في أقصى الشمال الغربي من البرية العظمى، عند ضفة نهر تشي شوي، تدلّت السماء كأنها غطاء. وقف الإمبراطور تشوان شيو عند الماء وقد قارب جسده الهزال. ذلك الملك الذي كان يأمر مئة إله وينسج أطر الأرض والسماء بدا في تلك الساعة كشجرة عجوز تحتضر. زحفت على جلده عروق زرقاء داكنة، علامة تلاشي قوته الروحية، فيما كان نهر تشي شوي يضطرب عند قدميه بلا انقطاع. وكانت الأمواج العكرة تصفع الحجارة السوداء على الشاطئ، فتطلق دوياً مكتوماً كأنه نحيب يصعد من جوف الأرض.
— يا مولاي...
انطرح السحرة الإلهيون المرافقون على الأرض، ترتجف أصواتهم. — لا يجوز أن تمضي أبعد. فالشمال الغربي من البرية العظمى أرض هلاك، وقد رقّت الطاقة الروحية فيها إلى هذا الحد؛ ونخشى ألا يطيق جسدك الإمبراطوري.
لم يجب تشوان شيو. تجاوز بصره نهر تشي شوي إلى الشمال الأبعد، إلى أرض لم تطأها قدمه قط. وتقول الأساطير إن عند نهاية البرية العظمى شقاً ينفذ إلى عالم السماء. رآه في حلم أيام صباه، عميقاً كحدقة عين، يلفظ نور الفوضى ويبتلعه. أما الآن فقد شاخ، وكان قد سلّم العرش إلى كو، ولم تعد له صلة بشؤون البشر. لم يشأ إلا أن يرى، قبل موته، ذلك المشهد الذي رآه في حلمه.
— ابتعدوا.
كان صوته أجشّ منخفضاً، لكنه بقي مشبعاً بهيبة لا تُرد. فلم يجرؤ السحرة على معاودة النصح، وتراجعوا بمن معهم مئة خطوة. ألصقوا جباههم بالطين ولم يرفعوا أعينهم؛ فسقوط الإمبراطور أخطر لحظات السماء والأرض، ولا يحق للبشر أن يشهدوه. أخذ تشوان شيو نفساً عميقاً وخطا إلى تشي شوي.
كان ماء النهر بارداً حتى النخاع؛ غير أن ذلك البرد لم يكن من الحرارة، بل من ضغط روحي يتغلغل في العظام. ففي قاع تشي شوي عِرق روحي عتيق قائم منذ عصر الفوضى الأولى، أقدم من الآلهة وأعمق غموضاً من السماء والأرض. أحس تشوان شيو بتلك القوة تمزق جسده. بدأ جلده يتشقق، وتسرّب من الشقوق ضوء ذهبي داكن.
مضى الإمبراطور إلى الأمام. غمره الماء حتى خصره، ثم صدره، ثم عنقه. وحين غطّى تشي شوي رأسه، اجتاحه دوار عنيف. أطرق فرأى صورته في الماء. لا، لم تكن صورة. تحت سطح الماء كان «تشوان شيو» آخر يرفع إليه عينيه، وجهه مطموس، وعيناه فارغتان، وعلى فمه ابتسامة غريبة.
— لقد جئت أخيراً.
تكلم تشوان شيو الذي في الماء، واخترق صوته جريان النهر لينفجر مباشرة في رأسه. حاول تشوان شيو أن يتراجع، لكن ساقيه لم تعودا تطيعانه. نظر إلى أسفل، فرأى النصف السفلي من جسده يتحول تحولاً مريعاً. تشقق جلد ساقيه شقاً شقاً، وظهرت تحته حراشف زرقاء سوداء حادة الحواف كالسكاكين، تنتشر طبقات فوق طبقات. وانحنت عظام ساقيه والتحمت، وتحول اللحم والجلد إلى ذيل سمكة. انبسطت الزعنفة في الماء كراية حرب، وكل شعاع فيها يلمع ببرد خافت.
