كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/26 · ١. هيئة زاو تشي
الفصل السابق

26 · ١. هيئة زاو تشي

ما وراء الليل

الفصل التالي

في جنوب البرية العظمى يقع سهل تشو هوا، تحيط به ثلاثة جبال حمراء كأنها مغموسة بالدم، وتلتف حوله سبعة أنهار سوداء. خارجها تنعم الأشجار والطيور والأسماك، أما داخله فهو أرض موت: لا طير ولا حشرة ولا ريح، وعلى جروفه أختام سحرة قدماء، وفي قيعان مياهه عظام بشر وحيوان مقضومة ومخددة كأن أداة حادة نقرتها.

وفي وسط هذا السهل، على تلّ عارٍ فوق صخرة سوداء، يجلس زاو تشي. هو سيد الأرض ذات الثلاثمائة لي، والجبال أسواره والأنهار خندقه، وكل من يعبر إليها—مغامراً أو ضالاً أو منفيّاً—يصير طعامه. يأكل البشر، ولا سيما القلوب وهي تنبض والأكباد بعد أن ترشح بالدم.

يشبه الإنسان في الجسد، لكن طوله تشانغ واثنتا عشرة تشي، وجسمه مكسو بحراشف خضراء سوداء حادة. عيناه حمراوان ذواتا حدقة شقية، ومخالبه طويلة؛ أما فمه فمشقوق من أذن إلى أذن. ومن فكه الأعلى يخرجان سنّان بطول ثلاث تشي، يثقبان شفته السفلى كإزميلين برونزيين، عريضان من الأمام، مشحوذان من الجانبين، بلمعان أخضر بارد. ومنهما جاء اسمه: زاو تشي، ذو الأسنان الإزميلية. كان السنان يهتزان إذا غضب، ويرشحان لعاباً يحفر الأرض إذا جاع، ويتحركان كسلاحين حيين عند الهجوم.

اختلفت القبائل في أصله: نسل إله شرير، أو قاضٍ سماوي هبط عقاباً، أو شرّ ولدته الأرض. وأقدم الأقوال تجعله من أوائل الكائنات بعد انشقاق الكون: ليس إلهاً ولا إنساناً ولا وحشاً، بل شيء يجمع قوة الإله وذكاء الإنسان وغريزة البهيمة. عاش دهوراً؛ وكان تشو هوا يوماً أخضر ومياهه صافية، وكان هو شبيهاً بالناس، إلى أن غيّره أكل البشر وشرب الدم. خرجت الحراشف من جلده وبزغت الأسنان من فمه، فاختار أن يصير إلهاً شريراً. كانت أسنانه تقطع الرمح البرونزي وتحطم الصخر، فلا شيء يقاومها.

وفي صباح أحمر شمّ رائحة خمسة بشر آتين من الشمال. تقدمهم ساحر قبلي عجوز بعصا عليها ثلاث ريشات نسر، وخلفه أربعة محاربين برونزيي السلاح. اختفى من قبيلتهم سبعة صيادين، فعرف الساحر بالعرافة أن زاو تشي يأكل الناس، فجاؤوا لقتله. لمس العجوز رمزاً بريش النسر، فأضاءت رموز الجرف كعيون دموية وانفجرت، وفتحت ممراً. سلكوه حتى خرجوا إلى البرية المفروشة بالعظام، تحت سماء رمادية شاحبة، فرأوا التل والصخرة والهيئة الهائلة تقوم فوقها.

وثب زاو تشي وقطع السهل في زمن عود بخور؛ قذفهم ريحه أرضاً. حاول الساحر أن يأمره باسم السحرة، فعضه نصفين وابتلع نصفه الأعلى. ضربه محارب بفأس برونزية فلم تترك في حراشفه أثراً، فأمسكه زاو تشي كالنملة، ثم أطبق سنيه فطار رأسه. هرب الثلاثة الباقون نحو الممر، لكنه كان يطاردهم ويتلاعب بهم، يدع أحدهم يوشك أن يبلغ النجاة ثم يجره إليها، حتى ابتلع الخمسة جميعاً.

ثم شمّ رائحة ليست لإنسان أو وحش أو ساحر: رائحة جيان مو، الشجرة المقدسة التي تصل السماء بالأرض وتحمل طاقة الكون الأولى. تذكرها من زمن ما قبل انفصال السماء والأرض، وخافها. عاد إلى صخرته، لكن لا ليتمدد؛ شدّ حراشفه وفتح مخالبه وانتظر من يحمل نفَس جيان مو.

# ٢. هوي يتلقى الأمر

على ذروة كونلون، حيث يقيم إمبراطور السماء خلف سحاب لا يراه بشر، قام قصر أبيض من اليشم والزجاج الملوّن والذهب، يحيط به بستان خوخ الخلود؛ كانت ثماره، التي لا تزهر ولا تثمر إلا كل ثلاثة آلاف عام، ناضجة وعطرة. جلس الإمبراطور على عرشه ذي المراتب التسع، وجهه مستوراً بهالة خفيفة، في ثوب أسود وتاج ذي اثني عشر خيطاً من الخرز، ومسك لوح اليشم. وعن الجانبين وقف عشرات الموظفين الإلهيين، حاملين الرماح والألواح والسجلات والمباخر، في صمت لا يقطعه إلا ريح البستان.

