حين انفتحت السماء والأرض أول مرة، انقسم نَفَس الفوضى إلى يين ويانغ: صعد الصافي فصار سماءً، وهبط الكدر فصار أرضاً. وعلى تلك الأرض المترامية نزل أناسٌ آلهة من السماء، وولدت وحوش غريبة من التراب، ومشت بينها كائنات نصفها إلهي ونصفها بشري. كان للإمبراطور الأصفر ابنة اسمها با، ولم تكن منذ مولدها كسائر الفتيات.
ظهر فوق مملكة يو شيونغ ذات يوم ضوء أحمر لم ينقشع سبعة أيام. وفي قلبه هبطت طفلة مقمّطة إلى قصر الإمبراطور الأصفر. كان جسدها يبعث دفئاً لطيفاً، فلا تبكي ولا تضطرب، وحين فتحت عينيها تموّج في حدقتيها بريق ذهبي. نظر إليها الإمبراطور فعلم أنها ليست من مولودات البشر، بل من روح السماء والأرض، فاتخذها ابنة وسمّاها با. ومنذ طفولتها أينما مرّت اصفرّ العشب وتشققت التربة. لعبت مرة في القصر نصف ساعة، فإذا بالقصر كأنه في جوف فرن: تصبب الخدم عرقاً، وتصاعد البخار الأبيض من ماء البركة. فأمر الإمبراطور أن يبنى لها مسكن منفرد على جبل شو، بجدران من حديد بارد وأرض من جليد غامض، فلم يكد ذلك يكبح الحرارة المنبعثة منها.
وفي الخامسة عشرة صارت فتاة رشيقة جميلة، تحب ثوباً أخضر من حرير ديدان الجليد في قمة كونلون، يخفف قليلاً من مصدر الحرارة فيها. كان في وجهها صفاء لا يشبه الدنيا، وفي عينيها حزن لا يذوب؛ إذ كانت تعرف أنها لن تستطيع القرب من أحد. جسدها نبع حرارة لا قرار له، نارٌ من الفوضى الأولى. بعد أن شق بانغو السماء والأرض صارت حرارة جسده الشمس، لكن شرارة هي الأشد والأصفى بقيت في الأرض، واجتمعت عبر ألوف السنين حتى اتخذت شكلها هي.
سألت با أباها: «يا أبي، ما أنا حقاً؟»
صمت طويلاً ثم قال: «أنت ابنة السماء والأرض، وتجسّد نار الفوضى.»
قالت: «فلماذا لا أعيش كالفتيات؟»
تنهد: «لأنك وُلدت تحملين رسالة. هذه القوة تجعلك وحيدة، لكنها ستغدو ذات يوم نافعة نفعاً عظيماً.»
لم تفهم قصده. عاشت على جبل شو، تحدق في القرى والفلاحين والأطفال تحت الجبل؛ دفء الحياة العادية الذي لا تناله أبداً. وحاولت أن تضم حرارة جسدها فلم تستطع؛ كانت كتنين نائم في الأعماق، يفيق عند أدنى استفزاز ويحرق ما حوله إلى أرض متفحمة.
مضت الأعوام في الجبل، وتعلمت صحبة الوحدة. لم تجرؤ الطيور والوحوش على الاقتراب، سوى نسور تحوم عالياً كأنها تستفهم عن سر ذلك الجبل المحترق. وفي يوم تراكمت في الأفق سحب سوداء تحمل ريح الدم ورائحته، وشعرت با بذبذبة قوة إلهية من جهة السماء؛ فاضطربت نار الفوضى في جوفها كأن نداءً بلغها.
وسرعان ما وصل رسول من مملكة يو شيونغ: «يا با، استدعى تشي يو سيد الريح وسيد المطر، فأطلقا عاصفة في برية جي تشو، وجيش الإمبراطور عالق فيها. يأمرك بالنزول فوراً لإيقاف المطر والريح.» فشعرت با بأمر معقد ينهض في صدرها: جاءت رسالتها أخيراً.
هبطت من جبل شو بلا تردد، وثوبها الأخضر يصفّر في الريح، كنيزك يشق السماء نحو برية جي تشو. وكلما اقتربت اشتدت العاصفة. كانت البرية كلها تحت سحب كثيفة، والريح تعوي والمطر يصب والظلام يملأ العالم. كل قطرة سهم، وكل هبة ريح نصل. علق جيش الإمبراطور في الوحل، تمزقت الرايات وانقلبت الخيام، وسار الجنود بصعوبة؛ أما جنود تشي يو ذوو الرؤوس النحاسية والجباه الحديدية فكانوا في العاصفة كأسماك في الماء، يزحفون إلى قلب الجيش.
رأت أباها واقفاً على مركبته، ممسكاً سيف شيوان يوان، يقود رجاله وثوبه مبتل ولحيته بعثرتها الريح، لكن عينيه صلبتان. وخلفه يينغ لونغ ولي مو وتشانغ شيان وغيرهم يثبتون بصعوبة. صاحت: «أبي!» وهوت من السماء، كأن شمساً حارّة وقعت فجأة على الأرض.
