رحل تشوان شيو، لكن رحيله لم يكن خاتمة، بل بداية أسطورة أخرى. ظل الزمن يمضي كالنهر؛ يذهب الربيع ويعود الخريف، وتتعاقب السلالات. ومضى ما يقارب ألفاً وخمسمئة عام على اليوم الذي سقط فيه الإمبراطور تشوان شيو. بقي تشي شوي هو تشي شوي، غير أن المشهد على ضفتيه تبدّل تبدلاً كاملاً.
فبفضل الاندفاع العظيم للطاقة الروحية، صارت هذه الأرض مزاراً مقدساً للممارسين. وشُيدت مدينة إثر مدينة على ضفتي تشي شوي، وسكنها ممارسون جاؤوا من أرجاء الولايات التسع: منهم من أسس فيها طائفة، ومنهم من تمرّن على استنشاق الطاقة وزفرها، ومنهم من نقّب عن آثار الإمبراطور تشوان شيو العتيقة. وغدا حوض تشي شوي واحداً من أزهر مواطن الممارسة الروحية في عالم البشر.
وظلت في النهر أسراب لا تُحصى من السمك. كانت تلك الأسراب قد ورثت شظايا ذاكرة الإمبراطور تشوان شيو، ثم تناسلت جيلاً بعد جيل؛ وانتقلت الشظايا إلى الذرية في الدم، فغدت أسماك تشي شوي أذكى بطبيعتها من أسماك الأنهار الأخرى. كانت تتكلم بلسان البشر، وتفهم الكتابة، بل تعرف تاريخ العصور الغابرة. وكثيراً ما كان الملاحون، وهم يسيرون بسفنهم على تشي شوي، يسمعون من تحت الماء تلاوة جليّة للكتب؛ إذ كانت الأسماك تنشد ما علّمها إياه تشوان شيو قديماً. وأحياناً كانت سمكة تقفز من الماء، وتحيي العابرين على السفينة بصوت أجش، ثم تهوي من جديد، فتثير رذاذاً ذهبياً.
جذبت هذه المشاهد العجيبة أدباء العالم وشعراءه، فقدموا إلى ضفة تشي شوي لينصتوا بأذنهم إلى كلام الأسماك. ودوّن بعضهم ما قالته، وجمعوه في كتاب سموه «لغة السمك». احتوى الكتاب أسراراً شتى من عصر تشوان شيو: منها ما سجله التاريخ، ومنها أخبار عابرة لم يعرفها حتى أكثر المؤرخين علماً. وكان هناك دارس يدعى جي شيوان؛ صادف، وهو يركب زورقاً في تشي شوي، سلحفاة عجوزاً تتكلم بلسان البشر. طفت السلحفاة إلى السطح وتحاورت معه يوماً وليلة كاملين، وروت له ما شهدته حين أخضع تشوان شيو غونغ غونغ. فكتب جي شيوان تلك التجربة في قصيدة نثرية سماها «قصيدة السلحفاة الناطقة في تشي شوي»، وغدت من روائع الأدب الموروث. وكان في تلك القطعة قول بالغ التأثير:
— قالت السلحفاة: «كان الإمبراطور يقول إن الإمبراطور ليس إلهاً، بل إنسان. والإنسان ينبغي أن يعرف بؤس الناس، وآمالهم، وهمومهم، وأفراحهم. والإمبراطور يعرفها، فلذلك يكون إمبراطوراً.»
كانت العبارة موجزة، لكنها استوعبت طريق الحكم كله.
ولم تكن الأسماك وحدها ما تغير؛ فقد جرت تحولات أوسع في الأرض. أيقظ الاندفاع العظيم للعروق الروحية الطاقة في أنحاء الولايات التسع، فالعروق التي كانت مدفونة عميقاً في باطن الأرض تحركت كالتنانين الجبارة التي أيقظت من رقادها. تفجرت الينابيع الروحية في الوديان، ونمت الأعشاب الروحية بجنون في الغابات العميقة، وحلقت الطيور الروحية في السماء، وجابت الوحوش الروحية باطن الأرض. وارتفعت كثافة الطاقة، التي كانت هزيلة، إلى ستة أعشار بل سبعة؛ وهو أمر لم يكن يُتصور في عصر الإمبراطور تشوان شيو. دخل عالم البشر عصر نهضة الطاقة الروحية، وانتفع منه ممارسون لا عدد لهم. فالشيوخ الذين حُبسوا عند عتبة اختراقهم تجاوزوها في يوم واحد، وأصحاب المواهب الفذة تضاعفت سرعة ممارستهم مرات، وحتى عامة الناس الذين لا موهبة لهم في الممارسة طال عمرهم وصحت أبدانهم لأنهم تنفسوا تلك الطاقة. وازدهرت الولايات التسع في حينه، وتجدد كل ما تحت السماء.
لكن تحت ذلك الازدهار أخطاراً كامنة. فالاندفاع العظيم للطاقة الروحية جلب القوة، لكنه جلب الفوضى أيضاً. إذ كان منبعه سقوط تشوان شيو وولادته الجديدة: موته كان ألماً، وذاكرته تفتتاً، وولادته الجديدة اضطراباً. امتزجت هذه المشاعر السلبية كلها بالعروق الروحية وانتشرت مع تدفق الطاقة إلى الجهات الأربع. لذلك كان من يمتص تلك الطاقة يتأثر بها في الغالب؛ فمنهم من يرى في منامه الحرب والقتل، فيصير في الحلم جندياً يتذابح مع غيره؛ ومنهم من يحس عزلة الإمبراطور، فيستيقظ في عمق الليل ودموعه تسيل؛ ومنهم من يختطفه خوف الموت، فيظل مذعوراً لا يهنأ له يوم. غير أن هذه التأثيرات كانت تتبدد، في نهاية الأمر، مع مضي الزمن.
دام اندفاع العروق الروحية قرابة خمسين عاماً، ثم أخذ يهدأ رويداً رويداً. والتأمت الجراح التي خلّفها تشوان شيو في الأرض شيئاً فشيئاً، وسكنت الهياجية في العروق، وعادت كثافة الطاقة التي تدفع الناس إلى الجنون في ماء النهر إلى مستواها الطبيعي. لكن الذكريات لا تزول أبداً. تناسلت أسماك تشي شوي جيلاً بعد جيل، وانتقلت معها شظايا ذاكرة تشوان شيو؛ وبالتدريج لم تعد تلك الشظايا ذاكرة فردية، بل صارت أساطير وأغاني وأصداء تجري في الدم. وبدأت الأسماك تحفظ ذكرى تشوان شيو على نحو آخر.
نسجت من حياته أغنية تتناقلها في الماء. كانت أغنية طويلة جداً، تبدأ من ميلاده وتنتهي بموته، ومن فصل السماء عن الأرض إلى بعث يو فو، ومن إمبراطور البشر في العصور الغابرة إلى سمكة تسبح في قاع النهر. كان لحنها بسيطاً عتيقاً، أما كلماتها فتضم كل شيء. غنت الأسماك:
— وُلد الإمبراطور في شو تشيو، ونشأ في تشيونغ سانغ، وتعلّم في شوان ين، وحارب عند بو تشو، وحكم في دي تشيو، وسقط في تشي شوي، وتحول إلى يو فو.