دخل هوي: رجل طويل في ثوب كتان وقوس كبير على ظهره، وسيم القسمات شديد العزم، يداه خشنـتان معقودتا المفاصل من طول الرمي. كانت حدقتاه أوسع وأشد سواداً من حدقات الناس، كالبئرين العتيقين، وبياضهما يميل إلى زرقة السماء بعد المطر. لم يكن إلهاً، بل إنساناً من قبيلة يو تشيونغ الشرقية؛ غير أن مولده نفسه كان آية: قيل إن عشرة شموس ظهرت يوم ولد، وإن أمه رأت في المنام نوراً ذهبياً يدخل جوفها. شدّ القوس في الثالثة، وأصاب النسر في الخامسة، وتفوّق على القبيلة في العاشرة، ولم يجد نداً في الخامسة عشرة. وفي العشرين بلغت سهامه حدّ المعجزة: تخترق ثلاث طبقات من الدروع البرونزية، وتقطع شعرة على بعد مائة تشانغ، وتصيب يراعةً طائرة في الليل. وكان رأس سهمه يطلق بعد الإصابة نوراً ذهبياً واهناً يقطع حياة المصاب من أصلها؛ فمنهم من سماه قوة إلهية، ومنهم من سماه سحراً، وهو لا يشرح، بل يصقل قوسه ويمسح سهامه.

قبل ذلك بثلاثة أعوام رأى إمبراطور السماء في المنام ثمانية آلهة شريرة تستيقظ في البرية العظمى، يأكل كل منها البشر ويقيم بحاراً من الدم. أفتى الكهنة أن شر الأرض يشتد، وأن تركه سيهدد أساس السماء والأرض. فاحتاج الإمبراطور إلى منفّذ يجمع شجاعة البشر وقوة تقارب الآلهة؛ فجنود السماء لا يعرفون قتال الدنيا ولا طبائع تلك الوحوش، وأبطال البشر لا يطيقون لها ضربة. اختار هوي رغم اعتراض الحاشية: منهم من رآه بشراً لا يقوى على ذلك، ومنهم من خاف سرّ قوته.

قال الإمبراطور: «يا هوي، أتدري لِمَ دعوتك؟» قال: «أدري». وسأله: «أتقبل أن تصيد تلك الآلهة الشريرة؟ إن ذهبت فقد لا تعود، وقد تصير لحمك طعامها وروحك لقمة لا بعث بعدها». سكت هوي ثم قال: «أعلم». «فلماذا تذهب؟» رفع عينيه وقال: «لأنني رأيتها تأكل الناس».

ثم حكى أنه قبل خمسة أعوام أُبيدت قرية قرب قبيلته في ليلة واحدة: أكثر من ثلاثمائة رجل وامرأة وطفل عضّوا إلى قطع. وصل والأجساد بعد دافئة، ورأى آثار أقدام طول الواحد منها ثلاث تشي؛ اتبعها ثلاثة أيام وثلاث ليال حتى رأى في القفر وحشاً مدرعاً ذا نابين بطول ثلاث تشي يلتهم الناس والعظام. أصابه في القلب، فلم يترك السهم سوى شرر ثم انكسر. التفت الوحش وضحك: «أيها البشري، سهمك لا يؤذيني». قال الإمبراطور: «ذلك هو زاو تشي». وقال هوي إنه ظل يطلب وسيلة لقتله، ولم يجدها.

أشار الإمبراطور، فأدخل حارسان إلهيان قوساً بطول رجل وسمك ذراع، أخضر مسوداً، عليه عروق خشب هي في حقيقتها تعاويذ حية مضيئة، ووتر فضي مشدود يهمس بالرعد والريح. أحس هوي في القوس بالرائحة النقية الحادة التي عرفها في تشو هوا، ولكن مضاعفة ألف مرة. قال الإمبراطور: «صنع جسمه من غصن جيان مو». فضجّ الموظفون همساً: فجيان مو شجرة الوصل بين السماء والبشر حين لم تكن السماء قد انفصلت عن الأرض، وبقاياها تحمل القوة الأولى.

وقال الإمبراطور: «سهامها تحمل قوة الفوضى الأولى، ولا يقاومها حتى الإله الشرير». ما إن لمس هوي القوس حتى صعد الدفء في ذراعه وجرت قوته في عروقه كحضن أم، وأضاءت التعاويذ كلها؛ وسقط قوسه القديم من ظهره وحده. رفع القوس الجديد ولم يستطع بكل قوته إلا أن يشد وتره إلى نصفه. همس: «قوس عظيم». قال الإمبراطور: «اسمه جيان مو. اذهب إلى تشو هوا، واقتل زاو تشي، وخذ نابيه واصقلهما رؤوساً للسهام. ففيهما قوة مسالك الروح، وهي توافق روح قوس جيان مو، وبها ستقتل مزيداً من الآلهة الشريرة». ركع هوي وقال: «أتلقى أمرك». وحذره من طريق الثلاثين ألف لي، عبر الأقاليم والمستنقعات والجبال: إن لم يصل، فليس أهلاً للقوس.

