في شمال البرية العظمى كان ثَمَّ إلهٌ جسده بطول ألف ليّ، ذو جسم أفعى وتسعة رؤوس، ملتفّاً بين تسعة جبال. اتجه كل رأس إلى ناحية، واختلف لون حراشفه: فرأس الشرق أزرق رماديّ كسماء ما قبل العاصفة، ورأس الجنوب أحمر قانٍ كحمم باطن الأرض، ورأس الغرب أبيض شاحب كالصقيع على العظام، ورأس الشمال أسود كتيار متجمد في هاوية. أما الرؤوس الخمسة الأخرى فكانت للجنوب الشرقي والجنوب الغربي والشمال الغربي والشمال الشرقي وذروة السماء، مختلفة الألوان، يلمع فوقها جميعاً بريق سُمّ زيتي. ذاك هو شيانغ ياو، خادم غونغ غونغ؛ وكان يجوب البرية قبل أن يحطم سيده جبل بوجو. لم يحتج إلى المشي: رؤوسه التسعة هي أرجله التسع، وجسمه الأفعواني يطوّق الجبال الشاهقة.
حيثما مرّ، تعفنت الأرض؛ لم تحترق، بل تعفنت. فإذا لامس العشب حراشف بطنه ذوى في لحظة وصار وحلاً أسود، وإذا بلغ جذر شجرة تربة مرّ بها سال من لحائها سائل نتن، فسقطت الأشجار وتعفنت وصارت جزءاً من مستنقع السم. كان المستنقع ينتشر، من الجبل إلى السهل، ومن الغابة إلى وادي النهر، فيما يزحف شيانغ ياو ببطء وتلتهم رؤوسه التسعة أرض الجهات التسع.
فتح رأس الشرق فماً هائلاً بلا أسنان، لا فيه إلا لوامس لحمية لا تحصى تتحرك كفم العلق. عضّ تلّاً، لا ليُمزقه بل ليمتصه؛ فابتلع التراب والصخر والشجر والجداول والدواب. ثم قذف سائلاً أسود تسرب في التربة، فغلت الأرض: «غلوغ، غلوغ، غلوغ»، وانفجرت الفقاعات عن ضباب سام رمادي مخضر؛ وسرعان ما صار الموضع مستنقعاً لا قرار له، تطفو فوقه عظام الحيوان ولا ينبت عند حافته عشب. وابتلع رأس الجنوب الأنهار: غاص في النهر وغلى الماء، لا من حرّ بل من سم؛ فطفا السمك والروبيان ببطون بيضاء، وتساقطت الحراشف وذابت المقل. وحين رفع رأسه لم يبق نهر، بل سيل سم يجري بمخاط زمردي، لا تنبت الزراعة على ضفتيه بعدئذ.
وكان رأس الغرب يقضم طبقات الصخر، يبتلع عروق النحاس والحديد والقصدير، ثم يلفظ طيناً ساماً أحمر داكناً يأكل أساسات الجبل، فتغور القمم في جوف الأرض وفي المستنقع بلا صوت. أما رأس الجنوب الشرقي فامتص روح الغابات؛ فصارت الأشجار العتيقة خشباً رمادياً ميتاً يذروه الريح، ولفظ ضباباً أخضر داكناً يسقط فيه الطائر عظاماً بيضاء. وابتلع رأس الشمال الغربي مجاري المياه الجوفية: أخرجها هدير غريب كخوار الثور والرعد، ثم سالت من بين أسنانه سائلاً ساماً كالعنبر، فغدت آبار مائة لي مرّة نتنة. وابتلع رأس الشمال الريح والثلج، ثم لفظ جليداً ساماً أسود يحفر الحفر ويملؤها ماءً ساماً. وأعجبها رأس الشمال الشرقي: كان يبتلع الأصوات.
عواء الوحوش، زقزقة الطير، صدى الريح في الوادي، وقرع الماء للصخر: كلها تلتوي وتحدّ ثم تُمتص في فمه المفتوح أبداً؛ وما يلفظه هو الصمت الميت، فلا يمر حتى صوت الريح في الجهة التي ينظر إليها. وابتلع رأس الجنوب الغربي السحاب، ثم قذف سحباً سامة بلون الرصاص تمطر مطراً حامضاً يأكل كل شيء. وأشدها هولاً رأس الذروة؛ ظل رافعاً رأسه يبتلع نور الشمس والقمر والنجوم، فيخطف ضوء النجوم قبل أن يبلغ الأرض، ويلفظ ظلمة خالصة تبتلع الرجاء نفسه.
كانت الرؤوس تأكل منفردة وتشترك في جسد واحد. ترك جسم شيانغ ياو الممتد ألف لي مستنقعات متصلة صارت أرض موت في البرية العظمى. لم يكن يصدر صوتاً، لكن من اقترب من جباله التسعة سمع من بطنه دويّاً مكتوماً طويلاً، أنين الأرض وهي تُهضم. وأحياناً تستدير الرؤوس التسعة في وقت واحد، وتكف عن الأكل، وتحدق عيونها—منها المتقد بالجمر ومنها المتجمد ومنها العكر ومنها الخاوي—في البعيد، ثم تعود إلى التهامها. لعلها تنظر إلى سيدها القديم غونغ غونغ، الذي اختفى بعد تحطيم جبل بوجو؛ ولعلها تتفقد ما بقي من أرض نقية تلتهمه.
