كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/23 · إحياء زوجة السمك — الفصل 2
الفصل السابق

23 · إحياء زوجة السمك — الفصل 2

ما وراء الليل

الفصل التالي

في أعمق تيار مظلم من قاع تشي شوي، كان يو فو راقداً. تكور جسده، والتف ذيله السمكي حول جذع الأفعى في أعلاه كجنين في رحم أمه. غطاه طين القاع، وصنع حوله شرنقة طينية سميكة، وغمر الظلام كل شيء. ثم تحركت شقوق خياشيمه حركة خفيفة. كان ذلك تنفساً، مع أنه لم يعد بحاجة إلى التنفس؛ فغريزته جعلته يفتح الخياشيم ويطبقها كما لو أنه يبتلع شيئاً ويخرجه. مر ماء النهر خلالها حاملاً حبيبات دقيقة كالغبار، لكنها تتلألأ بضوء ذهبي كيراعات الليل.

كانت شظايا من ذاكرة تشوان شيو. حين تحركت خياشيم يو فو، انجذبت شظية إلى داخله، وسارت مع مجرى الدم إلى رأسه. وهناك قصر نيه وان الذي جف منذ زمن، بحر الوعي لدى الممارس، موضع حفظ الروح والذاكرة. كان بحر وعي تشوان شيو قد تحطم وصار خراباً موحشاً. طافت الشظية في الخراب كورقة تسقط في بئر يابس، فارتج جسد يو فو بعنف.

«رأى» مشهداً: فتى بثياب كتان، يحمل ألواح خيزران، راكعاً في كوخ عشبي. وأمامه شيخ أبيض الشعر يحمل مخطوطة قديمة ويقرؤها همساً؛ كانت «ذخيرة الداو للين الغامض»، السر الذي لا ينقله آل غونغ غونغ. أصغى الفتى تشوان شيو مأخوذاً، يلمع في عينيه شغف المعرفة. لم يدم المشهد إلا أنفاساً ثم انطفأ، وسكن يو فو من جديد. لكنه لم يعلم أن ذلك لم يكن سوى البداية.

في يوم سقوط تشوان شيو، تحطم بحر وعيه تماماً، فتحولت ذكريات حياته إلى مئات الملايين من الشظايا، وانتثرت كالغبار في تشي شوي، ثم حملتها المجاري إلى كل نهر في أرض الولايات التسع. كانت خفيفة بلا وزن؛ بعضها غاص إلى القاع، وبعضها طفا على السطح، وبعضها علق بالعشب المائي أو انحشر بين الحصى.

ابتلعتها الأسماك. أولها كارب أخضر كان يبحث عن طعام، فحسب شظية مضيئة برغوث ماء وابتلعها خطأ. ذابت في جوفه فوراً وصارت تياراً دافئاً صعد إلى رأسه. أحس الكارب بألم خاطف، ثم «عرف» فجأة أموراً لا ينبغي له أن يعرفها. «تذكر» مدينة: أسواراً شامخة، وعلى رؤوسها رايات مرسوم عليها الشمس والقمر. كانت دي تشيو، عاصمة تشوان شيو. اتسعت عينا الكارب. لم يغادر قط نهر تشي شوي، ولا يمكن أن يكون رأى مدينة، لكن صورتها انطبعت في ذهنه واضحة؛ كل لبنة، وكل قرميدة، وكل راية حاضرة كأنه رآها بعينيه. ولم يكن يدري أن الشظية التي أكلها تحفظ منظر الإمبراطور تشوان شيو وهو يستعرض الموظفين فوق سور دي تشيو.

هز الكارب ذيله مذعوراً ليطرد ذلك الإحساس الغريب، فلم يستطع. فالذاكرة كالوسم، ما إن تنطبع لا تمحى. وبعد قليل ابتلع شبوط فضي شظية ثانية، فيها ذكرى تشوان شيو في السابعة. في تلك السنة مات الإمبراطور الأصفر وخلفه شاو هاو. كان تشوان شيو الصغير يسير خلف نعش جده، بثوب كتان وعصا حداد، في مقدمة موكب الجنازة. لم يكن يفهم الموت بعد؛ كل ما عرفه أن جده لن يستيقظ، ولن يرفعه إلى حجره، ولن يروي له حكايات الفوضى القديمة. بكى، وانحدرت دموعه على خديه إلى الطريق الأصفر. وهكذا عرف الشبوط فجأة معنى الحزن. امتلأ قلب السمكة بأسى بلا سبب، حاد حقيقي، فسالت دموعه من غير إرادة واختلطت بالنهر، فاختفت في لحظة.