علّق هوي القوس الذي يكاد يبلغ قامته ومشى إلى الباب. وقبل أن يعبر سأل: «هل صحيح أن هناك ثمانية آلهة شريرة أشد من زاو تشي؟» ساد الصمت، ثم قال الإمبراطور بعد طول: «صحيح». ومضى هوي.

استغرق وصوله إلى تشو هوا ثلاثة أشهر. اجتاز جبالاً وأنهاراً هادرة ومستنقعات وباء وقفار عظام، ودفع الذئاب والنمور والأفاعي والهوام والفيضان والوحوش، وكل محنة زادت ألفته بالقوس. في الشهر الأول بلغ نهر رُوّه: نهر لا يحمل ريشة إوزة، تغشاه ضبابية رمادية تعوي فيها أرواح الموتى. نحت جذعاً زورقاً، ولما هبطت عليه الأرواح ليجرّوه إلى الماء رمى سهماً؛ فتفجّر رأسه بالأخضر اللامع، فمحا الأرواح وخرق الضباب، وعبر هوي في عمود الشمس.

وفي الشهر الثاني بلغ بحر الرمال المتحركة، صحراء لا نهاية لها، رمالها حية تسيل كالماء. وتحتها ديدان الرمل، أفاعٍ بطول عشرة تشانغ ومئات الأسنان، تقفز عند اهتزاز الأرض فتسحب الفريسة. سار سبعة أيام وسبع ليال، وقتل ثلاث عشرة منها، منتظراً خروج كل واحدة ثم يرمي فمها فيثقب رأسها. وفي الشهر الثالث خرج إلى جبال ليان: اثنان وسبعون جبلاً متصلاً كتنين راقد؛ وأخبره السكان أن لا أحد يعبرها دون إذن إله الجبل.

وجد هوي مسكنه، مدخلاً ضيقاً إلى كهف عظيم. في وسطه عملاق ارتفاعه ثلاثة تشانغ، نصفه الأعلى ظاهر ونصفه الأسفل صخر الجبل. قال: «يا بشري، ما الذي جاء بك؟» قال هوي: «أريد تشو هوا». اتسعت عينا الإله: «تطلب صاحب الأنياب الطويلة؟ ذلك موضع موت، وطلبه طلب للموت». قال هوي: «ليس بالضرورة». وحين رأى الإله قوسه تغيّر وجهه. قال هوي: «قوس جيان مو».

روى إله الجبل أنه قبل ثمانية آلاف سنة، حين كان مسافراً لا إلهاً، رأى جيان مو في مركز العالم: شجرة لا يرى أعلاها، تاجها في السحاب، والآلهة تمر تحتها والغربان الذهبية تسكنها. ثم انفصلت السماء عن الأرض وقُطعت الشجرة، فالتقط غصيناً من أغصانها الساقطة، ومع الزمن اتحد به وصار إله جبال ليان. قال: «إن كنت تحمل القوس، فقد اختارتك الشجرة. لن أمنعك. اعبر الجبال وسر سبعة أيام؛ لكن تشو هوا محصّنة بالجبال الثلاثة والأنهار السبعة، ولا يدخلها عادي». قال هوي: «لي سبيل». انحنى له ومضى. وفي غروب اليوم السابع وقف أمام الجدار الأحمر المليء بالتعاويذ، وشعر بموت المكان وشره. قبض على القوس، فدفئ كأنه يجيبه. قال له، أو لنفسه: «اذهب». ثم دخل الشق الذي انفتح وحده في الجبل.

# ٣. صراع الحياة والموت

كان هوي قد عبر ممر الجبال الثلاثة قبل الغزاة الخمسة بثلاثة أشهر. وكان زاو تشي قد فرغ لتوّه من مسافرين ضلوا الطريق، فلما وطئت قدم هوي طرف تشو هوا فتح عينيه: لقد وصل الصيد الذي انتظره. لم يندفع إليه، بل وقف على التل يراقب الرجل الصغير، وقد جعل الغروب الأحمر السهل بحراً من الدم ومدّ ظل هوي فوق العظام. ثم وقعت عيناه على قوس جيان مو؛ فعرف نورها الذي رآه منذ ثمانية آلاف عام، حين كان مخلوقاً لم يكتمل تهذيبه بعد. ارتجفت أسنانه رهبةً وحماسة: فقوة جيان مو هي فوضى البدء، أصل الموجودات وعدوّ ما انعقد من السخط والشر. لكنه هدأ: حاملها بشر، والبشر لا يستخرجون كل قوة القوس، وهو عاش دهوراً وابتلع ما لا يحصى من الأحياء.

