شمال نهر تشي خراب أبدي. جلست با في أرض الموت تلك ثلاثمئة عام. تكفي ثلاثة قرون لتبدل الجبال مجاري الأنهار وتحول البحر إلى حقول، لكنها عندها أيام متشابهة: على الصخرة السوداء، تحدق جنوباً، ترى الشمس والقمر والنجوم، وقد امتزج جسدها بالصخر تحتها. صارت نار الفوضى أعنف، فصهرت كل ما في مئات الجانغ حولها إلى حمم كوّنت بحيرة واسعة تحتها. وخافت أرواح النهر من حرها فاندفعت إلى مجرى النهر الأسفل وتجمعت في دوامات ملتوية. لم تعد با تحاول التحكم بالنار؛ أدركت أنها ليست قوة للعالم البشري، وأن كبتها يزيدها هياجاً. تعلمت خلال القرون أن تتعايش معها، فظلت تحترق فيها لكن باندفاع أهدأ، كبركان لا ينطفئ.
وفي يوم أحست بشيء غريب من الجنوب. اعتادت أن ينفذ نظرها آلاف الجبال إلى الأرض التي عاشت فيها، فترى القبائل تهاجر والمدن تقوم ودخان البيوت يكثر. لكن هذه المرة جاءها اهتزاز عميق من أصل السماء والأرض، كأن شيئاً انهار في أقصى الجنوب. ضاقت حدقتاها: إنه جيانمو، الشجرة المقدسة التي تصل السماء بالأرض، النابتة في قمة كونلون، والتي كان شامانات القدماء يصعدونها إلى البلاط السماوي ليعرضوا شؤون الناس، وتنزل عبرها أوامر إمبراطور السماء. كانت جسر البشر والآلهة.
ثم دوّى صوت من الجنوب، عظيماً حتى سمعته با في أقصى الشمال، كأن قبة السماء انشقت. ارتجت الأرض، واضطرب نهر تشي، وصرخت الأرواح وانهارت صخور الضفتين. نهضت با، فتلاطمت بحيرة الحمم تحتها، وحدقت في عمود ذهبي يتلاشى في الجنوب؛ روح جيانمو المنبعثة عند سقوطها. يقال إن جيانمو من عمود بانغو الفقري وتحتوي روح خلق العالم، فإذا سقطت صعدت روحها التي اختزنتها آلاف الأعوام فتصبغ السماء ذهباً. وهكذا حدث: تلألأت السماء ذهبية حمراء، وظهر في النور خيال شجرة عظيمة تنحني ثم يمّحي.
سقطت جيانمو. واضطربت مسارات الروح بين السماء والأرض: مواضع فاضت فيها الروح فنما النبات بجنون وتحولت الوحوش، ومواضع جفّت ففني كل شيء. واضطربت نار با كأنها أدركت الحدث. همست: «جيانمو... من قطعك؟» كانت تعرف من كلام أبيها أنها عمود العالم الذي لا يسقط ما لم تنقلب السماء والأرض؛ فلا بد أن أحداً أسقطه عمداً. ولكن من يقدر؟ ومن يجرؤ؟
إذا انهارت جيانمو انقطع طريق البشر والآلهة: لا شامان يصعد، ولا أمر سماوي ينزل، وتجف العروق الروحية التي تتغذى بها، ويصير نَفَس العالم رقيقاً. سيعرف الخلف ذلك باسم «فصل الأرض عن السماء»، أما با فلم تعرف اسمه بعد؛ أحست فقط بتغير كارثي وخمّنت احتمالاً مرعباً: «ألا يكون هو؟»
جاءها صوت من خلفها: «بل هو.» التفتت فرأت فوق النهر زورقاً أسود تتدلّى في مقدمته فانوسة حمراء دموية، وفي مؤخرته شيخ بمعطف قش يجدف ببطء. كان ملاح العالم السفلي؛ لا يراه إلا من دنا موته، ويعبر بالأرواح التي لا تجتاز النهر، ولا ينقل الأحياء.
قالت مرتجفة: «ماذا قلت؟» أجاب بلا توقف: «هو الذي خطر ببالك.» هزت رأسها: «مستحيل. لماذا يقطع إمبراطور السماء جيانمو؟» رفع الشيخ وجهه العتيق المتغضن، وعيناه غائرتان تضيان بالأخضر كالنار الشبحية. قال بصوت كاحتكاك الصنفرة: «لأن وجودها جعل وصول الروح إلى السماء سهلاً. آلاف الشامانات يصعدونها، وكل واحد يشكو إلى الإمبراطور: قبيلة تريد حصاداً، وأخرى أمناً، وخصوم يتظلمون، ومادحون يغنون. سئم إمبراطور السماء.»
