مرّ الزمن، واختلفت حكايات الناس. قال بعضهم إن كوافو أحمق طارد الشمس فقتل نفسه، وقال بعضهم إن جمالها سحره، لكن الذين رأوا السقوط عرفوا أنه أنقذها. أما روومو، شجرة الغروب، فلم تنسَ؛ نبتت أوراقها ثانية والتأمت شقوقها، وبقي في قلب حلقتها السنوية خط أحمر داكن كدم لا يزول.
في الاعتدال الربيعي الأول بعد موته تفتحت أزهار دنغ لين كلها دفعة واحدة، حمراء قريبة من لون الدم. تساقطت لا كالمعتاد، بل كأن الأشجار تسكبها بإرادتها، واجتمعت بتلاتها جدولاً إلى جمجمة كوافو. عند الظهر استيقظت بقايا جيانمو تحت الطبقات التسع، وصعدت قوتها خلال الجذور. صارت البتلات نقاط ضوء قرمزية، وهبطت إلى الجذور حتى غطّت جراح جيانمو القديمة. كان ذلك ردّ كوافو الأخير: غابته تأخذ روح الشجرة لتعيش، ثم تردّ إليها روحه لتلتحم جراحها.
منذ ذلك اليوم صارت دنغ لين مقاماً لمن يطلبون الغاية القصوى. يأتي المتعبدون والرحالة والشامانات ليفهموا ما صنعه العملاق، ويسمعون في الظهيرة خفقاته. قال شامان عجوز، بعدما نظر إلى الشمس ثم إلى الأرض: «العصا فرع من جيانمو، وكانت تنتظر أن تُغرس ثانية في التراب.» ثم اختفى بين الخوخ ولم يفسر أكثر.
وفي أمسيات الاعتدال، حين يكون لون السماء كالدّم، أقسم الناس أنهم يرون عملاقاً مبهماً ينهض في وسط الغابة، متجهاً إلى يو غو. يمشي بثبات، وخطواته توافق نبض الأشجار. تهتز الأوراق والبَتَلات وراءه كما لو كانت تودعه، ثم يبتلعه الغسق.
بعد ثلاث سنوات ظهرت كوخ قش عند الطرف الشرقي للغابة، حيث غرست العصا جذورها أول مرة. لا أحد يعرف بانيه. لم يكن فيه شيء سوى أثر كتابة باهتة على التراب، لا يقرأ منها المارّون إلا الكلمات الأخيرة: «أُعيده إليك.» وصار الاعتدال الربيعي موسم دنغ لين: تخفق الأرض، تحمر الأزهار، وتهبط البتلات لتضمّد في العمق جذر جيانمو الذي لم يلتئم تماماً.
جاء الشامان الشاب شيان من فرع قبيلة شوان مينغ، وكان يسمع ما لا يسمعه الناس. جلس ثلاث سنوات وأذنه على جذوع الخوخ. وفي الاعتدال الثالث جرح كفه بسكين حجرية وقطّر دمه عند الشجرة الأم، ففهم أن الجذور ما زالت تنمو نحو يو غو، وأن جروح جيانمو تنفتح وتغلق كندبة لا تبرأ. قال: «جيانمو ينتظر موضع القطع، ينتظر أن يُوصل ثانية.» ثم مضى غرباً ليبحث عن العملاق الذي لم يعد، ولـيسأله: «حين شربت وي والنهر الأصفر، هل ظننت لحظة أنك ستعود؟»
وذات ليلة زار موظف شاب من آلهة السماء الغابة في هيئة جوال، واستهان بخوخها قياساً بحدائق السماء. لكن حين أرسل وعيه إلى الأرض، لامس بقايا جيانمو فقذفته قوة إلى الوراء. أحس هناك بإصرار كوافو وإصرار العالم، أقدم وأثقل من كل ما عرفه في كُنْلُن. رفع خبره إلى إمبراطور السماء، فصدر الأمر: لا يدخل أي إله إلى مئة لي من دنغ لين. لم يشرح الإمبراطور، لكنه كان يخاف ويحمي معاً.
وعلى جذع الشجرة الأم نشأت، لا بنحت يد، هيئة عملاق يحمل عصاه ويركض. من آمن بكوافو رآه كاملاً، ومن كان عميق الممارسة رأى فيه قوانين السماء والأرض، والعامة رأوا حرقاً مبهماً، أما المستهين فلم ير شيئاً. وقال الشامان الذي اكتشف الرسم: «كوافو لا يظهر إلا لمن يريد أن يطارد. ومن لا يريد أن ينظر حقاً، لماذا يريه؟»
لم تكن أشجار دنغ لين تثمر، بل تزهر ثم تسقط أوراقها وتعود في الربيع. وقال بعضهم إن حرارة روح كوافو تنفقها كلها في الزهر، وقال آخرون إن الزهرة نفسها قطرة من عرقه. وبعد دهور أخرجت شجرة صغيرة ثمرة واحدة، قرمزية تكاد تسود. أكل مسافر عابر منها قضمة، فوقف سبعة أيام وسبع ليال، ثم قال: «إنه ما زال يركض.» وسقط ميتاً. وجد الناس أحشاءه كلها قد صارت خشب خوخ معطرًا، ودُفن تحت الغابة، فنبتت فوق قبره شجرة صغيرة أزهارها بعدد سنوات عمره.
ومنذ ذلك الحين كثرت شجرات الخوخ فوق قبور الزائرين، كأن الذين أتوا لتكريم كوافو صاروا بعد موتهم حراساً معه، ينتظرون ما لا يعرفه أحد. وبقيت في أعماق دنغ لين همسة لا يدركها المسافر المنفرد في الاعتدال إلا بصعوبة، كأنها تأتي من التراب ومن السماء في وقت واحد:
«لم يبقَ إلا خطوة واحدة.»
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.