أو لعلها لا تنظر إلى شيء، وقد ألفت التوقف والترقب والانتظار. لم تعرف كائنات البرية ما الذي تنتظره ولم ترد أن تعرف؛ عرفت الفرار فقط. طارت الطيور عن سمائه المسدّاة بالضباب، وهربت الوحوش من أرضه، وصعدت الكائنات المائية عكس التيار. أما الأرض فلم تستطع الفرار. ابتُلعت التربة، وفُرّغت الجبال، وتلوثت الأنهار؛ وتسرب السم إلى النخاع وإلى عروق الروح، فلوّث الينابيع والتراب والنبات على بعد آلاف اللي. والتهم رأس الأصوات حتى نحيب عروق الروح وارتجافها، فلم يبق للأرض نداء أخير، ولم يبق لها إلا أن تتعفن في صمت. هذا هو شيانغ ياو: خادم غونغ غونغ، الأفعى ذات الرؤوس التسعة، وكل موضع مر به صار مستنقع سم لا يُشرب ماؤه ولا تُزرع تربته ولا تحيا فيه الكائنات. لكنه لم يكن السم الوحيد في هذه الأرض. # ثانياً: فتنة غونغ غونغ
يوم حطم غونغ غونغ جبل بوجو تغيّر لون السماء والأرض: انهار طرف من قبة السماء في الشمال الغربي، ومال نهر النجوم، وانحرف الشمس والقمر، وانكسر عمود السماء وانقطعت أوتاد الأرض. اندفعت السيول من الشق السماوي وغاص جنوب الشرق من الأرض ببطء، فحل البلاء بالسهول الوسطى. عندئذ كف شيانغ ياو عن الأكل، ورفعت الرؤوس التسعة أنظارها إلى الشمال الغربي، حيث كان سيدها.
لم يعلم أحد لِمَ صدم غونغ غونغ الجبل غضباً: قيل إنه خسر صراع العرش، وقيل إنه إله الماء أراد إغراق البشر، وقيل إنه عرف سر السماء والأرض فلم يجد لكشفه إلا تحطيم الجبل. لكن البرية كلها سمعت الضربة. وسمعها شيانغ ياو، فأطلق هسيسه الأول والوحيد؛ هسست رؤوسه التسعة معاً، منها ما كان كصراخ رضيع، ومنها كرعد، ومنها كتمزق الحرير، ومنها كبكاء طويل. اجتمعت في صوت لا يليق أن يوجد بين السماء والأرض، فذبل كل نبات بلغه.
اختفى غونغ غونغ في شق السماء؛ قيل مات، وقيل قُمع، وقيل صار ماء الطوفان. وبعده استشرى شيانغ ياو حقاً. كان قبل ذلك يلتهم الأرض بقدر، لا يتجاوز جباله التسعة؛ ثم غادرها وصارت رؤوسه تأكل بجنون. امتص رأس الشرق السهول الخصبة، فتحولت حقول الفلاحين في ليلة إلى طين أسود، وغاصت فيها ثيران الحراثة حتى غطى الوحل ظهورها وقرونها وعيونها، ثم لم يبق إلا بضع فقاعات. وابتلع رأس الجنوب النهر الذي كان يطعم قبائل لا تعد، فترك في قاعه الجاف طيناً ساماً أخضر، وفقدت القبائل ماءها وأرضها معاً.
تسارع رأس الغرب إلى نخر الجبال عشرة أضعاف، فصارت القمم المجوفة تهبط إلى حفر عظيمة مملوءة بالسم. وأكل رأس الشمال الغربي عروق الروح، وهي عروق الأرض التي تجري فيها طاقة السماء والأرض وتحيي النبات وتحلي الينبوع وتخصب التراب. اتبع العرق وأكله، فذبل النبات وجفت العيون وتشقق التراب. وما ابتلعه من جوهر صافٍ أخرجه طيناً أسود ساماً، سرى في العروق إلى آلاف اللي؛ فمرّت الينابيع الحلوة، ومات العشب في الأرض الخصبة، لأن عروق الأرض نفسها قد تسممت.
ووسّع رأس الشمال الشرقي نطاق ابتلاع الأصوات: طبول القبائل وأجراس القرابين ونداءات الاستسقاء وأغاني الأمهات، كانت قوة لا تُرى تنتزعها. فتح الناس أفواههم فلا صوت؛ كان يختفي خارج الحنجرة. وانتشر صمت لا يشبه الصمت العادي، فلا حفيف ورق ولا وقع مطر ولا هدير ماء، كأن السماء والأرض أصابها الصمم. واشتد ضباب الجنوب الشرقي الأخضر الداكن، فأسقط الطير والوحش وذاب اللحم قبل أن يتعفن، وبقيت العظام طافية في الضباب كجنازة لا تنتهي. وابتلع رأس الذروة ضوء النهار أيضاً؛ صفت السماء لكن النور سُحب، فلا ظل على الأرض، والشمس كأن بينها وبين العالم غشاء خفي، والبرد والظلام ينزلان.
لم يكن ظلام ليل ينجلي بالفجر، بل ظلاماً أبدياً يبتلع الأمل. اتسعت موائد الرؤوس التسعة، واتصلت المستنقعات وزحفت من الجهات التسع كأذرع أخطبوط تنغلق. غدت السهول الوسطى جزيرة، وابتلع المستنقع أميالاً كل يوم، بل عشرة أميال في ليلة؛ أما القبائل التي لم تلحق بالهرب فلا أحد يعرف مصيرها، إلا أن فرقعة عظام مضغوطة كانت تُسمع أحياناً من العمق، أو تلوح في الضباب أشكال بشرية هاربة لا تتحرك أبداً.
في ذلك الوقت كُلّف دا يو. جمع الإمبراطور شون أمراء الجهات وقال بصوت ثقيل: «لم يستوِ الطوفان، وقام مستنقع السم. رحل غونغ غونغ وترك هذه الكارثة». اقترح بعضهم دعوة التنين ينغ لونغ، واقترح آخرون قربان السماء والأرض، وقال أمير: «يزحف المستنقع عشرات اللي كل يوم؛ لا ينفع حتى الهرب». فتقدم دا يو، وقد أجهده سنون علاج الطوفان وجاب الأقاليم التسعة ولم يدخل بيته ثلاث مرات، يداه مكلستان وجسده أسمر منتصب: «شيانغ ياو ليس وحشاً عادياً بل خادم غونغ غونغ. لكل رأس طعامه، وقد نفذ سمه إلى نخاع الأرض. لا يسده الردم؛ يجب قتله أولاً، ثم تطهير التراب المسموم».
