كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/23 · إحياء زوجة السمك — الفصل 4
الفصل السابق

23 · إحياء زوجة السمك — الفصل 4

ما وراء الليل

الفصل التالي

لا يعرف يو فو كم نام في القاع: عشرة أعوام، أم خمسين، أم مئة أو أكثر. داخل الشرنقة الطينية فقد الزمن معناه؛ لا شمس ولا قمر ولا فصول، بل طين وماء وظلام. كان يمتص شظايا قليلة، يضطرب في أحلامه ثم ينام، إلى أن تراكمت الشظايا عبر مئات السنين وأعاد بحر وعيه، وإن كان مكسوراً مقلوباً، إلى قدر يكفي للشعور بالذات.

صار يستيقظ أكثر، ويحار: أكان الفتى الذي يقرأ في الكوخ هو؟ أكان الإمبراطور على السور هو؟ أكانت السمكة السابحة هي؟ من يكون، وما يكون؟ فيهيج تارة فيضرب ذيله فيقلب طين القاع ويعكر تشي شوي، ويعوي تارة فيفجر أعمدة الماء، ثم يتكور مرتعداً كبائس فقد ذاكرته في الظلام. وأحست به الأسماك الحاملة للذكريات، فطافت حول شرنقته وتكلمت بصوت الإمبراطور القديم: أنشودة طفولته، ومراسيمه، وكل قول مهم قاله. أرادت أن توقظ ملكها، لكنها لم تزد اضطرابه إلا عمقاً.

ومضى أكثر من مئتي عام حتى جاءت سمكة كروسيان بالغة العادية، صغيرة بحجم الكف وحراشفها رمادية. لم يلتفت إليها أحد، لكن في بطنها شظية أدق من الغبار، حفظت لحظة واحدة: آخر ما قاله تشوان شيو لنفسه قبل أن يفنى: «لست إلهاً؛ أنا مجرد إنسان». ظلت الشظية مئة عام في النهر، غاصت في الطين وعلقت بالعشب وابتلعها السمك وأخرجها، ولم تهضمها سمكة لصغرها الشديد. لكنها كانت قلب الذاكرة كلها.

لامست السمكة الشرنقة بشفتيها، فانشق الطين وشاهدتها عينا يو فو الحمراوان. حاولت الفرار، لكن قوة غير منظورة أمسكتها، وجذبها نفس خافت من خياشيمه حتى ابتلعها. وما إن دخلت الشظية بحر وعيه حتى دوى فيه رعد. كانت مفتاحاً فتح باباً مغلقاً منذ قرون؛ فتجاوبت كل شظايا الذاكرة في لحظة، في أنهار الولايات التسع كلها، مأكولة كانت أم سائحة في الماء، وأضاءت ذهباً حتى أنارت القيعان.

وفي تشي شوي رفعت عشرات آلاف السمكات رؤوسها وصرخت بصوت واحد: — أنا تشوان شيو! ارتعش يو فو، وانفتحت عيناه، وتحطمت الشرنقة من حوله. ولم تعد الشظايا تُرتب بالزمن، بل بالمشاعر: الغضب مع الغضب، والحزن مع الحزن، والفرح والخوف كذلك؛ جداول تصب في بحر واحد. عاد إليه نفسه: الإمبراطور الأسود تشوان شيو، حفيد الإمبراطور الأصفر، تابع شاو هاو، أحد الأباطرة الخمسة وصاحب الفصل بين السماء والأرض. رجعت إليه أمجاده ومراراته وحروبه وضبطه للماء، من أحب ومن أبغض، موته في تشي شوي، تحوله إلى يو فو، وسباته وحيرته مئات السنين. لقد وُلد من جديد، في هيئة لم يخترها.

تأمل جسده نصف الأفعى ونصف السمكة، وحس الماء في خياشيمه والاحتكاك على حراشفه وقوة الذيل ونبض النهر يجيبه. ضحك ضحكة أجشة: — هكذا إذن... لم أعد أنا. ثم سبح؛ فتح ذيله الذي لم يتحرك قروناً، فضرب الماء فصنع دوامة، وانطلق من القاع إلى السطح.

