كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/23 · إحياء زوجة السمك — الفصل 3
الفصل السابق

23 · إحياء زوجة السمك — الفصل 3

ما وراء الليل

الفصل التالي

العروق الروحية هي مسالك الطاقة القائمة منذ انفتاح السماء والأرض. حين تميزت الفوضى، ارتفع الصافي سماءً وهبط الكدر أرضاً، وتكثف من خلاصة الكدر عروق دُفنت عميقاً. وهي كعروق جسد الإنسان، تخترق الأرض وتجري بلا انقطاع؛ بها تخضر النباتات، وتستنير الطيور والوحوش، ويمارس البشر السلوك الروحي. وفي العهد السحيق وقع انفجار عظيم لها، فأيقظ أرواح الكائنات وولدت منه الأساطير. لكن ذلك كان منذ مئات آلاف، بل ملايين السنين، ثم استقرت العروق وخبت في الباطن. أما موت تشوان شيو وولادته من جديد فكانا حجراً سقط في ماء ساكن، فأيقظا ما صمت كل تلك الأزمنة.

أول ما تغير تشي شوي نفسه. منذ سقوط تشوان شيو أخذ ماءه الأحمر بالطمي يتلون بذهبي قرمزي بديع؛ فالطاقة فيه كثفت حتى كادت تسيل سائلاً. ولو غرف أحد ماءه لوجده لزجاً كالعسل يضيء خفيفاً، وجرعة منه تعادل شهوراً من تنفس الممارس وامتصاصه للطاقة. ونمت نباتات الضفتين بجنون يُرى بالعين: عشب ذيل الكلب بلغ تسع أقدام في ليلة، وتضاعف تاج صفصافة عجوز في ثلاثة أيام، وحتى أغصانها المعلقة في النهر أضاءت ذهباً. وجاءت الطيور والوحوش من كل ناحية، إذ عرفت بالغريزة أن ماءه يبدل خلقتها. فالأيل الذي شربه أنبت في الغد قرنين من يشم؛ والكركي أحمر التاج الذي اغتسل فيه تساقط ريشه في اليوم الثالث ونبت له ريش أبيض كالثلج تلمع أطرافه كالنجوم؛ وثعبان ترابي أكل عشبة روحية عند الضفة سلخ جلده في اليوم السابع وصار تنيناً مائياً، وبرزت على رأسه عقدتان لحميتان هما نذير القرنين.

لكن ذلك مظهر فقط. التحول الحقيقي جرى في الأعماق، في الأسماك التي ابتلعت شظايا ذاكرة تشوان شيو. ظل العرق تحت الأرض يتفجر، واندفعت من شقوق القاع طاقة نقية تكاد تتجسد، ذات بريق أبيض حليبي. وما إن لامست السمك حتى تسارع التحول. وأول من تبدل حقاً كارب ملوّن.

عاش في تشي شوي ثمانين سنة، فصار سمكة هرمة حراشفها مطفأة وحركتها بطيئة وعيناها غائمتان. لكنه عند موت تشوان شيو ابتلع ثلاث شظايا، كلها من ذكريات حروبه في شبابه. أحرقت الذكريات عقله كالنار وحقنت برية جامحة في جسده العتيق، ثم غمرته طاقة العروق، فتسربت في كل حرش ولحم وشوكة. أخذ ينتفخ، لا نمواً هادئاً بل تمدداً عنيفاً يكاد ينفجر؛ يتشقق جلده ويلتئم، وتسقط حراشفه وتولد من جديد، وفي كل مرة تكون أبهى. وانتهى وحشاً طوله عشر قامات، قرمزي ذهبي، حراشفه كأحجار الرحى تلمع كالشمس، وشواربه صارت شريطين ذهبيين طويلين، وفي فمه أنياب وفي ظهره زعنفة كسلاح. أما عيناه فقد تحولتا تماماً إلى عيني إنسان، فيهما ذكاء وهيبة: عينَي إمبراطور.

لم يعد كارباً. طفا على السطح، ورفع رأسه إلى السماء، والقمر يسكب على حراشفه آلاف الأشعة، وقال بصوت عميق موحش: — قُدتُ جيشي يوماً شمالاً لطرد الهون، فقطعت رؤوس ثلاثين ألفاً. وكانت ريح ذلك اليوم باردة كهذه. فهربت الطيور والوحوش على الضفة. وكان ذلك البدء فقط.

وتحولت سلحفاة عتيقة ابتلعت ذكرى تشوان شيو في تدبير الفيضان. عاشت في الطاقة مئة عام وانفتح عقلها، وظهرت على صدفتها رسوم جبال وأنهار، كل منها يطابق مجرى حقيقياً من مجاري الولايات التسع. ولما تكلمت كان صوتها صوت تشوان شيو: — طريقة ضبط الماء ليست في سده بل في فتح مساره؛ فالسد يغضبه والفتح يسويه. احفظوا هذا.

