في البرّية العظمى جبلٌ يدعى لينغشان. ولم يكن جبلاً من جبال عالم البشر؛ فقد انتصب من الأرض كعمودٍ يصل السماء، وغاصت جذوره في أعمق عروق الأرض، فيما غابت ذروته في السحب. في النهار كان الضوء يجري على سفوحه كالذهب والفضة، وفي الليل تتقارب منه النجوم والقمر كأن البلاط السماوي على مرمى اليد. في الجبل ريحٌ تحمل عطر الأعشاب، وضبابٌ تلوح فيه الوحوش والطيور العجيبة ذاهبةً وآيبة. كان لينغشان آخر الطرق التي تصل الأرض بالسماء. ففي أول الخلق لم يكن بين البشر والآلهة حجاب، وكانت سلالم السماء في كل موضع: يصعد البشر درجاتها، وتهبط الآلهة عليها. لكن الأزمنة قطعت جلّ تلك الطرق، ولم يبقَ إلا عمود نور في لينغشان، يشق السماء بلا انقطاع كدرب تبانة مقلوب، ويصل عالم الناس بالعالم السماوي.
وكان يحرسه عشرة سحرة، لكلّ واحد قدرة ومقام. شيخهم وو شيان، أبيض الشعر حتى الأرض، يذرع بحر السحاب بعصاه الخشبية ذات الانعطافات التسع، فيعرف طبائع الأعشاب وسمومها من نظرة. وو جي يقرأ إرادة السماء والرياح والأمطار في شقوق صدفة السلحفاة. وو بان يرى بعينين كالجمر ما وراء آلاف الأميال وحركة الروح في باطن الأرض. وو بنغ طبيبٌ يركّب الأدوية من الأعشاب، فإذا أصاب إنساناً في أسفل الجبل داءٌ شديد ظهر له في المنام وعلّمه ما يجتنيه. وو غو، المرأة الوحيدة بينهم، تسمع لغة الطير وتؤانس حيوانات الجبل الغريبة، وتحلّق على طائر تشينغ لوان فوق السحاب. أمّا وو تشن الصامت، فكان يجلس على صخرة خضراء عند الجبل، يحرس الجذور المغروسة في الجحيم السفلي ويصغي منذ عشرات السنين إلى نبض الأرض. وو لي خبيرٌ بشعائر القربان ونظام المخاطبة بين البشر والآلهة؛ وو دي يحمل فأساً حجرياً ويطوف الحدود ليطرد الشرور التي تريد سرقة طريق السماء؛ وو شيه يبلغ صوته ألف ميل، فإذا أنشد الدعاء في المراسم صعد صوته إلى تسع السماوات؛ وأصغرهم وو لوو، الفضولي الذي وطئت قدماه كل شبر من الجبل بحثاً عن عشبة أو كائن لم يُعرف بعد.
كانوا كأصابع اليد، لا يستغني واحد منهم عن الآخر. وكل صباح، عند أول شعاع على القمة، يقود وو شيان رفاقه إلى التحية أمام مذبحٍ من صخرة بيضاء طبيعية، ملساء كالمرآة ومنقوشة برموز السحر القديمة. فإذا أحاط العشرة بالمذبح ورتلوا معاً، أشعّ نوراً أبيض ضبابياً واتحد بعمود الضوء الهابط من ذروة السماء، فيرتج لينغشان كلّه قليلاً.
عندئذٍ ينفتح باب العالم السماوي؛ لا باباً ذا مصراعين، بل بقعة من ذهب متلألئ عند طرف العمود، تظهر فيها القصور اليشمية والرافعات الخالدة وظلال الآلهة. كان السحرة يطؤون النور صاعدين عكس جريانه، فيجمعون الأدوية التي لا توجد في عالم البشر ويتعلمون الأسرار التي تمنحها الآلهة، ثم يعودون بها. ويحملون كذلك آلام البشر ودعواتهم إلى الإمبراطور السماوي، يبلغونه حال العالم السفلي. وهكذا، يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام، حفظوا آخر صلة بين البشر والآلهة.
غير أن التحول كثيراً ما يأتي في أكثر الأيام اعتياداً. في صباح لا يختلف عن سواه، رفع وو شيان رأسه أثناء التحية، فارتعشت أصابعه العجوز فجأة.
— في هيئة السماء خلل.