وغنت:
— جسد الإمبراطور أفعى وسمكة، وقلبه شمس وقمر، وذكرياته أنهار، وتنهداته رعد. الإمبراطور ليس إمبراطوراً، والسمكة ليست سمكة. الإمبراطور هو السمكة، والسمكة هي الإمبراطور.
وكان الغناء يتردد في الماء، ويمضي دائماً إلى أسفل النهر وإلى أنهار أبعد. فأين كان تشوان شيو يومئذ؟ منذ أن غادر تشي شوي في ذلك اليوم، سار في رحلة يبحث فيها عن منبع العروق الروحية. مضى شمالاً، فعبر البرية العظمى، واجتاز الحقول الجليدية، وقطع المستنقعات، وخاض البحار العظمى. رفرف رداؤه الأزرق في الريح والثلج، وطمست السنوات آثار قدميه. لم يعد يسير بهوية الإمبراطور، بل بهوية «سمكة عادت إلى الحياة»؛ يتأمل السماء والأرض والكائنات كلها بعين مساوية، لا من علو ولا برغبة في ضبط كل شيء. كان يقف إلى حطّاب عند الطريق فيتبادل معه الحديث، ويعلّم صبياً راعياً القراءة عند الماء، ويشرب مع شاعر جوّال تحت القمر، ويدلّ مسافراً ضل السبيل في المطر.
لم يعرف أحد أنه ذلك الإمبراطور السحيق الذي سقط. حسبوه ناسكاً جوالاً، متميزاً في هيئته وكلامه، لا يرغب في كشف اسمه. وتمتع تشوان شيو بفرح تلك الحياة العادية؛ حكم إمبراطوراً نحو مئة عام، لكنه لم يذق طعم حياة البشر إلا في هذه القرون. وبالطبع لم يكف عن البحث عن منبع العروق الروحية. تتبع مسارها شمالاً، وعبر صحارى الجليد الشاسعة، ومجموعات الينابيع الحارة الفوارة، حتى نفذ إلى باطن جبل عظيم لا اسم له. وفي جوف ذلك الجبل شق لا يُرى له قرار، تنبعث منه طاقة روحية غزيرة، لها الرائحة ذاتها للطاقة التي انفجرت عند سقوطه.
وقف تشوان شيو عند حافة الشق برهة، ثم رفع رأسه ونظر بعيداً. كانت السحب الملونة تتدفق عند الأفق، كالحرير المنسوج. وفجأة ابتسم؛ كانت تلك أول ابتسامة حقيقية له منذ بعثه، خفيفة كنسمة تمر عند الأذن. ثم استدار ومضى شمالاً. لم يكن يعلم ما الذي ينتظره أمامه، ولا إلى أين يذهب؛ كان يعرف فقط أن الطريق ما زال طويلاً، وأنه سيظل سائراً عليه. وخلفه بقي تشي شوي يجري بلا انقطاع، وظلت الأسماك في النهر تغني تلك الأغنية القديمة. عبر الغناء الجبال والسهول، والأنهار والبحيرات والبحار، واخترق آلاف السنين، ووصل إليه من بعيد.
لم يلتفت تشوان شيو. مرت الريح فوق الأرض، وحملت رائحة مياه بعيدة؛ وكان يُسمع في تلك الرائحة همس خافت للأسماك يقول: الإمبراطور يتنهد، والإمبراطور يبتسم، والإمبراطور يسير، والإمبراطور لا يرحل حقاً أبداً. وبعد خمسة آلاف وخمسمئة عام، إذا وصل أحد إلى ضفة تشي شوي وانحنى ليغرف كفاً من مائها، ظل يحس بالطاقة الروحية العتيقة الجارية فيها؛ وإن كان حظه وافراً، لعله يسمع همسة تأتي من قاع النهر: سمكة عجوز تحكي لسمكة صغيرة قصة موغلة في القدم. وكانت بداية القصة دائماً بجملة واحدة:
— قديماً، مات إمبراطور في تشي شوي وتحول إلى هيئة نصفها أفعى ونصفها سمكة، واسمه يو فو...
أما نهاية القصة، فلا يعرفها إلا ماء النهر.
كانت مسيرة الشمال طويلة موحشة. اجتاز تشوان شيو جبالاً لا تحصى، وعبر أنهاراً لا تحصى، وتجاوز براري لا تحصى. صبغ الصقيع والريح رداؤه الأزرق بالرمادي الأبيض، ونقشت السنين خطوطاً دقيقة في وجهه، لكن خطاه بقيت ثابتة كما كانت. لم يعد يذكر كم سنة سار: أكانت مئة، أم مئتين، أم أكثر؟ صار الزمن عنده لفظاً ضبابياً، يجري كماء النهر من غير مقياس محدد. لم يكن يعلم إلا أن الطريق تحت قدميه ما زال يمتد، وأن جسده ما زال يمضي إلى الأمام.
وكان يصادف أحياناً ممارسين يجلسون فوق قمم الجبال، يستنشقون الطاقة ويزفرونها، والضوء يدور حولهم وأنفاسهم طويلة. لم يعرفه معظمهم، فحسبوه شيخ ممارسين عابراً، فيومئون إليه أحياناً بالتحية. وكان فيهم من يملك عيناً نافذة، فيرى أن طاقته عميقة لا قرار لها، فيسأله بخشوع عن سبل الممارسة. لم يكن تشوان شيو يرد سائلاً، بل يجلس ويتحدث إليهم عن طريق السماء والأرض؛ لكن كلامه كان يتركهم بين الفهم وعدم الفهم. قال:
— أنتم تمتصون الطاقة وتطلبون القوة، لكن للطاقة نفسها ذاكرة. حين تسري في أجسادكم، تحمل إليكم تلك الذكريات. الحرب التي ترونها في المنام، والعزلة التي تحسون بها، والخوف الذي تعيشونه؛ كل ذلك تنهداتي.
تبادل الممارسون النظرات ولم يفهموا مراده. ولم يفسر لهم، بل نهض ومضى شمالاً، تاركاً وراءه ظهر رجل مسن. ولحق به ممارس شاب مندفع وسأل: — أيها السابق، ما معنى «تنهداتي» التي قلت؟ أيمكن أنك أنت...؟
فلوّح تشوان شيو بيده وقاطعه: — أنا مجرد شيخ قطع طريقاً طويلاً. لا تسأل عن اسمي؛ فالاسم ليس إلا رمزاً.
وبعد هذه الكلمات ذاب في الريح والثلج. وبقي الممارسون واقفين في مكانهم زمناً طويلاً، يشعرون على نحو مبهم أنهم لقوا شخصية استثنائية، ولا يعرفون من يكون. ثم عثر أحدهم في سجل عتيق على خبر يقول إن الإمبراطور تشوان شيو سقط في تشي شوي وتحول إلى يو فو ثم عاد إلى الحياة وسار غرباً؛ وكانت أوصاف «الرداء الأزرق» و«المسير شمالاً» و«الطاقة العميقة» توافق ذلك الشيخ تماماً. فأثار الخبر ضجة عارمة في عالم الممارسين، ولحق كثير منهم بطريق الشمال بحثاً عن لقاء الشيخ مرة أخرى. لكنهم لم يجدوه قط.
