كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/24 · القسم الأول: يمين كوا فو — الفصل 4
الفصل السابق

24 · القسم الأول: يمين كوا فو — الفصل 4

ما وراء الليل

الفصل التالي

مرّ الزمن في صمت، وذاع في البرية العظمى خبر كوا فو الذي طارد الشمس. اختلفت القبائل: فمنهم من رآه متهوراً جهل قدره فهلك، ومنهم من قال إن جمال الشمس سحره فلاحقها حتى نفدت قوته؛ وأكثرهم صدّقوا الشامانات الشيوخ: لقد عرف كوا فو أنها تسقط، فذهب لينقذها؛ لم يكن أحمق، بل كان بطل البرية. ولم يعرف الحقيقة إلا قلة شهدت المطاردة كلها، وكانت شجرة رو عند وادي يو واحدة منهم.

بعد أن عادت الشمس إلى مدارها عادت رو إلى الحياة. تساقطت أغصانها اليابسة، ونبتت في خشبها أغصان وأوراق خضراء طرية، والتحمت شقوق جذعها، وإن بقيت ندوبها الغائرة. وبسطت تاجها الممتد آلاف الليّات لتمس كل ورقة ضوء الشمس المستقر. لم تنس كوا فو: العملاق المتفحم حين اقتحم الوادي، والبخار المتصاعد من جسده وهو يرفع الشمس بعصا جيانمو، ورجفة الأرض حين سقط. حملت رو شموساً متعبة في غروب لا يحصى، لكن غروب ذلك اليوم أوقفه عملاق بلحمه ودمه؛ فحفرت الذكرى في حلقاتها. وفي حلقة تلك السنة خط أحمر قاتم كدم متجمد لم يبهت قط. ثم أتى الاعتدال الربيعي.

كان أول اعتدال بعد موت كوا فو. مضت واحد وتسعون يوماً من الانقلاب الشتوي، وظلت غابة دنغ ساكنة في وادي يو: الخوخ مزهر، ودقات النبض تسمع في الظهيرة. لكن صباح ذلك اليوم تفتحت كل أزهارها، لا تفتحاً عادياً بل اندفاعاً مجنوناً استنفد قوته؛ انفرجت البتلات إلى مداها وانكشفت الأسدية، وطارت حبوب اللقاح في الصباح كدخان ذهبي. تحوّل لون الزهر من وردي فاتح إلى قرمزي يكاد يكون دماً، حتى بدت الغابة بحراً من نار. ثم بدأت البتلات تهوي.

هوت مع الريح، وهزتها الأشجار من نفسها؛ وتساقطت أزهار مئات الليّات كالمطر، تحجب السماء. ولم تذب هذه المرة في التراب كنقاط ذهبية، بل تراكمت وصارت جدولاً من بتلات يسيل ببطء نحو جمجمة كوا فو. وفي الوقت نفسه صعد من أعماق الأرض ارتجاف خافت عميق، كأن كائناً هائلاً في باطن العالم انقلب على جنبه. وصل أثره من الأرض التاسعة ضعيفاً إلى السطح، لكن كل شجرة أحست به؛ ارتعشت الجذور معاً، ونقلت الرجفة إلى الجذوع والأغصان، فحكت الأوراق بعضها ببعض كأنها تجيب نداءً لا يُرى.

في ذلك الاعتدال استيقظت بقايا جذور جيانمو المدفونة منذ العصور. ولأول مرة دفعت طاقتها الروحية من تلقاء نفسها إلى السطح؛ صعدت خلال جذور الخوخ، وملأت الجذوع والأوراق والزهور، وصبغت البتلات قرمزية، ثم سقطت معها. واستمر المشهد إلى الظهيرة. وحين توسطت الشمس السماء وأشرقت عمودية على دنغ لين، أطلقت كل أشجار الخوخ في وقت واحد صوتها المألوف: «دُم... دُم... دُم». كان ثقيلاً قوياً منتظماً، كوقع كوا فو وهو يركض، لكنه هذه المرة أعلى بأضعاف. ارتجت الغابة مئات الليّات، واجتمع صوتها موجة هائلة هزت البرية كلها.