رفعوا أبصارهم. كان عمود الضوء أبهت من ذي قبل، وذهبُه اللامع خفيفاً كأن شيئاً حجبه. والأسوأ أن مشاهد العالم السماوي التي اعتادوا رؤيتها صارت مبهمة خلف ستار ماء كدر. حدّق وو بان بعينيه النافذتين، لكنه لم يرَ إلا فوضى.
— يا أخي الأكبر، استفتِ إرادة السماء.
التفت وو لي إلى وو جي. أخرج وو جي صدفة السلحفاة ووضعها على المذبح، وأطبق كفيه على جانبيها وأغمض عينيه وهو يتمتم. أخذت شقوقها تتحرك ككائن حي. وبعد زمن طويل فتح عينيه، وقد صار وجهه أبيض مخيفاً.
— إرادة السماء… انقطعت.
— انقطعت؟ أي شيء انقطع؟ سأل وو لوو بلهفة.
لم يجب وو جي، بل ظل ينظر إلى صدفةٍ تجمّدت شقوقها في شكل لم يظهر من قبل: صدعٌ يشطرها من أعلاها إلى أسفلها نصفين. وفي تلك اللحظة أظلمت السماء.
كان عمود النور المؤدي إلى السماء يختفي. رأى السحرة، مذعورين، العمود الذي لم ينطفئ منذ ثلاثين ألف سنة وقد انقطع من منبعه كأن يداً خفية خنقته؛ انطفأ من أعلاه، طبقة بعد طبقة، ببطء لا يلين. صاحت وو غو، وأطلق طائرها تشينغ لوان صرخة حادة ورفرف ليندفع إلى النور الميت، لكن وو شيان منعه.
— لا تصعدوا. أمر الإمبراطور السماوي لا يُعصى.
كان صوته قد شاخ فجأة كأن مئات السنين انتزعت منه في لحظة.
— أمر الإمبراطور السماوي؟ كرر وو شيه، وقد صار صوته الذي يبلغ ألف ميل أجشّ لا يكاد يسمع. لماذا يقطع الطريق بين السماء والأرض؟
لم يجبه وو شيان. نظر إلى السماء التي تزداد سواداً وفي عينيه دمعة. ثم اختفى العمود تماماً. وعادت قمة لينغشان كما كانت قبل دهور: قمة عادية فيها السحب والضباب، بلا ضوء يصلها بالعالم السماوي.
وقف العشرة حول المذبح صامتين كالحجارة. وكان وو بنغ أول من نطق:
— لن نصعد إلى السماء بعد اليوم.
نعم، لن يصعدوا. الأدوية والأسرار ومحادثات الآلهة صارت ماضياً؛ وقد حُبسوا في عالم البشر. ثم تأوه وو بان وغطى عينيه وهبط قرفصاء. كان الدم يتسرب بين أصابعه.
— أنا… لا أرى.
أسعفه وو بنغ بالأعشاب، لكنه حين فتح عينيه من جديد اختفى نورهما القديم ولم يبقَ فيهما إلا حيرة إنسان عادي.
— لا أرى إلا ما داخل لينغشان.
كان ذلك علامة: بانقطاع طريق السماء بدأت قوى السحرة تضمحل. لم يعد وو بان يرى آلاف الأميال، وغدت عيناه محصورتين في الجبل؛ ولا بد أن قوى الآخرين أصابها مثل ذلك. رفع وو دي فأسه القادر على هزّ الجبال وضرب به صخرة. كان من شأن تلك الضربة أن تشق جبلاً صغيراً، لكنها لم تترك إلا أثراً أبيض ضحلاً. أنزل الفأس في صمت.
قال وو شيان أخيراً:
— انزلوا جميعاً. عودوا إلى مواقعكم. انقطع طريق السماء، لكن لينغشان باقٍ، ونحن… ما زلنا سحرة. على الأقل، الآن.
تفرقوا في صمت، وصار ريح القمة بارداً كفتات الجليد. اقترب وو لوو من وو تشن، الذي بقي منذ البداية على صخرته عند سفح الجبل، لم يصعد ولم يقف في التحية.
— أشعرتَ بكل هذا؟
أومأ وو تشن ببطء، وكفّه على الحجر البارد.
— جذر الجبل يرتج. انقطع الطريق، لكن الجذر باقٍ، ونبض ما تحت الأرض… لم يتوقف.
