في اليوم الثالث بعد موت كوا فو هطل مطر من السماء. لم يكن مطراً عادياً، بل غيثاً نازلاً من السماوات التسع، يحمل خيوطاً من نور ذهبي باهت، كأن كائناً في العلو يبكي العملاق. وحين وقع على جثمانه الأسود المتفحم هسّ وصعد بخار أبيض ملأ الجو، واجتمع فوق وادي يو سحابة مائية هائلة كثيفة. دام المطر سبعة أيام وسبع ليالٍ. وفي صباح اليوم الثامن توقف، وتفرقت السحابة ببطء وعاد ضوء الشمس إلى الوادي. عندئذ رأى الناس أن الجسد تبدل: أذابت الأمطار جلده ولحمه المحترقين وحملتهما إلى الأرض، فلم يبق إلا هيكل عظيم أبيض كالجبل، يمتد مئات الليّات في التراب المحروق. ارتفعت أضلاعه كالقناطر، والتوى عموده الفقري كسلسلة جبال، وكان جمجمته قمة بيضاء.
وبجوار الهيكل، حيث غرست عصا جيانمو نفسها، نمت شجرة. كانت شجرة خوخ، خرجت من رأس العصا، جذعها مستقيم ولحاؤها أملس أحمر داكن، وأغصانها وأوراقها على كثافتها كالمعجزة. غذتها أمطار الأيام السبعة، وأطعمها ما صار من جسد كوا فو إلى الأرض، وملأتها القوة الباقية في غصن جيانمو. وفي سبعة أيام بلغت مئة تشانغ، وبسطت تاجها كالمظلة وامتلأت بأزهار خوخ وردية. تفتحت الزهور واحدة بعد أخرى، طبقات فوق طبقات، حتى بدت من بعيد سحابة وردية حطت في وادي يو. لكن ذلك لم يكن إلا البداية.
في تلك الليلة امتدت الجذور بجنون في باطن الأرض. كانت العصا أصلاً غصناً من جيانمو، وفيها حياة الشجرة المقدسة؛ فانفجرت تلك الحياة كلها بتغذية جثمان كوا فو. سارت الجذور في التراب كتنانين سابحة، وفي ليلة واحدة امتدت مئات الليّات. وخرجت أشجار خوخ جديدة، واحدة وراء أخرى، وقطعة وراء قطعة. وعلى اتجاه سقوط كوا فو وطريق ركضه لمطاردة الشمس، اندفعت الأشجار من باطن الأرض كالموج، شقت التراب، ونفضت عنه الطين، وبسطت أغصانها وأزهرت. وفي ليلة واحدة غطت أشجار الخوخ مئات الليّات من وادي يو إلى وسط البرية. صارت غابة لا نهاية لها، غابة دنغ التي عرفت لاحقاً.
كانت دنغ لين، غابة كوا فو، معجزته الأخيرة التي سقاها بحياته. انتشر الخبر في البرية، فجاء من شهد ركضه، والقبائل التي شرب أنهارها، وكل من ارتعد تحت قدميه، ليروا ما تركه وراءه. ذهل القادمون: بحر من الخوخ يمتد مئات الليّات، شجرة تلتصق بأخرى، وأغصان تتشابك وزهور تتقابل، وسحاب وردي مفروش على الأرض كأن أجمل شفق في السماء قُصّ وفرش هناك. كانت الرائحة حلوة كثيفة، تحملها الريح إلى مئات الليّات؛ وجاء النحل من كل الجهات، وتراقص الفراش بين الأزهار بأجنحة تعكس ألواناً شتى.
غير أن أعجب ما في دنغ لين لم يكن فوق الأرض بل تحتها. كان بين أوائل زوارها ممارس من جبل روحي، خبيراً بالفنغ شوي يرى أنفاس الأرض ومسارات عروقها. وقف طويلاً عند الحافة، وانتقل وجهه من الحيرة إلى الذهول ثم إلى عدم التصديق.
— مستحيل... هذا مستحيل.
سأله أصحابه عما رأى. أخذ نفساً وأشار إلى الأرض.
— جذور هذه الغابة تغرز إلى الأسفل، تعبر التراب والصخر وحجب العروق الأرضية طبقة طبقة... وقد وجدت موضعاً لا يصدق.
— أي موضع؟
— جذور جيانمو الباقية.
قالها بصوت خافت كأنه يخشى إيقاظ شيء. لم يصدقه أحد؛ فجذور الشجرة التي قطعت قبل عصور مدفونة تحت الأرض التاسعة، ولا يكاد حتى العظماء المعتزلون يعرفون موضعها. لكنه أخرج مرآة نحاسية تكشف الطاقة في باطن الأرض. فرأى الناس في المرآة شبكة جذور هائلة تمتد هناك؛ أكبر حتى من هيكل كوا فو، ملتوية آلافاً لا يعلم عددها من الليّات كتنين نائم. ملأت سطحها شقوق وجروح من يوم فصل السماء عن الأرض، وما زال يرشح من الجروح سائل ذهبي باهت، عصارة جيانمو وخلاصة الحياة الأنقى بين السماء والأرض.
كانت جذور الخوخ تلتف حول تلك البقايا بلا حصر، تمشي على سطحها وتتشابك كأيد لطيفة تمس جروحاً لم تلتئم منذ ألوف السنين. تمتص العصارة الذهبية وترفعها عبر عروق دقيقة لا تحصى إلى كل شجرة، فتصبح أعظم نمواً وأشد إزهاراً. تلك دنغ لين: غابة صنعتها عصا كوا فو وتعيش من القوة الروحية التي ترشحها جذور جيانمو، فصارت من أغزر مواضع الطاقة في البرية.