ابتلعت سمكة ثالثة الشظية الثالثة، فعرفت الغضب: ذكرى حرب تشوان شيو وغونغ غونغ. غضب غونغ غونغ فضرب جبل بو تشو، فانكسر عمود السماء وانقطعت أوتاد الأرض، ومالت السماء إلى الشمال الغربي وهبطت الأرض إلى الجنوب الشرقي. قاد تشوان شيو جيشه وحارب غونغ غونغ تحت بو تشو، فقاتلا حتى غاب نور الشمس والقمر وتغيرت الجبال والأنهار. تراكمت الجثث وسال الدم حتى طاف فيه المدق، ثم انهزم غونغ غونغ وصدم الجبل برأسه فقطعه. وعرفت رابعة الخوف، وخامسة الشك، وسادسة الحب والبغض، وسابعة الربح والخسارة. ولم تعرف الثامنة إلا حلماً رآه تشوان شيو في قيلولة يوم ما، والتاسعة طعم ثمرة برية قضمها في شبابه، والعاشرة صباحاً من صباحات الانقلاب الشتوي وقف فيه في الفناء يرى زهر الصقيع يملأ الأغصان.

هكذا عملت شظايا الذاكرة: جزأت حياة تشوان شيو كاملة حتى صارت حطاماً. قد تكون الشظية ساعة، أو لحظة، أو فكرة، أو عاطفة، أو لحناً، أو رائحة، أو تعبيراً على وجه إنسان، أو ذيل جملة. وكل ذلك ذاب في الأنهار وأكلته الأسماك.

كان صيادو الضفة أول من لاحظ الشذوذ. في مساء عادي ألقوا شباكهم في تشي شوي كما اعتادوا. وحين رفعوها وجدوا السمك هادئاً على غير العادة؛ لم يعد يتخبط ويقفز بجنون، بل اضطجع ساكناً في الشبكة ينظر إليهم بعينين بعد عينين. وكان في تلك العيون ضوء لا يوصف جعل البرد يصعد في ظهورهم. مد صياد جريء يده إلى أكبر كارب أخضر؛ وما إن لمس حراشفه حتى فتح الكارب فمه فجأة.

— سور دي تشيو أعلى من هذا الجبل.

تحركت شفتاه وأخرجتا مقطعاً واضحاً بعد آخر. كان صوته أجش غريباً كحك سكين كليل على الحراشف، لكنه كان حقاً كلام بشر.

صرخ الصياد وتركه، فسقط الكارب على ألواح القارب واستمر يقول: — السور بُني من تراب الألوان الخمسة: الأزرق في الشرق، والأحمر في الجنوب، والأبيض في الغرب، والأسود في الشمال، والأصفر في الوسط. إنه تراب ممالك العالم كلها، حمله أمراء الجهات بأيديهم. يوم البناء احتفل الناس، ودوت الطبول عشرة أيام وعشر ليالٍ...

— وحش... وحش!

تدحرج الصياد إلى مؤخرة القارب، ووجهه أبيض كالورق. لكن شبوطاً فضياً آخر في الشبكة تكلم بدوره، بصوت رفيع حزين كامرأة تبكي: — جدي، لا تذهب. إن ذهبت، ماذا أفعل أنا حفيدك؟ لم أتعلم كل السحر الذي علمتني، ولم أسمع كل الحكايات التي رويتها...

ثم تكلمت السمكة الثالثة بصوت شيخ مهيب لا يقبل رداً: — يا غونغ غونغ، لقد دمرت عمود السماء بجرأة. جريمتك لا تُغتفر. وتحت جبل بو تشو اليوم يكون مثواك!

وصاحت الرابعة بصوت فتى: — أمي، أرز الدخن اليوم طيب الرائحة. وهمست الخامسة بصوت فتاة: — من ذلك الرجل؟ لم تجعلني نظرته أضطرب؟ وتكلمت السادسة والسابعة والثامنة... أكثر من مئة سمكة في الشبكة فتحت أفواهها في آن، لكل منها صوت وكلام غير الآخر: منها من يبكي أو يضحك أو ينشد الشعر أو يتشاتم في حرب أو يهذي أو يخطب بحماسة. تراكبت الأصوات وصارت موجة صخب كأن مئة إنسان احتشدوا في تلك الشبكة. فطار الصيادون من الرعب وقفزوا إلى النهر فراراً. ومن التفت منهم رأى في ضوء القمر ذهباً يلمع من الشبكة المتروكة على القارب، ومئات الأسماك لا تزال تهذر بلا انقطاع. كان منظراً شنيعاً جعل شعر أجسادهم ينتصب.