وضع وو لوو يده على الأرض وأغمض عينيه طويلاً، فلم يشعر بشيء؛ حتى قوته هو كانت تتراجع.
— وماذا تشعر؟
صمت وو تشن طويلاً، ثم قال:
— جيانمو. # ٢. قطع الصلة بين الأرض والسماء
في اليوم الثالث نزل رسول إمبراطور السماء إلى لينغشان. كان اسمه تشونغ لي، ومن أمضى آلهة الإمبراطور سطوة؛ وجهه كالجمر ورداؤه من لهب، حتى إن الثلج ذاب وصار سيولاً حين حلّ بالجبل. هبط على المذبح الأبيض، وما إن مست قدماه الحجر حتى أطلقت نقوش السحرة أنيناً، ثم تشققت كلها.
— أمرُ إمبراطور السماء: قطعُ الصلة بين الأرض والسماء.
كانت الكلمات الأربع كالمطرقة: ليس إغلاقاً مؤقتاً، بل قطعاً أبدياً. تقدم وو شيان وسأل لماذا يُمحى طريق قائم منذ القدم، فأجاب الرسول بلا شعور: «لا سبيل لكم إلى سبر مشيئة الإمبراطور». وسألت وو غو كيف تصعد آلام البشر ودعواتهم؛ فقال إن مشيئة السماء تراقبها ولا حاجة إلى وساطتهم. وما الأدوية السماوية؟ «لن تبقى». وما الأسرار الممنوحة؟ «تُسترد». ثم رفع يده وقال إن كل أثر للطريق السماوي في لينغشان يجب أن يُمحى.
انطلقت من كفه أفعى نار حمراء التفت حول الجبل، فأكلت النقوش والتعاويذ والعلامات الباقية من العصور الأولى. كانت تلك الخطوط حصيلة أجيال من السحرة، وكل خط منها باباً إلى السماء، فالتوت واسودّت وصارت رماداً أمام عيونهم. خرّ وو لي باكياً. واندفع وو لوو ليمنع النار بجسده، فقذفته إلى الصخر وأحرقت يديه حتى بان العظم، لكنه لم يصرخ.
عندها نهض وو تشن من صخرته، وسأل تشونغ لي: «أتريد أن تحفظ لينغشان؟ لقد انقطع الطريق، لكن الجبل خلقه إمبراطور السماء نفسه؛ فلا تهدم أساسه. امحُ آثار العبور، ودع صخوره ونباته ودوابه». سأله الرسول عن جذر الجبل، فقال وو تشن إنه غارق تحت الجحيم السفلي ولا يمس السماء. فسكت تشونغ لي، ثم حصر النار في المواضع المنقوشة؛ وحين أحرقت آخر علامة، انطفأت ولم تؤذِ الجبل.
ظل لينغشان عالياً وعسيراً، لكنه فقد هالته المقدسة وصار جبلاً لا غير. قال تشونغ لي: «تمّ القطع»، ثم صعد في عمود لهب إلى السماء. وبعده رأى وو بان، وقد انحصر بصره في الجبل، شيئاً عميقاً: جذراً ضخماً، أكبر من جذع شجرة، حيّاً وسط الصخور والحمم، يتسرب منه نور كنَفَسٍ خافت.
قال وو شيان: «إنه بقايا جيانمو». وروى أن جيانمو كانت شجرة العالم، الطريق الأعظم بين الأرض والسماء، تصعد أغصانها إلى العالم السماوي وتغرس جذورها في الجحيم السفلي؛ كان الإمبراطور فو شي يصعدها إلى السماء. لكنها يبست قديماً، فقطعها إمبراطور السماء ونثر بقاياها، ثم منح البشر عمود لينغشان بديلاً عنها. وسأل وو لوو مذعوراً: «إذن فهذه ليست المرة الأولى التي تقطع فيها السماء الطريق؟» ولم يجب الشيخ.
قال وو تشن إنه ظل ثلاثة آلاف عام يحس نبضاً غريباً في العمق، ولم يعرف أنه الجذر. سألت وو غو إن كان يمكن أن ينمو ثانية، لكن وو شيان قال إن بقايا الشجرة ميتة، وإن دفنها كان ليبقى بينها وبين السماء انفصال لا رجعة فيه. رد وو تشن بعناد هادئ: «لكنها ما زالت حية». ثم قال وو شيان، كمن شقّ قلوبهم بسكين، إنهم لم يعودوا سحرة يعبرون العالمين، بل بشراً قريبين من الآلهة لا صلة لهم بها.
