عبر كوا فو شرق البرية العظمى. كان مسار الشمس من الشرق إلى الغرب، لكن سقوطها مال إلى الجنوب الشرقي، إلى حافة البرية، إلى أرض قاحلة تدعى أطلال هونغهوانغ. زارها مرة في شبابه، حين صحب الإمبراطور فو شي في تفقد الجهات الأربع. كانت بقايا جبال وأنهار لم تكتمل حين انفتحت السماء والأرض: سلاسل ممزقة، ومجاري أنهار يابسة، وتربة سوداء محترقة. لا ينبت فيها شيء، حتى الريح إذا بلغتها ماتت. وكانت الشمس تهوي إليها. ركض كوا فو بجنون، تقطع كل خطوة مئة ليّ؛ وحين تضرب قدمه الأرض يخرج منها دوي مكتوم كرعد يتدحرج عند الأفق. قذف التلال القصيرة تحت قدميه كما تقذف كتل التراب، وتخطى الأنهار الضحلة في خطوة واحدة، فرفعت ريح قدميه ماءها وجعلته مطراً عابراً في السماء.
كانت سرعته عظيمة حتى تراكم الهواء أمامه وصار جداراً لا يرى، يزداد سماكة وصلابة حتى يتجسد. وصوت اصطدامه به كان كانهدام السماء، يسمعه من على بعد مئة ليّ. وترك وراءه ممراً طويلاً من الفراغ، فاندفع الهواء من جانبيه ليسده وهو يطلق صفيراً أشرس. مر بجبل تشينغ تشيو حيث اجتمعت الثعالب ذات الذيول التسعة على القمة في شعيرة. رأت الظل العملاق يأتي من طرف السماء فيغطي نصفها. رفعت أكبر الثعالب رأسها وحدقت بعينيها المعتمتين طويلاً، ثم أطلقت عواء حزيناً طويلاً؛ انتصبت ذيولها التسعة جميعاً، وتفجر شعر كل ذيل كأنها رأت كارثة.
— أسرعن! أخرجن كل الحجارة الروحية، وأقمن حاجز حماية الجبل!
تحركت ثعالب تشينغ تشيو في هلع، لكن سرعتها لم تكن شيئاً بجانب إيقاع ركض كوا فو. وما إن نصبت أول موضع في التشكيل حتى صار العملاق فوق الجبل. لم يطأه؛ فجبل تشينغ تشيو في عينيه تلة صغيرة، فخطا من فوق قمته. لكن ريح قدميه كانت عنيفة، فبعثرت التشكيل والحجارة الروحية، وحملت بعض صغار الثعالب في الهواء وهي تصرخ. تنهدت الثعلبة العجوز ومدت ذيولها التسعة، فلفت بها الصغار وأعادتها. ثم نظرت إلى ظهر كوا فو البعيد وانحدرت دمعة من عينها العكرة.
— لا تلومنّه. إنه يفعل أمراً عظيماً.
ومضى كوا فو راكضاً. بدأ حلقه يجف. كلما اقتربت الشمس اشتدت حرارتها، وبدأ كل ما في الأرض يذبل: العشب يصفّر ويلتف، والأنهار تتبخر وتجف، والتراب يتشقق بشقوق كثيفة كندوب تزحف في جلد الأرض. أحس بالحر يضربه كأن آلاف السكاكين المحماة تشق جلده معاً. كان جلد عملاق لا تترك فيه السيوف أثراً ولا تحرقه النار العادية، لكن حرارة الشمس أصل اليانغ والصلابة، أصل كل نور وحر؛ فاحمر جلده كأنه مسّ بحديدة محماة، وظهرت فيه فقاعات. ولم يتوقف.
بلغ نهر وي. وهو نهر عظيم في البرية، ينبع من جبل نياوشو تونغشويه ويسير شرقاً إلى النهر الأصفر، ماؤه صاف وضفتاه خصيبتان. لكن مستوى مائه كان قد انخفض من سقوط الشمس، وانكشف القاع بطينه الرمادي والأسماك والروبيان النافقين. عند الضفة صار حلق كوا فو كأنه يحترق بعطش فوق احتماله. ارتمى على بطنه، وغمس وجهه كله في النهر. وما إن لامس الماء شفتيه حتى هسّ وتحول إلى بخار أبيض. فتح فمه وشهق بقوة، فهبط سطح وي عدة أقدام، وانجذب الماء في عمود هائل يدور إلى فمه. كان العمود غليظاً كجبل، واجتاح طين الضفتين والعشب والأسماك والروبيان التي لم تهرب، كلها في جوفه. ابتلع كوا فو جرعات هائلة، وصوت الغرغرة في حلقه يسمع على بعد مئة ليّ كأن تنيناً يتقلب في باطن الأرض.
