كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/36 · القسم الأول: شجرة الدم
الفصل السابق

36 · القسم الأول: شجرة الدم

ما وراء الليل

الفصل التالي

خارج بحر الشرق، بين مياه غان، قامت شجرة اسمها فوسانغ. وقف دي جون تحتها ثلاثة أيام؛ كان يتذكر أنها ثلاثة أيام.

لعلها كانت ثلاثة أيام حقاً. كان جذعها بلون البرونز؛ من بعيد يبدو مصبوباً منه، ومن قريب لا يبدو كذلك. كان لحاؤها يتحرك، رقعةً رقعةً، كأنه شفاه. كأنها أفواه لا حصر لها.

مدّ دي جون يده ولمسها. كان في أطراف أصابعه دفء، واللحاء ليناً، فوقه جُلب دم متراكبة؛ القديم منها اسودّ، وتحته جديد داكن الحمرة ما زال ينزّ. برزت الجذور من الأرض، متشابكةً ملتفة. وبينها أشياء بيضاء ورمادية: عظام، عظام بشر. بقيت في بعضها أوتار سوداء جافة دقيقة ملتفة حول الجذور. غرزت الجذور نفسها في شقوق العظام كالمصاصات. أراد دي جون الرحيل، فلم ترتفع قدماه. لم يكن أحد يمسكه؛ إنما لم تستجب ساقاه. جرّب مراراً، وفي كل مرة بقيتا هناك، كأنهما ساقا شخص آخر.

على الشجرة عشرة طيور سوداء، ريشها يلمع كأنه غُمس في الدم. لم تتحرك. وكانت عيونها تجاويف: ثقبان أسودان بلا مقل، ينظران إليه منذ ثلاثة أيام. أراد الكلام، لكن صوته لم يخرج. لم يكن أخرس؛ نسي كيف يتكلم. فتح فمه ولسانه فيه، لكن لا صوت. تحرك التراب عند قدميه، فانبثقت منه عظمة إصبع بيضاء عليها آثار أسنان بشرية، منتظمة كأن أحداً قضمها. أراد التقيؤ، لكن معدته فارغة. لم يعرف منذ متى لم يأكل، بل نسي معنى الجوع نفسه.

حجب التاج السماء. أوراقه البرونزية متدلية كالأيدي، وحوافها مسننة تنفتح وتنغلق. رأى الأوراق تقص شيئاً؛ لم يكن هناك شيء سوى الهواء، لكنها كانت تقصه، مرة بعد مرة. تحركت الطيور العشرة في وقت واحد واستدارت تجاويفها إليه. فتح واحد منها فمه الأسود، ولم يصدر صوتاً، لكنه سمعه في رأسه:

— «لماذا تقف؟»

لم يستطع الرد.

— «لا تستطيع الرحيل. كلنا نعرف.»

وتكلمت الطيور الأخرى في صمت، والأصوات كلها في رأسه:

— «يريد أن يرحل.»

— «لكنه لا يستطيع.»

— «هل يعرف من يكون؟»

— «نسي.»

— «نحن نسينا أيضاً.»

— «ما نحن؟»

— «نحن طيور.»

— «غربان ذهبية.»

— «أرواح حاقدة.»

سدّ دي جون أذنيه، فمرت يداه خلال رأسه. لم يلمس رأسه؛ رأى يده تعبر الشعر والجلد والعظم بلا إحساس. فتحت الطيور أفواهها وضحكت بلا صوت. نظر إلى قدميه: جذيرات دقيقة كشعر الرأس التفت حول كاحليه ثلاث لفات، وعليها سائل شفاف لزج يتسلق ببطء بلا توقف. بلغ ركبتيه. لم يحس ببرد ولا حر؛ وقف فقط يراه يصعد. كانت الجذور تشرب. ماذا تشرب؟ اتصلت الجذيرات بالجذور المغروسة في العظام وفي ما تحت التراب. ما الذي تحت التراب؟ كاد يتذكر، ثم لم يتذكر.

حل الظلام، أو كان ينبغي أن يحل. لم يعرف؛ لا شمس فوقه، بل الطيور العشرة فقط. ما لون السماء؟ لم يرها وراء الأوراق. تذكر فجأة أنه وقف ثلاثة أيام. لماذا يتذكر هذه العبارة؟ من قال له: «لقد وقفت ثلاثة أيام»؟ حرّك لسانه وقال بصوت أجش صاعد من باطن الأرض:

— «ثلاثة أيام.»

استدارت الطيور إليه. تحرك شيء تحت باطن قدمه ودفع صاعداً. خرج عظم أبيض مدبب من التراب، غرز في قدمه، عبرها وعبر عظمها وخرج من ظهرها. لم يؤلمه. على العظم سائل شفاف لزج، لا دم، مثل السائل فوق الجذيرات.

نشر الطائر الأول جناحيه؛ في ريشه شقوق يرشح منها ضوء أحمر، ليس ضوء الشمس بل لون الدم. دار حول الشجرة وحط على كتف دي جون. ثقل كتفه، وغرزت مخالبه في اللحم بلا ألم. قال قرب أذنه بلا نفس ولا صوت:

— «لا ينبغي أن تقف هنا. ينبغي أن ترقد تحت الأرض. كلنا خرجنا من تحتها، وأنت أيضاً. نسيت؛ سأعينك على التذكر.»

نقر أذنه فسقطت قطعة لحم رمادية جافة بلا دم. ابتلعها الطائر، ثم خرجت من عنقه وسقطت إلى الأرض. كان التراب مليئاً بقطع لحم رمادية جافة، مختلفة الأشكال، نصفها مدفون وبعضها يتحرك.

تذكر دي جون: إنها لحم بشر. لحم من؟ نظر إلى جسده، فرأى في ذراعيه ثقوباً منتظمة كأن اللحم اقتلع منها. طار الطائر الثاني ثم الثالث ثم الرابع، وراحت العشرة تدور حول فوسانغ وحوله كخطوط سوداء تصنع قفصاً حديدياً. ظل طائر كتفه ينقره، قطعةً بعد قطعة، وهو يرى لحمه يقع في التراب ويختلط باللحم الآخر. هل سيصير طيوراً جديدة؟ الطائر الحادي عشر؟ مدّ أصابعه داخل إحدى الحفر؛ كانت أعمق مما تبدو. لمس العظم، وعليه آثار عضّ مماثلة. لمس آثار أسنانه هو. أهي جديدة أم قديمة؟ لم يتذكر شيئاً.