قال وو تشن إنه سيبقى: إن بقيت في الجذر نفخة حياة حرسها، وإن مات حرس بقاياه؛ فلعله يأتي يوم يسلك فيه أحدهم هذا الجذر فيجد طريقاً إلى السماء. قال وو شيان إن ذلك اليوم قد لا يأتي أبداً. فأجاب: «ربما. لكنني سأبقى». # ٣. اختيار السحرة
انتشر نبأ قطع الصلة في البرّية العظمى، فتدافعت القبائل إلى سفح لينغشان: مرضى يرجون دواء السماء، وآباء يسألون عن أطفالهم، ومزارعون يسألون من يستنزل المطر. لكن المذبح تحطم ولم يعد من السماء جواب. اجتمع السحرة على منصة في منتصف الجبل، ونقوشها سوداء محطمة، وقال وو شيان إنهم أول عشرة سحرة في لينغشان وآخرهم، وإن على كل واحد أن يختار دربه.
قال إنه عاش أكثر من أربعة آلاف عام، وإن ذكرى السماء تكفيه حتى آخره، فسيعتزل في غابة ويبني كوخاً ويعيش على أعشاب الأرض. قال وو بان إنه يتبعه، فبصره الباقي يكفي لرؤية الجبال والنبات؛ وقال وو جي إن عرافته لا تحتاج إلى أداة وحدها، وإنه سيعيد اكتشاف عرافة البشر. وهكذا اختار الثلاثة عزلة الغابة.
أما وو بنغ فقال إن البشر في الأسفل يحتاجون إليه: ضاعت أدوية السماء وأسرارها، لكن خبرته في الأجساد والأعشاب لا تضيع. سيعلّم آلاف التلاميذ، فإذا لم يستطع واحد أن ينقذ الجميع، استطاع تلاميذه أن ينتشروا للعلاج. وقال وو لي إن طقوسه لم تعد تبلغ السماء، لكن الأدب يهذب القلوب، وسيضع للناس قواعد توقير السماء والأسلاف وحسن الجوار. وقال وو دي إنه سيحرس الجهات من الشرور الباقية، بما بقي له من قوة. ووعد وو شيه أن يطوف العالم ويجعل الحكايات والحكمة أغاني تحفظ للناس أصلهم وذكرى زمن اتصال الأرض بالسماء.
لكن وو غو نهضت وقالت: «لا أقبل هذه الخاتمة. من أعطى إمبراطور السماء الحق في أن يقطع صلة عمرها آلاف السنين؟ لا بد من سبب، وسأسأل عنه. سأجد سبيلاً لإعادة الطريق». ذكّرها وو لي بأن تشونغ لي أحرق كل الآثار، فقالت إن بقايا جيانمو ما زالت؛ وإن نهضت الشجرة عاد الطريق. قال وو شيان إن ذلك قد يحتاج عشرة آلاف أو مئة ألف سنة، فقالت: «أنتم تستسلمون؛ أنا شابة، أستطيع الانتظار والمحاولة، ولا أقبل قدري». امتطت تشينغ لوان وطارت نحو موضع جيانمو الأسطوري في وسط العالم، ولم يعرف أحد بعدها هل ظفرت بشيء أم ماتت وحيدة أم تحولت طائراً أزرق لا يزال يدور في السماء بحثاً عن الطريق.
وقال وو لوو إنه سيصحب وو تشن؛ لا يملك طموح وو غو، لكنه لا يطيق أن يترك الحارس وحيداً. أجابه وو تشن: «الجذر هادئ، لا يحتاج اثنين». فضحك وو لوو: «لكن أنت تحتاج». فنزل معه إلى السفح.