انفجرت العبارة في أذنها كالرعد. لمجرد أنه سئم، يقطع جسر السماء والأرض؟ قال الملاح: «وليس ذلك وحده. بوجود جيانمو تسري روح السماء بلا انقطاع إلى الناس، فتغذي الكائنات وأنصاف الآلهة. وإذا دام الأمر قوي البشر حتى يخرج منهم إمبراطور سماء ثان. قطعها ليحتكر الطريق.»
فهمت با. بعد السقوط لن تصل الروح بغزارة إلى البشر، فتضعف أنصاف الآلهة والشامانات ولا يعودون قادرين على مخاطبة السماء. وبعد زمن لا يبقى للناس إلا النظر إلى أعلى، ولا يستطيعون مضاهاة السماء. أما آلامهم ومطالبهم فلن يسمعها الإمبراطور، ولن يحتاج إلى سماعها؛ صارت الأرض جزيرة معزولة. قال الملاح وهو يدفع الزورق نحو الضباب: «تشونغ لي ليس إلا سكيناً في يد الإمبراطور. هو قطع الشجرة، لكن إمبراطور السماء هو الآمر. الجميع يعلم ولا يجرؤ أحد على القول.»
سألته: «ولماذا تجرؤ أنت؟» فضحك بحة: «لأنني ميت، والميت لا يخاف الموت.» ثم اختفى الزورق في الضباب ولم يبق إلا الفانوس الأحمر يهتز كعين قرمزية.
وقفت با طويلاً. فهمت اضطراب العالم واضطراب نارها، لكن أكثر ما جرحها أن السبب هو «سئم». كلمة خفيفة وقاسية: سئم من سماع عذاب الناس، فقطع طريقهم إلى السماء وتركهم. القبائل التي تطلب المطر والأمان، والأرواح المظلومة، لن تبلغ أصواتها العلو. فضحكت با ضحكة خافتة شديدة الوحشة: «هكذا إذن... حتى الآلهة فوقنا بشر أنانيون.»
جلست من جديد، لكن عينيها لم تعودا إلى حياة الجنوب بل إلى موضع سقوط جيانمو. كانت تعرف أن جذورها، وإن مات الجذع، ما زالت حية في الأعماق. تشعر نار الفوضى بكل سريان للروح، وقد شعرت عند الانهيار بقوة هائلة تهبط إلى جذور الشجرة، كقلب نائم ينبض تحت الأرض. كانت الجذور تنتظر، وهي أيضاً ستنتظر. سيضعف نَفَس الناس بعد قطع الطريق وتزول قوى أنصاف الآلهة وسحر الشامانات، لكن ذلك ليس النهاية: الجذور ستنمو تحت التراب، تمتص غذاء الأرض، وفي يوم ستخرج وتصل السماء من جديد؛ يوم يفتح عصراً آخر للبشر.
ابتسمت لأول مرة ابتسامة حقيقية منذ ثلاثة قرون: «إذن أنتظر.» جلست متربعة في الحمم. كان ثوبها الأخضر قد صار رماداً منذ قرون، وغطى جسدها حمم متجمدة كدرع أحمر داكن؛ شعرها بلغ كعبيها وتحمل كل خصلة لهبات صغيرة. بدت كتمثال إله نار جالس ينفث حرارة أبدية. وراءها نهر تشي وصراخ الأرواح، وحوله الأحمر والأسود والرمادي لا يتغير. ومضى ألف عام، ثم ألفان.
لم تتحرك. تغلفت طبقات الحمم حولها حتى صارت شرنقة صخرية ضخمة مشققة يضيء من صدوعها الأحمر الداكن. بقيت عيناها مفتوحتين تنظران جنوباً، إلى البشر الذين لن تعود إليهم. ورأت القبائل تصير مدناً ثم دولاً، والحجر يستبدل بالبرونز، والأواني والسيوف والرماح تصب جيلاً بعد جيل وتدفن. رأت الحرب تعود إلى أرض وحّدها أبوها، واختفاء ذرية يينغ لونغ ولي مو في تيار التاريخ. ورأت الناس يعبدون إمبراطور السماء طلباً للمطر، يحرقون دروع السلاحف ويرقص الشامانات بأدواتهم، ولا يعلمون أن الشجرة سقطت وأن دعاءهم لا يبلغ العلو. كان قلبها يتألم لكل عذاب، غير أن ابتسامتها ظلت، لأنها تنتظر يوم الوصول.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.