— «دي جون.»

ناداه أحد. رفع رأسه، فرأى شخصاً أبيض جالساً على الشجرة، أبيض كله بلا وجه. سكن العالم وتوقفت الطيور معلقة في الجو. هبط الشخص طافياً، لا تمس قدماه الأرض، على بعد ثلاث تشي منه.

— «دي جون. أتعرف من أنت؟»

هز رأسه.

— «أتعرف من أكون؟»

هز رأسه.

— «لا تعرف. لكنك ستعرف قريباً، حين تصير الطائر الحادي عشر. بعد ثلاثة أيام أخرى ستعرف كل شيء، ثم تنسى كل شيء، ثم تتحول إليها.»

مدّ يداً من عظم أبيض وأشار إلى جبينه.

— «ليس الوقت بعد. قف ثلاثة أيام أخرى.»

تراجعت الإصبع، وعاد الرجل الأبيض طافياً إلى الغصون. غطته الأوراق، ولم تبق إلا عينان؛ لا، ثقبان أسودان يطلان بين الورق كعيون الطيور. فهم دي جون: لم يكن على الشجرة تايي. كانت الثقوب الأحد عشر شيئاً واحداً: الطيور العشرة والرجل الأبيض. كانوا ينتظرونه ليصير الثقب الثاني عشر. احتاجت فوسانغ إلى عيون كثيرة، تمتصها من تحت الأرض ومن ثقوب أجساد البشر.

بلغت الجذيرات فخذيه، والسائل المشع بلون أحمر ضعيف يغطي ساقيه. أغمض عينيه. لم يعد يعرف كيف كانت العينان في الأصل؛ لعلها لم تكن هناك قط، مثل عيون الطيور.

ضغط الخط العمودي في جبينه. دوّى طنين في رأسه، ورأى ضوءاً ذهبياً لا ضوء فوسانغ ولا العظام. في قلب الضوء شخص بثوب داكن وتاج، تتدلى أمامه اثنتا عشرة خيطاً من اليشم. وقف فوق السحاب ينظر إلى الجبال والأنهار، إلى تسعة أنهار عظمى كخيوط فضية وخمس جبال مقدسة قائمة كالأصابع. أمسك قلماً ذا رأس ذهبي وكتب في الهواء. كانت الحروف ضخمة كالسحب؛ تقع على الجبال والأنهار فتعطيها أسماءها وهيئاتها وكائناتها.

ركع شخص بجانبه وقال:

— «يا جلالة الملك، ثبتت قواعد السماء: مسارات الشمس والقمر، وفصول السنة، وفناء الأشياء وولادتها، كلها سُجلت في الكتاب السماوي.»

أومأ الرجل وقال:

— «لا تثبتها كلها. اترك ثلاثة أعشار للمتحولات، وثلاثة للمصادفات، وثلاثة للمصادفات داخل المصادفات.»

تردد الراكع:

— «بقيت مواضع قليلة. خارج بحر الشرق، بين مياه غان، شجرة لا تقبل أن تدخل في قواعد السماء. نبتت بنفسها، وليست في سجل النبات الذي كتبناه. أهي—»

قاطعه الرجل:

— «لا شأن لنا بها. بين السماء والأرض أشياء لا تدخل في القواعد. دعها تنمو بنفسها؛ فلعل ما تنبته أمتع مما كتبناه.»

انصرف الراكع. وظل الرجل فوق السحاب زمناً طويلاً، حتى تعاقبت الشمس والقمر مرات، وغيرت الأنهار التسعة مجاريها ثلاث مرات، وبليت الجبال الخمسة مقدار بوصة. ظل ينظر إلى العالم الذي أعطاه الأسماء. ثم قال لنفسه:

— «أعطيتهم كل شيء: الاسم والهيئة والقانون والمصير. لكنني لم أعط نفسي شيئاً. ماذا تركت لنفسي؟»

نظر إمبراطور السماء إلى قلمه. ظل رأسه ذهبياً، لكنه لم يستطع أن يكتب حرفاً واحداً عنه. رسم خطاً في السماء الخالية؛ بقي معلقاً فوق السحب كجسر لا يؤدي إلى مكان. رسم ثانياً وثالثاً ورابعاً، ثم محاها.

— «لا بأس. شأني أنا. أفكر فيه بعد التنازل عن العرش.»

لكن متى يكون التنازل؟ حين تنهار السماء، وتنطفئ الشمس والقمر، وتشيخ الجبال والأنهار حتى لا تعرف نفسها؛ حين تغير الكائنات التي خرجت من الأسماء قواعد السماء مرة بعد مرة، حتى لا يعرف أحد أنه كتبها. حتى يقف فوق السحاب فلا يراه أحد، ولا يركع أحد إذا رفع يده، لأن لا أحد يعرف من هو دي جون، أو أن في السماء ذات يوم رجلاً يكتب.

فتح دي جون عينيه. برد الخط العمودي، وبقيت قطرة على جبينه. لمسها، فلم تكن سائلاً بل ندبة مائلة من قمة رأسه، عبر الخط العمودي والأنف والشفتين إلى الذقن. ما رآه في ذهنه تعرفه الندبة، والخط يعرفه. لكن ما نفع المعرفة؟ أن تعرف ماضيك يعني أن تعرف أنك ميت؛ أن تعرف أنك سميت الأشياء كلها يعني أن تعرف أن اسمك نفسه يكاد يضيع؛ أن تعرف أنك كتبت فوق السحاب يعني أن تعرف أنك لا تستطيع الآن إلا الوقوف وانتظار رسالة تايي. مسح ذقنه فلم تختف الندبة. كانت غائرة في العظم، خيطاً ذهبياً أدق من الشعرة، حياً يضيء بخفة؛ الشيء الحي الوحيد بين لحم رمادي وخشب متعفن وعظام قديمة وغذاء الجذور. كانت تنبض كقلب.