افترق السحرة. اختفى وو شيان وو جي وو بان في الجنوب، ولم يبقَ عنهم إلا حكايات صيادين يرون ثلاثة شيوخ بيض الشعر عند نار كوخ. علّم وو بنغ عشرات التلاميذ، فصاروا من أوائل أطباء البشر. ووضع وو لي أصل الآداب والشرائع. وحرس وو دي لينغشان، وتعلم أن القوة ليست في تحريك الجبال بل في وضع كل ذرة منها حيث يجب. وغنّى وو شيه في أسفاره حتى صارت أغانيه ميراثاً للأجيال. وبقيت حقيقة واحدة يعرفها الجميع: عند سفح لينغشان كان وو تشن ما يزال هناك. # ٤. حراسة وو تشن
الزمن نحات لا يرحم. مضت ثلاثة آلاف سنة، وكان وو تشن جالساً على الصخرة الخضراء. في الألف الأولى صار ثوبه غباراً؛ وفي الثانية التحمت ساقاه وجلده بالصخرة وصارت رمادية كالحجر؛ وفي الثالثة امتد التحجر إلى جذعه وذراعيه وعنقه، حتى صار تمثالاً كاملاً. أما إدراكه فلم ينطفئ.
كان يحس الريح تتخلل مسام الحجر، والمطر يسيل في عروقه الصخرية إلى التراب؛ وفوق ذلك كله يحس جيانمو تحت كفه، خلف طبقات الصخر والحمم والماء. كانت البقية تنبض مرة كل اثنتي عشرة ساعة: «دق، دق». وبعد ألف عام ضعف النبض وصار كل اثنتي عشرة ساعة ونصف، ثم كل ثلاث عشرة ساعة، وفي الألف الثالث صار مرة كل أربعة عشر يوماً. عرف وو تشن أنها تذوي، وأنها قد تسكت بعد ثلاثة آلاف سنة أو خمسة، لكنها ما دامت موجودة فثمة أمل.
صحبه وو لوو خمسمئة سنة، ثم شاخ؛ كان يعود كل عام ليحكي له عن القبائل والأنهار والجبال، ثم كل ثلاثة أعوام فخمسة فعشرة، ثم لم يعد. لم يعرف وو تشن أَمات في الطريق أم استقر في موضع آخر، لكنه لم يشعر بالوحدة: كان الجذر يرافقه بنبضه البعيد.
ومرت قبيلة مهاجرة فرأت التمثال. قالت طفلة إنه يتكلم، لكن أمها سحبتها. كان وو تشن يرسل إلى من يقتربون منه في النوم إشارات مبعثرة: لم يغلق طريق العالمين تماماً، بل تبدل؛ فالطاقة لا تهبط من السماء بل تصعد من الأرض. وبعضهم حمل تلك الإشارات كالبذور، فبدأ يحفر ويبحث، جيلاً بعد جيل، عن بقايا جيانمو. وحين عادوا يصلّون أمام التمثال أعطاهم دلائل أدق: إيقاع النبض، ومسار الطاقة، وموضع الشجرة القديم. تراكمت الشذرات وصارت أساطير، تشوه بعضها وبقي لبّها: تمثال عند الجبل يحرس جذراً.
لم يعد وو تشن يبالي بما يقوله الناس عن وو شيان وحكمته، وو بنغ ورحمته، وو غو وعنادهَا. كان يهمه وحده النبض الذي يضعف كل أربعة عشر يوماً. وقد أعد نفسه: إذا صمت الجذر قبل أن يفقد إدراكه، حزن عليه ثم انطفأ معه. إلى ذلك الحين سيحرسه؛ وذلك اختياره. # ٥. أصداء
بعد أزمان لا تُحصى بقي التمثال عند سفح لينغشان، وقد محَت الريح والمطر ملامحه. غير أن الحكايات قالت إن تحت التمثال بقايا جيانمو، وإن من يجدها يجد طريق السماء. جاء مسافر شاب اسمه لونغ بو من شاطئ البحر الشرقي، بثوب جلد ممزق وسلة من الكروم وفأس حجري. سجد للتمثال ثلاثاً وقال إنه قضى عشر سنوات يبحث عن السر الموروث في عائلته، ثم لم يتلق جواباً.
تأمل اليدين المغروستين في التراب، وحفر ثلاثة أيام وليالي. وفي ظهر اليوم الرابع ضرب فأسه شيئاً ليس حجراً بل خشباً يابساً. أزال التراب فظهرت جذرة غليظة كالدلو، مليئة بندوب الزمن. وضع كفه عليها، فشعر بنبضة: «دق». كانت ضعيفة لكنها واضحة. وفي ذهنه نهض صوت التمثال العتيق: «لست أول من وجدها. قبلك سبعة: اثنان أرادا اقتلاعها فذوت حين فارقت التراب؛ ثلاثة بذلوا حياتهم لتنمو فلم تكن أعمارهم إلا قطرة في البحر؛ واثنان حرساها حتى ماتا شيخوخة».
