كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/24 · القسم الأول: يمين كوا فو — الفصل 2
الفصل السابق

24 · القسم الأول: يمين كوا فو — الفصل 2

ما وراء الليل

الفصل التالي

بلغ كوا فو وادي يو. وبينما يركض رفع رأسه فرأى الوادي العميق المحاط بالجبال. كان وادي يو موضع غروب الشمس، وآخر أرض البرية العظمى غرباً؛ ففي كل مساء تهبط الشمس إليه من السماء، وتستريح على أغصان شجرة رو، ثم تنهض من الشرق في صباح الغد. وكان الوادي كإناء هائل، تطوّقه جبال متصلة على هيئة حلقة، وفي قلبه تنمو شجرة رو المقدسة، بتاج يحجب السماء ويمتد آلاف الليّات. غير أن رو كانت تحتضر: ماتت مساحات واسعة من أغصانها وأوراقها، وتساقطت الأوراق المحروقة من الفروع فصارت رماداً طائراً، وانشقت في الجذع شقوق عميقة تسيل منها عصارة مضيئة حمراء قاتمة، جوهرها الذي لا يمكن استرداده. كانت جذور رو موصولة بالشمس: تضعف الشمس فتذبل رو، وتذبل رو فتزداد الشمس ضعفاً. إنها أقدم صلة وأعمقها بين السماء والأرض، وكانت الآن تتمزق.

اندفع كوا فو إلى الوادي، فأهاج جسده الهائل عند دخوله عاصفة جعلت ما بقي من أغصان رو يتخبط بجنون. حملت الريح أوراقها السوداء المتفحمة، فدارت في الجو كأن ثلجاً رمادياً يهطل. داس جبال حافة الوادي، فتكسرت تحت قدميه كما ينكسر الطين المشكّل، وتدحرجت الصخور في القاع بدوي مكتوم. وكانت الشمس فوق الوادي على مسافة أقل من ثلاثة آلاف تشانغ. هبطت حتى صار يرى، إذا رفع رأسه، كل موجة نار تضطرم على سطحها وكل أخدود متشقق فيها. وكانت شجرتها الإلهية المركزية ترتجف بعنف، وجذورها تنقطع واحداً بعد آخر؛ وكلما انقطع جذر هبطت الشمس قليلاً وخبا نورها قليلاً.

وقف كوا فو تحتها. لم يبق بين رأسه والشمس سوى ألفي تشانغ، وهو لجسده مسافة تكاد تكون في متناول اليد. أحس بحرها الذي لا يوصف. كانت رطوبة جلده تتبخر بصوت هسيس، وتشقق فمه كقاع نهر جفّ لسنين، ولسانه مملوءاً شقوقاً دقيقة. وكل نفس كأنه يبتلع جمرة متقدة. أوجعت عيناه موجة الحر فضاع بصره في ضباب أحمر بلون الدم. وكانت الحيّات الصفراء الأربع قد أغمي عليها: تلك التي على ساعديه تدلت رخوة، تساقطت حراشفها رقعاً واسعة، وانكشف الجلد الأسود تحتها. أما اللتان في صدره فكانتا أسوأ حالاً؛ كوّتهما حرارة صدره حتى انكمشتا كحبال محترقة. أنزل الحيّات الأربع برفق ووضعها على الأرض الملتهبة، فارتعشت ضعيفاً. قبض حفنة تراب ودفنها فيها، ولم يترك إلا رؤوسها؛ فباطن التراب أبرد من السطح، وذلك آخر ما يملك أن يفعله لها.

— انتظرنني.

قالها كوا فو بصوت صار خشناً إلى حد أنه لا يكاد يكون كلاماً، كحكّ الرمل بالصخر. لكن الحيّات فهمت. أخرجت إحداها لسانها بآخر قوتها، وتدحرجت دمعة من عينها العكرة. استقام كوا فو ورفع بصره إلى الشمس الهائلة. ورأته الشمس أيضاً: في لحظة سكنت بحار النار المتقلبة على سطحها فجأة، وكفت الشجرة المشتعلة عن الارتجاف، وسكنت أغصانها كلها كأنها تنتظر.

استنشق كوا فو نفساً عميقاً؛ كان نفسه الأخير. ملأ الهواء المحرق رئتيه، فشعر بهما تحترقان وتنكمشان وتصيران قطعتين من فحم أسود، لكنه لم يزفر. حبس أنفاسه وصب كل قوته في ذراعيه. ثم رفع عصاه. أطلقت عصا جيانمو في يده ضوءاً ذهبياً باهراً غلب لهيب الشمس، وأضاءت فيها العروق الشبيهة بحلقات السنين، حلقة بعد حلقة، كأن تنانين ذهبية صغيرة تدور على سطحها. رفعها عالياً وصوّبها إلى الشمس الهابطة.