وفي الوقت نفسه بدأ الجزء العلوي من جسده يتبدل. انفتقت ثلاثة شقوق على جانبي عنقه: خياشيم، أعضاء تنفس السمك. امتد عموده الفقري، وصار جلده أملس لزجاً، وظهرت رسوم الحراشف على ذراعيه البشريتين. سقطت أظافره ونبتت في أطراف أصابعه مخالب.
— هذا هو «يو فو».
قالت الصورة تحت الماء. وكانت على هيئة تشوان شيو نفسها: نصفها العلوي جسد أفعى مغطى بالحراشف، عنق طويل وقرنان على الرأس؛ ونصفها السفلي سمكة، ذات ذيل عريض وحراشف تومض. — نصف أفعى ونصف سمكة، لا حي ولا ميت. هذه هي النهاية التي اخترتها لنفسك.
أراد تشوان شيو أن يزأر، لكنه لم يلفظ حين فتح فمه إلا سلسلة فقاقيع. كان شيء ما يزحف في حنجرته ويعيد تشكيل جهاز صوته. وأخذ إحساسه يضطرب، كأن أصواتاً لا تحصى تضج في عقله؛ أصوات كل حجر وكل حبة رمل وكل خصلة عشب مائي في قاع النهر. كانت قديمة إلى حد مخيف، هائلة إلى حد كاد يبتلع وعيه كله. وفي اللحظة التي أوشك فيها إدراكه على التلاشي، انفجرت قوة مرعبة من موضع دانتيانه.
كانت تلك الطاقة الروحية التي صقلها طوال حياته. فبوصفه واحداً من الأباطرة الخمسة، كانت طاقة تشوان شيو عميقة بما يكفي لتحريك الجبال وردم البحار. سبعين عاماً وهو يستنشق خلاصات السماء والأرض ويزفرها، حتى جعل من نفسه عِرقاً روحياً يمشي على قدمين. والآن انهار ذلك العرق، وانطلقت الطاقة من داخله. بدأ الأمر بدانتيانه؛ ذلك البحر الهوائي انفجر بدويّ، واخترق ضوء ذهبي بطنه كالسيف، وانطلق إلى ماء النهر. ثم جاءت مسالك طاقته: انقطعت جميع عروق جسده، وفاض من كل موضع ممزق نور باهر. وغلى نهر تشي شوي.
اندفعت أعمدة ماء شاهقة من سطحه، وكل عمود منها يحمل طاقة ذهبية كثيفة. وبدأ النهر يجري إلى الخلف؛ فالمجرى الذي استقر ملايين السنين التوى وتشوه تحت صدمة الطاقة، كأفعى عملاقة قُبض على موضعها القاتل وهي تتلوى ألماً. وارتجت الأرض على الضفتين بعنف، وانشقت فيها عشرات الفجوات التي لا يُرى قرارها. اندفع تشي شوي إلى تلك الفجوات، فتشكلت تحته روافد جديدة.
وتغير لون السماء. فقد أظلم القبو الصافي في لحظة حتى صار كالحبر، وتجمعت السحب الثقيلة من الجهات الأربع. تدحرج الرعد المكتوم في طبقاتها، ورقص البرق فيها كالأفاعي الفضية. وفجأة انهمر المطر. كأن عشرة آلاف قطرة هوت في آن واحد، تضرب النهر والأرض والسحرة الإلهيين المنبطحين. وكان في الماء فتات من الطاقة الروحية، فإذا وقع على الأرض أطلق أزيزاً وتصاعد منه دخان أزرق. رفع السحرة رؤوسهم مذعورين، فرأوا مشهداً لا يُصدّق.
كان دوّام هائل يتكون في تشي شوي، وفي قلبه وقف وحش نصفه أفعى ونصفه سمكة. بلغ طوله تسع قامات؛ أعلاه وجه إنسان وجسم أفعى مغطى بحراشف خضراء مزرقة، وعيناه حمراوان كالفوانيس؛ وأسفله ذيل سمكة، وزعانفه منبسطة كرايتي حرب. التف حول جسده نور ذهبي، بقايا طاقة الإمبراطور تشوان شيو مدى حياته. رفع رأسه وأطلق عواء طويلاً، حاداً موحشاً، فحطم السحب وكسر الأشجار وجعل أسماكاً لا تحصى تقفز ميتة من نهر تشي شوي.