أراد أن يغمض عينيه ويرجع إلى السحاب، إلى الرجل الذي يكتب، لكنه لم يستطع. أخبره الخط: يكفي أن ترى مرة واحدة؛ إن رأيت أكثر اشتقت إلى الرجوع، وإن اشتقت قمت، وإن قمت مشيت، وإن مشيت عدت إلى تلك الشجرة؛ ومعنى العودة أنك لم تغادر قط، ومعنى ذلك أن كل ما رأيته كذب أراه إياه الشجر وتايي، ليصنع في قلبه ثقوباً أكثر. كان في قلبه تسعة ثقوب: ما نقرته الطيور العشرة، وما حفره تايي في صدره، وما ثقبه الجذر في قدمه، والخط والندبة، وثقوب أخرى لا يستطيع عدها. كل ثقب يقول: «ابق. قف. استمر واقفاً.»

لكن الضوء الذهبي ونبض الخط قالا كلمة أخرى، خفيفة كأنها لم تكتمل:

— «امضِ.»

وقف دي جون في البياض، لا تحرك ولا أغمض عينيه. كان كما كان، ولم يكن كما كان.

# القسم الثاني: الوجه الحقيقي لتايي

بعد زمن لا يعرفه، فتح دي جون عينيه. بقي ثقب كتفه مفتوحاً بلا دم، والعظم تحته ممتلئ بآثار قضم عميقة. حرّك أصابعه، انتزع من الثقب فتات عظم رمادياً ووضعه في فمه؛ لا طعم له. لم يعرف طعم لحم الإنسان أو عظمه، ولا أكل منهما من قبل أم يأكلهما كل يوم ثم ينسى.

بقيت الغربان الذهبية العشرة في فوسانغ كأنها مصبوبة من معدن، لكن ثقبي كل منها يراقبانه. كان يعرف أنها تنتظر أمر تايي؛ الاسم الذي نسي وقت معرفته، لكنه عرف أنه الرجل الأبيض بلا وجه. نطق: «تايي». فأضاءت الثقوب الأحد عشر حمرةً لحظة ثم انطفأت. تحركت قدماه، لا للمشي بل للدوران: استدار عظمه وبقي لحمه في مكانه، والجذيرات ملتفة حوله. فرأى على ظهره كتابة محفورة: «دي جون — إمبراطور السماء. التفويض السماوي: سيادة الشمس والقمر.» وتحتها سطر صغير محذوف بخدوش سكاكين متراكبة.

تتبع الحفر بإصبعه: بعضها بلغ العظم، وبعضها في الجلد. من كتبها؟ لعل أحداً كتبها حين وقف بلا حراك، أو حين رقد بلا حراك؛ لا فرق. قال «التفويض السماوي». ما القداسة؟ ما الوظيفة؟ أين الشمس والقمر؟ لم ير فوقه إلا الطيور السوداء التي لا تضيء بل تبتلع الضوء، ولذلك ظل تحت فوسانغ ليل بلا شمس ولا قمر. تذكر قولاً: «تشرق الشمس من فوسانغ»، لكنه نسي قائله، وربما كان من القدماء؛ وهل دي جون من القدماء؟ لم يعد يهم.

هبط أول الغراب الذهبي ووقف أمامه. سأله في رأسه: «أتدري ما التفويض السماوي؟» قال دي جون: «لا.» فقال الطائر: «ولا أنا. كان لنا واحد، فأكلته، صار في البطن فراغاً.» فتح فمه كالثقب؛ لا لسان فيه. «كل ما نأكله يصير فراغاً، والفراغ يجوع، فنأكل من جديد. أي شيء يصلح، والأرواح أفضل.» ارتجفت يد دي جون خوفاً من أن يصير فراغاً، ومن أن يجوع فلا يأكل إلا الأرواح.

قال الطائر: «أتدري ما نأكل نحن؟ أرواح البشر والآلهة، وكل شيء. إذا فرغنا طِرنا نبحث ونعود به لتايي. تايي يأكل كثيراً ونحن قليلاً، لكننا عشرة وهو واحد؛ لذلك نأكل أكثر منه. هذا بديهي.»

وقف على ضلع بشري ذي آثار أسنان، وغرز مخالبه فيه فطار فتات العظم. سأله: «أتأكل؟» هز دي جون رأسه. فقال الطائر: «لا أتذكر أنا أيضاً، لكن بطني خالٍ، فلا بد أني أكلت ثم نسيت. كلنا ننسى؛ تايي يجعلنا ننسى أننا طعام.»

قال دي جون: «ننسى أننا ماذا؟»

— «طعام.»

قال الطائر: «الآن لا تجوع؛ إن كان البطن فارغاً لا يجوع، ومن لا يجوع لا يريد طعاماً، ومن لا يريد طعاماً لا يأكل نفسه. كلنا أكلنا أنفسنا. لسنا لذيذين، وعظامنا تقرّ الأسنان.»

شعر دي جون أن صدره خفيف حتى كاد يطفو؛ ارتفعت قدماه ثلاث بوصات، لكن الجذيرات جرته. تحت التراب سمع جماعات تبكي وتستغيث: «أنقذونا... أخرجونا... لا نريد أن نؤكل... متنا، أفنؤكل بعد الموت؟ ماذا نصير؟» وجاءتها أصوات: «طيوراً. أوراق الشجرة. عظاماً تحت الجذور. طعاماً جديداً.» أراد أن يسد أذنيه، فمرت يداه في رأسه. استطاع لمس الشجرة والعظم وريش الطائر، لا نفسه. كأنه جسد مستعار آن أوان رده.

نظر تايي من بين الأوراق وقال: «لست مستعاراً، بل مسروقاً. أنا سرقتك من عالم البشر. أنت الأول والأفضل؛ لهذا نقشت لك الكلمات: دي جون، إمبراطور السماء، التفويض السماوي. كلمات جميلة، حفرتها عميقاً كي تذكر دائماً أنك دي جون وذو تفويض، ولا تعرف أبداً أنها كذب.» لمس دي جون ظهره؛ كانت الخدوش أعمق، جديدة، نقشها تايي وهو يستمع إلى أصوات الأرض، ولم يشعر بها لأنه ميت.

قال دي جون: «لماذا—» لكن الفراغ سد حنجرته.

— «لأنني أحتاجك واقفاً هنا، تظن نفسك إلهاً وصاحب وظيفة، تحكم الشمس والقمر. ألا ترى السخرية؟ أنت أطلقت الشمس والقمر، وربيت الغربان الذهبية. أكلتك، ثم نسيت، ثم أكلت جديداً. ما أجمل الدورة. كاملة.»