كان تشوان شيو قد غادر ذلك الطريق. لم يعد يسلك الطرق القائمة، بل يمضي كما يشاء، حيث يأخذه السير. يمكث أحياناً عشر سنين في جبل عميق، وأحياناً شهوراً في بلدة صغيرة؛ وقد يعبر سلسلة جبلية في ثلاثة أيام، وقد يقضي ثلاثين عاماً في اجتياز صحراء. تبدل إحساسه بالزمن كله: يقيس البشر انقضاءه بالشمس والقمر والسنين، أما هو فلم يعد يقيسه بها، بل بنبض القلب. كانت كل نبضة للقلب في باطن الأرض عنده كتعاقب فصل. وأخذ يفهم شيئاً بالتدريج: إنه إنما واصل سيره شمالاً لأن الشمال أرض البرد الأقصى، حيث تجتمع أعتى برودة بين السماء والأرض، وهي قادرة تماماً على موازنة ما بقي في جسده من الطاقة الروحية الحارقة. كان يحتاج إلى صقل ذلك البرد، كما يحتاج السيف إلى التبريد بعد صهره.
وتغير جسد الإمبراطور تشوان شيو هو أيضاً. عند بعثه كان نصفه أفعى وسمكة ونصفه في هيئة إنسان؛ وبعد قرون من السير والممارسة، أخذت هيئته تستقر. تساقطت حراشف ذيل الأفعى حرشفة بعد أخرى، وتحولت إلى نقاط من نور روحي تتبدد في الهواء، وحلت محلها ساقان بشريتان، جلدهما أملس وعضلاتهما متناسقة، لا تختلفان عن ساقي أي إنسان. لكنه ظل محتفظاً ببعض خصائص السمك: يستطيع التنفس في الماء، ويفهم لغة الأسماك، ويستخلص صفوة الطاقة الروحية من بخار الماء. صار كائناً بين الإنسان والسمك: ليس إنساناً كاملاً ولا سمكة كاملة، بل إنسان وسمكة معاً. وكان يجد في هذه الحال شيئاً عجيباً ممتعاً.
وذات مرة كان يستريح عند نهر، فسبحت سمكة كارب صغيرة إلى جانب قدمه وسألته في فضول: — ما أنت؟ رائحتك كرائحة السمك، لكن مظهرك ليس مظهر سمكة.
نظر إليها تشوان شيو وابتسم: — كنت سمكة من قبل.
— كنت سمكة؟
هزت السمكة الصغيرة ذيلها في حيرة. — وكيف صرت هكذا؟
— لأنني قطعت طريقاً طويلاً.
— أيمكن للمرء أن يصير مثلك لمجرد أنه يمشي؟ إذن سأمشي أنا أيضاً!
قفزت السمكة من الماء وسقطت بطقّة على صخرة عند الشاطئ، تخبطت قليلاً ثم عادت، في خجل، إلى الماء. ضحك تشوان شيو، وانتشرت من ضحكته دوائر من التموج فوق السطح. كان قد مضى عليه زمن طويل منذ ضحك هكذا؛ لم تكن ضحكة الإمبراطور المتحفظة ولا ضحكة الناسك الهادئة، بل ضحكة صافية كضحكة طفل. قال للسمكة:
— لا تتعجلي. أنت ما زلت صغيرة؛ اسبحي في الماء كما ينبغي أولاً. وحين يطول بك العمر بما يكفي، ستفهمين وحدك معنى المشي.
سبحت السمكة بعيداً وهي لا تكاد تفهم، وذيلها يحرك سلسلة صغيرة من الفقاعات. راقبها تشوان شيو، وفجأة تذكر أنه كان هو أيضاً سمكة: سمكة في تشي شوي ظل يسبح ثلاثمئة عام قبل أن تنبت له ساقان بشريتان. يومئذ أمضى ثلاثمئة عام ليقطع مسافة قصيرة جداً على البر: من شاطئ النهر إلى العشب، ومن العشب إلى الغابة، وكانت كل خطوة عسيرة إلى حد لا يوصف. أما الآن، فقد قطع في بضع مئات من السنين أكثر من نصف العالم. ذلك هو التغير؛ التغير الذي مر به هو نفسه، والذي تمر به الكائنات كلها بين السماء والأرض. نهض ومضى شمالاً.
وكلما اتجه شمالاً، قل الناس. في البدء كان يلمح قرى أحياناً، ثم اختفت حتى آثار الصيادين وجامعي الأعشاب. ولم يبق على الأرض إلا حقل ثلجي أبيض لا نهاية له، وفي السماء إلا غيوم رمادية رصاصية، ولم يبق بين السماء والأرض إلا هو يمشي. كانت الريح عاتية، تقطع الوجه كالسكاكين. ضيّق تشوان شيو عينيه، ولف رداؤه الأزرق حوله بإحكام، ومضى خطوة خطوة. لم يشعر بالبرد؛ فكل نبضة من القلب تحت الأرض كانت تدفع إلى جسده تياراً دافئاً يطرد الصقيع. ولم يعد يذكر منذ متى لم يأكل؛ إذ اختفى الجوع منذ زمن بعيد، وحل محله إحساس خافت بالفراغ، يطفو عند حافة روحه كالضباب. عمّ كان يبحث؟
كان السؤال يطفو في قلبه أحياناً، لكنه لم يتعمد البحث عن جواب. لعل الجواب في السير نفسه؛ فإذا مشى أبعد، اقترب منه أكثر. وكانت تظهر في الحقل الثلجي أحياناً تضاريس غريبة. وذات مرة وصل إلى بحيرة متجمدة، سطحها كالمرآة يعكس السماء الرمادية البيضاء. وقف عندها ونظر إلى قلبها، فرأى في قاعها عظاماً هائلة مجمدة. كانت أضخم بكثير من عظام الوحوش العادية؛ فقراتها تمتد واحدة بعد أخرى، وكل فقرة بطول قامات عدة. كانت عظام تنين.
قرفص تشوان شيو ووضع كفه على الجليد. ومن خلال طبقاته السميكة شعر بتموج ضعيف للطاقة الروحية: أنفاس باقية من سلالة التنين، وإن كانت ضئيلة فقد حملت هيبة لا تقبل المنازعة. تذكر أنه تعامل مع التنانين من قبل، حين كان إمبراطور البشر يتولى نظام السماء والأرض. كانت سلالة التنين قوية، لكنها كانت في نطاق سلطانه. وبعد فصل السماء عن الأرض، انسحبت التنانين شيئاً فشيئاً من مسرح البشر، وغاصت في أعماق البحار والبحيرات، ولم تعد تظهر في العالم. لم يتوقع أن يرى هنا بقايا تنين. ولعل هذا التنين جاء وحده إلى أقصى الشمال ليموت: أكان يعلم أن أجله قد حان، فاختار مكاناً نائياً عن قومه ليرحل في سكون؟ أم أُصيب إصابة مميتة في معركة ما، فسقط هنا ولم ينهض ثانية؟
لم يعرف تشوان شيو الجواب، لكنه احترم صمت التنين. وقف عند البحيرة لحظة، ثم انحنى انحناءة عميقة نحو عظام التنين في قلبها وقال بصوت خافت:
— ارقد بسلام. لقد تبدلت السماء والأرض، لكن هيبة التنانين لن تمحوها السنون.