رأت كل الكائنات على الضفتين الوحش ذا القامات التسع يشق الماء، وستارة الماء خلفه وقوس قزح حوله. رأى بعد ولادته السماء من جديد: هي نفسها، والأرض نفسها، لكنه لم يعد الشخص نفسه. أبصر النباتات والوحوش التي غيرتها الطاقة والأسماك التي حملت ذاكرته، والنهر الذي اتسع عشرة أمثال وراح يلمع ويغلي بالروح. وقال: — بعد سقوطي حدث هذا كله؛ لا أدري أخير هو أم شر.

وجاء ملك الكارب الذهبي، الذي ابتلع شظايا الحرب الثلاث، طوله عشر قامات، وانحنى: — يا مولاي، لقد استيقظت. سأله تشوان شيو: — أكلتَ ذاكرتي أنت أيضاً؟ فأجاب: — صرت بها ملكاً، لكنني محبوس فيها، لا أدري أأنا سمكة أم إمبراطور. فعرف تشوان شيو ألم السمك جميعاً: يعيشون بهوية ليست لهم، لا سمكاً كاملاً ولا بشراً كاملاً. نظر إلى السماء حيث أحس بأنفاس ورثته من ملوك البشر، ثم قال للكارب ولآلاف السمك: — لست إمبراطوركم. أنا سمكة عادت إلى الحياة.

اهتز السمك، لأن قوله حوّل آخر ذاكرته: «لست إلهاً، أنا إنسان» إلى «لست إمبراطوراً، أنا سمكة». اختار التخلي. فقد علّمه نوم القرون وتفتت الذاكرة أن مجد الملوك عابر، وأن الفصل بين السماء والأرض موجة في نهر التاريخ. مات والعالم تابع دورانه، وعاد مختلفاً؛ فلم التشبث؟

بدأ جسده يتقلص. انكمشت الحراشف والتحمت، وقصر جسد الأفعى، وانشق الذيل وصارت عظامه ساقين؛ تحولت الحراشف رداءً أزرق أسود، والخياشيم زخارف عند طوقه، وعادت القرون إلى جمجمته. وبعد أنفاس وقف على الماء رجل في منتصف العمر، حافي القدمين، شعره منسدل ووجهه نحيل مهيب وعيناه ذهبيتان باهتتان. لم يبق في ملامحه بطش الإمبراطور، بل سكينة من رأى الدنيا وخفة من أنزل الحمل.

هتف السمك: — يا إمبراطور! فهز رأسه: — لا تسموني بذلك؛ مات تشوان شيو، والذي عاش سمكة. ثم قال لملك الكارب: — بما أنك ورثت ذكريات قتالي، فاحرس هذا النهر. إن جاء عدو فأنت حارس تشي شوي. وقال للأسماك: — نلتم حكمة البشر. أنتم من اليوم أرواح النهر، لا سمكاً عادياً. اترك لكم تدبير الحكم: تعايشوا وتساندوا، لا يستقوي قوي على ضعيف ولا تسفكوا دماً بلا حق.

ثم نظر إلى المجاري البعيدة، فقد علم أن شظاياه ملأت الأرض، وأنها أيقظت العروق وولدت الشياطين والأرواح. وقال: — قضيت عمري ملكاً أظن أني أضبط كل شيء، ثم علمت أني لا أضبط موتي. يكفيني ما مضى؛ سأطلب في بقية عمري أصل العروق، لأرى أي قوة تحرك السماء والأرض. ومشى فوق الموج شمالاً، لا يلتفت إلى الأرض التي حكمها ولا إلى تشي شوي الذي مات فيه. غاب رداءه وشعره عند ملتقى الماء والسماء، وغنى ملك الكارب وأهل الماء أنشودة طويلة كمرثية عتيقة، ترددت على النهر ثلاثة أيام.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.