شعر هوي بنظرته كمسامير محمّاة في قفاه. لم يخيم ولم يختبئ؛ ففي ذلك السهل المكشوف لا معنى للخفي. أخرج القوس واتجه إلى التل، خطوة ثابتة بعد أخرى، والوتر البارد الثقيل في يده. مشى الليل كله عبر الثلاثمائة لي، وزاو تشي ينتظر من علٍ حتى يأتي إلى مدى الضربة. عند الفجر وقف هوي عند سفح التل، فرأى الهيئة كاملة: الحراشف، العينان الحمراوان، الفم المشقوق، والنابان اللذان يخرجان منه بطول ثلاث تشي. كان هذا لقاؤه الثاني به؛ الأول كان قبل خمسة أعوام قرب القرية المذبوحة، حين لم ير إلا سواداً بعيداً. أما الآن فكل حرش وحدّ ناب واضح على مسافة عشرين تشانغ.

قال زاو تشي بصوت كالرعد تحت الأرض: «أيها البشري، وصلت أخيراً. انتظرتك ثلاثة أشهر». لم يجب هوي، بل رفع القوس. قال الوحش: «إنه من جيان مو، وقد أعطاكه إمبراطور السماء لتقتلني». شدّ هوي الوتر حتى برزت عروقه وأضاءت التعويذات واحدة واحدة. قفز زاو تشي من التل، فحفر قدماه حفرتين أمامه: «دعني أرى مقدار ما تخرجه من القوس». وأفلت هوي السهم.

انشق الهواء بشعاع أخضر أبيض، لكن زاو تشي فتح فمه وعضّ السهم بنابيه؛ أضاء رأسه ثم خبا، وانكسر بين الأسنان. أصاب السهم الثاني صدره فارتد عن درع الساعد بشرر، والثالث عينه اليسرى، فمال الوحش برأسه فمرّ السهم على الحراشف. قال بازدراء: «أهذه كل صناعتك؟ لقد أُهدرت جيان مو عليك». ثم اندفع، وأدار ذيله الغليظ فضرب هوي؛ رفع هوي القوس حاجزاً، فقُذف هو والقوس عشرات التشانغ وتدحرج مراراً. خَدِرت ذراعه اليسرى وانشق كفه وسال الدم، لكنه لم يترك القوس.

قال زاو تشي: «قبل خمسة أعوام رميتني بسهم؛ عرفت أنك لست عادياً، ففي سهمك قوة دقيقة عالية القدر. ظننت أن قوة أكبر قد تجرحني. لكنك لا تحسن إخراج القوس». أخرج هوي سهماً آخر، عليه تعاويذ خرق الدروع نقشها له ساحر شيخ. شدّ الوتر وصوّب لا إلى الصدر بل إلى وسط الفم بين النابين. ابتلع الفم السهم وأغلق، غير أن تعويذته انفجرت بحمرة باهرة وفرقت الفكين شقاً. وفي تلك اللمحة مرّ سهم ثانٍ في الشق نحو الحلق. لوى زاو تشي رقبته، فخدش السهم باطن الحلق وخرج من قفاه حاملاً دماً أخضر مسوداً. زأر الوحش؛ فقد جُرح للمرة الأولى، وقوة الفوضى تتسرب من الجرح إلى داخله. مسحها بيده ونظر إلى هوي وقد تبدّل هزؤه إلى جد: «حسن. جعلتني آخذك بجد».

دام القتال ثلاثة أيام. في الأول رمى هوي مئة وسبعة سهام إلى العينين والحلق والقلب وأسفل البطن. عضّت الأسنان كل ما قصد الرأس، وردّت الحراشف معظم ما قصد الجسد؛ ولم تصنع السهام التي وجدت الفواصل إلا جروحاً سطحية. وكانت ذراعا زاو تشي وذيله وناباه كقوى الجبال، وكادت مخالبه تمزق رأس هوي مراراً. عند النجوم ابتعدا: رجع هوي إلى الحافة وقد نفد نصف سهامه وتمزق ثوبه وامتلأ بجراح، وعاد الوحش إلى التل ولم تؤلمه إلا مواضع قليلة.

وفي اليوم الثاني طاف هوي حوله، يطلق سهماً في كل خطوة من الجهات الأربع، يختبر الثغرات. وبطء دوران الجسد الهائل كشف مواضع؛ فأصاب ساقه اليسرى حيث الحراشف أرق، فدخل السهم ثلاث تشي في اللحم. نزع الوحش السهم، لكن قوة الفوضى انتشرت وجعلت حركته أبطأ بمقدار نصف لحظة—وهو نصف لحظة قاتل. وفي الثالث كان هوي منهكاً، لم يبق في جعبته إلا ثلاثة أسهم، وكل شدّ للوتر يستهلك ما بقي من دمه، وثوبه قاتم بالدم وبصره يضطرب. وكان زاو تشي بدوره يحمل عشرين سهماً على الأقل، تتآكل قواه من داخلها؛ لكنه واثق، فمقام البشر لا يحتمل ثلاثة أيام أمامه.