ثم واصل سيره شمالاً.
تلاشت البحيرة الجليدية خلفه ببطء في الريح والثلج. لم يلتفت تشوان شيو، لكن شيئاً ثقيلاً استقر في قلبه. وصار الطريق أصعب؛ فالثلج والريح يشتدان، والطبقة المتراكمة تحت قدميه تزداد سمكاً، وكل خطوة تتطلب جهداً عظيماً. ابتلّ رداؤه الأزرق بماء الثلج مراراً، ثم جففته حرارة جسده الداخلية، وتكرر ذلك حتى قسا النسيج وصار كطبقة رقيقة من درع. ومع ذلك ظل يسير. وفي يوم رأى نقطة سوداء وسط العاصفة.
كانت النقطة السوداء بارزة في السهل الثلجي الأبيض الواسع. اتجه نحوها، وحين اقترب وجدها كوخاً خشبياً صغيراً، مبنياً من جذوع خشنة وسقفه مغطى بقش كثيف. كان دخان رقيق يتصاعد من مدخنته؛ وفي برية أقصى الشمال هذه، كان ثمة من يعيش هنا حقاً. بلغ تشوان شيو الكوخ وطرق الباب برفق. انفتح شق منه، وراحت عين عكرة تنظر من خلاله إلى الخارج.
— من هناك؟ سأل صوت شيخ.
— مسافر عابر، أجاب تشوان شيو.
اتسع شق الباب، وتفحصته العين من أعلى إلى أسفل، ثم فتح الباب كله. كانت التي فتحت امرأة مسنة، هزيلة كغصن يابس، وجهها ممتلئ بالتجاعيد، وشعرها أبيض كالثلج، وظهرها محني بشدة، حتى بدت متكومة كأوراق يابسة ملتفة في الشتاء. لكن عينيها كانتا لامعتين، وفيهما حدّة لا تليق بعمرها.
— ادخل، قالت. — البرد شديد في الخارج.
دخل تشوان شيو الكوخ، فوجد داخله أنظف مما توقع. بجانب الجدار سرير خشبي، وإلى جانبه موقد صغير، وفوق الموقد قدر حديدي يغلي فيه شيء تفوح منه رائحة خفيفة للأعشاب الطبية. وعلى الجدار أعشاب مجففة وشرائط من لحم وحوش مجفف. لكن أكثر ما استرعى انتباهه كومة من شظايا العظام في الزاوية: عظام وحوش مصقولة بعناية، حُفرت عليها كتابات كثيفة دقيقة. عرف أنها كتابة العظام والنقوش العتيقة، وآخر مرة رآها كانت قبل أكثر من ألف سنة.
— اجلس، قالت العجوز مشيرة إلى مقعد صغير عند الموقد. — في القدر حساء أعشاب يطرد البرد، وسيجهز بعد قليل.
جلس تشوان شيو وجلست العجوز قبالته، وظلت تفحصه بعينيها الحادتين.
— نادراً ما يصل أحد إلى هنا، قالت. — آخر دفعة من الناس وصلت إلى هذا المكان كانت قبل ستين عاماً.
— أأقمت هنا منذ زمن طويل؟
ابتسمت العجوز، فكشفت عن أسنان صفراء متفرقة. — أقمت هنا منذ زمن طويل جداً، حتى إني لم أعد أذكر عمري.
توقفت قليلاً ثم قالت: — لكني أمامك على الأرجح ما زلت فتية؛ فأنت قطعت الطريق من تشي شوي إلى هنا.
ضيّق تشوان شيو عينيه قليلاً. لم يقل شيئاً، بل نظر إليها في صمت. ولم تعبأ بصمته؛ استدارت وحركت الحساء في القدر بملعقة خشبية، ثم قالت بتمهل:
— لا تتوتر. أنا ساحرة الشمال، وكان أجدادي يخدمون سلالة عتيقة جداً. انقطعت تلك السلالة، لكن سلالة الساحرات انتقلت جيلاً بعد جيل، وكل جيل يرث ذاكرة الجيل الذي قبله.
ملأت وعاءً من الحساء وقدّمته إليه. — اشرب؛ إنه يطرد البرد.
أخذ تشوان شيو الوعاء، لكنه لم يشرب فوراً. طأطأ رأسه إلى الحساء، فرأى على سطحه انعكاسه الغائم.
— أتعرفين من أنا؟
— لا أعرف من أنت، هزت العجوز رأسها. — لكني أعرف أن فيك رائحة السمك ورائحة الملوك. تمتزج الرائحتان كصوتين في أغنية عتيقة. ولم أصادف في برية الشمال هذه، طوال عمري، إنساناً كهذا.
توقفت ثم أضافت: — لكنني لن أسألك عن اسمك. فالاسم، لأمثالنا، لا معنى له حقاً.
شرب تشوان شيو جرعة من الحساء. كان مراً، تفوح منه رائحة الأعشاب، لكن تياراً دافئاً انتشر من معدته إلى أطرافه حين ابتلعه، فطرد البرد من جسده بالفعل.
— حساء طيب، قال.
ابتسمت العجوز في اعتزاز. — وصفة موروثة.
ثم انطفأت ابتسامتها وصار وجهها جاداً.
— إن واصلت السير شمالاً، ستبلغ نهاية العالم.
— وما عند نهاية العالم؟
— شق، قالت العجوز. — ذهبت إليه مرة في شبابي ورأيته من بعيد. كان عظيماً على نحو لا يوصف، كأن أحداً شق الأرض بضربة فأس عملاقة. لا قرار تحته ولا جسر فوقه. تهب منه ريح شديدة البرودة تستطيع أن تجمد الإنسان في لحظة في هيئة تمثال من جليد.
نظرت إلى تشوان شيو. — وكلما سرت شمالاً اقتربت من ذلك الشق. أتنوي الذهاب إليه؟
لم يجبها مباشرة، بل سأل: — أتدرين ما هذا الشق؟
سكتت العجوز برهة ثم قالت: — لدى سلالة الساحرات قول عتيق: حين سقط الإمبراطور تشوان شيو، اهتز ختم فصل السماء عن الأرض. وسرى ذلك الاهتزاز في باطن الأرض حتى بلغ الشمال فشق هذا الصدع.
وصارت نظرتها أعمق. — لهذا كان الشق أثراً من آثار ذلك السقوط، ندبة تركها موت إمبراطور.
توقفت يد تشوان شيو التي تحمل الوعاء قليلاً. لم يقل شيئاً، بل أتم الحساء بصمت ووضع الوعاء برفق عند الموقد.
— شكراً على حسائك، قال.
حدقت فيه العجوز طويلاً. أخذت عيناها تبتلان، وامتلأت محجراها بالدموع من غير أن تسقط.