صفق تايي بيديه العظميتين؛ كان الصوت كخشب ينكسر. هبط، وهذه المرة وطئت قدماه العظميتان الأرض، وكل سلامية إصبع كجذر يغرس فيها. أشار إليه: «تعال، أريك شيئاً.» مشى دي جون قسراً؛ تراخت الجذيرات وتبعته كحبل كلب، الشجرة عمود الربط وتايي السيد. على الجانب الآخر من الجذع رأى وجهاً بشرياً مغروساً، عيناه مغمضتان وشفتاه شاحبتان وجلدُه رمادي مجعّد. قال تايي: «هذا أنت. على الدقة، وجهك الذي سلخته قبل عشرة آلاف سنة.» كان مطابقاً له: قوس الحاجبين والأنف والشفتان. مد يده، فتحرك الجلد، وانفتحت عيناه ثقبين أسودين. قال تايي للوجه: «استيقظ، انظر من جاءك.» نادى الجلد بصوت ريح تمر في شقوق العظم: «دي جون.»

أراد التراجع، لكن يده التصقت بالوجه وبالجذع. قال تايي: «أنتما واحد، وحان أن تتحدا.» انسلخ الوجه من الشجرة، لف قبضته وصعد ذراعه حتى انطبق على وجهه. وضعت الشفتان الرماديتان على شفتيه والثقبان على عينيه. لم يستطع التنفس أو الرؤية؛ لم يشعر إلا بجلد بارد يابس كجلد غيره فوق وجهه. خاط تايي الوجه بإبرة عظم وأوتار بشرية، يدندن بلا لحن كطبيب أسنان يقتلع ضرساً أو جزار يقطع لحماً. ثم عقد الخيط وقطعه بأسنانه: «انتهى. الآن أنت كامل.»

فتح دي جون عينيه فلم ير شيئاً؛ لا ظلاماً بل فراغاً. مرّت يده في وجهه. كان فيه خمسة ثقوب: عينان وأنف وفم، تجمعت في ثقب أكبر، وخارجه وداخله لا شيء. تأمله تايي: «جميل. أجمل من قبل. كنت تشبه إنساناً؛ الآن تشبه إلهاً. الآلهة وجوهها ثقوب، لا تحمل شيئاً ولا تترك شيئاً؛ ما تأكله يتسرب منها. كامل.»

خرج سؤال دي جون من ثقب رأسه كطنين بعيد: «لماذا جعلتني هكذا؟» قطعت الأوراق صوته. انحنى ثقب تايي كابتسامة: «لست الأول. أنت أول من أُكل، لا أول من صار هكذا. نحن نحتاج طعاماً: فوسانغ، الغربان الذهبية، وأنا. الشجرة تعيش من الأرواح؛ تأكل الروح فتصير غراباً ذهبياً، يطير ليطلب أرواحاً ويعود بها للشجرة، فتخرج أوراقاً وثقوباً سوداء جديدة تأكل أرواحاً أخرى. تحتاج الدورة بداية، وأنت البداية.»

انهار دي جون على ركبتيه في جبل العظام. تحت التراب طبقات لا تحصى من عظام البشر، وفوسانغ نمت فوقها؛ جذورها تخترق الشقوق وكل عظم فارغ، نخاعه ممصوص. سأله: «كل هؤلاء، أنا—؟» صحح تايي: «أكلتهم الغربان نيابة عنك. تقف هنا، وهي تخرج للصيد؛ تأكل أنت نصف الأرواح وآكل أنا نصفها، وما بقي يُطعم الشجرة.» ثم قال: «أتذكرت؟ أنت أكبر شريك في الجريمة. بلاك لا تطير الغربان بعيداً، ولا تجمع الأرواح، ولا تدور الدورة. أنت النواة والبداية وكل شيء.»

فتحت ثقوبه الخمسة كلها في صرخة بلا صوت تحولت إلى ريح وحفيف أوراق وتحطم عظم وخفق أجنحة. بدا له مضحكاً: كائن بلا وجه، ذو خمسة ثقوب، راكع على جبل عظام أمام هيكل أبيض، لا يستطيع البكاء أو الصراخ. ميت منذ زمن ومع ذلك يُساق ليؤذي الناس؛ تلك هي «الرسالة السماوية». قرفص تايي قبالته: «أما تفرح؟ أنت إله وإمبراطور السماء وحاكم الشمس والقمر. الشمس والقمر أرواح أكلتها؛ تصير غرباناً تطير كالشموس والأقمار، وهي في الحقيقة ثقوب سوداء. عشر شموس، كل واحدة روح مظلومة وفمها ملطخ بالدم وبطنها فارغ. ما أروع المعجزة.»

# القسم الثالث: الغراب الذهبي الحادي عشر عدّ دي جون الغربان: واحدة إلى عشر، ثم ثانية. سأل فجأة: «لماذا عشرة؟ تسع شموس تكفي، بل واحدة. لماذا عشرة؟» كان تايي ينظف أسنانه بإبرة عظم، مع أنه لا أسنان له، فتوقف. قال: «أتظن العشرة عدداً اعتباطياً؟ إنه عدد القدر. الشجرة تحتاج عشراً؛ لا أقل ولا أكثر. إن نقصت لم تحتمل الدورة، وإن زادت ماتت الشجرة. عشرة، لا زيادة ولا نقص، تمام الكمال.»

نهض دي جون رغم وهن ساقيه: «وإن ظهر الطائر الحادي عشر؟»

تجمد تايي، واستدارت الغربان العشرة إليه. قال تايي بصوت صدئ: «ماذا قلت؟» كرر دي جون ببطء: «الطائر الحادي عشر.» نبضت الشجرة، وانقبض جذعها وانبسط كقلب على وشك الانفجار. طارت الغربان بجنون حول التاج، وصراخها صراخ أرواح. اتسعت ثقوب وجهه وتمزقت حوافها حتى كادت تصير ثقباً واحداً يبتلع رأسه. ضغطها بيديه، فوجد خلفها شيئاً رطباً ليناً يتحرك، ينتظر عشرة آلاف عام كي يخرج.

