخر. فتحت با عينيها ونظرت عبر شقوق التل إلى الجنوب. كان الناس يحرثون ويضحون ويتحاربون ويتناسلون، لا يعلمون بما يجري تحتهم ولا بالعرق المتجه إلى ديارهم. يعيشون يومهم كما عاش أسلافهم، لكنها تعرف: ما ينتظرونه هي تعمل من أجله.

سيعود البشر يوماً إلى السماء والأرض بلا هبة من الإمبراطور ولا تسلق جيانمو؛ يكفي أن تطأ أقدامهم التراب ليشعروا بالروح السارية، فالعروق تحت أقدامهم. أعادت كل انتباهها إلى العرق وغذته بنار الفوضى وهي ترى نموه. وبدأ تلها يتغير: انحسر الأحمر الداكن من الصخر إلى أصفر ترابي عادي، وخبت الأضواء في الشقوق حتى انطفأت، وأخيراً أغمضت العينان المفتوحتان دائماً. وبردت بحيرة الحمم التي أحاطت به ثلاثة آلاف عام وتجمدت حجارة سوداء، وتلاشت آخر حرارة في الهواء، لكن العرق تحت التل ظل يخفق ويخرج معه دفء ضعيف، آخر دفء نار الفوضى.

لم تمت با، بل ذابت كلها في العرق: وعيها جزء منه، ونارها دافعه، وجسدها مأواه. صارت جيانمو جديدة، متجذرة في الأرض وممتدة في عالم البشر. مضت مئة سنة ومئتان وثلاثمئة؛ ولم يعد للزمن معنى لديها. يسري وعيها مع العروق من بقايا جيانمو إلى شمال نهر تشي ويعود، فلم تعد حبيسة جسد ولا مكان، وتستطيع بلوغ أي موضع مع العرق.

رأت فرعاً يصل إلى ضفة النهر الأصفر، حيث ازدهرت مدينة قديمة بسببه، وصار عرّافو دروع السلاحف يجدون نبوءاتهم دقيقة فانتقلوا إليها؛ وكان اسمها يين. ورأت فرعاً آخر عند نهر وي، جعل الأرض خصبة لا يخيب فيها زرع الحبوب، فاستقر هناك قوم اسمهم تشو وقووا. ورأت مدناً وقبائل لا تحصى تزدهر بغذاء العروق، لا يعرفونها بل يحسون أن أرضهم ذات روح فيستقرون فيها. كان ذلك ما تريده.

استمرت عروق الفتاة ذات الثوب الأخضر في الامتداد كأوعية دم الأرض، تحمل الحياة إلى كل شبر. وفي يوم سيغطي العرق العالم، وتتصل به كل المخلوقات، فيجيء عصر جديد لا يحتاج إمبراطور السماء. كانت با تسري في العرق كأن ابتسامتها باقية. انتظرت في شمال نهر تشي ثلاثة آلاف سنة، وستنتظر ثلاثة آلاف أو ثلاثين ألفاً أخرى؛ لا يهمها، لأنها تعرف أن اليوم آتٍ.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.