توقف كل من سمعه: ترك الصياد قوسه، والفلاح محراثه، والنسّاج مكوكه، وفتح المتعبد عينيه. وسمعته قبائل على بعد آلاف الليّات، فخرج أهلها ونظروا نحو دنغ لين. امتلأت عيون كثيرين بدموع لا يعرفون لها سبباً، وبحزن ورهبة وتأثر لا يخصونهم وحدهم؛ كان ذلك رنيناً تشترك فيه السماء والأرض. عندئذ أضاءت البتلات على الأرض: صارت كل بتلة نقطة قرمزية، لا تحصى عبر مئات الليّات، وغاصت في الطين وسارت مع جذور الخوخ إلى العمق. ولو نظر ناظر من علو لرأى تحت الأرض أسراباً من النقاط القرمزية تعبر طبقات التراب والعروق الصخرية والكهوف والمجاري المائية حتى تبلغ موضعاً واحداً.

بلغت بقايا جذور جيانمو: شبكة هائلة تمتد عشرات آلاف الليّات تحت الأرض التاسعة. أحاطت بها النقاط كيراعات، وهبطت على جروحها التي لم تلتئم منذ آلاف السنين، واندست فيها. ومع كل نقطة كان الجرح يشفى حقاً ويغلقه غشاء قرمزي رقيق. كانت تلك هدية كوا فو الأخيرة إلى جيانمو. امتزج جوهره بغابة دنغ؛ نمت الغابة من طاقة جيانمو، ثم ردّت إليها جوهره في الاعتدال بتلاتٍ تغذي جذورها. كانت دائرة تعايش، آخر معجزة نسجها العملاق المطارد للشمس بموته.

سأل الناس الشامان العجوز عما رأى. صمت طويلاً ثم قال: «تلك العصا غصن كُسر من جيانمو، وظل ينتظر أن يُغرس ثانية في الأرض.» ولما سألوه المعنى هز رأسه ولم يزد؛ أشار بإصبع يابس إلى الشمس ثم إلى الأرض، ومضى، واختفى في الخوخ كأنه لم يكن.

ومنذ ذلك الحين شاع أن مطاردة كوا فو لم تكن مصادفة: حين قُطعت جيانمو زُرعت العلة، وتناثرت أغصانها تنتظر من يقبل الموت ليعيدها إلى جوار الجذور. وجد كوا فو الغصن، فأنقذ به الشمس ووصل به بقايا جيانمو بالسماء والأرض من جديد. وكانت الوحوش والطيور والريح التي رأته يركض ما تزال تحس في عمق الغابة بحرارة صراعه مع الشمس. وفي غسقات اعتدالات كثيرة، حين يحمر الخوخ كأنه دم، أقسم قوم أنهم رأوا ظلاً عملاقاً ينهض من قلب الغابة ويتجه غرباً إلى وادي يو. كان صامتاً ثابتاً، تمضي خطواته الثقيلة على إيقاع دقات الأشجار؛ لا يلتفت، حتى يضيع في الشفق. وعند غيابه تهتز الأشجار كلها، وتهمس أوراقها كأنها تودعه، وتحمل الريح البتلات إلى وادي يو، إلى موضع غروب الشمس.

وفي السنة الثالثة بعد رحيل الشامان قامت عند طرف دنغ لين كوخ من قش، على التل الشرقي حيث لمست عصا كوا فو الأرض أول مرة. لم يعرف أحد بانيه. كانت أبوابه ونوافذه تواجه الغابة كعين صامتة تحدق في بحرها القرمزي. وكان العابرون يدخلونه فلا يجدون شيئاً إلا كتابة ضحلة في الطين، كأن غصناً يابساً خطها؛ لم يقرأ أحد العبارة كلها، ولم يتبينوا إلا كلماتها الأخيرة: «أعيده إليك». وصار الاعتدال عيد دنغ لين: كل عام، حين تبلغ الشمس الدرجة الصفرية، يأتي الاهتزاز من الأعماق، لا كقصف السنة الأولى بل كنبض قلب عظيم ثابت. وتحمر الأزهار، وتسقط عند الظهر، وتصير نقاطاً تغور في الأرض. عام إثر عام، لا ينقطع الدوران.

وبعد ستين أو سبعين سنة جاء شامان شاب من الشمال اسمه شيان، من فرع قبيلة شوان مينغ؛ وُلد يسمع ما لا يسمعه غيره. قال في يومه الأول إنه يسمع شيئاً يتنفس تحت الأرض. سخر الناس منه، فلم يغضب. ظل ثلاث سنين يجلس في عمق الغابة، يلصق أذنه بجذع خوخ يوماً كاملاً. وفي اعتدال السنة الثالثة نهض فجأة، ومضى إلى أقدم شجرة، وشق كفه بسكين حجرية وقطر دمه على جذورها. وما إن دخل الدم التراب حتى ارتجفت كل أوراق الشجرة. أغمض شيان عينيه وحرك شفتيه كأنه يحادث خفياً؛ تبدل وجهه من السكينة إلى الصدمة، ثم إلى الحزن، ثم إلى شفقة لا توصف. وبقي في دنغ لين سبع سنين أخرى.