اندفع تايي وأشار بعظم إلى بين حاجبيه: «كيف عرفت؟» تسرب ضوء أحمر من ثقوبه لأول مرة. قال دي جون: «لا أعرف، سألت فقط.» قال تايي: «وقفت ثلاثة أيام، نسيت اسمك ومكانك، ولم تنس أن تسأل لماذا عشرة. سؤال جميل.» لمس جبينه، فالتصق سائل شفاف لزج بعظمه. قال: «ما هذا؟» قال دي جون: «ذاكرة. آخر ما أتذكره. قبل عشرة آلاف سنة، قبل أن تسلخ وجهي، أخفيت عند قمة فوسانغ شيئاً.» ارتجفت أصابع تايي كأجراس عظم. «مستحيل. أفرغت ذاكرتك، وسلخت وجهك، ونزعت روحك، وكتبت لك ذكرى كاذبة. لا يمكن.» ابتسم دي جون بحواف ثقوبه: «لم أخف شيئاً. أخفيت نفسي الحقيقية.»

سكنت الأوراق والريح وبكاء ما تحت العظام. ومن القمة جاء: طق، طق، طق، كنقر على تابوت. صعد تايي خلال الورق الذي قص عظامه، إلى عش من أغصان برونزية عارية. فيه غراب ذهبي أصغر من الآخرين، رمادي الريش لا يلمع، مغمض العينين. لم تكن عيناه ثقوباً؛ كان له جفنان ومقلتان. مد تايي يده، ففتح الطائر عينيه السوداوين السليمتين، فيهما حدقتان وضوء لم يأكله أحد. قال بصوت حقيقي خارج من منقاره: «جئت.»

سأل تايي: «كنت هنا طوال الوقت؟»

— «منذ عشرة آلاف سنة. أخفاني صاحبي هنا، وبآخر قدر من ذاكرته صنع نسخة أخرى من نفسه؛ ليست شريكاً ولا نواة ولا دمية، بل هو الحقيقي.»

تشقق عظم تايي من أطراف أصابعه كخزف، وسقطت سلامية في العش. قال: «مستحيل.» قال الطائر: «مم تخاف؟ لا شيء في هذه الشجرة يؤذيك إلا الحقيقة. الحقيقة تؤذي أكثر؛ الكذب إذا غرزته تستطيع نزعه، أما الحقيقة إذا دخلت القلب فلا يبقى إلا أن تتحطم.»

ومع كل عظم يتحطم من تايي طفت ذكرى له: كان له وجه من قبل. قبل فوسانغ كان رجلاً عادياً يصيد عند بحر الشرق. ذات يوم سحب في شبكته بذرة سوداء صغيرة كحبة سمسم؛ رماها في البحر فعادت تطفو، فرماها سبع مرات، وفي السابعة تشققت عند قدميه وخرج منها خيط أبيض غرز كاحله. لم يشعر، لكن الخيط دخل العروق والعظم والعمود الفقري والدماغ، وسمع: «ازرعني، ازرعني، ازرعني.» عاد الصياد ودفن البذرة في حفرته وسقاها. في صباح اليوم التالي لم ير شيئاً، فخرج إلى البحر. وعند عودته مساءً وجد شجرة برونزية تتنفس. قالت في رأسه: «شكراً لأنك زرعتني. أنت لي الآن، وستظل لي.» حاول اقتلاعها فالتصقت يداه، وحاول الهرب فربطت قدميه الجذيرات، وحاول الصراخ فعض شيء لسانه، وحاول الموت فلم تسمح له. قالت: «أنت أول من زرعني، أنت جذري، أول ليفة في الجذر. لا تحتاج إلى الموت؛ تحتاج أن تصيرني، وحين تتم تصير أنا وأصير أنت. ستنسى صيد السمك، ووجهك، واسمك. تايي ليس اسمك؛ أنا أعطيته لك لأنني أحتاج هيئة بشرية تخدع مزيداً من الناس وتقف تحت الشجرة، رجلاً أبيض بلا وجه ينتظرهم كما انتظرتك.»

رأى دي جون ذلك بخط جبينه الممتلئ بذاكرة تايي وقوته المتسربة. لم يبق لتايي إلا سبع رميات للبذرة وصباح الشجرة وسؤال «ما اسمي؟»، ثم لا شيء. كلما تحطم منه جزء أظلم التاج، وصرخت الغربان العشرة؛ لم تكن طيوراً بل شظاياه. تساقط ريشها الأسود وكشف عن عظام سوداء. وفي المقابل أخذت ثقوب دي جون تضيق وتلتئم، وعاد سائل الذاكرة قطرة قطرة إلى جبينه. تذكر أنه دي جون، لا اسم اختاره تايي؛ وأن وجهه لم يُنزع منه بل خلعه هو ليخفيه عند القمة مع الغراب الحادي عشر.

سقط تايي من القمة وقد تحطم نصفه، واختلطت عظامه بجبل العظام. بقي نصف جمجمة ونصف ثقب. قال: «انتصرت.» قال دي جون: «لم أنتصر؛ تذكرت فقط.» حمل الغراب الرمادي من العش في كفه: «كنت أول من أُكل، وهذا صحيح. وسأظل واقفاً هنا، وسأصير غراباً ذهبياً، الحادي عشر، وأدخل الدورة كما من قبل. لكن هذا سيطير بذاكرتي. في كل دورة أتذكر أكثر، وأقاوم أكثر، فتبطؤ الدورة. بعد عشرات آلاف السنين لعلها تتوقف، ولعلها لا؛ لا أحد يعلم.»

قال تايي: «لا حل لهذا.» قال دي جون: «أعرف.» ثم شق ثقب صدره حتى يسع الطائر. نظر الطائر إليه، فرأى في عينيه وجه دي جون وقد عاد نصفه وبقي نصفه ثقباً. قال: «ارجع إلي. أنت في الداخل تفكك الدورة، وأنا في الخارج أديرها؛ واحد يدور وواحد يوقف. لا يهم أيهما يفوز، فهو خير من ألا نفعل شيئاً.» دار الطائر حوله ثلاث مرات، ونقر جبينه، ثم اختفى. في ثقب صدره صار شيء بشكل طائر رمادي دافئ نابض؛ قلب يتذكر ولا ينسى.