وثالثها أنقليس أبيض ابتلع ذكرى الموسيقى، فعرف النغم، وصار إيقاع التفافه بين العشب المائي يطابق الأصوات الخمسة والاثني عشر مقاماً، والماء الذي يحركه لحناً عتيقاً صافياً كأن من تسع سماوات، ولكن فيه حزن لا يقال. ورابعها سمكة سوداء ابتلعت خوف تشوان شيو من الموت فجنّت، أخذت تشق النهر وتصرخ: — لا أريد أن أموت! لا تموت، فما زال عندي الكثير لم أنجزه! فسمع سكان الضفتين صراخها تلك الليلة واقشعرت جلودهم ولم يخرج أحد. ثم تحولت الأسماك أكثر فأكثر، ولم تعد مجرد أسماك تتكلم، بل مخلوقات بين السمك والإنسان والجن: منها ما بقي سمكاً بعقل إنسان، ومنها ما نبت له وجه أو أطراف آدمية، ومنها ما صار جنياً نصفه إنسان ونصفه سمكة.

وأعجبها سمكة خضراء ابتلعت ذكرى «الفصل بين الأرض والسماء». كان أعظم أعمال تشوان شيو: أمر الإلهين تشونغ ولي أن يقطعا الطريق بين السماء والأرض، فلا تهبط الآلهة لإزعاج البشر ولا يصعد البشر للتلصص على الآلهة؛ حماية وسجناً، نعمة وكبرياء. قفزت السمكة من الماء وزأرت نحو السماء، فاجتمعت السحب فعلاً في مئات الأميال وحجبت القمر. وقبل أن تهبط قالت بصوت تشوان شيو: — للسماء والأرض نظام، وللإنسان والآلهة حدود. ثم غاصت ولم تظهر ثانية؛ قال قوم إنها اتبعت مسالك العروق إلى باطن الأرض، وقال آخرون إنها تشكلت إنساناً وخبأت نفسها بين الناس، ولا أحد يعلم.

ولم يقف أثر الانفجار عند النهر والأسماك، بل عم الشمال الغربي من البرية العظمى والولايات التسع. شعر الممارسون المختفون في الجبال أولاً باختلال الطاقة، وفرحوا إذ ارتفعت كثافتها من ندرة لا تسمح بالتدريب إلى ستة أو سبعة أعشار، تقارب العصر السحيق. فاخترق الشيوخ العالقون عند حواجزهم في ليلة، وصعدت كل بضعة أيام أعمدة نور في الجبال، علامة اختراق مراتب جديدة. لكن في الفرح قلق: فقد تغيرت طبيعة الطاقة. كانت من قبل صافية ووديعة كمطر الربيع، أما الآن فكثيفة مشوبة بهياج، كزئير وحش أيقظوه. ومن امتص منها كثيراً اضطرب قلبه وظهرت في ذهنه شظايا ليست له: قتل الحرب، ووحدة الإمبراطور، ورعب الموت، وحيرة الولادة الجديدة. تصدم المشاعر وعيه كتيار فوضوي؛ فيتضرر في الأخف مسار طاقته، ويصاب بالانحراف الجنوني في الأشد.

وشعرت الوحوش الروحية والوحوش الشيطانية بالتغير، فخرجت من الجبال والمستنقعات والصحارى، تتعقب منبع الطاقة إلى تشي شوي. فامتلأت ضفته بعشرات آلاف الوحوش، واجتمعت مئات الطيور: أفاعٍ عملاقة برأسين، لكل منها قرن وعيون كمشاعل؛ وثعالب روحية بتسعة ذيول بيضاء، تحترق على كل ذيل نار ثعلب خافتة؛ وتنانين ينغ مجنحة تحجب السماء بأجنحتها؛ وقرود تتكلم تجلس على رؤوس الشجر وتنشد للقمر. اجتمعت بسبب موت تشوان شيو وانفجار العروق. فمنها من شرب بهدوء، ومنها من غاص يفتش عن المصدر، ومنها من راقب الأسماك الحاملة للشظايا ليفترسها ويظفر بإرث تشوان شيو.

فاندلع القتال على سطح النهر مراراً. كيلين مائي أراد صيد السمك، فعض ملك القرموط، ذا القامات الخمس، رجله الأمامية وجره إلى القاع. وطائر بنغ ذهبي الجناحين حاول خطف الكارب، فضربه الكارب بزعنفته فسقط في الماء مبللاً مذلولاً. لكن جميع الوحوش تجنبت موضعاً واحداً: أعمق تشي شوي، حيث ينام يو فو. كانت تحس في ظلمة القاع بقوة مرعبة، بهيبة الإمبراطور ممزوجة بوحشية السمك، فتجعل كل كائن يقترب يرتعد. ولم يجرؤ وحش على إزعاج نومه. وفي ذلك الوقت، كان يو فو يرى حلماً طويلاً.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.