— إذن هكذا... تمتمت. — إذن هكذا.
نهضت ومضت إلى كومة العظام في الزاوية، وقلبت فيها حتى وجدت قطعة عظم قديمة محفورة بالكتابة. حملتها بكلتا يديها، وجثت أمام تشوان شيو وهي ترتجف.
— خذ هذه، قالت. — هذه عظمة نقشية تناقلتها سلالة الساحرات جيلاً بعد جيل، ونُقش عليها دعاء فقد منذ زمن. قالت جدة جدتي إنه إن جاء يوم نلتقي فيه رجلاً أتى من الجنوب، تفوح منه رائحة السمك والملك، فعلينا أن نعطيه هذه العظمة.
أخذ تشوان شيو قطعة العظم، ومرر بصره على كلماتها. كانت حقاً دعاءً مكتوباً بأقدم كتابة العظام، لكن معناه فاجأه: كان يطلب حماية الإمبراطور، ويدعو للإمبراطور بالسكينة. جاء في الدعاء:
— لعل الذي مات في نهر وتحول إلى سمكة، يمضي يوماً بعيداً بما يكفي.
— ولتسقط تنهداته في ريح الشمال فلا تعود صدى، ولتغرق ذكرياته في قاع البحر العميق فلا تعود تضطرب، وليندمج نبض قلبه مع نبض الأرض فلا ينقطع أبداً ولا يخبو.
كان ذلك دعاءً كُتب له. حين تحول إلى يو فو وغاص في قاع الماء، وحين تفتتت ذاكرته فسبحت مع أسراب السمك، وحين نام ثلاثمئة عام غافلاً لا يشعر، كانت سلالة من الساحرات في برية الشمال تدعو له باستمرار. لم يكنّ يعرفن إن كان سيعود، ولا أي هيئة صار عليها، ولا إن كان سيمر يوماً أمام بابهِنّ. ومع ذلك ظللن يدعون سنة بعد سنة.
ألصق تشوان شيو قطعة العظم بصدره، وشعر بالدفء الضعيف الذي بقي فيها: دفء أجيال لا تحصى من الساحرات وهن يحملنها ويتلون الدعاء، جيلاً بعد جيل، بلا انقطاع.
— انهضي، قال للعجوز الجاثية. — ظل أسلافك يدعون لي ألف عام؛ وأنا الأجدر أن أشكركن.
رفعت العجوز رأسها والدموع تسيل على وجهها. فتحت فمها كأنها تريد قول شيء، لكنها انتهت إلى أن أمسكت يده بإحكام. بات تشوان شيو تلك الليلة في كوخها.
أعدت العجوز حساءً من لحم الوحوش، وجلسا يأكلان متقابلين. وأثناء الطعام روت له أشياء كثيرة: كيف انتقلت سلالة ساحراتهن في برية الشمال جيلاً بعد جيل، وكيف كن ينقشن قطع العظام في الفواصل بين عواصف الثلج، وكيف انتظرن، خلال الأعمار الطويلة، ذلك الشخص الذي قد لا يأتي أبداً.
— في الحقيقة، نحن أيضاً لا نعرف إن كان من ننتظره سيأتي، قالت العجوز. — لكن جدتي كانت تقول إن الانتظار نفسه معنى؛ فبوجوده لا تعود أيام الجليد طويلة إلى حد لا يُحتمل.
قال تشوان شيو: — كانت جدتك على حق.
وبعد الطعام، أخرجت العجوز من صدرها نايَ عظم صغيراً، وعزفت لحناً. كان اللحن غريباً، يشبه صوت الريح ويشبه صوت الماء؛ يهبط أحياناً كثقيـل التنهد، ويصفو أحياناً كنداء طائر.
أغمض تشوان شيو عينيه وهو ينصت، فظهرت في قلبه صورة تشي شوي: النهر الذي لا يكف عن الاندفاع، وأسراب السمك فيه، وأغنيتها التي تحمل قصته. وحين انتهى اللحن، وضعت العجوز الناي على ركبتيها ورفعت رأسها إليه.
— هل ستواصل المسير شمالاً؟ سألت.
— سأواصل.
— ذلك الشق خطر.
— أعرف.
— قد تموت في الطريق.
ابتسم تشوان شيو. — لقد مت مرة من قبل؛ فلا بأس أن أموت مرة أخرى.
سكتت العجوز طويلاً، ثم تنهدت في آخر الأمر. — لن أمنعك إذن. لكن خذ هذا قبل الرحيل.
قدمت إليه الناي العظمي.
— هذا شيء تناقلته سلالة ساحراتنا سبعة وأربعين جيلاً. يستطيع أن يخرج صوتاً في أشد الرياح برداً، وأن يدل على الاتجاه في أظلم الليالي. خذه؛ فلعل له نفعاً حين تبلغ حافة الشق.
أخذ تشوان شيو الناي ووضعه في صدره باحترام. وفي اليوم التالي، قبل الفجر، نهض يستعد للرحيل. لم تخرج العجوز لتودعه، بل وقفت عند باب الكوخ بعينيها اللتين بقيتا مضيئتين، تراقب ظهره حتى ابتلعته العاصفة.
لم يلتفت تشوان شيو. واصل السير شمالاً، واشتدت العاصفة حتى صار لا يرى لأكثر من عشر خطوات. شد غطاء رأسه، وانحنى ومضى في وجه الريح. سار يوماً كاملاً، ثم سكنت العاصفة أخيراً. انشق الغيم عن فجوة، فكشف عن سماء زرقاء داكنة ونجوم باردة قليلة. نظر تشوان شيو أمامه في ضوء النجوم، فضاقت حدقتاه فجأة. رأى شقاً؛ لا، لم يكن ينبغي أن يسمى شقاً، بل هاوية: صدع هائل يعترض الأرض ويقسم العالم كله إلى نصفين. كان عرضه عشرات الأميال على الأرجح، أما طوله فلا سبيل إلى تقديره، لأن طرفيه يضيعان تحت الأفق ولا يُعرف إلى أين يمتدان.
بلغ حافة الشق وانحنى ينظر إلى أسفله. لم ير في عمق الهاوية إلا سواداً، ولا ضوءاً البتة؛ كانت ريح باردة تتدفق منها، تحمل برداً يخترق العظم. لم يكن ذلك البرد مجرد انخفاض في الحرارة، بل برداً يجمد الروح: كل من يقف أمامه يشعر بأن ذكرياته وعواطفه، بل معنى وجوده نفسه، تتجمد قليلاً قليلاً. مد تشوان شيو كفه إلى الشق وشعر بذلك البرد الأقصى. تسلق البرد ذراعه واصطدم عند كتفه بالطاقة الدافئة في جسده، فأطلق أزيزاً خافتاً. لم يسحب يده، بل مد وعيه الروحي إلى العمق. كان أعمق مما تصور؛ هبط وعيه عشرات الأميال ثم مئاتها ثم آلافها، ولم يبلغ النهاية.