هبطت الغربان العشرة حوله انتظاراً للعضو الجديد. فتح دي جون فمه بصوت كامل: «انتظروا رسالة تايي.» كرر إمبراطور السماء الجملة. كانت آخر ما قاله. انغلق فمه، وانكمش جلد وجهه إلى ثقوب ثم ثقب واحد، وغاب رأسه. تحولت يداه جناحين وقدماه مخالب وجلده ريشاً أسود لامعاً، إلا بقعة رمادية على صدره؛ مكان الطائر الرمادي. طار للمرة الأولى من جبل العظام مع العشرة. صاروا أحد عشر فوق التاج، يواجهون جهة واحدة وينتظرون رسالة تايي.

كانت عظام تايي تتبعثر في الأرض وتجرها الجذيرات واحدة واحدة، غذاءً للشجرة. دخل نصف جمجمته أخيراً في التراب، وما زال ثقبها إلى السماء. كان آخر فكره أن دي جون وقف هنا ذات مرة يقول «انتظروا رسالة تايي» قبل أن يُسلخ وجهه؛ وبعد عشرة آلاف عام دخل تايي التراب ولم يعد يستطيع الكلام. بقيت السماء تحت فوسانغ سوداء، وأحد عشر غراباً، أحدها بصدر رمادي، ينتظرون زمناً طويلاً، وربما لن تأتي رسالة، لأن تايي صار طعاماً ككل من أُكل: ورقاً وعظماً وثقباً أسود.

بعد زمن، نمت أوراق فوسانغ وكثفت ثم تساقطت. لا شمس ولا قمر. كانت الغربان ثقوباً سوداء لا تحتاج نوماً أو طعاماً، بل انتظاراً للأمر الذي سماه تايي «النداء». في التراب خاطت الجذيرات عظام تايي المتناثرة في شرنقة عظم بيضاء، داخلها بقايا سوداء لزجة تنبض؛ ليست روحاً ولا ذاكرة، فضلات لا تهضم ولا تُلفظ. سحبتها الجذيرات إلى الجذر الرئيسي، عريضاً كخصر إنسان وحراشفه تنفتح كخياشيم، فابتلعها ودفعها إلى قلب الشجرة. كان هناك نصف قلب ممضوغ عليه آثار أسنان دي جون؛ قبل عشرة آلاف عام عض دي جون نصف قلبه وخبأه هناك ثم نسيه. لامست الشرنقة نصف القلب. # القسم الرابع: طقس الابتلاع

انشقّت الشرنقة، وسال السائل الأسود فوق نصف القلب فامتصه، شهيقاً وزفيراً كرضيع يرضع. اختلط الأسود بالأحمر، فصار أرجوانياً قاتماً ثم رمادياً عميقاً ثم لوناً لا يُرى يمتص النور كله. استدارت الغربان الأحد عشر نحو الجذع. لم يأت النداء؛ إنما تغيّر النداء نفسه. نبض قلب الشجرة بلا منطق، سريعاً ثم بطيئاً كميت أو مولود. رفرف دي جون، الغراب ذو الصدر الرمادي، وحط على الجذع ونقره. انشق اللحاء وسال منه طين أسود صار هيئة صغيرة بحجم كف: تايي، لا عظمياً بل طرياً متهدلاً كتمثال شمع فاشل.

— «دي جون، أنت هنا؟»

قال دي جون بمنقاره، وفهمه تايي الصغير: «كنت هنا دائماً.»

قال تايي: «لا أستطيع الموت ولا الحياة. بقي مني ما يكفي لإطعام الشجرة، لا الطيور. وأنت؟» أشار دي جون إلى صدره: «الحادي عشر.» أضاءت البقعة الرمادية بضوء نهار، لا ضوء دم. غطى تايي عينيه وإن لم تكن له عيون. سأل: «أهذا نصف قلبك؟» قال دي جون: «لا، ما زال في قلب الشجرة. هذا جديد: الغراب الحادي عشر، الذاكرة، الأمل؛ أرخص الأشياء وأشدها امتناعاً على الهدم.»

همّ تايي أن يعود إلى الشق، فأمسك دي جون به: «لا تذهب. هل مات تايي حقاً؟» فكر الصغير: «سيبقى اسم تايي مذكوراً، لكن ما يحمل الاسم لن يكون ما كانه. ستأتي رسائل تايي، لكن لا قائلها ولا سامعها يعرف معناها. تصير كلمات طنيناً كالذباب، تُستعمل ثم تتبدد.» تركه دي جون، فالتحم الشق وصار سائلاً متجمداً وجلبة دم جديدة.

عاد إلى الغصن ينتظر مع العشرة. صاروا يعرفون أن الرسالة ستأتي، لكن لا يعرفون ما هي ولا متى ولا أهي صدق؛ وكان ذلك أفزع من كل شيء.

ومضى زمن طويل. اعتاد دي جون الغصن: يقف ويطير وينقر الشجرة ويسمع أصوات الأرض؛ بكاء ونداء واستغاثة وسب وغناء وضحك مجنون، غناء لا تُفهم كلماته كأنه يمزج البكاء بالضحك. كان أحياناً يدندن، فتضيء بقعة صدره وينقره الغراب الرمادي: لا تدندن كثيراً، فستدندن ذاكرتك بعيداً.

وفي اليوم العاشر، أو بعد عشر نومات، تحرك التراب وخرجت يد إنسان ثم إنسان كامل ذو وجه وعينين، حي لا روح. رفع رأسه إلى الغربان الإحدى عشرة وقال بمرح: «هذه فوسانغ إذن. ينبغي أن يكون فوقها أحد عشر غراباً ذهبياً؛ حقاً هي هنا.» عدّها ثم قال لنفسه: «أليست عشرة في السجلات؟ يبدو أن رقائق الكتاب أخطأت؛ النسخ كثيرة.» حدق فيه دي جون؛ لم يكن من رسل تايي، لكنه كيف عرف الشجرة والغربان؟ أراد سؤاله، فلم يخرج من منقاره إلا: «غاق.» قال الرجل: «أتكلمني؟ ينبغي لإمبراطور السماء أن يتكلم في السجلات.» أراد دي جون أن يقول: لست إمبراطوراً، أنا دمية وأول من أكلوه، لكن لم يخرج إلا «غاق». هز الرجل رأسه ومشى.