سألوه: «كيف؟» قال بعد صمت: «نغلق فمه بتراب شي رانغ، ونقطع رؤوسه بسيف شوان يوان». كان شي رانغ تراباً مقدساً منحه إمبراطور السماء، ينمو بلا نهاية، واستعمله يو لسد الطوفان؛ وسيف شوان يوان سلاح الإمبراطور الأصفر الحاد القاطع للشياطين. لم يعرف أحد، ولا يو نفسه، هل ينجح التراب أو السيف. لكنه كان يعلم أن الطوفان يترك للأرض قدرة على النهوض، أما مستنقع السم فيقتلها نهائياً.
في ليلة الرحيل رأى يو من قمة جبل تسع ظلال هائلة عند الأفق، والرؤوس تأكل كل شيء في جهات مختلفة. أمسك مقبض السيف، فطنّ النصل كأنه أحس الشر. ناداه ابنه تشي، وقد صار فتى أطول مما كان حين تركه أبوه: «أتذهب لقتل الأفعى ذات الرؤوس التسعة؟» أومأ يو. قال تشي: «حيث يسيل دمها يصير مستنقع سم؛ إن قتلتها فماذا تصنع بالدم؟» كان يو قد فكّر فيه، والجواب واحد: إن سال دمها زاد التلوث، وإن لم تُقتل تمدد المستنقع. قال: «نردمه بشي رانغ». سأله تشي: «وهل يردمه؟» لم يجب. فالسم ليس ماءً؛ قد يأكل حتى التراب المقدس. لكنه كان لا بد أن يجرب. وفي الصباح خرج بسيف شوان يوان وكيس صغير من شي رانغ وعشرات المحاربين إلى المستنقع الزاحف. أمامهم استلقت الأجسام الأفعوانية التسعة كالجبال فوق التراب الأسود، واستدارت الرؤوس التسعة نحوهم؛ كانت عيونها في الصمت أضوأ من النجوم وأعمق من الهاوية. ثم جاء من بطنها دويّ مكتوم: صوت الأرض وهي تُهضم، وآخر لعنة تركها غونغ غونغ للعالم. # ثالثاً: دا يو يقتل شيانغ ياو
توقف دا يو ورجاله عند حافة المستنقع؛ ضبابه الرمادي المخضر يسري على الأرض، ورائحة حلوة نتنة تُحكّ الحلق ثم تحرقه. أمرهم أن يغطوا أفواههم وأنوفهم بكتان مبلل بدواء ووشيان الذي يزيل مائة سم، وإن لم يضمن شيئاً أمام سم شيانغ ياو. لم يغط يو وجهه، ومضى وحده بعينيه إلى الرؤوس التسعة الخاوية من الغضب والفضول. ما إن وطئت حذاؤه السطح حتى أكل السم الجلد ودخن، وغمره المستنقع حتى خصره ثم توقف: كان قد نثر شي رانغ، فاندفع التراب البني الأسود من الأعماق ونما وامتص السم بقوته المقدسة وصنع طريقاً صلباً، لكنه كان يُؤكل في اللحظة نفسها إلى وحل أسود؛ فسرّع يو خطاه.
أظلمت السماء إذ التفت رأس الذروة وابتلع الضوء فوقه. أمر يو بإشعال المشاعل، لكن النار بقيت والنور سُلب منها، كأن يداً خفية تجر البرتقالي إلى الفم الجائع. عندها أدرك المحاربون أنهم لا يواجهون وحشاً ولا شبحاً قاتله ينغ لونغ أو وحوشاً أسقطها هو يي؛ إنما يواجهون ما يلتهم الأرض والنور والصوت والوجود. حاول أصغرهم الصراخ فلم يخرج صوت، وحاول الفرار فأمسكه جندي قديم؛ فالركض فوق المستنقع هلاك. وكان رأس الشمال الشرقي قد التفت إليهم، وفمه سواد أشد من الليل، يمتص حفيف الثياب وخطوات شي رانغ وأنفاس الحناجر.
فتح يو فمه فلم يسمع شيئاً، وفهم أن أفظع سلاح هو الصمت الذي يمنع النداء والاستغاثة ومعرفة بقاء الرفيق، ويكسر الإرادة. لكنه لم ينكسر. رفع سيف شوان يوان، فأضاء ذهباً من ذاته؛ ففيه جوهر الشمس والقمر، ونوره قادر على إنارة أمتار مهما ابتُلع نور السماء. غلى المستنقع مقاومة، وصعدت فقاعات وضباب أثخن يأكل الضوء ثم يعود النور فيجتمع. اجتاز يو المستنقع الأول إلى تل أجوف، ورسم بالسيف في الهواء كلمات ذهبية: «ثلاث فرق». تتحرك الجناحان لتشغلا الرؤوس، وهو يروضها من الأمام؛ وفي عالم بلا صوت صارت الإشارات والعيون لغة الجميع.
اجتذب جناح الجنوب رأسه برجّ الأرض، فصبّ عليهم سماً أخضر كالشلال، فاختبأوا في شقوق التل. وتحرك جناح الغرب بمشاعله، فقذف رأسه طيناً أحمر يذيب الصخر كالشمع، فبنوا بجدار من شي رانغ يأكله السم في كل نفس. عندئذ اندفع يو إلى رأس الشرق. أرسل الفم لوامس اللحم كالعَلَق، فقطعها سيف شوان يوان؛ فتناثر دم أسود قتل شي رانغ وصيّره رماداً ميتاً. ثم بدل الرأس خطته وشفط بكل قوته، فتشقق التراب والصخر وانجرفا إلى فمه. غرس يو سيفه في الأرض، ثم اقتلع السيف مستفيداً من اتجاه الشفط، وقذف نفسه كسهم إلى ملتقى الرؤوس، عنق الجسد الواحد، حيث الحراشف أرق.