شرب نهر وي كله؛ من منبعه إلى مصبه، فلم يبق ماء. انكشف القاع تماماً، وظلت الأسماك والروبيان التي لم تدفن نفسها تتخبط في الطين وتفتح أفواهها فلا تجد قطرة. ذبلت أشجار الضفتين سريعاً، إذ لم تعد جذورها تمتص ماءً، وتحولت أوراقها من خضراء إلى صفراء يابسة وتساقطت. رفع كوا فو رأسه ومسح فمه. كان ما شربه يكفي لملء بحيرة عظيمة، لكن عطشه لم يهدأ إلا لحظة: فجسمه هائل، والأسوأ أن حرارة الشمس كانت تبخر ماءه من سطح جلده بلا توقف. تحول ماء وي الذي شربه بسرعة مذهلة إلى عرق وبخار يتفجران من مسامه؛ ومن بعيد بدا كأنه بركان ماء يثور تحت سحابة بيضاء.
— لا يكفي.
صار صوته أجش كاحتكاك حجرين خشنين. نهض وركض ثانية نحو الشمس، حتى بلغ النهر الأصفر، أعظم أنهار البرية. كانت مياهه عكرة، تحمل طين الهضبة الأصفر، ملتوية على الأرض كتنين أصفر. وعند ضفته هجم عليه عطش أعنف؛ تشققت شفتاه وسال منها سائل غليظ، لكن الشمس تبخره ما إن خرج. انحنى مرة أخرى، وسند يديه إلى الضفة وأدخل فمه في الماء. هبط المنسوب بعنف، ونشأت دوامة هائلة مركزها فمه. اندفع الماء محملاً بالطين إلى جوفه؛ كان مراً قابضاً بطعم التراب، لكنه لم يبال. ظل يبتلع حتى انقطع النهر: لم تلحق مياه أعلاه بتعويض المقطع الذي شربه، فانفصل مجراه عند موضعه. شرب كوا فو النهر الأصفر.
وصل الخبر إلى البرية كلها. نظر سكان الضفتين مرعوبين إلى القاع العاري، وإلى مصدر حياتهم وقد ابتلعه العملاق الراكض في جرعة واحدة. ركعوا في القاع اليابس وحفروا الطين بأيديهم لعلهم يجدون حفرة ماء، لكنه شرب كل شيء حتى رطوبة الطين في أسفل القاع، فلم يبق سوى كتل يابسة صلبة.
— ماذا يريد أن يفعل؟
سأل شيخ من إحدى القبائل مرتجفاً. لم يجبه أحد. ظل الجميع ينظرون إلى ظهر كوا فو البعيد: كان يركض ويطارد الشمس، والسحاب الأبيض حوله يزداد كثافة. بعد النهر الأصفر هدأ عطشه وقتاً قصيراً، لكنه عرف أنه مؤقت. كانت الشمس تقترب والحر صار لا يحتمل؛ تحول جلده من أحمر إلى أحمر داكن، ثم إلى أسود متفحم، لون من بلغ الاحتراق غايته. أطلقت الحيّتان حول ذراعيه فحيحاً متألماً، وانكمشت حراشفهما واسودت أطرافها. تشبثتا بذراعيه لتحتميا، بلا جدوى.
وكانت الحيّتان عند أذنيه أسوأ حالاً لأنهما أقرب إلى الشمس. تعكرت عين إحداهما كبياض بيضة نضجت بالنار، وبقي لسان الأخرى خارج فمها لا تستطيع إرجاعه، يرتعش باستمرار. مد كوا فو يده ونزع حيّتي أذنيه ووضعهما في صدره، حيث الحرارة أقل قليلاً، فانكمشتا مرتجفتين. نظر إلى الحيّتين حول ذراعيه وتردد، ثم لم ينزعهما؛ فذراعاه بعيدان ولا يستطيع أن يحميهما معاً.
— تماسكا قليلاً.
أصدرت الحيّات الأربع فحيحاً خافتاً أجش، كأوتار أربعة توشك أن تنقطع.