ثم قفز. قفز عملاق. دفع كوا فو الأرض بقدميه حتى غاص قاع وادي يو عدة تشانغات، وتكسرت الصخور وارتجت الأرض، واهتزت جبال الحافة ثم انهارت واحدة بعد واحدة. اندفع جسده إلى السماء، حاملاً العصا التي امتد ذهبها عشرة آلاف تشانغ، مستقيماً نحو الشمس. ثلاثمئة تشانغ.

مئتان. مئة. تقلصت المسافة سريعاً. أحست أمواج النار برائحة جيانمو فهاجت بجنون؛ لم يكن هيجانها يأساً كما كان من قبل، بل استقبالاً يكاد يكون فرحاً. فردت الشجرة الإلهية المركزية أغصانها، ومدت كل ورقة نارية نحو كوا فو، وانحنى كل غصن من نار بيضاء صوب العصا. عرفت الشمس جيانمو.

كانت جيانمو، في الأزمنة الأولى، شجرة تصل السماء بالأرض، وطريق الشمس في انتقالها بينهما. لم تكن الشمس يومئذ تضطر إلى السير وحيدة في السماء؛ كانت تتسلق أغصان جيانمو من أقصى الشرق إلى ذروة القبة، ثم تهبط منها إلى وادي يو غرباً. فلما قُطعت جيانمو فقدت الشمس سندها، ولم يبق لها سوى نظام سير السماء يدفعها في رحلتها. وها هو غصن من جيانمو يظهر، غصن مكسور لكنه ما زال يحمل أنفاسها القديمة. خمسون تشانغ. ثلاثون. عشرة.

وأخيراً لامست عصا كوا فو الشمس. عندئذ دوى بين السماء والأرض صوت لا يمكن وصفه: لم يكن رعداً ولا زلزالاً ولا إعصاراً، بل أعظم من ذلك كله؛ صدى قوة الفوضى حين انفتحت السماء والأرض، وزئير نار الفرن العظيم حين التقى اليين باليانغ، ونشيد الخلق حين نزل الأباطرة الثلاثة. سمعه كل حي في البرية العظمى، أينما كان وبعيداً كان، ودخل آذانهم صافياً واخترق أجسادهم وأرواحهم. دخل رأس العصا الشمس — لا، لم يخترقها، بل قُبل فيها. انشق سطح الشمس من تلقائه فتحة كأنها أعدت للعصا منذ الأزل، واتصلت العصا بشجرة الشمس المركزية. كانت جيانمو مقطوعة، لكن غصنها الباقي وجذور شجرة الشمس احتفظت بذكرى عصور لا تحصى: كانتا جسداً واحداً. فلما التقيا تشابك الغصن والجذور حالاً، وأرسلا نوراً ذهبياً متهللاً.

شد كوا فو فكيه. حين اتصلت عصاه بالشمس، سرت الحرارة عبرها إلى جسده كله. كانت حرارة مدمرة؛ رأى كفيه يحترقان، وجلده يتفحم ويتشقق، ولحمه يهسهس تحت النار، وعظامه تتفرقع من الشواء. كانت يداه تبيدان شبران بعد شبر وتتحولان إلى رماد، لكنه لم يرخ قبضته؛ تشبث بالعصا ودفعها إلى أعلى بكل ما في جسده من قوة.

— عودي.

كان صوته واهناً خشناً حتى كاد هو نفسه لا يسمعه، لكن الشمس سمعته، وسمعته شجرتها المركزية، وسمعته عصا جيانمو، وسمعته السماء والأرض جميعاً.

بدأ يرفع الشمس. غرس قدميه في وادي يو وأمسك بالعصا بكلتا يديه، ودفع الشمس شبرًا بعد شبر نحو السماء. كان ثقل الشمس فوق تصور بشر أو إله: أثقل ما في الكون، غاية تكاثف النور والنار، جوهرة ولدت من امتزاج اليين واليانغ. ارتجفت ذراعاه، وصرخت عظام كتفيه وظهره من الحمل، وانحنى عموده الفقري كشجرة عظيمة توشك أن تنكسر. لكنه لم يسقط. تمزقت عضلاته قطعة بعد قطعة، واندفع من جروحها بخار مختلط بالدم، فما إن غادر جسده حتى أبادته حرارة الشمس. وبدأت في عظامه شقوق، لكل شق طقطقة صافية كضربة على إناء خزف، وقلبه يضرب بعنف كطبل عظيم: دُم، دُم، دُم، يهز صدره كله.