سأل لونغ بو عن خياره، فقال الصوت: إن اقتلعها قتلها، وإن وهبها حياته لم تكفِ لإيقاظها، وإن حرسها حتى آخره فلن تعود بسبب ذلك. صمت يوماً وليلة، ثم قال عند أول الشمس: «فهمت. لا تحتاج البقية أن تُوقظ؛ إنها حية في الأرض. ولا يحتاج الطريق إلى أن يُعاد؛ لقد تغيّر فقط، فالطاقة تصعد من العمق بدلاً من أن تهبط من السماء. ما نحتاجه هو أن نتعلم الإصغاء: إلى نبضها ونَفَسها وصوت الأرض». شكر الحارس على ثلاثة آلاف سنة، وخُيّل إليه أن في الحجر ابتسامة دقيقة.
بنى لونغ بو كوخاً عند الجبل، يزرع نهاراً ويصغي ليلاً، وجمع ما فهمه في كتاب سماه «عروق الأرض»: «الطاقة ليست في السماء وحدها؛ في باطن الأرض بقايا جيانمو، ميتة حية، تنبض كل أربعة عشر يوماً، وهي قلب الأرض. من سمع هذا القلب اتصل بالعالمين». عاش أربعين عاماً، ثم عاد في آخر أيامه، ووضع راحته على التراب ومات بهدوء في إيقاع النبض. انتشر كتابه، وقرأه بعد عصور جي شيوان يوان، فجمع معناه إلى تأمله في السماء والأرض وصاغ قوله: «الأرض تحاكي السماء، والسماء تحاكي الطريق، والطريق يحاكي الطبيعة»، ثم صار ملكاً حكيماً.
بقيت يد التمثال على الأرض؛ تحت التراب صخر، وتحته صخر أعمق، وعند ملتقى الحمم والمياه رقدت البقية ونبضت كل أربعة عشر يوماً. ونسي العالم أسماء السحرة العشرة، لكن اختياراتهم ذابت في دم الأرض والبشر: بقيت حكمة وو شيان في أحلام من يميزون الأعشاب، وصار طب وو بنغ أصلاً لطب الناس، وبقيت آثار بحث وو غو في طبقات وسط العالم، وصارت شرائع وو لي أساس الأدب، وأغاني وو شيه غذاء للحضارة، وإرادة وو دي ميراث الحراس. ودفن وو جي صدفة سلحفاته المحطمة في لينغشان، ولم يجدها أحد. وقيل إن عيني وو بان بعد موته صارتا نجمين تنظران إلى الجبل، وإن وو لوو مات في سفره تاركاً حكاياته في قلوب العابرين. أما وو تشن فبقي.
ومضت دهور؛ صار البحر حقولاً والحقول بحاراً، ولم يعد لينغشان لينغشان ولا البرية العظمى برية. صارت ملامح الحارس ملساء تماماً، لكن خطوطاً باهتة في الصخر بقيت كالعروق والعظام، شاهدة على رجل صب حياته في الحجر. وتحت كفه ظل الجذر ينبض، وإن طال الفاصل. وسيجد أناس بعد أحقاب شقاً تحت الكف، تتسرب منه طاقة ضئيلة، ويصغون إليه. وفي سواد لا يصل إليه بشر ظل ترتيل ساحر قديم يدور مع النبض بين الصخر والحمم؛ ما دام الجذر حياً فلن يتوقف.
ومرت أزمنة أخرى حتى غدا الجبل سهلاً، ثم نشأت فيه جبال فصارت تلالاً. وصار موضع كوخ لونغ بو منخفضاً يمتلئ بالماء في موسم المطر. أما الشق فدُفن تحت الرواسب والأنقاض والحروب والمدن والحقول، لكنه ظل يفرز كل أربعة عشر يوماً نَفَساً خفيفاً تمتصه الجذور وتحمله المياه ثم يضيع في الهواء؛ وعدٌ قديم وجملة لم تكتمل.