ضرب السيف الحراشف فتصدعت، لكن تحتها لم يكن لحم بل ظلام أكثر كثافة. نافورة دم سام أسود أصابت صخرة خلفه، فلم تذب ولم تتآكل، بل اختفت كأنها لم تكن. أدرك يو أن الدم أنقى سماً من كل ما لفظه شيانغ ياو. لكنه ضرب ثانية، فدخل النصل نصف قدم؛ وارتجت الأفعى وهسّت رؤوسها التسعة معاً، واخترق هسيسها صمت رأس الأصوات لأنه انفجر من الداخل، كرعد أول الخلق. سال الدم من أذني يو، فضرب ثالثة بكل قوته حتى غاص السيف في العنق؛ فاستدارت الرؤوس التسعة إليه وفتحت أفواهها، وقذفت تسعة سموم: أزرق وأحمر وأبيض شاحب وأسود وزمردي وأحمر قاتم وعنبر وأخضر داكن وسواد خالص. التقت موجة السم بسيفه الذهبي، فتشقق شي رانغ والقشرة الصخرية والتل المجوف.
هوى يو وشيانغ ياو معاً في الحفرة العميقة. لم ير المحاربون خلال الضباب إلا نور السيف وظل الأفعى يهبطان ويقتتلان، ثم سمعوا الضربات: واحدة، اثنتان، ثلاث؛ ثم صوت النصل في العظم واللحم، تسع مرات. وبعد التاسعة عم صمت قبر كامل. وبعد زمن صعد ضوء ذهبي، وصعد يو رافعاً سيفه بيد وحاملاً بالأخرى رأساً أضخم من الثور، رأس الذروة الوحيد الذي بقيت عينه تدور. كانت ثيابه قد أكلها الدم وبدنه محروقاً، لكن عينيه أضوأ من السيف. ألقى الرأس حتى سكن وقال بصوت مبحوح ثابت: «مات شيانغ ياو».
لكن الحكاية لم تنته. فقد تمدد الجسد في قاع الحفرة، والرؤوس متناثرة في الجهات التسع، ويسيل من الأعناق دم سام أسود يجتمع جدولاً ثم نهراً، تختفي أمامه الصخور نفسها. عاد الضوء والصوت، لكن السم ظل يسري. أمر يو: «هاتوا شي رانغ». أفرغ الرجال ما بقي منه، فنما ثم أكله الدم أسرع. فحملوا صخوراً ورملاً وخبث معدن، وكل ما يصلح للردم؛ وفي اليوم التالي انهار ردم اليوم الأول إلى مستنقع. وفي المحاولة الثالثة جمع يو رجال ثلاث قبائل، وحفروا رأس جبل كامل وردموه، وخلطوا شي رانغ بالتراب حتى غلب نموه التآكل؛ ثم اهتزت الأرض في الليلة الثالثة وانهار أعمق من قبل. كان الدم قد أكل قاع الحفرة وتسرب إلى عروق الروح.
فهم يو أن الردم لا يسد الدم الخالص؛ فهو سخط ملايين السنين مما التهمه خادم غونغ غونغ، ومرض الأرض ذاته. كل ردم لا يفعل إلا أن يفتح له مخرجاً أعمق، حتى يسري في عروق البرية كلها. تذكر أباه غون الذي فشل في علاج الماء بالردم، وتذكر أن نجاحه كان بالتوجيه: السد ليس كالتصريف. لكنه إن لم يسد الدم، إلى أين يصرفه؟ إلى البحر فيميت آلاف اللي، أو إلى السماء فيعود مطراً ساماً. صمت طويلاً على حافة الحفرة السوداء، ثم وجد الطريقة التي لم يجربها من قبل: لا ردم. الحفر. أن تُستخرج التربة السامة كلها. # رابعاً: حُفرت فصارت بحيرة ياو
أثار القرار اضطراب القبائل. قال شيخ: «الدم تسرب عشرات الأذرع؛ إلى أي عمق واتساع نحفر، وأين ننقل التراب السام؟» قال يو: «إلى حيث لا يؤذي الأرض». وأشار إلى الحفرة: «هنا. نحفر إلى أسفل، نخترق الصخر حتى عروق الروح». كان مس عروق الروح محرماً، فهي نبع حياة الأرض لا يلامسها إلا الآلهة والملوك الحكماء. قال يو بهدوء: «إن واصل الدم أكلها صارت البرية كلها موتاً. ننزع التراب قبل أن يفسدها». ولما سئل عن موضع التراب قال: «نجعل منه سداً حلقيّاً حول الحفرة». وشرح: إذا حفروا عميقاً ستبلغ الحفرة العرق؛ فإذا ترسب السم في القاع، صعدت طاقة الروح الصافية وضغطته، فالصافي الخفيف يعلو والكدر يهبط.
بدأ أعظم حفر عرفته البرية. جمع يو قوة إحدى وثمانين قبيلة من الأقاليم التسعة: من يحمل مجرفة حجر أو معول عظم أو فأس برونز، ومن يحفر بيديه. واصلوا الحفر في الحفرة التي سقط فيها شيانغ ياو، واخترقوا طبقات القشرة وأخرجوا من التراب الأسود ما يعادل جبلاً. لم يصلح التراب للزرع أو البناء، فكوّموه حول الحفرة، وازداد السد الحلقي ارتفاعاً وعرضاً حتى صار جبالاً. في اليوم السابع والسبعين أصابت المعاول طبقة صخر أصلب من كل ما سبق، شفافة زرقاء رمادية، وخلف شقوقها نور سائل كاليشم المنصهر: لقد بلغوا عروق الروح.