ارتفعت الشمس: شبرًا، شبرين، ثلاثة؛ قدماً، قدمين، ثلاثة؛ تشانغاً، اثنين، ثلاثة. رفع كوا فو الشمس. أخذت جذور شجرتها المركزية تغرس نفسها من جديد في مدار السماء، والتحمت وصلات القوة الروحية المقطوعة بمعونة عصا جيانمو. هدأت التيارات المضطربة، واستعادت أمواج النار قدراً من انتظامها، وبدأت البقع الحمراء القاتمة تنكمش ببطء. لم تعد الشمس تسقط؛ أعادها كوا فو إلى السماء بيديه وعصاه وحياته.

لكنه بلغ النهاية. اسودت يداه تماماً، ولم تبق من أصابعه العشر إلا عظام متفحمة، ومع ذلك ظلت تقبض العصا بلا تراخٍ. أكلت الحرارة جلد ذراعيه ولحمهما حتى ظهرت العظام السوداء تحته، واحترق وجهه حتى لم يعد له شكل، وجف لحمه وانكمش؛ ولم يبق سوى عينين تشتعلان في محجريهما، بنار أشد من النار. وأتمت العصا مهمتها. أعادت شجرة الشمس المركزية جذورها إلى موضعها، فلم تعد تحتاج إلى الغصن الباقي. عاد ضوء الشمس ذهبياً لامعاً بعد أن كان أحمر كدراً، ثم ارتفعت ببطء وثبات من وادي يو ومن فوق يد كوا فو، وعادت إلى مدارها الذي لا يتغير منذ أقدم الأزمنة.

انفصلت عصا جيانمو عن سطح الشمس وسقطت. كان وجهها قد تبدل: خبت كل عروقها الذهبية، وتفحم جسدها الأسود وتصدع كغصن يابس عادي. أما قلبها فبقي سليماً؛ إذ لا تستطيع نار الشمس أن تفني غصن جيانمو تماماً. هوت وغرست نفسها في أرض وادي يو بدوي هائل. وبدأ جسد كوا فو يميل إلى الخلف. كان قد فعل ما يستطيع وأنفق كل قوته. جففته حرارة الشمس من الداخل والخارج: تبخرت كل قطرة ماء ودم ولعاب في جوفه، وصارت أحشاؤه خمس كتل من الفحم، وعضلاته كتل تراب متشقق، وعظامه هشّة كالفحم. مال جسده العظيم ثم هوى.

سقط كوا فو في وادي يو، فهز دوي سقوطه البرية العظمى كلها. ارتجت الأرض بعنف، وانهارت أخيراً جبال الحافة التي كانت على وشك السقوط، وتدحرجت صخور لا تحصى فدفنت مساحات واسعة من القاع. وتساقطت أوراق رو المحترقة من الرجفة، وتراكمت على الأرض رماداً أسود كثيفاً. ضرب جسده الأرض فحفر حفرة عميقة طولها مئات الليّات، على هيئة إنسان هائل: ذراعان ممدودتان، وساقان منثنيتان قليلاً، كأنه مستلقٍ على ظهره ينظر إلى السماء.

لم يكن قد مات بعد. ظل ملقى على الأرض، وفتح عينيه بآخر قوته ليرى الشمس وقد صعدت من جديد. كانت الكرة الذهبية الباهرة تسير ثابتة في مدارها القديم، ونورها يضيء كل ركن من البرية. سكنت التيارات المضطربة، وعادت السماء زرقاء كما كانت، وبدأت الأرض التي أحرقتها الشمس تبرد رويداً.

تحرك طرف فمه. أراد أن يبتسم، لكن وجهه المتصلب لم يطع الحركة؛ فلم يحرك إلا شفتيه حركة لا تكاد ترى.

— الشمس... لا ينبغي... أن تسقط.

وبعدها انطفأ الضوء في عينيه.

انطفأ في سكون؛ بلا عويل أو صراخ أو جلبة تهز السماء. كان كنور مصباح نفد زيته، يخبو على سجيته وبلا مفر. بقيت عيناه مفتوحتين نحو السماء ونحو الشمس، نحو كرة النار التي أعادها بحياته؛ لكنهما فقدتا بريقهما وصارتا قطعتين من فحم داكن أجوف. مات كوا فو، العملاق الذي طارد الشمس حتى وادي يو ورفعها بيديه إلى السماء، ومات فوق تراب الوادي المحروق. امتد جثمانه على الأرض كجبل عظيم ولد لتوه؛ جلده أسود متشقق، وأطرافه متيبسة كالأعمدة الحجرية، وجذعه مرتفع كسلسلة جبلية. خرجت حيّاته الصفراء الأربع من التراب، وقد شعرت بموته، وأطلقت فحيحاً ممزقاً للقلب تردد في وادي يو وارتطم بالجبال ومضى بعيداً بعيداً.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.