خلالها جاب كل شبر فيها وقاس بخطاه مسار جذور جيانمو. فاكتشف أنها لم تسكن تماماً بعد قطعها، بل تنمو ببطء في اتجاه سقوط كوا فو، إلى وادي يو. أما الجروح التي ختمها جوهره فلم تشفَ نهائياً؛ كانت تتشقق ببطء ثم يغلقها غشاء قرمزي جديد، مراراً كندبة لا تبرأ أبداً. قال شيان: «جيانمو تنتظر، تنتظر أن يعود موضع القطع فيتصل.» ولم يفهمه أحد. وفي يوم رحيله رأى أزهار الغابة كلها تتفتح، أبهى مما كانت عند قدومه، تثقل الأغصان كوداع عظيم. انحنى لها انحناءة عميقة، ثم سار غرباً لا شمالاً، إلى وادي يو؛ قال إنه سيبحث عن العملاق الذي لم يعد بعد، ليسأله سؤالاً.

فلما سألوه قال مبتسماً: «أريد أن أسأله: حين شرب نهر وي حتى جف، هل خطر له قط أنه سيستطيع الرجوع؟» وبعد رحيله اتسعت حكايات كوا فو. قال قوم إنه لم يمت، وإن روحه تهيم في وادي يو وتنظر كل ليلة إلى دنغ لين؛ وقال آخرون إنه صار أقدم شجرة خوخ، تمد جذورها إلى بقايا جيانمو كيد عملاق تقبض على جرح قديم. وقال غيرهم إن من وقف وحيداً في قلب الغابة عند غروب الاعتدال سمع همسة بالغة الخفوت، كأنها تصعد من الأرض أو تهبط من السماء؛ وقال بعضهم إنها لكوا فو، وقال آخرون إنها لجيانمو.

كانت الهمسة: «لم يبق إلا خطوة واحدة». ولم يعرف أحد ما تلك الخطوة: أهي الخطوة الأخيرة التي لم يخطها كوا فو في مطاردة الشمس؟ أم الفجوة التي لم تلتحم حيث شُطرت جيانمو؟ أم لحظة لم تأت بعد؟ إلى أن تأتي، ظل كل شيء على حاله: العملاق يرقد، وجيانمو نائمة، وخوخ دنغ لين يزهر ويذوي ثم يزهر. وذاع صيت الغابة حتى بلغ الآلهة. ففي ذلك الزمن لم يكن الحجاب بين الآلهة والبشر تاماً؛ وكانوا في علو كونلون يلتفتون أحياناً إلى العالم الأسفل. فسمع إله شاب، قيّم حدائق السماء، بغابة خوخ سقتها روح عملاق، فنزل متنكراً في هيئة ناسك جوال.

أقام فيها يوماً وليلة. في النهار كان هادئاً مستخفاً؛ رأى الخوخ جميلاً، لكنه عدّه نباتاً أرضياً لا يقاس ببستان خوخ الخلود في السماء. وقف في وسط الغابة وضحك: «كوا فو ليس إلا عملاقاً من البشر؛ وماذا تنبت روحه من عجب؟» لكن الليل أتى ولم ينم. جالساً بين الأشجار أحس بشيء غير مألوف: وجود لا يتصوره عقل يدور ببطء في أعماق الأرض، دورة تمتد يوماً وليلة ومقياسها عشرات آلاف السنين؛ بطيئة تكاد لا تُدرك، لكنها حقيقية، صامتة قديمة، تحمل قوة ليست للسماء ولا للبشر. مد وعيه الإلهي إلى العمق، فلما مس بقايا جيانمو اندفعت قوة قذفته ثلاث تشانغات، فسقط على الأرض بعنف.