توقف الناس رهبة، ونزل يو بنفسه، ركع ووضع كفه على الصخر، فحس نبض الأرض. لكن النبض كان مضطرباً؛ منه السريع ومنه البطيء والمرتجف، لأن السم نفذ إلى العرق. قال: «تابعوا بحذر. لا تحطموا قشرة العرق؛ اصنعوا فيها تسعة ثقوب، بعدد رؤوس شيانغ ياو، لتسيل السموم منها إلى أعمق موضع». حفروا بمحاذاة القشرة حتى تركوا العرق كجسر فوق هوة، ثم ثقبوا أول ثقب. اندفع نور سائل، ليس ماء ولا زيتاً، بل روح صافية متجسدة، فأضاء الحفرة كلها. وخرج معه خيط أسود ملتف كحية في الضوء الأزرق الأبيض: دم السم. صدقت نبوءة يو؛ السم أثقل من الروح، ولذلك يهبط.
ثقبوا الثقوب التسعة، فتدفقت تسع روافد من الروح إلى القاع، وتكونت بركة من سائل روح مختلط بالسم. ومع الشهور هبط السم إلى القاع وشقوق الصخر، وصار أعلاه صافياً. ولما بقيت السموم في العروق تنفد، ازداد السائل نقاءً وعمقاً بلون أزرق أخضر لا يوصف. وفرش يو آخر دفعة من التراب السام في القاع؛ وبعد تسعة وأربعين يوماً في السائل الروحي تبلور التراب الأسود وصار بلورات داكنة شبه شفافة كسبج يعكس الضوء الأزرق.
تحولت الحفرة إلى بحيرة ياو. لا يعلم أحد متى نطق الاسم أول مرة: لعلها لحظة دخل أول ضوء شمس لم يبتلعه شيء إلى الحفرة، فرأوا ماءها يلمع كيشم ياو؛ أو ليلة قمر حين صعد فوقها ضباب أخضر رقيق. كان الاسم ملائماً؛ فالماء صافٍ كاليشم، يرى المرء بلورات التراب السام في القاع وتموج السائل الخارج من الثقوب كالأزهار والكروم والرموز القديمة. لكنه، مع صفائه، بلا قاع؛ أنزلوا الحجارة على الحبال والبامبو الطويل، فلا شيء يبلغ النهاية. عرف يو أن السم لم يختف، بل ترسب تحت الطاقة الروحية، وأن عظام السم—رأس الذروة وعنقه المقطوع وحراشفه—رقدت في أقصى القاع.
قال يو للمحاربين: «السم لم يزُل، بل أُغلق. فماء البحيرة صاف لأن الماء الصافي من العرق يبقى في الأعلى والسم يُضغط إلى الأسفل». سأله أحدهم: «وإن جف العرق؟» قال: «لا يجف؛ هو من أول الخلق، وعمره عمر الشمس والقمر، ما لم تنهَر السماء والأرض ثانية». ثم توقف؛ فقد سمع نبضاً ضعيفاً من القاع، أبطأ وأطول من نبض العرق، كقلب وحش نائم. غمس يده، فكان الماء بارداً كأنه يشم متحرك، وخرجت أطراف أصابعه مضيئة بالأخضر ثم خبا الضوء. قال للناس: «ماء بحيرة ياو صالح للشرب». ولم يجرؤ أحد، فشرب هو أولاً، فدخل برده حلقه ثم انتشرت دفأة في جسده كأنها جوهر السماء والأرض. وشرب ابنه تشي، الذي وقف أخيراً عند أبيه، وقال: «في الماء نور».
وبينما احتفل الناس، انصرف يو إلى طرف هادئ وغاص بذراعه أعمق. لمس عظمة هائلة ملساء دافئة قليلاً، عليها ثقوب دقيقة تمتص ببطء ما في البحيرة. أغلق عينيه وبصر بروحه أن عظم شيانغ ياو السام يرشح شوائب عروق الروح: سخط التعدين، وعنف الزلازل، وبقايا الموت التي تراكمت في باطن الأرض. تمتصها الثقوب وتحبسها، بينما تعبر طاقة الروح الصافية وتصعد، ولذلك كان ماء بحيرة ياو صافياً. عرف يو أن شيانغ ياو لم يمت تماماً؛ مات جسده، لكن عظم سمه يعمل بطريقة لم يتوقعها أحد، وصار مرشح عروق البرية بعد أن كان يلتهمها. ألعنة هذا أم خلاص؟ لم يقل لأحد. فالحق قد يجرح أكثر من الكذب، وكانت البحيرة تحتاج إلى أسطورة طاهرة. # خامساً: الأثر الباقي
توالت السنون، وصارت بحيرة ياو أقدس مياه البرية. ألقى السحرة أطول الحبال فلم يبلغوا قاعها، وغاص بعضهم بإدراكهم الروحي فقالوا إن تحتها نهراً خفياً يصل تسعة عروق روح بالأقاليم التسعة، لكنهم لم يقولوا ما في الأسفل: لعلهم لم يبلغوه، أو بلغوه وآثروا الصمت. وكان من تقاليدها أن يجلس طالب الماء ساعة عند الحافة ليهدأ قلبه؛ فالماء لا يحابي إلا الساكن، فيجده المضطرب بلا طعم، ويجده هادئ النفس عذباً صافياً. وضع تشي هذا التقليد بعد أن ورث العرش من دا يو. وأول ما صنعه أنه حمل المراجل التسعة إلى البحيرة وغمسها تسعة وأربعين يوماً؛ فلما أخرجها صار زنجارها أسود، وإذا أحرق في الفرن أضاء أخضر. ووزعت المراجل في الأقاليم حارسة لها، وكان مرق القرابين فيها يعكس ضوءاً أزرق أخضر كماء البحيرة.