كانت تلك الهاوية الندبة التي مزقها سقوطه في الأرض. اهتز الختم الذي خلّفه حين فصل السماء عن الأرض، فتمزق المكان من هنا وامتد الشق جنوباً حتى بلغ ذروته عند ضفة تشي شوي، ثم تلاشى. أما هذا الصدع فبقي هنا إلى الأبد دليلاً على ذلك السقوط. وقف تشوان شيو طويلاً عند الحافة. كانت الريح تصفق بردائه الأزرق، وبدا ظله ضئيلاً عند طرف الهاوية، كذرة غبار.
وفجأة تكلم:
— قطعت طريقاً لأكثر من ألف عام. من تشي شوي إلى هنا، من الجنوب إلى الشمال. ظننت أنني إذا مضيت بعيداً بما يكفي، رأيت شيئاً مختلفاً.
تشتت نصف صوته في الريح.
— لكنني الآن، أمام هذا الشق، لا أرى إلا نفسي.
طأطأ رأسه إلى الهاوية. وكانت الهاوية تنظر إليه أيضاً.
ثم اتخذ قراراً: سينزل. أراد أن يبلغ أعمق موضع في تلك الهاوية، فهي أعمق مكان في الأرض وأبرده وأقربه إلى الموت، وهي الموضع الوحيد القادر على تهدئة الطاقة الروحية الحارقة في جسده تماماً. كان يحتاج إلى حوض بارد لصقل نفسه، وهنا هو.
أخرج الناي العظمي من صدره ونفخ فيه برفق. ابتلعته الهاوية، فلم يرد صدى. لم يهتم؛ أعاد الناي إلى صدره، وضم رداؤه الأزرق، ثم قفز في الهاوية.
هبوط، هبوط لا نهاية له. تدفق الظلام من الجهات كلها حتى لف تشوان شيو تماماً. لم ير شيئاً ولم يسمع شيئاً؛ لم يحس إلا بجسده وهو يهبط، يهبط، يهبط. كان الإحساس شديد الشبه بما أحسه حين غاص في تشي شوي قبل أربعمئة عام: قوة هائلة تستقبله، وهي تفقده هيئته القديمة شيئاً فشيئاً وتحوله إلى شيء آخر. ازداد البرد قسوة؛ تجمد الصقيع على حاجبيه وشعره، وتشقق جلده شقوقاً صغيرة ختمها البرد الأقصى في الحال. بدأ إحساسه يتلاشى، ومرت في ذهنه صور لا حصر لها.
فتح تشوان شيو عينيه، فرأى في قاع الهاوية وهجاً أحمر خافتاً. كان يضيء ويخبو بنبض ثابت، وإيقاعه هو نبض قلب راسخ:
— دق... دق... دق...
كل دقة هادئة، وكل دقة عميقة قوية. كان قلبه. ذلك القلب الإمبراطوري الذي سقط في الأرض عند موته، وظل ينبض ألف عام في قاع تشي شوي، يطلق طاقة روحية لا تنفد، كان يرقد الآن بهدوء على صخرة في قاع الهاوية. كان أحمر قانياً كله، ممتلئاً بالشقوق، وفي كل شق وهج نار حار كأن حمماً تسري فيه.
هبط تشوان شيو إلى جانب القلب، وجثا ومد يديه فحمله. كان حاراً ملتهباً في كفيه. وكان ينبض فيهما، وكل نبضة تحمل نفساً يعرفه: عزلة حين كان إمبراطوراً، وحيرته حين كان يو فو، وسكينة المسافر، وكل تنهدات الألف عام الماضية. وهو يحمل القلب، فهم شعوره فجأة. ظل هنا ينبض وحيداً زمناً طويلاً جداً؛ لا يدري هل عاد صاحبه إلى الحياة، ولا أين وصل صاحبه، ولا لماذا عليه أن يستمر في النبض. كانت مهمته الوحيدة أن ينبض، يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام، ويرسل الطاقة الروحية إلى كل ركن من أركان الأرض.
مرر تشوان شيو أصابعه برفق على شقوق سطح القلب.
— لقد أتعبتك، قال همساً.
فقفز القلب نبضة عنيفة كأنه يجيبه. قربه تشوان شيو من صدره. كان في صدره تجويف، يطابق حجمه القلب تماماً: ندبة تركها سقوط القلب قبل ألف عام، وبقيت هناك حتى الآن تنتظر عودته.
أخذ تشوان شيو نفساً عميقاً وضغط القلب في صدره. اجتاح جسده في لحظة سيل حارق؛ شعر بمسالك طاقته تحترق، وعظامه تزمجر، ولحمه ودمه يعاد تشكيلهما. عاد القلب إلى موضعه الأول وصار من جسده مرة أخرى. وعادت معه التنهدات المخفية في باطن الأرض. أغمض تشوان شيو عينيه وحس بها: كانت ذاكرته وعواطفه وكل الثقل الذي حمله طوال ألف عام. قبلها، ولم يعد يحاول محوها أو نسيانها. ضمها كلها إلى قلبه، وجعلها جزءاً منه.
وحين فتح عينيه من جديد، انحسر ظلام قاع الهاوية. لم يعد يرى ظلمة، بل نوراً رقيقاً حنوناً؛ كان يصدر من قلبه. القلب الذي عاد إلى صدره أخذ يشع ضوءاً هادئاً، فأنار قاع الهاوية كله. نهض تشوان شيو ورفع رأسه نحو الشق فوقه. من القاع، تحول الصدع إلى خيط ضوء دقيق في قبة السماء، كأن مجرة انسكبت على الأرض. نزل النور من السماء ووقع عليه وعلى القلب النابض. وسمع صوتاً يأتي من الأعلى: صوت الناي العظمي، يأتي من البرية فوق الصدع. لعل العجوز كانت تعزف، ولعل الريح مرت من ثقوب الناي فعزفتها بنفسها، ولعل ذلك كله مجرد خيال. لكن اللحن، أياً كان، كان عذباً كنداء يبشر بولادة جديدة.
فتح تشوان شيو ذراعيه وترك اللحن يسقط في الهاوية. كان قلبه ينبض؛ وكل نبضة تطابق نبض الأرض، وكل نبضة ترسل طاقة دافئة إلى كل ركن من أركانها. في تلك اللحظة تصالح مع نفسه أخيراً. الإمبراطور الذي مات في تشي شوي، والوحش الذي تحول إلى يو فو، والمسافر الذي عاد إلى الحياة، والشيخ الذي قطع الطريق أكثر من ألف عام؛ جميعهم اتحدوا في واحد. كان هو تشوان شيو: تشوان شيو كاملاً حقيقياً.
وأخذ نور قاع الهاوية يمتد ببطء. جرى كالماء في طبقات الأرض، على طول العروق الروحية إلى الجهات الأربع. حيث مر ذاب الجليد، ونبت العشب والشجر، وفتحت الحيوانات الصغيرة الكامنة في الجحور أعينها. وفوق الهاوية، في البرية، دفعت العجوز باب كوخها وخرجت. نظرت شمالاً، فرأت عمود نور يصعد في اتجاه الصدع، يمزج الأحمر القاني بالذهبي كأن الشفق الصباحي والشفق المسائي نهضا معاً. عرفت ما حدث.