عبر كوا فو وسط البرية، وقد تشوهت الجبال والأنهار. فالتيارات التي أطلقها سقوط الشمس كانت تنتشر وتحرك الطاقة الروحية، وتولد كوارث لا تحصى. في مواضع استنزفت الطاقة فمات النبات في لحظة وتحول الحجر إلى غبار؛ وفي مواضع تضاعفت مئات وآلاف المرات، فنمت الأشجار بجنون، والتوت أغصانها وصارت هيئات فظيعة. رأى كوا فو تلة لا شأن لها تنفجر طاقتها من باطنها، فتندفع ألف تشانغ إلى الأعلى، وينشق جسمها شقوقاً هائلة يخرج منها صهير أحمر. سال الصهير على السفح، فأحال النبات رماداً وأذاب الصخر، وملأ الجو برائحة كبريت كثيفة.
ركض إلى جانب البركان الثائر، فتطاير الصهير على كاحليه وهسّ تاركاً بقعاً سوداء، لكنه لم يحس بالألم؛ كان كل وعيه في الشمس التي تكبر وتدنو. صارت تشغل ثلث نظره، واتسعت البقع الحمراء الداكنة على حافتها حتى بدت كفاكهة هائلة تتعفن. ظلت أمواج النار تتدفق، لكنها فقدت انتظامها؛ منها ما يندفع عالياً ثم يهوي ويذوب في العدم، ومنها ما يمد لهيبه كوحش يحتضر يصارع بآخر قوته. وسمع كوا فو صوت الشمس: طنيناً غليظاً مكتوماً، كنبض من أعماق الأرض أو قلب عظيم يضرب في ضعف. اخترق السماء والهواء وجلده وعظامه، ورن في رأسه. حمل حزناً ويأساً ونداءً عميقاً. كانت الشمس تناديه. وفهم فجأة أنها منذ البدء تعلم أنه يطاردها، وأنها منذ البدء تنتظره. ابتلت عيناه، لكن حرارة الشمس جففت دموعه قبل أن تسيل.
شد قبضته على عصا جيانمو، فبدأت عروقها الدقيقة تضيء بضوء ذهبي باهت، لطيف دافئ لا يشبه حرارة الشمس الحارقة. تلك بقايا قوة جيانمو الروحية، آخر دفء للشجرة التي تصل السماء بالأرض منذ فتح الكون. رفع كوا فو العصا فوق رأسه، فأضاء ذهبها بشرته المتفحمة. وبدأت المواضع المحروقة تلتئم بسرعة خارقة — لا، لم تكن تلتئم؛ كان جلد جديد ينمو ثم تحرقه الشمس في الحال، ثم ينمو ويحترق، مرة بعد أخرى، كشد حبل صامت. كانت قوة العصا تحميه بكل ما تملك، وحرارة الشمس تدمره بكل ما تملك؛ وبين القوتين عانى جسده تعاقب البرد المحيي والحرق، واصطكت أسنانه، لكنه لم يتوقف خطوة واحدة.
بلغ الحدود الجنوبية للبرية. صار لون السماء أحمر داكناً مرعباً، وكانت الشمس معلقة منخفضة تكاد تمس الأرض. احترق كل شيء: الأشجار والعشب، حتى الصخور العارية احمرت من حرها وبعضها ذاب فصار صهيراً لزجاً. أصبح الهواء حارقاً رقيقاً، وكل شهيق يلسع القصبة والرئتين. لم يعد يتنفس من أنفه؛ فتح فمه وابتلع من طبقات الهواء العليا التي لم تنلها الشمس بشدة، ثم أخرج منها سحباً من بخار أبيض محرق. صار قريباً حتى رأى تفاصيل سطح الشمس: لم تكن كرة نار متجانسة، بل فيها جبال وأخاديد وسهول ووديان كلها من نور ونار خالصين، تنهار وتتشكل بلا انقطاع كسطح قدر بلغ غليانه الأقصى.
وفي بحر النار رأى شيئاً: شجرة تنمو في قلب الشمس، جذعها من لهب أبيض وأوراقها من ضوء ذهبي. كانت تشبه فوسانغ في الشرق ورو في الغرب، لكنها أقدم وأشد مهابة، كأنها سلف الأشجار الثلاث. كانت ترتجف، وأغصانها تتخبط، وانفتح عند جذورها شق هائل. عرفها كوا فو: إنها روح خشب الشمس، قلب الشمس ونفسها؛ أما فوسانغ ورو فليستا إلا أغصاناً لها. وكانت تذبل. جذورها المغروسة في نظام سير السماء تنقطع شبراً بعد شبر، فإذا انقطع آخرها هوت الشمس إلى الأرض وانطفأت إلى الأبد.
أخذ كوا فو نفساً عميقاً. امتلأت رئتاه بالهواء المحرق، بحرارة تكفي لصهر الذهب والحجر، فتحملها قسراً. قبض على عصا جيانمو وأسرع. كانت الشمس أمامه، في متناول اليد.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.