أعاد الممارس مرآته وصمت طويلاً، ثم قال:
— كوا فو لم يكن أحمق. لم يطارد الشمس وهو يجهل أنه سيموت؛ كان يعرف ومع ذلك مضى.
نظر أصحابه بعضهم إلى بعض. حدق هو في بحر الأزهار الذي ينعكس وردياً في عينيه.
— لم تكن عصاه خشبة عادية، بل غصناً من جيانمو، الشجرة التي وصلت السماء بالأرض. لما قطعت انقطع الطريق، لكن جذورها بقيت، وتناثرت أغصانها في أنحاء البرية، وفي كل غصن إرادة صغيرة منها.
— أية إرادة؟
— أن تصل السماء بالأرض من جديد. ماتت جيانمو، لكن إرادتها الباقية لا تزال تريد أداء مهمتها. حين لامست عصا كوا فو الشمس، اتصل ما انقطع منذ ألوف السنين في لحظة؛ ليس اتصالاً كاملاً، بل إمكان اتصال. وقد شعرت به الجذور، فأفاقت من سباتها العتيق وبدأت ترسل قوتها إلى الأرض. غذت تلك القوة غابة الخوخ، والغابة بدورها تعيد الغذاء إلى الجذور: تلتف بها وتحميها من القوى التي تنخر الأرض، وتداوي جروحها رويداً.
— إذن كان كوا فو يعرف كل ذلك منذ البداية؟
— لعله عرف، ولعله لم يعرف. لكنه فعله في كل حال. بموته لم ينقذ الشمس فقط، بل أعطى جيانمو بصيص حياة.
سكت الجميع. اهتزت أزهار الخوخ في النسيم، وتساقطت بتلاتها ففرشت بساطاً كثيفاً. وما إن لمست الأرض حتى تحولت إلى نقاط ذهبية باهتة وغاصت في التراب، ثم سارت عبر الجذور إلى عصارة جيانمو، فأتمت دورة صغيرة. وازدادت طاقة دنغ لين غنى، فجذبت طيوراً ووحوشاً غريبة من كل البرية؛ بنت أعشاشها فيها، ونما تحت حمايتها نبات ودواء نادران، فصارت أرضاً روحانية نابضة لا تشبه سواها.
ثم وجد أوائل الزائرين أمراً آخر. في وسط الغابة كانت أشجار الخوخ أعلى، وأغلظها لا يطوقه إلا عشرة رجال. واجه جذعها موضع جمجمة كوا فو، ومدت أغصانها فوقها تماماً كمظلة هائلة تقيه الريح والمطر. ونمت حولها أزهار شديدة الحمرة تكاد بلون الدم. وكلما بلغت الشمس وسط السماء وأصابت الشجرة مباشرة، خرج من جذعها صوت مكتوم قوي: «دُم... دُم... دُم»، بإيقاع واضح كقلب عظيم. سمعه بعضهم أول مرة فسقطوا ظانين أن كوا فو عاد إلى الحياة، لكن عظامه بقيت ساكنة. كان الصوت يبدأ في الظهر وينتهي بعد مدة عود بخور، ومن ألصق أذنه بالجذع عرف أنه يخرج من داخل الشجرة. ولم يكن من تلك وحدها: كانت كل أشجار دنغ لين تصدر الصوت نفسه معاً، وإن كانت الشجرة المركزية أوضحه. وأدرك الناس أن إيقاعه يشبه خطى كوا فو حين كان يركض، كأن العملاق ما زال يطارد الشمس.
وكل ماء يرش عند جذور الأشجار كان يختفي سريعاً في الأرض. ظنوه أولاً من شدة يبس التراب، ثم عرفوا أن الماء، مهما تتابع سقيه ومهما كثر، يغور في باطن الأرض كأن هوة بلا قاع تبتلعه. سقوا الماء في مواضع مختلفة، فوجدوا أنه يتجمع كلها عند جذور الشجرة العظمى في المركز، ثم يسير مع جذور الخوخ إلى بقايا جيانمو. كانت الجذور تشرب. شهقوا جميعاً: ماتت جيانمو منذ ألوف السنين، لكن بقاياها لا تزال حية، واعية، عطشى. شرب كوا فو النهر الأصفر ونهر وي ولم يروَ حتى مات، وغابة عصاه صارت تنقل إلى جذور جيانمو ماء تقدمه مخلوقات لا تحصى.
تنهد شامان عجوز وقال:
— إنه تعلق كوا فو الذي مات عطشاً. كان أشد ما يريد عند موته الماء، فانتقلت إرادته إلى دنغ لين، إلى أشجار الخوخ التي صارت منها العصا؛ ولذلك لا تكف الغابة عن امتصاص الماء. ولهذا تحتاج إلى الطاقة التي ترشح من جذور جيانمو: إنها طاقة مائية، عصارة جيانمو، الشيء الوحيد بين السماء والأرض القادر على ري هذه الغابة.
ومنذ ذلك اليوم لم يأت الناس إلى دنغ لين للعبادة بماء عادي فقط، بل حملوا ماء الينابيع الروحية التي جمعوها من كل موضع. آمنوا أن الماء يروي الغابة وجذور جيانمو وروح كوا فو البطولية التي لا تنطفئ.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.