بعد مقتل تشي يو عمّ السلام، وأقام الإمبراطور الأصفر على جبل تاي مراسم الفِنغ والشان شكراً للسماء والأرض، واجتمع زعماء القبائل بالقرابين ومواثيق الولاء. لم تحضر با؛ عادت إلى جبل شو.
لكن ما إن وطئت القمة حتى عرفت أن كل شيء قد تغير. كان قصرها ذا جدران الحديد البارد وأرض الجليد الغامض قائماً كقصر من ثلج، غير أن الجليد بدأ يذوب حالما فتحت الباب: قطرة، ثم قطرتان، ثم ثلاث، يرن صداها في الخلاء. رأت الماء يتكاثف على الجدران ويتجمع عند قدميها، فساورها نذير سيئ. لقد صارت نارها أقوى من أن يقهرها الجليد. حاولت كتمها، لكنها صارت وحشاً محبوساً هائجاً؛ مع كل نفس خرج منها حرّ. وفي ساعة امتلأ القصر بالماء، وما إن مس جسدها حتى صار بخاراً أبيض غطى القاعة.
هربت إلى القمة وشاهدت القصر يذوب: السقف ثم العوارض ثم جدران الحديد البارد التي التوت حتى صار البناء كومة معدن يدخن. وجف الجدول عند سفح الجبل أمام عينيها، وانكشف سريره المتشقق؛ ذبل العشب، وتحول الوادي في وقت عود بخور من أخضر كثيف إلى اصفرار كامل. فرت الطيور والوحوش مذعورة، وسقطت أرانب بطيئة وهي تعدو، جفت أجسادها وصارت جثثاً يابسة. فغمرها رعب عظيم من عواقب قوتها، وهربت أبعد.
لم تجرؤ على البقاء قرب عاصمة يو شيونغ، خوفاً على الأبرياء ومن نظراتهم المذعورة. اتجهت شمالاً، عبرت تاي هانغ والنهر الأصفر وجبال يان، حتى بلغت غوبيّاً مهجوراً كان مرعى أخضر كثير العشب والماشية. وما إن وطئته حتى اصفر العشب وتشققت الأرض وجفت البحيرات، وتحول طين قيعانها في أيام إلى صخر صلب. امتدت الأرض الحمراء مئات الأميال. ركعت با في الرمل المحرق، تطالع الشمس، وشعرت باليأس للمرة الأولى: «لماذا... لماذا أنا؟» لم يجبها سوى الشمس والريح والرمل. كانت حبات الرمل تذوب في اللحظة التي تمس فيها جسدها، وتنحدر على خدها سائلاً حاراً كالدمع.
مكثت هناك ثلاثة أشهر، ورأت المرعى يصير صحراء: مات النبات، ثم اختفت الطيور والوحوش، ثم عجزت الحشرات في باطن الأرض عن الحياة. هاجرت القبائل، تسوق ما بقي من ماشيتها، والتفت بعضهم إلى الأرض بنقمة وفزع. لم يعرفوا سبب الكارثة، بل عرفوا أن مخلوقاً يجلب الجفاف ظهر فيها. وسرعان ما انتشرت بينهم حكاية «هان با»، شيطانة الجفاف. قال قوم إنها لعنة تشي يو، وقال آخرون إنها عقاب السماء، وقال غيرهم إنها وحش خرج من باطن الأرض؛ فبلغت الأخبار يو شيونغ، وأرسل الإمبراطور يينغ لونغ ليتحقق.
طار يينغ لونغ آلاف الجبال حتى وجدها في عمق الغوبي. ولما رآها شهق، وهو المحارب العتيق. كانت لا تزال في الأخضر لكنه ممزق، وشعرها مبعثر، وضوء أحمر داكن يتخلل جلدها كحمم في عروقها. جلست فوق صخرة كبرى، وفي عشرات الجانغ حولها لا نبات؛ حتى الصخور سوداء محروقة. وتحتها لم يبق تراب، بل بركة حمم حمراء داكنة تتدفق ببطء؛ تتشقق الصخور من حولها، وكل حصاة تسقط فيها تذوب فوراً.
دار في الجو غير قادر على الاقتراب وقال: «يا با، كيف صرت هكذا؟» رفعت رأسها؛ تحولت عيناها السوداوان إلى ذهبيتين حمراوين، كأن لهباً يحترق في الحدقتين. وابتسمت بمرارة: «يا عم يينغ لونغ، قوتي خرجت عن السيطرة.»
هبط بعيداً بعشرات الجانغ وقال: «ماذا تعنين؟» نظرت إلى كفيها حيث ازداد الضوء، وتطاير لهب صغير من مسامها. قالت: «لم أعد أتحكم بنار الفوضى. استيقظت تماماً، ومع كل نفس تقوى؛ تلتهم جسدي ولحمي وعظمي وروحي وقوداً لها. ما زلت أحافظ على هيئتي، لكن بعد أعوام... لا أعلم ماذا أصير.»
عرف يينغ لونغ، وقد عاش آلاف السنين، هول نار تحرق السماء والأرض. قال: «عودي معي، لا بد أن للإمبراطور حلاً.» هزت رأسها: «لو كان له حل لما أرسلني إلى جبل شو. هو أعرف الناس بماهية هذه النار، وأنها إذا استيقظت لا تعود.» لم يجد جواباً؛ فقد رأى يوم أرسلها أبوه إلى الجبل عجزه الثقيل.