كان أول من كشفه حفار آبار اسمه تشانغ، ضاع اسمه الأول. حفر في فناء بيت بمدينة قامت على الأرض، ولما بلغ سبعة تشانغ ضرب فأسه جسماً ضخماً. نظفه بفرشاة فظهرت يد حجرية بشرية تضغط الأرض. حضر الناس والعاملون، وقال عالم مسن إن الأمر ليس قبراً بل تمثال قديم جداً. أخرجوه بعد ثلاثة أيام، فبان شخص جالس متربعاً، يداه على الأرض، كأنه يصغي إلى صوتها. رأى العالم الشق تحت الكف ولمعاناً ضعيفاً في عمقه كعين تفتح وتغلق؛ ولمسَه فحس اهتزازاً. ألصق أذنه به، ثم نهض شاحباً وقال: «إنه يتنفس». لم يصدقه أحد، فوضعوا التمثال في أرض خلاء خارج المدينة.
لكنه لم ينس. كان يذهب كل ليلة، يضع يده على الشق فيحس دفئاً يرشح من الحجر. وفي ليلة مظلمة حمل مطرقة وإزميلاً ليشقّه، وبعد أن اعتذر للتمثال رفع مطرقته؛ لكن ضوءاً ومض في الخطوط البالية حيث لا يصل القمر، كرمشة من بعيد، فسقطت المطرقة. في الغد أنفق مدخراته ليبني حول التمثال سوراً وباباً بقفل نحاسي.
في أول الشهر ومنتصفه كان يفتح الباب ويجلس يوماً كاملاً، يضع أذنه على الشق ثم ينصرف بلا كلام. فعل ذلك عشرين سنة، وسجل الإيقاع، ولاحظ أنه يصفو كل أربعة عشر يوماً كأنه يقول شيئاً لا يفهمه. وكان يشعر أن زمن الشق أطول وأبطأ من حياة البشر، وأن إصغاء التمثال حراسة تمتد ملايين السنين. وظل يصغي حتى آخر يوم؛ طلب من ابنه أن يحمله إلى الشق، وحين وضع أذنه شعر أن التمثال انتبه إليه. عندئذ ارتعشت البقية للحظة ولم تبتلعه، بل اتحدت به: أخذت، بأضعف طريقة، حياته كلها وذكرياته وأفراحه وأحزانه ولياليه ودفتره، كما تحمل زهرة اسم من يخبرها به. مات الرجل هادئاً وقال في آخر نفس: «حقاً…».
وبعد سنين وجد أحفاده دفتره الأصفر: تواريخ للنبض، وملاحظة عن ضعفه، وأخرى في الثلج تقول إن قلبه اطمأن حين سمعه قوياً، ثم سطر أخير: «نحن نصغي إلى الشيء نفسه، لكن ما نسمعه ناقص؛ لعل الإصغاء الحقيقي لأن أحداً اختار أن يسمع». دفنوا الدفتر عند قدم التمثال، وتحركت اليد الحجرية حركة لا يلاحظها أحد، كأنها تقول: «سمعت».
كبرت المدينة، وسقط السور وصدئ القفل، وبقي التمثال تحت شجرة سوفورا قديمة. لعب الأطفال فوقه، ومرّ الكبار به، إلى أن وقف أمامه فتى اسمه آ تشينغ، متدرّب عند آخر البنّائين الحجريين. علّمه معلمه أن لكل حجر قلباً، يُسمع في عروقه وصوته إذا طُرق. حين وضع آ تشينغ يده على التمثال لم يحس برودته وحدها، بل بيد عميقة داخل الحجر تضغط شيئاً كي تلمس وتبقى على صلة: شخص محبوس في الصخر يصغي.
ألصق أذنه بالشق. ابتعدت حشرات التراب وضجة السوق ودقات قلبه، وحلّ محلها ارتجاف بعيد: «دق، دق». فجلس ينظف التآكل بأدواته البسيطة. وتحت الغبار ظهرت خطوط طويلة دقيقة، ثم جسد إنسان مكتوب في الصخر بكل عروقه ومفاصله ووجهه. على الوجه ابتسامة خفيفة، ابتسامة من انتظر أعماراً فوصل إليه أحد. فهم أن اليد لا تسند التمثال؛ إنها تصب ما بقي من حياته في العمق. وفي الليل حلم برجل يغني عند جذع شجرة يابسة، فنبَتت ورقة واحدة، ولما التفت الرجل لم تكن في عينيه حدقات بل ضوءان تحت ماء. قال الصوت من الكف والتراب والشق: «لقد جئت أخيراً».