بعد برهة ألقى هوي قوس جيان مو، واستل سكيناً برونزية قصيرة، وركض إلى الوحش. حار زاو تشي ثم ابتسم وفتح فمه. لم يهرب هوي، بل مدّ ذراعه اليسرى في الفم. انطبقت الأسنان كالمقصّ، فثقبت الذراع من الرسغ إلى الكتف ونفجر الدم، لكن هوي دفع عظم ذراعه ولحمها بكل قوته في الفك الأعلى؛ علقت الأسنان فيها، فلا يستطيع الوحش أن يغلق فمه ولا أن يفتحه. رفع هوي السكين بيمناه. لم تكن سكيناً عادية: عليها تعاويذ باركها إمبراطور السماء، وتنبعث منها إضاءة ذهبية. أدخلها من داخل الفم في جدار الحلق الرقيق، متجاوزاً الحراشف والأسنان، فانفجرت رموزها في داخله كشمس.

حاول زاو تشي إطباق فمه أو قذف هوي أو خطفه بمخالبه أو دحرجة جسده عليه، لكن القرب منع مخالبه وخوفه على أسنانه منعه من السحق. ظل هوي معلقاً على النابين، والوحش يهزه كغصن في العاصفة، وجرح ذراعه يتسع وينثر لحماً ودماً؛ ومع ذلك ظل يطعن الحلق، طعنة بعد طعنة، حتى انتشر الذهب في عروق الوحش وخفّت مقاومته. أخيراً هوى زاو تشي، وغطى الغبار السهل وكاد رأسه يخنق هوي. انتزع هوي ذراعه: ثقبان عظيمان يمران خلالها والبياض العظمي ظاهر، لكنه حمل السكين واقترب من الرأس. لم يكن الوحش قد مات تماماً، وعيناه الحمراوان تتحركان. فقال متقطعاً: «على الأرض... سبعة... أشد مني... قتلُك لي لا ينفع... سينتقمون». فغرس هوي السكين في حلقه، وانفجر الذهب فيه وانطفأ النور الأحمر في عينيه.

مات زاو تشي. مزق هوي قطعة من ثوبه وربط ذراعه، والتقط قوسه الملطخ بالدم والغبار؛ دفئ القوس في يده كأنه يجيب. جلس هوي مستنداً إلى جثة عدوه، وبعد قتال ثلاثة أيام وثلاث ليال أغمي عليه.

# ٤. الأسنان ورؤوس السهام

استيقظ هوي في كهف عند طرف تشو هوا. لم يعرف من نقله؛ لعل إله الجبل، أو روحاً مرت بالمكان، أو أن جسده نفسه زحف إليه. كانت جروح ذراعه اليسرى قد توقفت، لكن الألم بقي كالنار. وعلى أرض الكهف أمامه نابا زاو تشي، وقد نزعهما قبل أن يفقد الوعي: كل واحد بطول ثلاث تشي، أخضر كبرونز عتيق، يفوح منه بردٌ شرير ويخفق فيه ضوء دقيق. تذكر أمر إمبراطور السماء بأن يصقلهما رؤوساً.

حاول بسكينه، فلم يترك فيه أثراً، ثم بصخر من الكهف، فانكسر الصخر. فهم أن هذه الأسنان ليست عاجاً عادياً؛ فيها قوة مسالك الروح، وأما قوس جيان مو ففيه قوة الفوضى الأولى، أصل كل القوى وقاهر كل قوة مكتسبة. لذلك كان الناب أمام القوس كالثلج أمام الشمس. وضعه على رموز القوس وراح يفركه طبقة طبقة؛ فكانت الرموز حجر سنّ يمحو المينا القاسية. وفي كل طبقة تخرج من الداخل سحابة خضراء مرئية. استنشق هوي شيئاً منها، فدارت القوة في مسالكه واستقرت في حقل طاقته، وتسارع شفاء ذراعه.

بعد سبع ليال وأيام صار الناب الأول أربعة وعشرين رأس سهم: طول الواحد ثلاث بوصات، وعرض إصبع، حداه جانبيان ورأس يقطع الشعرة في الهواء. تبدّل لونه من الأخضر البرونزي إلى أخضر داكن كاليشم القديم، وتتحرك في داخله نقط ضوء كأنها أحياء. صنع هوي السويقات من خشب الحديد الذي ينبت عند حافة تشو هوا، أصلب من البرونز لا يبلى في مئة عام. ركّب رأساً، وشد القوس نحو جدار الكهف. عند الإفلات اتحدت ثلاثة قوى: فوضى القوس، ومسالك الناب، وقوة هوي. أضاء السهم الكهف ثم دوّى، ففتح في الصخر ثغرة عرضها ثلاث تشي، وشق الشق الجبل كله إلى النور في الجهة الأخرى. كان أقوى من السهام العادية أضعافاً كثيرة.