— لقد فعلها، تمتمت، وامتلأت عيناها بالدموع مرة أخرى.
رفعت الناي العظمي ونفخت بكل قوتها لحناً أخيراً. تردد صوته في البرية، واخترق الثلج والريح والسحب، حتى وصل إلى أعماق الشق. سمعه تشوان شيو وابتسم. كانت تلك أول مرة يبتسم فيها حقاً منذ بعثه؛ ابتسامة دافئة ساكنة. لم تزعج أحداً ولم تهز السماء والأرض، بل ذابت برفق في الريح، كقطرة ماء تقع في نهر.
ثم قفز من قاع الهاوية، وحمل جسده كف هائلة لا تُرى، فعبر طبقات البرد والظلام اللامتناهي، وخرج طائراً من الصدع نحو السماء الواسعة. نشر ذراعيه في العلو، وترك ريح أقصى الشمال تنفذ في ردائه وتبدد ما بقي حوله من الصقيع.
كان رداؤه الأزرق يصفق وشعره الطويل يرفرف. وتحته أخذ الصدع الهائل الذي يقطع الأرض يلتئم ببطء، ينطبق شيئاً فشيئاً كجرح عميق بدأ أخيراً يقيم قشرته. لعلّه يلتئم تماماً في يوم آت، ولعله يترك ندبة خفيفة، كالتجويف الذي لا يزال في صدر تشوان شيو: لا يؤلم بعد الآن، لكنه لا يزول. ظل تشوان شيو معلقاً في السماء يتأمل بعيداً. رأى وجه الأرض كاملاً: من الحقل الجليدي تحت قدميه إلى الجنوب، عبر الجبال والأنهار والغابات والسهول، حتى تلك المياه التي يعرفها معرفة عميقة. لم يكن تشي شوي في عينيه إلا خيطاً فضياً رقيقاً، لكنه عرف أن أسماكه ما زالت تغني أغنيته. فلوّح لذلك الخيط الفضي.
ثم استدار شمالاً وواصل رحلته. لم يكن ذلك لأن مهمة بقيت له، ولا لأنه يهرب من شيء؛ كان يريد فقط أن يمضي، أن يرى هل وراء أقصى الشمال شمال أبعد، وهل وراء نهاية العالم عالم جديد، وأن يعرف إلى أي حد يمتد الطريق. لم يعد يعد سنوات سيره؛ فالزمن صار عنده ماء نهر: يجري إلى الأمام، لا يقف لاستبقاء أحد، ولا يعود لتنهد أحد. مضى مع الماء، لا متعجلاً ولا بطيئاً، يقطع الأيام والليالي.
وفي الطريق كان يخرج أحياناً قطعة العظم من جيبه تحت ضوء القمر، ويعيد قراءة الدعاء في ضوء النجوم:
— ولتسقط تنهداته في ريح الشمال فلا تعود صدى، ولتغرق ذكرياته في قاع البحر العميق فلا تعود تضطرب، وليندمج نبض قلبه مع نبض الأرض فلا ينقطع أبداً ولا يخبو.
كان يتلو الكلمات في هدوء، كلمة كلمة. وحين يبلغ آخرها، يرفع قطعة العظم إلى شفتيه وينفخ عليها نفخة خفيفة. فتتساقط الحروف المحفورة منها، وتتحول إلى سرب من نور ضعيف كيراعات، تطير مع الريح إلى الجهات الأربع. كانت ستعود إلى الجنوب، إلى تشي شوي، إلى ذلك النهر العظيم الذي ظل يجري منذ أزمنة لا تحصى؛ تهبط في طين قاعه، وتأكلها الأسماك، فتولد من جديد في أغانيها. راقب تشوان شيو نقاط الضوء وهي تبتعد، ثم واصل مسيره إلى الشمال.
أمامه كان حقل جليدي لا نهاية له، وخلف نهايته بحر، وخلف نهاية البحر أرض أخرى، وخلف نهاية الأرض أفق جديد. كان الأفق يتراجع أبداً، والطريق يمتد أبداً، وهو يمشي أبداً. وكانت الشفق القطبية تهبط من السماء أحياناً: أخضر زمردي وأزرق أرجواني وقرمزي تتداخل كأشرطة حرير وتطفو في سماء النجوم؛ مشهد لا يكون إلا في سماوات الشمال، وطريقة تتحاور بها الأرض والسماء. كان تشوان شيو يتوقف تحتها، ويرفع رأسه للنظر، وعيناه ساكنتان كعيني طفل. وفكر: ما أوسع العالم، وكم فيه من أشياء لم أرها قط.
وحين يكتفي من مشاهدة الشفق، يستأنف طريقه. لم يعرف كم عاماً مضى: خمسين، أم مئة، أم ثلاثمئة؟ وفي الجنوب البعيد ظل تشي شوي يجري، لكن قرى ضفته غيّرت أجيالاً لا تحصى من أهلها. صار الصياد الذي اصطاد مرة شجرة الخوخ التي غرسها هو بيده في عداد الموتى، وصار حفيده في عداد الموتى، حتى أحفاد حفيده شاب شعرهم. سكت ناي العجوز العظمي، وابتلع الثلج والريح الكوخ، وصارت سلالة الساحرات نفسها أسطورة في النهاية. بل حتى أسراب السمك المغنية في قاع النهر تبدلت جيلاً إثر جيل. لم تعد الأسراب الجديدة تنشد الأغنية كما كانت، بل أضافت إليها قصصاً أكثر من صنعها؛ فالأسطورة لا تكف عن النمو. قال بعضهم إن الإمبراطور تحول في الشمال إلى نجم يسير إلى الأبد، وقال آخرون إنه وجد باباً عند نهاية العالم، وقال غيرهم إنه ظل يمشي لا يتوقف أبداً. لكن تشوان شيو لم يهتم بهذا.
ظل يمشي: عبر الحقول الجليدية، وفوق الجبال، وعبر المضائق، وفي التندرا. لم يعد يعرف الرداء الأزرق لونه الأصلي، لكن وجهه صار أكثر شباباً على العكس؛ عاد من الشيخوخة إلى منتصف العمر، ومن منتصف العمر إلى الشباب شيئاً فشيئاً. منذ رجوع القلب، كانت آثار الزمن على جسده تسير إلى الوراء. لم يعد يحاول أن يحسب كم سنة مشى، لأنه لم يعد يحتاج إلى ذلك؛ فالمشي هو طريقة وجوده. ما دام الطريق يمتد، فسيظل يمضي فيه.
وفي أقصى الشمال، رأى البحر أخيراً. كان ماؤه أزرق شديد العمق، أعمق من أي بحر جنوبي، وفوق سطحه جبال جليد ضخمة كأنها شظايا سقطت حين تحطمت السماء. وفي الأعماق كانت مخلوقات جبارة غريبة تسبح ببطء؛ ظهورها عريضة كالجزر، ونفثها يرسل أعمدة ماء ترتفع عشرات القامات. وقف تشوان شيو على الشاطئ ينظر طويلاً، ثم التقط خشبة طافية، ودخل ماء البحر البارد حتى العظم، وحرك ذراعيه وسبح إلى الأمام.