سألها: «فماذا ستفعلين؟» نظرت جنوباً، إلى موطنها وبيت طفولتها الذي تشتهي الرجوع إليه: «لا أدري. أردت العودة إلى يو شيونغ، لكن ذلك مستحيل. أخبر أبي أن ابنته آسفة.» طار يينغ لونغ، ثم نادته فجأة. التفت، فرآها في ثوبها الأخضر وسط الحرارة والذهب الشمسي، تبتسم ابتسامة وداع ورضا: «قل لأبي إن با لن تنسى أبداً فضل تربيته.» فأومأ وانطلق.
جلست من جديد على الصخرة المحروقة. حاولت في الأيام التالية تهدئة النار، لكنها كانت كفرس جامح يثب في جسدها؛ وكلما كبحتها ازدادت شراسة وكادت تمزقها. ثم كفت عن المحاولة، وأطلقتها حرة، وظلت عاماً بعد عام تشاهد الغوبي يكبر حولها: يجف النهر والبحيرة، يذبل العشب، وتهرب الوحوش؛ والأراضي الخصبة تصير قفراً في شهور. اجتمع زعماء القبائل: من دعا إلى اغتيال الشيطانة، ومن دعا إلى الإمبراطور، ومن رأى فيها غضب السماء. وأرسلوا رسولاً إلى يو شيونغ.
وصل الرسول بعد ثلاثة أشهر. سمعه الإمبراطور في قاعة صامتة؛ كل الوزراء يعرفون أن «هان با» ابنته. وقف يينغ لونغ بين القادة كئيب الوجه، عارفاً براءتها وأنها لا تريد الأذى بل الحياة. قال الإمبراطور: «انصرفوا.» وبقي يينغ لونغ. قال: «يا سيدي، حال با...» فقاطعه: «أعرف. أعرف كل شيء.» ثم وقف عند النافذة ينظر شمالاً، وظهره مثقل كأنه يحمل جبل تاي.
قال الإمبراطور بصوت مبحوح: «لم أظلم أحداً في حياتي إلا هي.» قال يينغ لونغ: «إن أمكن، أذهب شمال نهر تشي وأقمع النار عنها.» هز رأسه: «لا تستطيع. لا تخمد نار الفوضى إلا بموتها، وهي منها؛ لا يمسها ماء ولا نار ولا يجرحها سيف، ولا تستطيع قتل نفسها.» صاح يينغ لونغ: «أنتركها تحول الأرض خطوة خطوة إلى قفر؟» ولم يجب إلا بعد زمن: «لا حل إلا نفيها إلى مكان لا حياة فيه.»
«أين؟»
«شمال نهر تشي.»
رفع يينغ لونغ رأسه: «ذاك موضع موت لا عشب فيه ولا بشر. أليس ذلك سجناً؟» قال الإمبراطور مغمضاً عينيه: «ولهذا أخرت الأمر. لكن الغوبي يمتد، وسيموت الناس عطشاً وتهجر قبائل كثيرة، وتأتي مآسٍ أكثر.» لم يجد يينغ لونغ رداً؛ لم تخطئ با، ولم يخطئ أهل القبائل، لكن وجودهما معاً خلق خصومة لا تسوّى. وأصدر الإمبراطور الأمر: «انفوا با إلى شمال نهر تشي.» ركع يينغ لونغ: «يا سيدي...» فقال: «هذا أمر.» فأجاب: «أمتثل.»
وصل الخبر إلى با. لم يتبدل وجهها، بل نظرت طويلاً نحو يو شيونغ، البيت الذي نظرت إليه كل يوم من جبل شو وحلمت به. همست: «شمال نهر تشي... لا بأس. لا حياة هناك، فلن يموت أحد بسببي.» ونهضت من بركة الحمم ومشت شمالاً بلا التفات، خشية أن ترى جبل شو فلا تقدر على خطوة أخرى.
كان نهر تشي في أقصى الشمال، أحمر كالدم كثيفاً كالحمم، برائحة الكبريت، وبين ضفتيه الصخريتين لا عشب ولا حياة، ويقال إنه مدخل العالم السفلي وحد الحياة والموت. سارت با إليه، وكل موضع تمر به يسود ويتشقق ويذوب، كشمس تمشي على الأرض. وحين بلغت شماله وجدته كما قيل: ماء أحمر يزأر، وصخوراً كالأشباح والوحوش تلقي ظلالاً مسخية في ضوء القمر، ورائحة فساد مع الكبريت.
تأملت انعكاسها في النهر: وجه جميل وعينان تحترقان، وحمرة تحت جلدها كأن الدم صار حمماً. ثم تموّج الماء، فرأت ظلالاً ملتوية تتقلب فيه: أرواح بشر وحيوان وأشكال لا توصف تتصارع لتبلغ الضفة ولا تخرج من الماء اللزج. كانت أرواح الموتى التي لا تنعم بالراحة، إذ يقال إن النهر يتصل بالعالم السفلي. ضحكت با: «إذن نفوني لأصاحب هذه الأرواح؟» ولم يرد أحد. أدارت ظهرها للنهر ووجهها للجنوب حيث البشر والبيت المستحيل، وجلست على صخرة سوداء. ذابت الصخرة تحتها إلى حمم جرت نحو النهر، ولما لاقت الماء دوّت أزيزات حادة وصعد بخار أبيض يغلفها. ومن داخله قالت بخفة تكاد لا تسمع: «أبي... وصلت ابنتك.»
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.