تذكر هوي قول المحتضر: سبعة أشد مني. فصقل الناب الثاني، فحصل على أربعة وعشرين رأساً آخر، ثمانية وأربعين في جعبة كاملة. لم يتجه فوراً إلى بقية الآلهة الشريرة، بل عاد إلى كونلون ليبلّغ الإمبراطور ويمتحن السهام. وعند عبوره جبال ليان رأى إلهها، الذي تجمد عند رؤيته: «مات زاو تشي؟» أومأ هوي. قال الإله: «طوال ثمانية آلاف عام حاول جنود وآلهة وكهنة وأبطال قتله وفشلوا؛ وأنت، بشر، فعلتها». قال هوي: «الفضل للقوس». أجابه: «القوس أداة؛ كثيرون يشدّونه، قليلون يخرجون حقيقته. لست أول من أعطاه الإمبراطور قوساً، لكنك أول من قتل به إلهاً شريراً». انحنى هوي ومضى.

بعد شهر بلغ كونلون. أمره إمبراطور السماء: «خذ سهماً وارمه إلى السماء». شد هوي القوس إلى آخره، فأشرقت كل رموزه بالأخضر، وارتعش الرأس الداكن وفيه نقاط الضوء. أطلقه، فرسم خطاً أخضر أسود، وصعد حتى صار نقطة فوق الغيم. وبعد لحظات انفجر عند أعلى السماء نور أخضر أسود رآه الناس مئات اللي، وصبغ نصف السماء؛ وحسّ الموظفون ذوو البصيرة أن مسالك العالم ارتجفت. قال الإمبراطور وهو يتأمل النور: «قوة المسالك في ناب زاو تشي إذا رنّت مع فوضى جيان مو—تكفي لاختراق الغراب الذهبي».

دهش الجميع: فالغراب الذهبي تجسد الشمس؛ عشر شموس هي عشرة غربان تسكن شجرة فوسانغ شرقاً، يطير واحد منها كل يوم لينير العالم. تحيط بها نار الشمس التي تذيب أصلب معدن وتحرق أصلب صخر سماوي، والسهم العادي يصير نحاساً سائلاً قبل أن يدنو. أما هذا السهم وحده، بما جمع من الفوضى والمسالك، فيستطيع اختراقه. سأل الإمبراطور هوي: «معك ثمانية وأربعون؛ أتكفي؟» قال: «تكفي». وفهم هوي المعنى: إن اختل أمر الغربان الذهبية يوماً، فلن يحله إلا هو وقوسه وسهام الأسنان.

وصدق ذلك بعد قرون: خرجت الشموس العشر معاً، فاحترقت الأرض وجفّت الأنهار وهلكت النباتات والأحياء. أمره الإمبراطور أن يرميها، فرمى هوي تسعة غربان، واحداً بكل سهم، وأخطأ آخر سهم بمقدار بوصة فبقي واحد ينير الأرض. وكان ثمانية من التسعة قد سقطت برؤوس سهام صُقلت من أسنان زاو تشي؛ أبطلت قوتها نار الشمس في أجسادها كي لا تعود للاشتعال. لكن ذلك حديث لاحق.

أما يومئذ فخرج هوي من كونلون إلى صيد الباقين. كان هدفه السبعة الذين ذكرهم زاو تشي: شيوي شه، وفنغ شي، وجيو يينغ، ودا فنغ، ويه يو، مع تكرار اسم دا فنغ في الرواية الأصلية وذكر زاو تشي الميت؛ فحمل قوسه وثمانية وأربعين سهماً ومشى إلى البرية. وبقيت جثة زاو تشي في تشو هوا، وخبت رموز الجبال الثلاثة وصفا ماء الأنهار السبعة؛ غطّى الرمل والمطر عظام ضحاياه، وبقيت الصخرة السوداء على التل وفيها تجويفان من جلوسه آلاف السنين، ومعهما أثر شر ضعيف يذكّر المارين بأن إلهاً شريراً عاش هنا، وأن في البرية من هو أشد شراً. وكانت خطوات هوي قد بدأت فقط.

# ٥. الأثر الباقي

بعد موت زاو تشي مضى هوي يصيد الباقين. على مدى أكثر من عشر سنوات جاب البرية: رمى شيوي شه عند دونغتينغ، وقتل دا فنغ في جبل تشينغ تشيو، وذبح فنغ شي في الغابات، وقطع جيو يينغ في المستنقع السام، وقتل يه يو في الفضاء. سقطت الآلهة السبعة واحدة بعد أخرى تحت قوس جيان مو، وكل معركة كانت مريرة: كاد سم شيوي شه يأكل نخاعه، وأفسدت سموم جيو يينغ التسعة جسده حتى لزم الفراش نصف عام، وكان يه يو بحجم جبل فلم يجد هوي بداً من دخول بطنه ورمي قلبه من الداخل. وحين سقط الأخير شاب شعر هوي ولم تعد ذراع الرمي ثابتة كما كانت.