نهض شاحباً. أحس في الجذور بعناد هائل لا يُحل: عناد كوا فو، وجيانمو، والسماء والأرض، والنظام الذي قُطع قسراً. كان ثقيلاً كالأرض، عميقاً كأقصى بحارها السحيقة؛ ولم يشعر الإله بمثله قط، لا في السماء ولا في أقدم آيات كونلون. عاد إلى ملك السماء وأخبره. صمت الملك طويلاً ثم أصدر أمراً واحداً: «لا يطأ إله من آلهة السماء أرضاً على مسافة مئة ليّ من دنغ لين.» نُفذ الأمر بلا تفسير، فتناجت الآلهة، ولم يفهموا قصد الملك. أما القيّم الشاب فأدرك بعضه: كان الملك خائفاً وحامياً في آن؛ يحمي السماء من قوة الأعماق التي لا تضبط، ويحمي دنغ لين من فضول الآلهة. فالغابة تحتاج إلى سكون لا يقطع مهمتها التي لم تتم.

وبعد ذلك بقليل هز اكتشاف آخر البرية. ظهر على جذع أقدم خوخة في دنغ لين أثر خفيف كندبة صاعقة. ومع الزمن اتضح حتى صار هيئة عملاق يحمل عصا ويركض بخطوات واسعة. لم ينحته إنسان؛ نما من داخل اللحاء، مندمجاً تماماً بعروق الشجرة، كأنها أنبتت صورة بنفسها. رآه أول مرة شامان مسن يجمع صمغ الخوخ، فجثا وسجد طويلاً. قال: «ليس أثراً، بل ظل كوا فو؛ صورته وروحه نفذتا في كل ليفة من جذور هذه الشجرة إلى تاجها، ومن لحائها إلى قلبها. ليست شجرة؛ إنها آخر ما تركه كوا فو للعالم.»

وفد ناس لا يحصون لرؤية الأثر، لكن كلاً رأى غير ما رأى الآخر. رأى المؤمنون بكوا فو هيئته كاملة بعصاه وخطاه؛ ورأى المتعمقون في السلوك قوانين السماء والأرض الغامضة في خطوطه؛ ورأى عامة الناس لطخة سوداء مبهمة؛ أما المستهزئون فلم يروا إلا شجرة خوخ عادية لا أثر فيها. ولما سُئل الشامان قال: «كوا فو طارد الشمس عمره كله؛ لذلك لا يظهر جوهره إلا لمن يريد المطاردة. إن كنت لا تريد حتى أن تنظر حق النظر، فلِمَ يريك؟» فلم يجرؤ أحد على كلام بعد ذلك.

ومر الزمن، فنمت أشجار دنغ لين أخصب وأكثف، لكنها خالفت كل خوخ: لا تثمر، بل تزهر في الاعتدال كالسحاب، ثم لا يبقى بعد سقوط الزهر إلا الورق الأخضر حتى الخريف، ثم تعود في الربيع. قال بعضهم إن جوهر كوا فو محرق حتى إن الزهور تستنفد قوتها فلا تطيق الثمر؛ وقال آخرون إن تلك الزهور ليست زهوراً بل أرواح العملاق، وكل واحدة قطرة عرق نثرها في ركضه، فإذا سقطت تجذرت، فلا ثمر لها.

وبعد أعوام لا تحصى أثمرت خوخة صغيرة لا يكاد يلحظها أحد ثمرة واحدة، في آخر غصنها. كانت صغيرة، قرمزية داكنة حتى تكاد تسود، ولم تنضج في الصيف ولا الخريف، بل عند غروب الاعتدال. مر مسافر فرأى الثمرة المتدلية، فاقتطفها وقضم منها. نفذت حلاوة صافية إلى قلبه كأن شيئاً اخترقه، فارتج جسده ووقف مذهولاً في دنغ لين سبعة أيام وسبع ليال.

في اليوم السابع قال فجأة: «إنه لا يزال يركض.» ثم سقط ولم يفق. فوجد الناس أن أحشاءه كلها صارت خشب خوخ: قلبه وكبده وطحاله ورئتاه وكليتاه، تفوح منها رائحة خفيفة كعطر الغابة. وسقطت الثمرة المقضومة فتعفنت سريعاً وغاصت في التراب، وماتت الخوخة التي أثمرتها في تلك السنة، كإنسان أتم مهمته فوضع حمله. دفنوا المسافر في دنغ لين، وفي صباح اليوم التالي نبتت فوق قبره شتلة خوخ صغيرة تهتز أوراقها الخضراء في نسيم الصباح. وفي ثلاثة أشهر صارت شجرة، وأزهرت في اعتدال ذلك العام. وعدّ قوم زهورها فكانت بعدد سني عمر المسافر حين مات.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.