حين وطئت ساحة القتال اندفعت منها موجة حر مرعبة. استيقظت نار الفوضى تماماً وفاضت منها بلا حد. اندلعت من مسامها الستة والثلاثين ألفاً، لا حمراء ولا برتقالية، بل بين الذهب والأبيض، كأن قلب الشمس شُق وكشف للعالم. كانت اللهب تتقافز على جلدها ولا تحرق ثوبها، بل تنساب ملتصقة به كعباءة نار حية. شوّهت ألسنتها الهواء، فبدت با من بعيد محاطة بطبقة من بلور مرتجف. والأعجب أن النار لم تطلق دخاناً: كانت تحرق الروح نفسها، وتحول بخار الماء والتراب والضوء إلى وقود، فتترك وراءها فراغاً شفافاً صامتاً.
بدأت بالمطر. تبخرت قطرات سيد الريح وسيد المطر قبل أن تبلغها بعشرات الجانغ، وصعدت بخاراً أبيض تكاثف فوقها كسحابة فطر عظيمة. ثم الريح: تشوهت العواصف بحرارتها، وصعد الهواء الساخن وهبط البارد، فتكون دوّار هائل ابتلع العاصفة وفككها. ذابت السحب الثقيلة تحت موجة الحر كثلج يصب عليه المرق المغلي، واخترقت أشعة شمس ذهبية شقوقها وأضاءت ساحة عذّبتها الأمطار أياماً.
توقف المطر فجأة وصفا الجو في أقل من وقت عود بخور. رفع جنود الإمبراطور رؤوسهم إلى الشمس وعادت ثيابهم تجف، فنسوا الهتاف من شدة الذهول. أما جيش تشي يو فاضطرب؛ فقد صار رجاله في الشمس بطيئين خرقين، وتفكك صفهم بعد أن فقد غطاء الريح والمطر.
وقفت با ساكنة وسط الساحة، وثوبها الأخضر يرفرف في الحر. شعرت بالنار ما تزال تستعر داخلها حتى أفزعتها قوتها. ثم سمعت صوت سيد الريح، يأتي من بعيد كأنه عند أذنها: «هذه... نار الفوضى؟ كيف يكون ذلك؟» وتبعه سيد المطر: «انكسر ريحنا ومطرنا؛ انسحب!» فاندفع نوران إلهيان من الغيم واختفيا.
لم تطاردهما. تشققت الأرض تحت قدميها، وانتشرت الشقوق كشبكة عنكبوت. جف كل بخار في مئات الجانغ، وتحولت الطين إلى رمل والعشب إلى رماد. أتى الإمبراطور الأصفر راكباً، نزل عن فرسه ونظر إلى الفتاة الخضراء بعينين مثقلتين وقال بعد صمت: «يا با، لقد أتعبتك.»
هزت رأسها: «أمر أبي، وعلى ابنته أن تطيعه.» ثم قال: «قوتك... أعظم مما تصورت.» نظرت إلى التراب المحروق وقالت بهدوء: «لم أفهم قط لماذا أُعطيت هذه القوة. ماذا تجلب غير الدمار؟» ولم يجبها.
رفع بصره إلى سماء صافية زرقاء وقال: «هيا. لم تنته الحرب.» سارت خلفه إلى المعسكر، وخلفت أقدامها آثاراً سوداء غائرة كأنها وسم من الجحيم. ورأى يينغ لونغ والقادة فيها رهبة؛ فنار الفوضى قوة كانت موجودة عند بدء العالم، أصل كل نار. بها عجنت نُوِي وا الطين لخلق البشر، وبذرة منها هي التي جعلت تشو رونغ إله النار. أما الآن فكانت كاملة في جسد امرأة، وجود لا ينبغي أن يكون في عالم البشر.
في تلك الليلة اجتمع القادة في الخيمة الكبرى، وجلست با في زاوية تحدق عبر ستارها إلى النجوم، كجواهر على حرير أسود. قال لها أبوها بعد المجلس: «غداً قتال حاسم، ولا بد أن لتشي يو حيلة أخرى. قوتك عظيمة، لكن احذري.» سألت: «بعد الحرب، هل أعود إلى القصر؟» فابتسم بمرارة: «بالطبع.» قالت وهي تنظر إلى السماء: «أريد أن أعيش كما كنت؛ أن أرى الشروق والغروب وحياة الناس، ولو من بعيد.» صمت ثم قال: «سيكون ذلك، حين ينتهي كل شيء.»
وفي الغد استدعى تشي يو قوم كوا فو، عمالقة بعصي من خشب الخوخ، لكن جيشه بلا حماية المطر لم يصمد أمام جيش الإمبراطور. حلق يينغ لونغ ونفث سيولاً، وضرب لي مو بفأسه فكسر صف الدروع، وقرع تشانغ شيان طبول الحرب حتى هزت السماوات. وخرجت با ثانية؛ حيث تطأ تصير الأرض فحماً وينهار العدو. استمر القتال ثلاث ليال وثلاثة أيام.
وأخيراً قطع يينغ لونغ تشي يو في برية جي تشو، فصار جسده جبلاً وصبغ دمه النهر كله، وفر قوم كوا فو غرباً. انتصر الإمبراطور واتحدت الأرض الوسطى، ودوّى الهتاف. لكن با، عند حافة الميدان، لم تجد فرحاً، بل تعباً غامضاً. كانت نار الفوضى تشتد في جسدها؛ كوحش أيقظته مشاركتها في إيقاف المطر، لا يمكن ضبطه. رأت في كفيها البيضاوين ضوءاً أحمر كحمم تحت الجلد، وبدأت الأرض تتشقق. همست: «العودة... يكفي أن أعود إلى جبل شو...» لكنها لم تكن تعرف أن كل شيء بدأ لتوّه.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.