ثم انتبه إلى ثمن النصر. كلما قتل إلهاً خبت علامة على القوس، وكلما اخترق سهمُ سنٍّ موضعاً قاتلاً رقّ الهالة الجارية فيه. كانت الأدوات المقدسة تُستهلك: قوة القوس هي فوضى جيان مو الهائلة وليست غير منتهية، وكل شد وإطلاق على خصم من ذلك المقام يستهلك كثيراً منها. وقوة المسالك المحبوسة في السهم تُستثار لمقاومة شر الوحش، وكلما اشتد الشر زاد فَناؤها. كان الناب الواحد يصنع أربعة وعشرين سهماً عند قتل زاو تشي؛ أما بعد قتل السبعة فلم يبق لهوي إلا تسعة، وضاع تسعة وثلاثون: منها ما أخطأ، ومنها ما انكسر، وأكثرها صار رماداً بعد أن استنفد قوته.

وكان القوس أسوأ حالاً: خبت أكثر رموزه، وصارت عروقه الخضراء السوداء كشقوق الخشب الميت، ورخا وتره؛ ما كان يحتاج جسده كله لشدّه صار يمتد بسهولة، لا لأن هوي أقوى وحده بل لأن الوتر فقد قوته. وفي صيد الإله الأخير شعر هوي بالقوس يرتجف ويئنّ في كل شد كأنه يوشك أن ينكسر، والخفوت يتسارع كشمعة بلغت آخر فتيلها.

في ليلة الصيد الأخير جلس عند النار والقوس في حجره. لم تعد يداه تحسان بالدفء الثقيل القديم بل ببرد ينفذ إلى العظم. قال: «هل تعبت أنت أيضاً؟» فاهتز القوس قليلاً كأنه يجيب. اعتاد هوي على الحديث معه، أو مع الوعي الضعيف الباقي في غصن الشجرة الأولى؛ فجيان مو، وإن قُطع وصار غصنه قوساً، ظل فيه أثر إحساس يفهم نية حامله ويبلغه حاله. ولم يبلغه الآن إلا كلمة واحدة: التعب. سأل: «كم بقي؟» ومضت الرموز تومض ثم انطفأت. فهم أن تسعة وتسعين جزءاً من مئة قد استهلكت، ولم يبق إلا سهم واحد؛ بعده يصير القوس غصناً عادياً، قد يتجذر ويصير شجرة جديدة أو يذوي تراباً. صمت هوي طويلاً ثم ابتسم: «سهم واحد يكفي».

وفي ما تلا أتم هوي عمله في رمي الشمس. بعد السهم الأخير، عند شاطئ البحر الشرقي، سخن القوس في يده حتى كاد يفلت. اشتعل آخر رمز فيه بضوء أبيض، وصغر القوس ورقّ حتى صار غصناً أخضر مسوداً عليه أوراق فتية. سقط الغصن عند قدميه، وتجذر في التراب في لحظة فلم يعد ينتزع. وقف هوي صامتاً، ثم ركع وسجد له ثلاثاً وقال: «شكراً». وانصرف بلا قوس ولا سهام؛ الرجل الذي قتل ثمانية آلهة شريرة وأسقط ثماني شموس صار خالي اليدين.

وجد المتأخرون بقايا لجذور جيان مو في مواضع كثيرة: عند البحر، وعلى القمم، وخارج قرى بلا اسم. لكن لا أحد عرف أين الغصن الحق الذي ورث إرادة القوس. رأى مسافر على تل قرب البحر الشرقي غصناً غريباً، طوله ثلاث تشي وعليه ثلاث أوراق خضر، له مهابة عتيقة؛ وهو الذي طاف الجبال والأنهار لم ير مثله. كل من دنا منه سبع تشي سقط راكعاً كما بين يدي ملك مهيب. أخبر ساحراً شيخاً، فسكت الشيخ طويلاً ثم قال: «لعله قوس جيان مو في صورته الجديدة. أعطاه إمبراطور السماء لهوي، فقتل به ثمانية آلهة شريرة وثمانية غربان ذهبية، ثم استنفد سهمه الأخير فتحول إلى غصن وتجذر عند البحر». سأله المسافر: «هل يصير شجرة؟» هز الشيخ رأسه: «لا؛ انفصلت السماء عن الأرض وانقطع الطريق، فلا جيان مو جديد. إنه تذكار وعلامة: يذكّر العابر أن إنساناً قتل ذات يوم، بقوس وسهام، أبشع ما في الأرض».