سبح ببطء، كأنه يستمتع باحتضان الماء. ومنذ مغادرته تشي شوي، نادراً ما عاد إلى الماء، أما الآن، وهو وسط ذلك الامتداد الفسيح، فقد استيقظت من جديد في عظامه ودمه ذكرى السمكة الدفينة. ظل يسبح تسعة أيام وتسع ليال، حتى بلغ أرضاً أخرى: قارة يغطيها الجليد والثلج بالكامل، هواؤها خفيف بارد، وسماؤها بنفسجية شاحبة لم ير مثلها في مكان قط. خرج تشوان شيو من البحر، ونفض قطرات الماء عن شعره، ومشى حافي القدمين فوق الجليد، ماضياً شمالاً. وفي وسط تلك القارة وجد نهاية الأرض.
لم يكن هناك معلم ولا مشهد عجيب؛ لم يكن سوى بياض منبسط لا حد له، وأمامه جرف مقطوع لا يُرى له قرار. وتحت الجرف هاوية؛ ليست ماء بحر، بل عدم: عدم خالص مطلق، لا نور فيه ولا ظلام، لا برد ولا دفء، ولا شيء يمكن أن تدركه الحواس. كانت تلك نهاية العالم؛ وما وراءها فوضى خارج السماء والأرض. وصل تشوان شيو إلى الحافة وجلس. وبعد هذه المسيرة الطويلة، جلس ليستريح لأول مرة. كان الجليد بارداً، لكنه لم يبال. دلّى ساقيه في العدم، وراح يحركهما برفق، كفتى يجلس عند النهر ويدلي قدميه ليعبث بالماء الجاري. وظل جالساً زمناً طويلاً جداً.
زمناً امتد حتى طلعت الشفق القطبية فوق الحقل وراءه ثم غربت، وحتى غيّرت نجوم السماء مواضعها مرات لا تحصى. وفي النهاية نهض. أخرج من صدره الناي العظمي، ذلك الناي العتيق الذي أهدته إليه العجوز، ووضعه على شفتيه ونفخ فيه برفق. انطلق صوت الناي عند حافة العدم، بلا صدى ولا جواب، لكنه ظل يصدر بثبات، كنبض قلب وكجريان نهر. وعزف لحناً طويلاً جداً.
وكان طريق عودته جنوباً طويلاً كذلك. لكن هذه المرة لم يعد يتعمد حساب الاتجاه أو الزمن، بل ترك قدميه تقودانه. مشى فوق الأرض الواسعة، فرأى أن كل ما في السماء والأرض اختلف عن ألف سنة مضت. تغيرت الجبال بسبب خفقان العروق الروحية، وحوّلت الأنهار مجاريها بسبب نحت السنين، وصارت الغابات القديمة سهولاً، وصارت الصحارى القديمة بحيرات. وتبدلت مدن البشر أيضاً؛ انهارت أسوار دي تشيو، وقامت مكانها مدن وسلالات جديدة. تغيّرت الأشياء والناس، وتعاقبت السلالات، لكن الأرض بقيت الأرض والسماء بقيت السماء. عبر تشوان شيو كل ذلك، لا مستعجلاً ولا بطيئاً.
وأخيراً، في غروب عادي، شم رائحة يعرفها. كانت رطبة دافئة، فيها رائحة العشب المائي والطين.
لمع تشي شوي غير بعيد تحت الشمس الغاربة ضوءاً ذهبياً، وظل يجري شرقاً كما اعتاد. وكانت القصب على ضفتيه أكثف مما كانت قبل ألف عام، وتطاير زهر القصب في ريح المساء كشلال ثلج لا ينتهي. وصل تشوان شيو إلى الضفة، وخلع رداءه الأزرق الذي تمزق منذ زمن، ثم دخل الماء عارياً. استقبله النهر برفق. وفي البدء فزعت الأسماك تحت الماء وتفرقت، ثم أخذت تتجمع في فضول وتدور حوله. غاص تشوان شيو إلى القاع، ووجد حجراً أملس، فاضطجع عليه. أغمض عينيه وحس بحركة ماء النهر على جسده، كأنه عاد إلى المهد الأول.
وسبحت إليه سمكة عجوز وتوقفت إلى جانبه.
— من أنت؟ سألته.
— صديق قديم عاد من طريق بعيد، أجاب تشوان شيو.
نظرت إليه السمكة العجوز في هدوء لحظة، ثم سألت برقة:
— وهل ستسير من جديد؟
— لا، قال تشوان شيو. — يكفيني أن أصل إلى هنا.
أغمض الإمبراطور عينيه وزفر زفرة طويلة. تحولت الزفرة في الماء إلى فقاعات دقيقة لا حصر لها، احتوت كل واحدة منها خيطاً من تعب الدنيا، وصعدت ببطء إلى السطح، فاختلطت بالهواء وتبددت بين السماء والأرض. لقد سار زمناً طويلاً حقاً. وفوق الماء، هبطت الشمس تماماً وراء الأفق. وانكمش آخر ضوء ذهبي، وصار تموجاً عابراً يلمع فوق سطح تشي شوي. وظل تشي شوي يجري.
وفي قاع النهر استقر نفس تشوان شيو بالتدريج، فنام. ولم يكن هذا نوم يو فو بعد موته، نوم الحيرة واللاوعي، بل سباتاً هادئاً بعد أن اكتمل كل شيء. أخذ جسده يتحلل ببطء تحت غسل الماء: ذاب اللحم والدم في النهر، وعادت العظام إلى الطين والرمل، وخفق القلب مرات أخيرة ثم سكن. وتحول القلب إلى حصاة مستديرة في القاع، على سطحها عروق دقيقة كأنها خريطة مصغرة للجبال والأنهار. مر إدراكه على كل خصلة عشب مائي في النهر، وعلى كل حرشفة سمك، وعلى كل حصاة. كان هو النهر، وكان النهر هو. الإمبراطور هو السمكة، والسمكة هي الإمبراطور.
أما الأغنية العتيقة التي تناقلوها ألف عام، فلم تعد تحتاج إلى من ينشدها؛ إذ صار ماء النهر نفسه أغنية. كل صوت يصدره وهو يجري — طرقة الموج الخفيفة على الشاطئ، وهمهمة ذيل السمك في الماء، وأنين الريح فوق السطح — كان نغمة منها. مضت تلك الأغنية عبر الجبال والسهول، والأنهار والبحيرات والبحار، وعبر آلاف السنين، وسمعها كل إنسان عادي انحنى ليغرف ماءً بكفيه. لم يعرفوا ما ذلك الصوت، لكنهم كانوا يحسون بحرارة خفيفة في راحة اليد حين يغرفون الماء، ويسمعون عند آذانهم همساً بعيداً موغلاً في القدم، كأن شخصاً يروي قصة عتيقة. وكانت بداية القصة دائماً الجملة نفسها:
— قديماً، مات إمبراطور في تشي شوي، وتحول إلى هيئة نصفها أفعى ونصفها سمكة، واسمه يو فو.
أما نهايتها؟ فظل تشي شوي يجري.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.