وبعد سنين جاءت شي وانغ مو من جبل اليشم الغربي، إما لأنها شربت عند الماء فأقامت، أو لأن ضوء البحيرة الليلي جذبها. ففي البدر تصعد هالة خضراء فيها تسعة أعمدة كالأفاعي المضيئة. غرست عندها بستان خوخ، فجذوره تشرب نفَس الماء، وصار خوخه المقدس يزهر كل ثلاثة آلاف عام ويثمر بعد ثلاثة وينضج بعد ثلاثة، ومن أكله لا يهرم. لكنها لم تفش سر البحيرة؛ كانت في ليالٍ تغمس يدها عميقاً وتخرج أطرافها ذات بريق أسود، فتفكر. وربما كان خوخها يمنح طول العمر لأن عظم السم في القاع رشح الموت من الماء.
مع الزمن نُسيت حكاية شيانغ ياو، وقامت قبائل حول البحيرة تشرب ماءها وتسقي به الزرع وتقدم القرابين. وفي الاعتدال الربيعي تختار القبيلة فتاة تجلس وحيدة عند الحافة ليلة كاملة وتردد اسم دا يو؛ فإذا ظهرت صباحاً دوائر خضراء، قالوا إن روحه تحرس الماء. وكانت الدوائر تظهر كل عام تقريباً. لكن ذلك لم يكن حراسة دا يو، بل نفَس عظم شيانغ ياو: فالسموم التي يمتصها لا تفنى، بل تنضغط في ثقوبه بلورات سوداء، ومع نبض العروق يعلو خيط سم ضعيف وينفجر دائرة خضراء على السطح. ويسمع من ينصت في ليلة الربيع خفقاً منخفضاً من الأعماق، يسمّيه السحرة قلب أم الأرض.
وفي الأعماق كان هسيس يدور عبر طبقة التراب المتبلور والسائل المضيء وقشرة العرق المثقوبة، حتى لا يكاد يسمع. وتحت الماء، في عمق لا يصل إليه النظر، كان ظل أسود هائل يتحرك: بقايا رأس شيانغ ياو ما زالت في وضع التهامها القديم، لكن ثقوب عظامها لم تعد تأكل جوهر الأرض؛ صارت ترفع الروح الصافية، وتجمد السم الكدر، وترسب الموت. وكان سم العرق التاسع أشد، لأنه يمر ببقايا جبل بوجو الذي حطمه غونغ غونغ؛ وما زالت البقايا تطلق السخط والخوف، فيلتقطها العظم ويمتصها. وحين ينتفخ العظم ويسود أكثر، يخرج من داخله هسيس بالغ الضعف: «غونغ غونغ...» أهو نداء للسيد، أم آخر ذاكرة، أم مجرد صوت عظم منضغط؟ لا أحد يجيب.
وحدها بحيرة ياو تعرف. فهي صافية إلى القاع ولا قاع لها، تعكس الشمس والقمر والنجوم والفصول، وتخفي سراً أقدم من الحكايات. وفي الليل، بعد رحيل آخر إنسان، يصعد من القاع ضوء أزرق أخضر، ينحل عند السطح هالة فيها تسعة ظلال باهتة كحبر ممدد مليون مرة. تتجه الظلال إلى الجهات التسع وتتحرك ببطء؛ ليس دوراناً، بل ارتعاش نبض العروق وإدراك الرؤوس الباقي وهو يتحرك في حلمه.
ما الذي يحلم به شيانغ ياو؟ لا أحد يعلم. جفت مستنقعات البرية وغطى النبات آثار شي رانغ، وبقيت بحيرة ياو بماء لا ينفد وعروق لا تتوقف. بنى الناس مذبحاً عندها، ويشكرون دا يو كل عام. وكانت شي وانغ مو حين ينضج خوخها تقطف ثلاث ثمرات: للسماء واحدة، وللأرض واحدة، وللبحيرة واحدة. تهبط ثمرة البحيرة في طبقات السائل الصافي ورواسب السم والتراب المتبلور حتى تصل العظم؛ تفتح ثقوبه وتبتلعها، فيتموج الماء بدائرة خضراء. ليس ذلك جواب قربان، بل صوت ابتلاع شيانغ ياو الأخير والأهدأ، وهو يبتلع ثمرة جمعت جوهر الشمس والقمر لثلاثة آلاف عام ويعود إلى حلمه؛ ربما حلم تسعة جبال وتسعة سهول وتسعة أنهار، وربما مساء ما قبل نومه حين مسح غونغ غونغ حراشفه آخر مرة.
ظل العظم يرشح السم يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام. ولعل السم لا ينفد أبداً، ما دامت عروق الروح تجلب شوائب وسموماً وضغائن جديدة؛ إلا أن مهمة خادم غونغ غونغ تحولت من التهام إلى تطهير، ومن لعنة إلى فداء، ومن هدم إلى حماية. ولعل هذا ما كان ينتظره. وفي عيد الاعتدال تنزل الفتيات حافيات إلى الضحل وينثرن بتلات الخوخ في الماء، فتطفو وتفرّقها ريح الصباح كطيور مهاجرة، ويغنين أناشيد غامضة تطلب الطقس الحسن والعروق المزدهرة وخوخ شي وانغ مو. تنجرف البتلات إلى القلب وتهبط، ويقولن إن دا يو أخذ القربان؛ لكن الذي يتنفس هو العظم. شهيق واحد كل مائة سنة، وزفير واحد كل مائة: في الشهيق ينخفض الماء إنشاً ويظهر طحلب الجدار، وفي الزفير يعود ويغطيه؛ وبينهما يمضي قرنان.