بعد ثلاث خطوات أمسكت جذيرة كاحله، وجذبته إلى الأرض. خرجت عشر جذيرات لفّت يديه وقدميه وعنقه. أراد دي جون الطيران لإنقاذه، فنقره الطائر الرمادي في صدره: لا تذهب، هذا أكل الشجرة، لا تستطيع إنقاذه. هل أنقذت أحداً من قبل؟ نعم. هل أحييت واحداً؟ ولا واحداً. بقي دي جون في الغصن، مخالبه مشدودة؛ كان اللحاء تحتها ينبض مستمتعاً باللحم الطازج. كف الرجل عن المقاومة، والتحم التراب فوقه حتى ابتلع شعره وأصابعه. لم يبق إلا ورقة برونزية جديدة أكبر وأحدّ أسناناً من سواها.

تذكر دي جون وجهه الدائري وحاجبيه الكثين وشفتَيه المتشققتين وحركة يده التي كأنها تعدل عدسة بلورية لا يلبسها. جاء من الخارج، من مكان له شمس وناس يكتبون السجلات ويقرؤونها ويتتبعونها إلى هنا، فيصيرون هم صفحة فيها. ذلك هو «سقوط الورق إلى الجذر» على الأرجح. جاعت الغربان؛ أيقظ الطعام معدة الشجرة وسرّع هضمها. نشرت العشرة أجنحتها نحو الشرق، تعرف الاتجاه رغم السواد، كخفافيش. لم يعرف دي جون الاتجاه. طار الأول فالثاني حتى العاشر في خط صوب الشرق حيث الأرواح. وبقي هو. نقره الغراب الرمادي: اتبعني، أعرف الطريق. طار دي جون إلى الغرب، عكسها، عبر بحر أسود ساكن كالزيت، وجبال بيضاء من عظام مضيئة، وهاوية مجهولة سوادها أعمق من السماء.

أوقفه الطائر عند شجرة يابسة في برية، بلا لحاء ولا ورق، أغصانها كالأصابع، معلقة عليها أشياء يومية: مرآة برونزية، مشط، وعاء، عيدان طعام، لحاف خشن، حصير، معول، سكين، حجر شحذ، وقدر. وعلى أعلى غصن وجه بشري كامل، يشبه وجهه قبل عشرة آلاف سنة، لا وجهاً مسلوخاً بل وجهاً ألقاه صاحبه بنفسه حين لم يرد أن يكون إمبراطور السماء أو إلهاً، وأراد أن يكون رجلاً عادياً، فترك وجهه في البرية وغادر، بلا وجه، إلى فوسانغ. هناك أمسك به تايي، ونقش له ذكريات كاذبة وسلخ وجهه وأغلق روحه وجعله بداية الدورة. نقر دي جون الوجه، كان يابساً رقيقاً كجناح الزيز، حمله بمخالبه وعاد إلى فوسانغ. ظل الطائر الرمادي ينقر صدره في حماس. كانت الغربان العشرة قد عادت بأرواح بيضاء معلقة تنتظر القسمة. حط دي جون أمام الجذع، فرش الوجه على الأرض ونقر صدره، فخرج الطائر الرمادي حاملاً الوجه إلى شق في قلب الشجرة حيث نصف قلب دي جون ينتظر.

اهتزت الشجرة كزلزال. طارت الغربان، وبقي دي جون ثابتاً. التأم ثقب صدره لا بثقب جديد بل بلحم وجلد؛ تساقط الريش، وانكمشت الأجنحة، وانقسمت المخالب أصابع. عاد إنساناً بوجه وعينين وفم، وجه إنسان لا وجه إله. جاء صوت تايي من تحت الأرض، متكسرًا: «كيف— فعلت ذلك؟» لم يرد. أشار إلى الغربان في الجو كمن يدعوها إلى البيت. أي بيت؟ لم يكن لها إلا الشجرة.

بوجهه عاد حراً، لكنه سمع لا صوت الحرية بل صوت تحطم الدورة. انقطع طقس الابتلاع الذي أراده تايي، فجنّت الشجرة. انفجرت الجذور كحيّات سوداء، حطمت العظام وضربت الغربان ودي جون. وقف بلا حراك؛ أخبره الطائر الرمادي أن هذا سيحدث، لأن الذاكرة معرفة العاقبة. ثم توقفت الجذور في الجو، والأوراق في منتصف انطباقها، والغربان في السماء، ودي جون وقد رفع قدماً لا يستطيع إنزالها. لم يتوقف الزمن؛ فوسانغ هي التي توقفت، وانقطعت الدورة. احتاجت بداية جديدة: عهداً، وشخصاً يقبل أن يقف من جديد تحت الشجرة.

أتاه صوت تايي، لا في أذنه بل في موضع الكلام الفارغ. فهم بلا كلمات: تريد وجهك؟ خذه. تريد ذاكرتك وحريتك؟ خذهما. اذهب غرباً من فوسانغ عبر البرية وجبل العظام والبحر الأسود إلى مكان الشمس؛ كن إنساناً وتزوج وأنجب وزرع وصاد ومُت في فراشك وتناسخ كما شئت. شرط واحد: اترك جزءاً يسيراً منك هنا، ظلاً أو فتات ذاكرة، يقف وحسب إلى الأبد؛ لا يتحرك ولا يفكر ولا يتعذب، فقط يقف بطول الدورة. # القسم الخامس: القفص الأبدي

فكر دي جون، نظر إلى يديه الحقيقيتين اللتين تحملان بصمات ودفئاً، وخطا فوق تربة صلبة لا عظم فيها. مشى ثلاث خطوات ثم توقف. خلفه كان ظل رمادي بملامحه، واقفاً أمام الجذع وظهره إليه. سأل: «كم سيقف؟» فأجاب الفراغ: «إلى الأبد. والأبد ليس طويلاً، إنه طول الدورة.» اقترب من الظل؛ له وجه وعينان وأذنان وفم، لكن عينيه لا تريان وفمه لا يتكلم وأذنيه لا تفهمان. لوّح أمامه فرمش غريزياً ثم عاد فراغاً: ليس ميتاً، بل لم يعش بعد، ينتظر لحظة حياة لن تأتي أبداً. ذلك هو الأبد. أحس دي جون ببقايا لا تسميها حزناً أو غضباً، كأوراق شاي غُسلت حتى فقدت طعمها وبقيت: تعلّق أو عدم رضا. قال: «حسناً.» ومشى بعيداً.