وسرعان ما انتشر الخبر في القرى القريبة، وقال الناس إن في تشي شوي سمكاً عفريتياً يقلد كلام البشر. لكن الحقيقة كانت أفظع من «تقليد الكلام»: كانت الأسماك تحاكي وتستعيد الذكريات. ابتلعت شظايا ذاكرة تشوان شيو، فحملت ذكريات ليست لها، صادقة إلى حد أنها لم تعد تميز هويتها. سمكة ابتلعت ذكرى من صباه وظلت بعدها طيلة حياتها تظن أنها إنسان. رفضت أن تسبح مع الأسماك، وحفرت لنفسها كهفاً في القاع، وبنت بالحجارة حجرة على هيئة مكتبة، ثم كانت ترقد كل يوم أمام «مكتب» كأنها لا تزال تدرس. وكلما مر سرب قرب كهفها رفعت رأسها ورتلت بصوتها الأجش فصولاً من «ذخيرة الداو للين الغامض». كانت كلمات عتيقة عويصة تخرج من فم سمكة، وهو أمر بالغ العبث.

وابتلعت سمكة أخرى ذكرى مضاجعة تشوان شيو إحدى محظياته التسع. ومن ذلك الوقت غاصت في هوس لا ينتهي، تطارد كل سمكة أنثى حولها وتنادي، بصوت حنون مرعب، اسم تلك المحظية؛ فصار أهل الماء يفرون منها. والأفظع سمكة قرموط عملاقة ابتلعت ذكرى الحرب. كانت قرموطاً عادياً، لكن بعد أن ابتلعت ذكرى معركة تشوان شيو وغونغ غونغ صار طبعها عنيفاً إلى حد رهيب. بدأت تفترس كل حي في تشي شوي، سمكاً كان أو روبياناً أو أفعى ماء، وتبتلع الجميع. وكلما أكلت فريسة أطلقت زئيراً: — غونغ غونغ، إلى أين تهرب؟ كأنها الإمبراطور تشوان شيو نفسه. ولم يمض وقت حتى ظهر في تشي شوي ملك قرموط طوله خمس قامات، يفوح من جسده قتل مرعب.

أما أصل كل ذلك، يو فو، فظل نائماً في شرنقته الطينية في قاع النهر. لم يعلم ما يجري خارجه، ولا أن شظايا ذاكرته تُبتلع في أفواه بلايين الأسماك، ولا أن تلك الأسماك بدأت تتكلم وتضطرب وتتصارع بين الإنسان والحيوان. كان لا يفعل سوى النوم، يفتح خياشيمه أحياناً ويطبقها، فيمتص شظايا أخرى ويصنع حلماً طويلاً مشوشاً تتشابك فيه ذاكرة السمك وذاكرة الإمبراطور. تارة يرى نفسه سمكة تسبح حرة في الماء، وتارة إمبراطوراً جالساً على عرش مرتفع يتلقى السجود؛ وتارة توجد الهويتان معاً، فيصير سمكة جالسة على عرش التنين، أو إمبراطوراً غارقاً في النهر.

وفي قصر نيه وان، كان بحر وعيه الخرِب يعاد بناؤه ببطء. كل شظية يستنشقها ثانية تعيد في الخراب رقعة صغيرة، لكن البناء فوضوي بلا ترتيب، كمن يلتقط صفحات متفرقة من كتاب ممزق ثم يجمعها كيف اتفق؛ يختل السابق واللاحق وينقطع المنطق.

وكان يستيقظ أحياناً لحظة، يفتح عينيه الحمراوين وينظر في الظلام حوله بتيه. عندئذ يحس فراغاً هائلاً؛ يعرف أنه نسي أمراً مهماً، لكنه لا يتذكر ما هو. كان الإحساس كشوكة عالقة في حلقه، لا يبتلعها ولا يبصقها، بل تبقى تؤلمه في صمت.

— من أنا؟

فتح يو فو فمه وأخرج سلسلة فقاقيع صعدت عبر طبقات النهر حتى انفلقت على سطحه. وفي تلك اللحظة سمعت أسراب السمك في تشي شوي كله السؤال، لأنه كان صوت تشوان شيو. رفعت كل سمكة ابتلعت شظية من الذاكرة رأسها وأجابت بصوت واحد، لكن أصواتها كانت شديدة الفوضى. تكلمت عشرات الآلاف في وقت واحد: — أنت الإمبراطور. — أنت سمكة. — أنت زوجي. — أنت عدوي. — أنت أنا. تشابكت الكلمات وصارت موجة ضجيج لا تنقطع فوق تشي شوي.

لم يسمع يو فو تلك الإجابات، وغرق في نومه العميق من جديد. وفيما هو نائم، ظل العِرق الروحي في باطن الأرض يتفجر بلا توقف.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.