تبدلت القبائل ثلاث مرات، وصار السحرة الشباب يرون ذلك حركة طبيعية لعروق الأرض، ويقولون إن في القاع أثر دا يو. لا يخلو القول من صحة، لكن الاسم المرعب للمخلوق مُحي من التراتيل منذ ثلاثة آلاف عام ولم يبق فيها إلا «دا يو». نُسي شيانغ ياو عمداً، لكن النسيان ليس زوالاً؛ إنه إخفاء للذكرى تحت الماء، كما تخفي البحيرة سواد قاعها. وتحت أقدم شجرة سوفورا كانت الشيوخ تحكي للصغار عن أفعى ذات تسعة رؤوس أكلت البرية، ثم قهرها دا يو بتراب شي رانغ والختم. يتوقف الشيخ عندها ويقول: «انتهت الحكاية». ويسأله الصغار ما بعدها فلا يجيب، بل ينظر إلى بحيرة ياو غرباً، حيث هالة خضراء باهتة هي لون نار السم وقد لطفها الماء.
وفي ليلة صيف قال ساحر هرم يحتضر: «إنه ما زال. ما زال دائماً». وسأل الأطفال، فأشار إلى البحيرة بيد ترتجف: «أتظنون أن دا يو ختم كارثة؟ لا. ختم خطأه هو». لم يفهم أحد. نام الساحر تحت الشجرة ولم يستيقظ؛ نثرت القبيلة رماده في البحيرة، فهبط عبر طبقات الماء إلى عظم السم. لم تفتح الثقوب، فهي لا تمتص الرماد، فالتصق فوق السواد رماد رمادي، طبقة فوق طبقة من موتى ثلاثة آلاف عام. كل واحد شرب ماء البحيرة المرشح بالعظم، عاش به ثم عاد إليه.
عرف قليل من حراس البحيرة الحقيقة. يسكنون بيوتاً حجرية قربها، ويسجلون ارتفاع الماء وخضرته وكثافة تموجه، لا بالكتابة بل بالتناقل. قال حارس سابق لخليفته وهو يموت: «يرشح العظم السم منذ ثلاثة آلاف وثلاثمائة سنة. قال معلمي إن السم يضعف؛ قبل تسعمائة سنة كانت طيور الماء تموت عند الحافة، أما الآن فتشرب ثم تنام ساعة فقط. إنه يصلح هذه الأرض». ثم مات.
وقف الحارس الجديد عند نافذته في ليلة بلا قمر، فرأى النجوم على البحيرة كمرآة سوداء. وفي آخر الليل أشرق من القاع ضوء أخضر، وانبثقت تسعة ظلال أوضح من المعتاد. وكان قد علم أن بقايا شيانغ ياو تتوهج في أول الشهر عند جزء من منتصف الليل حين تتصارع طاقتها الباقية مع السم. سمع هذه الليلة هسيساً كجناح بعوضة، لا صدى عظم يتسرب بل صوت واعٍ مختار. كان شيانغ ياو يتكلم بعد ثلاثة آلاف عام من الصمت. وصل الهسيس مكسراً، لكنه التقط كلمتين: «...حان الوقت». أي وقت؟ أوقت فراغ السم، أم غيره؟ خرج حافياً، وألصق أذنه بالصخر؛ كان نبض القاع أسرع، والقلب المكتوم ثلاثة آلاف سنة يسرع حتى تهتز الصخرة. لقد استيقظ شيانغ ياو.
لم يجرؤ على إخبار أحد، ومضى كل ليلة ينصت. كان اليقظ بطيئاً كحركة الأرض، أو كإدراك نائم ملايين السنين يشق طبقات الحلم. وأول من أحس به سمك البحيرة الأبيض الأعمى؛ خرجت آلاف السمكات من العمق إلى السطح كأنها تهرب، وقال الناس إنها تتشمس. عرف الحارس أنها تهرب من عظم القاع الذي بدأ يسخن. كان حرّه ضئيلاً لا يدركه البشر، لكن السمك حسّ أن الصخرة العملاقة التي عرفها أجداده تغير شكلها: ثقوبها تفتح وتغلق أسرع، وهدير متصل يخرج من جدارها، والعظم يرتج كوتر قوس مقوّس. لقد رُشح السم كله.
خلال ثلاثة آلاف وثلاثمائة عام فُصل السم وامتص وضغط في نواة سوداء كبرت من حبة أرز إلى قبضة، في قلب العظم؛ إنها حبة السم، بلورة سخط الأرض. أتم عظم شيانغ ياو مهمته، ولم يعلم الحارس ما يلي، فلم يسبق أن فرغ السم حقاً. لكنه لاحظ قبل ثلاثة أشهر أن تموج الماء، الذي كان ينتشر من القلب، صار يتجمع من الجهات نحو القلب: ليس زفيراً بل شهيقاً عميقاً طويلاً دام ثلاثة أشهر. هبط الماء إنشاً ثم اثنين وثلاثة، وفي آخر الشهر الثالث هبط ثلاثة أقدام وانكشفت الصخرات الملساء والدرجات الثالثة والرابعة والخامسة من سلالم القربان ورموزها القديمة.
جاءت شي وانغ مو بثوب بسيط من بستان الخوخ، وظلت تنظر طويلاً ثم قالت: «إنه راحل». ركع الحارس وراءها: «أترحل روح دا يو؟» نظرت إليه بعين لا غضب فيها ولا حزن، بل فهم من عاش دهوراً: «روح دا يو ليست هنا منذ زمن. ترك تعويذة ختم التراب لا روحاً. والذي بقي هنا شيء آخر: هاجس شيانغ ياو».
وما إن قالتها حتى انفجر قلب البحيرة بعمود نور أخضر صعد إلى السماء، فيه تسعة أشباح ملتفة واضحة الحراشف والمخالب، وهسيسها كرعد أطلق صمت ثلاثة آلاف سنة. استيقظت القبائل ورأت فوق الماء شبح شيانغ ياو الأخضر الهائل، رؤوسه تنظر إلى الجهات، كأنه يتفقد الأرض التي طهرها وصفاءً لم يره من قبل. بقي مقدار نبضة ثم انكمش العمود، وعاد الماء دفعة واحدة، وتحطم الشبح إلى نقاط نور. لكن الحارس رأى في لحظة تلاشيه شقاً في عظم السم، خرج منه نور شفاف دافئ كنور يوم مولود، لا الضوء الأخضر؛ لقد انشقت حبة السم، وانتهى الترشيح وبدأ التحويل: يتحول سم ثلاثة آلاف وثلاثمائة عام إلى دواء روحي، والسخط إلى رحمة، والموت إلى ولادة.