وبعد قرون تناقلت الأجيال قصة رمي الشمس وأدرجت أسماء زاو تشي وإخوته في الأغاني، حتى اختلط الصدق بالخيال. قال قوم إن زاو تشي لم يوجد قط، وقال آخرون إن قصة هوي مبالغة: أي آلهة شريرة تحتاج إلى سهام، وأين عشر شموس في السماء؟ لكن الجبال الثلاثة بقيت في تشو هوا، وقد غطاها الطحلب والكروم وطمست رموزها؛ والنهر الأسود يلتف حولها أصفى مما كان، لكنه بلا سمك. ودخل صياد جريء ذات مرة السهل فلم يجد إلا تراباً وحجارة، حتى رأى في وسطه تلاً قصيراً وصخرة سوداء عليها تجويفان عجيبان. لمسها فآلمه طرف إصبعه، وسقطت قطرة دمه عليها فامتصتها بلا أثر. فهرب إلى القبيلة وقصّ الخبر. صمت الشيخ الرئيس ثم قال: «ذلك مقعد زاو تشي». فدهش الجميع، إذ كانوا يعدون الحكاية تسلية لا حقيقة.

وقال الشيخ: «جدّ جدّي رأى أسنان زاو تشي». وحكى أن سلفه كان يصيد قرب تشو هوا فرأى رجلاً يخرج منها بقوس عظيم أخضر مسود، جسمه جراح وذراعه اليسرى مثقوبة، ويحمل نابين أخضرين طول كل منهما ثلاث تشي. كان الرجل هوي. صقل النابين بقوس جيان مو على جبل خمسة عشر يوماً، فصنع رؤوساً تهدم السماء والأرض، ثم اخترق بها ثماني شموس وأسقط الغربان الذهبية؛ كانت في السماء عشر وبقيت واحدة بعد إسقاط تسع، وثمانية من التسع بأسنان زاو تشي. سأله الصياد: «أفرؤوس أسهم رمي الشمس من أسنانه؟» قال: «نعم». «وأين هي الآن؟» قال الشيخ: «لا أحد يدري؛ قال قوم إنها صارت ينابيع الجبل، وقال قوم دفنها هوي، وقال قوم إن الإمبراطور استردها. مصيرها لغز».

ثم قال الصياد: «كان زاو تشي أول من قتله هوي لا آخرهم، وأسقطت أسنانه ثماني شموس؛ وقال وهو يموت إن هناك سبعة أشد منه». سأل شاب: «وماذا صاروا؟» قال الشيخ: «قتلهم هوي جميعاً، واحداً بعد آخر، ولم يترك أحداً». ساد الصمت. قال الصياد وهو ينظر إلى تشو هوا: «السماء ترد الدين». قال الشيخ: «بل هو الجزاء. أكل زاو تشي الناس ألف عام قبل أن يولد هوي. وحين جاءه هوي قتله، فصارت أسنانه سهامه وأسقطت ثماني شموس. تبدو حلقات مصادفة، ولكن فيها قدر خفي».

سأل الصياد: «وماذا صار هوي؟» قال الشيخ: «لا يعرف أحد: قيل عاد إلى كونلون، وقيل دخل البرية وحده ولم يعد، وقيل مات شيخاً في قرية مجهولة ولم يترك إلا جعبة فارغة». تنهد الصياد لغياب خاتمة تليق ببطل. لم يجب الشيخ، بل رسم بإصبعه اليابس هيئة قوس في الغبار. ثم سأله الصياد عن قوس جيان مو. قال الشيخ: «صار جذراً». «جذراً؟» قال: «نعم، جذراً قديماً ربطه التراب. أنهكه العمل حتى نفد زيته، فعاد جسمه جذراً من جيان مو لا يُقلع». صمتوا، والريح بددت دخان الطبخ. وفي زاوية من القرية كان طفل يربط حبلاً بقضيب منحني فيصنع قوساً صغيراً، يشده نحو السماء ويقول: «شوو»، ثم يضحك. ولعله سيسمع يوماً قصة هوي الذي طاف البرية بقوس جيان مو وسهام الأسنان؛ كل قتيل يخفت معه رمز وهالة، حتى ماتت الآلهة وبلي القوس ونفدت السهام، ولم يبق غير بقايا أسنان وجذر عاجز عن رفع رأسه.

وهذه القصة كلها. تهب الريح على سهل تشو هوا ذي الثلاثمائة لي، تمرّ بتجويفي الصخرة السوداء؛ وقد تآكلت رموز الجبال الثلاثة، وتجري الأنهار السوداء السبع ليلاً ونهاراً كأنها نحيب الأرض. لا أحد يذكر هيئة زاو تشي ولا صورة السهل الأولى؛ غير شظايا العظام التي تغسلها السيول من قاع النهر، وآثار العضّ أو الحفر الباقية في الجدران، تلمح إلى أن إلهاً شريراً كان هنا. كانت أسنانه ثلاث تشي، صارت رؤوس سهام، ثم اخترقت ثماني شموس وسبعة آلهة شريرة وعصراً بدئياً من البطولة وهوي. وفي النهاية نفدت السهام، وبلي الوتر، وبقي جذر واحد صامتاً في أعماق الأرض.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.