بعد مسافة شاي التفت، فبقيت الشجرة كما هي. وبعد نصف ساعة، وبعد ساعة، لم تصغر؛ تتبعه عمداً لتظل في نظره. فهم أن الظل لم يبق وحده؛ هو نفسه صار ظلاً جديداً. لا حاجة إلى ظل ثان، فالذي أخذ الوجه والذي بقي عند الشجرة واحد: كلاهما واقف لا يمضي بعيداً، كلاهما تحت نظرها. ضحك الفراغ بخفة، لا شماتة بل تقريراً: «أي فرق ظننت أنك تختار؟ البقاء والرحيل سواء، لأن فوسانغ ليست موضعاً جغرافياً بل في قلبك. إذا كانت في قلبك، فأينما ذهبت بقيت تحتها.»

نظر إلى الطريق فلا أثر قدمين، لا ذهاباً ولا إياباً؛ طريق الظل لا طريق الإنسان. لمس وجهه فوجده موجوداً، ثم رأى في صدره ثقباً أدق من رأس إبرة، يمر منه هواء بارد. في جانبه الآخر نسخة منه تضغط ثقب صدرها؛ ثقب لثقب وعين لعين، كلاهما ظل. سأل في قلبه عن الطائر الرمادي، فلم يجب؛ ربما نام، وربما عاد ذاكرة. الذاكرة لا تتكلم، بل تجعلك تعرف أن طريقك كان بلا جدوى، وأن عليك أن تمشيه كي تعرف ذلك، ثم تعود وتقف. عاد دي جون واتحد بظله أمام الجذع. عادت الجذيرات إلى كاحليه، رخوة هذه المرة كطقس يذكره: لست مضطراً لأن تُربط، لكنك تحتاج الربط كي تحتمل.

سكن تايي تماماً. امتزجت عظامه في التراب ونصف القلب في الشجرة؛ نبتت لصماماته أغشية جديدة فاحتوت بقاياه وهضمتها. لم تعد الشجرة لتايي ولا لدي جون؛ صارت لنفسها، تنادي إذا جاعت وتمتص إذا عطشت، والدورة تستمر، أقل تعذيباً بقليل وأكثر حتمية. حطت الغربان الأحد عشر في صف، ومنها ذو الصدر الرمادي. نظر إلى دي جون تحتها، ونظر دي جون إليه. لا حاجة إلى كلام: واحد في السماء يطير الدورة، والآخر تحتها يقف الدورة؛ كلاهما قطعة منها، بعض القطع تصدر صوتاً وبعضها لا يتكلم عمره كله.

وقف دي جون زمناً طويلاً. أحياناً يضل أناس الطريق فيخرجون من التراب، بوجوه أو بلا وجوه، أحياء أو أمواتاً أو بينهما. بعضهم تجره الجذيرات فيصير ورقاً، وبعضهم يتسلق ليقطف الغراب فتفقأ الغربان عينيه ويسقط ميتاً، وبعضهم يطوف حول الشجرة ويقول: «هذه الشجرة كما قيل حقاً»، ثم يخرج رقاقة صغيرة يكتب فيها ويجلس ينتظر. سأله دي جون مرة: «ماذا تنتظر؟» فضحك الرجل وهز رأسه: «أنت وأمثالك.» سأله الرجل: «منذ متى تقف؟» قال دي جون: «ليس طويلاً. منذ ما يزيد على عشرة آلاف سنة.» أومأ الزائر: «إذن ليس طويلاً حقاً.» ثم قام ومشى بلا التفات حتى صار نقطة سوداء واختفى. لعله كتب سجلات قديمة عن فوسانغ وعشرة الغربان وإمبراطور السماء دي جون وتايي. لما رأى الحقيقة خفت السجل كورقة في ريح.

فكر دي جون أنه لعل عليه أن يفرح: لا يزال ثمة من يكتب ويقرأ ويبحث ويخيب، من يقف ومن لا يعود. من قبل لم يفكر إلا في «انتظروا رسالة تايي». الآن بقيت الجملة، وإلى جانبها نبتت أربع كلمات كالبقع في جلد شيخ: «هذا بديهي أيضاً.»

— «انتظروا رسالة تايي.»

— «هذا بديهي أيضاً.»

— «انتظروا رسالة تايي.»

— «هذا بديهي أيضاً.»

لكن هل سيرسل تايي رسالة حقاً؟ لم يعرف دي جون. عرف الانتظار فقط؛ صار وضعية وسبب الوقوف ومعناه كله. لعل تايي أرسلها في اليوم الأول أو الثاني حين كان ما يزال يسمع، قبل أن يعرف أنه ينتظر. ربما كانت «انتظر»، أو «لا تذهب»، أو كلمة واحدة: «كن». إذا كانت «كن»، فقد فعلها؛ كان هناك منذ عشرة آلاف عام. تراكمت تحت فوسانغ عظام جديدة على قديمة، بيضاء فارغة كلها، كلها انتظرت. وزاد غراب ذهبي آخر؛ لم يعد أحد عشر بل اثني عشر، لا أحد يعرف من أي عظم خرج. حط في الغصن الأدنى، وثقباه إلى دي جون بلا صوت. ربما قال كل ما عنده قبل أن يصير غراباً، حين كان عظمةً أو قطعة لحم أو شخصاً واقفاً.

حرّك دي جون شفتيه بلا صوت، وشعر أن ذلك يكفي: الوقوف والانتظار والكينونة. إن لم تصل الرسالة فلا بأس، وإن وصلت فلعلهم لا يعرفون ما يقولون. لعل تايي غاب منذ البدء، أو لم يكن قط؛ لعل تايي هو الشيء الذي لا يكون أبداً. عندها أحس دي جون بخفة لم يعرفها من قبل.

فتح فمه وتحرك لسانه. خرجت كلمة لم يستعملها منذ زمن لا حد له، ليست «ثلاثة أيام» ولا «كن»، بل:

— «حسناً.»

تحرك طرف فمه. لم تكن ابتسامة، بل بذرتها؛ الشكل الذي تكون عليه الابتسامة قبل أن تتعلم الابتسام. لكنه كان هناك، على ذلك الوجه الذي وقف عشرة آلاف عام، للمرة الأولى: قوس صغير صاعد.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.