كثر الشقوق واشتد الضوء حتى أضاء القاع كشمس. فرت الأسماك البيضاء العمياء، وصارت أجسامها شفافة ثم أخذت عيونها تنمو من جديد. وصعدت آخر قوة لشيانغ ياو وانفجرت عند السطح مطراً أخضر، سمّاً مطهراً صار غيثاً: نزل على الأرض فنما النبات بجنون، وعلى البشر فشُفيت عللهم، وعلى المذبح فتفتحت أزهار من شقوقه. مدت شي وانغ مو كفها فتجمدت قطرة في جوهرة خضراء، وقالت للماء: «حين ختمك دا يو هنا كان ينتظر هذا اليوم. حملت عنه تهمة ثلاثة آلاف عام، وقد أديت ما عليك».
جاء من القاع هسيس رقيق كتنهد، جواب شيانغ ياو. وانفصلت الحراشف عن العظم وصارت نقاطاً خضراء صاعدة، كل واحدة ذكرى: الجبال التسع والسهول التسع والأنهار التسع، دفء أصابع غونغ غونغ على حراشفه، وندم دا يو حين قطع رؤوسه، وغيوم ثلاثة آلاف عام وبتلاتها والأسماك العمياء. فالإله المحتضر يتذكر كل شيء. انطفأ الضوء وتفكك العظم، وتشققت حبة السم إلى ملايين القطع ذابت طاقة نقية عادت إلى العروق؛ وصار سم العصور في النهاية غذاءً جديداً للأرض، وغدا العظم غباراً داكناً هبط في التربة.
ظهر ظل شيانغ ياو للمرة الأخيرة، أخف من الماء والنجوم، محافظاً على هيئة قديمة لم تكتمل، لكن فعله لم يعد التهاماً بل عطاء؛ نثر آخر إدراكه روحاً في البحيرة. لم تعد المياه تحتاج مرشحاً، لأنه صار هو جزءاً من بحيرة ياو، صفاء ماءها ونبض عروقها. تموجت دائرة خضراء أخيرة ثم عاد كل شيء إلى الصمت. وضعت شي وانغ مو الجوهرة الدافئة في الماء وقالت: «لا تدين لأحد بشيء». هبطت عبر تسع طبقات ماء وعبر التربة التي بدأ سوادها يزول والصخر الأبيض الذي ينمو، إلى الموضع الذي كان فيه عظم السم؛ لم يبق هناك إلا ماء صاف كأنه عدم. فتحطمت الجوهرة نوراً.
تموجت البحيرة للمرة الأخيرة، لا كموج ماء بل كنفس شيانغ ياو الأخير، دافئاً كأثر خلاص. بكى الحارس، والتفتت شي وانغ مو إلى الشرق، حيث بزغ الضوء وذهب سطح البحيرة. قالت فجأة: «انظر». رأى الحارس الشمس تخترق الماء إلى قاع لم تبلغه قط في ثلاثة آلاف عام. لم يبق سواد ولا سر ضاغط، بل ماء صاف وصخر نظيف وزهرة لم يرها أحد: تسع بتلات، لكل بتلة درجة من الأخضر من الرمادي الدخاني إلى الأزرق الداكن، تهتز فوق صخر القاع. قالت شي وانغ مو، وفي صوتها ابتسامة: «صار في العالم أخيراً شيء جئت به: زهرة شيانغ ياو».
بقيت بحيرة ياو هي نفسها، صافية بلا قاع، لكن سرها صار زهرة يراها الجميع. في كل عيد اعتدال تهبط بتلات الخوخ عليها بين البتلات التسع ويلمعها صباح الشمس، وتبقى الفتيات تغنين الأناشيد القديمة، إلا أن سطراً جديداً ظهر في خواتيمها، لا يعرف أحد من أضافه: «صار شيانغ ياو تسع بتلات، حارساً لبحيرة ياو إلى الأبد». قد يكون حارس بحيرة غناه ليلاً، وقد تكون المياه نفسها أطلعته للغناء. فالصوت لا بد أن يزول، أما الزهرة فتبقى.
في صباحات بحيرة ياو يغطي السطح ضباب رقيق فيه تسع درجات من الأخضر؛ هي آخر نوايا رؤوس شيانغ ياو التسعة، وقد غدت ضباباً يحرس الأرض التي طهرها ثلاثة آلاف عام. وبعد انقشاعه يدخل الضوء كاملاً، والزهرة في القاع ساكنة واثقة. تذكر الحارس قول السابق: «إنه يصلح هذه الأرض». لا، فكر، إنه لا يصلحها بل يولد من جديد؛ ففي ثلاثة آلاف وثلاثمائة عام حوّل نفسه من لعنة إلى بركة، ومن عظم سم إلى زهرة، ومن عظم شيانغ ياو إلى زهرة شيانغ ياو. وللمرة الأولى اختار إله أن يمضي إلى الفناء طوعاً، وفي آخر لحظته أعاد كل شيء إلى الأرض التي آذاها.
ماء بحيرة ياو ما زال صافياً، يعكس ضوء السماء وظلال السحاب ودوران الفصول وعالماً يبدأ من جديد. وزهرة القاع ذات البتلات التسع تتفتح في شمس كل صباح ونجوم كل ليل، بين الذاكرة والنسيان. يصمت كل شيء، ولا يتنفس إلا الماء؛ ليس نفس شيانغ ياو بل نفس الأرض، هادئاً قوياً كدوران الفصول. وفيه شيء واهن يكاد لا يُميّز: ليس هسيس أفعى، بل صوت بتلة تهتز برفق في الماء.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.