— مات الإمبراطور!
أطلق كبير السحرة الإلهيين نحيباً وضرب جبهته بالأرض، فتناثر الدم من مقدم رأسه. مات الإمبراطور تشوان شيو، ذلك الذي حكم البشر ثمانية وسبعين عاماً، ذلك القادر العظيم الذي فصل سبيل السماء عن سبيل الأرض، فسقط عند تشي شوي في الشمال الغربي من البرية العظمى. هوى جسده في الماء وتحول إلى هيئة نصف أفعى ونصف سمكة، ومنذ ذلك الحين سُمّي «يو فو». لكن الموت لم يكن النهاية. فحين تلاشت آخر خيوط وعي تشوان شيو، أخذ جسده يتحرك فجأة. اهتز نصفه السفلي، الذي صار ذيل سمكة، بعنف ودفع الجسد كله إلى أعماق النهر. سبح فوق قاع مزقته صدمة الطاقة، وفوق طبقات صخرية عتيقة كشفها تحول المجرى، حتى دخل التيار المظلم في أعمق موضع من تشي شوي.
وفي اللحظة نفسها وقع أمر لم تتوقعه أي روح تحت السماء: انفجر العِرق الروحي في باطن الأرض. ذلك العرق العتيق تحت تشي شوي تلقى صدمة طاقة تشوان شيو المكرّسة طوال عمره، كوحش نائم طُعن بغتة؛ ارتعش بعنف، وانتفخ، ثم انشطر. تدفقت طاقته من باطن الأرض كبركان، فخرقت قاع النهر والصخر والطين واندفعت إلى الجهات الأربع. ارتجت أرض الشمال الغربي من البرية العظمى كلها.
ومن تشي شوي امتدت فروع عروق روحية جديدة إلى كل ناحية، كجذور شجر تنمو بجنون تحت التراب. شقت تلك العروق سطح الأرض وتحولت إلى ينابيع فوارة، ينابيع روحية. كان ماؤها صافياً كسائل اليشم ويشع ضوءاً وديعاً، وفيه من كثافة الطاقة ما جعل النبات حوله ينمو في لحظة جنون. فالعشب العادي ما إن يلامس الينبوع حتى يصير في نفس واحد شجرة شاهقة؛ وبرعم الزهرة العادية إذا سقاه ذلك الماء، تفتحت له في غمضة عين بتلات سباعية الألوان، وفاحت رائحته أميالاً. وبدأت الأنهار تغلي: تشي شوي، وهي شوي، وتشينغ شوي، وباي شوي، كل أنهار البرية العظمى أخذت تتقلب وتفور. اختلطت الينابيع الخارجة من باطن الأرض بمجارِيها، فارتفعت كثافة الطاقة في الماء فجأة. وتحول النهر الصافي إلى أبيض حليبي يفوح بالطاقة، كحليب مغلي يجري في مجراه. وكانت الأسماك أول من أحس بالتغير.
في تشي شوي قفزت عشرات الملايين من الأسماك إلى سطح الماء في وقت واحد. وبدأت أجسادها تتحول تحت تشبعها بالطاقة: صارت الحراشف ذهبية أو فضية، وأخذت العيون تبرق بنور الفهم، ونبتت على حواف الزعانف أشواك عظمية حادة. تضخمت أجساد بعض السمك؛ فالكارب الذي طوله ثلاثة أقدام صار في طرفة عين مخلوقاً طوله ثلاث قامات. وتغير لون بعضها الآخر حتى غدا شفافاً كزجاج ملوّن، يمكن رؤية عظامه وأحشائه من خلاله. لكن ذلك كله لم يكن إلا تغيراً خارجياً. أما التحول المرعب حقاً، فكان يحدث في أعماق عقول الأسماك.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.