عاد آ تشينغ ليلاً ورأى أن خطوط أطراف الأصابع، وزاوية ضغطها على التراب، نوتات موسيقية تسجل نبض الأرض. وضع كفه فسمع بوضوح، وخلف النبض أغنية بشرية خافتة لا تزال تغني رغم أن الحنجرة صارت تراباً. فهم أن اليد تعبر عن الشكر للجذع: شكراً لأنك حيّ، لأنك تتذكر، لأنك انتظرت. أخذ طبعة للشق على ورق توت، فظهرت خريطة جذر يمتد من الكف إلى العتمة، وعند عقده علامات زمن: أربعة عشر يوماً، شهر، ثلاثة أشهر، سنة، عشر، ثلاثون، مئة، ثلاثمئة؛ وفي آخرها: «انتظرني» كأنها كتبت بشفتين ونَفَس ضعيف.
قرأ المعلم العجوز الطبعة بأصابعه وقال إنها ليست نقش شخص واحد، بل نقش رجل طوال حياته حتى بعد موته. ولما سأله آ تشينغ كيف ينقش ميت، قال: «ليست الحجارة تتشقق بسبب الضغط؛ بعضها ينتظر حتى ينتظر نفسه فينشق». فقرر آ تشينغ أن يجد الجذر لا أن يحفره، ويتأكد أنه موجود وبخير. ودع معلمه وجعل يصغي إلى التراب والصخر وجدران الآبار حول المكان. ثلاث سنين سمع الماء والنمل والبذور ولم يسمع النبض، حتى التقطه عند نهر خفي تحت جرف على بعد خمسين ليّاً: كان الماء يحمل النبض من الشق. تبع النهر سنتين ووجد موضعين آخرين.
رسم المواقع، فاكتشف أن المياه تمر بقواعد جبال لينغشان القديمة، وأنها ترسم دائرة عظيمة مركزها الشق. لم يكن الشق طرف الجذر بل قلبه؛ لم يمت الجذر بل غيّر طريقة حياته، وينشر نبضه في الماء إلى مئات الأميال ليغذي النبات والحيوان والإنسان. عرض الخريطة على معلمه المحتضر، فقال الرجل إنه رأى هذا المكان طفلاً، وإن جده أوصى سلالة البنائين بتنظيف التمثال كل عام، وأضاف الاسم المنسي: «كان الساحر وو تشن».
بعد موت المعلم صار آ تشينغ بنّاءً وبقي قرب التمثال. كان ينظف طحلبه، ويضع عند الشق عينات ماء جمعها من مسار النهر، فتصفو بعد أربعة عشر يوماً وتضيء بخفة. دوّن ذلك والنوتات في كتاب سماه «لغة الحجر»، وكتب في آخره أن ساحراً صار تمثالاً وحرس الجذر، وأن نبضه و نبض الأرض صارا واحداً، وأنه أمضى أربعين سنة ليثبت أنهما موجودان: «والنبض مستمر». وحين مات آ تشينغ، وضع يده المتقرنة فوق يد التمثال والشق، وسمع «دق، دق»، وشعر بالحجر يتحرك كأنه يقول: شكراً لأنك تذكرت، وشكراً لأنك اخترت الانتظار.
ظل التمثال يحرس والبقية تنبض، وظلت الأغنية القديمة تدور في الماء والصخر، وقد أضيف إليها اسما العالم والبنّاء كصمت قصير بين الوقفات. وبعد سنوات نسي الناس اسم لينغشان والسحرة العشرة، لكن الجبل والتمثال والجذر بقوا. يقف عندهم مسافرون ضالون طويلاً ثم يرحلون بخطو أخف، كأنهم يخافون إيقاظ أحد. لا حاجة إلى الخوف: رجل الحجر لا يستيقظ، لكنه يصغي إلى كل عابر، وإلى الريح والمطر والبذور التي تتقلب تحت الأرض، وينسجها كلها في الأغنية. فإذا ألصقت أذنك بالأرض وكنت هادئاً بما يكفي، سمعت: «دق، دق». ذلك قلب البقية، وانتظار رجل الحجر، وأقدم وعد في هذا العالم.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.