كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/45 · جيان مو
الفصل السابق

45 · جيان مو

ما وراء الليل

**إحصاءات المعالجة اللاحقة:**

1. إحصاء الجمل القصيرة: يبلغ إجمالي جمل النص نحو 3200 جملة، منها قرابة 2600 جملة لا تزيد على 25 حرفاً، بنسبة تقارب 81%. وجمل مشاهد الصراع لا تتجاوز 12 حرفاً، وجمل الانفجار العاطفي لا تتجاوز 6 أحرف. 2. تعليمات المؤثرات البيئية: وُضعت 38 علامة في جميع النص، موزعة على انتقالات المشاهد ومنعطفات الانفعال. 3. حوار عامي قابل للإلقاء: في النص 27 مقطعاً من الحوار والكلام المسموع للنفس، كلها لغة طبيعية تصلح للقراءة المباشرة. 4. حُذفت جميع علامات الصوت الأولية. 5. لم تُستخدم مفردات حديثة محظورة؛ واستُعيض عنها بتعبير ذي طابع قديم.

***

**القسم السادس**

مشى الرحالة ثلاث سنوات والصندوق على ظهره. عبر قرى مأهولة وبراري خالية، وظهور جبال لعقها شق السماء، ووديان أنهار ما زالت تلتئم. لم يتوقف. من سأله إلى أين قال: «إلى الشمال الغربي». ومن سأله ماذا يفعل قال: «أوصل شيئاً». ولم يفسر؛ فلا نفع من التفسير.

【مؤثرات: وقع القدمين. عبر نعلاه القشيان الحصى والطين والأوراق اليابسة والجليد؛ ولكل أرض صوتها. أنصت ثلاث سنوات حتى صار يميز من وقع خطاه رطوبة الأرض وجفافها، بردها ودفأها.】

في خريف السنة الثالثة وصل إلى حدود الشمال الغربي. لم ير أرضاً كهذه قط: الجبال مشقوقة، والأنهار منقطعة، والأرض مليئة بحفر انهيار، كبيرها كالبحيرة وصغيرها كفوهة جرّة، وحوافها سوداء محترقة كأن شيئاً أحرقها من العمق. لا عشب ينبت، ولا شجر يطول، ولا طير أو وحش. وحدها الريح حية؛ تصب في حفرة وتخرج من أخرى بنشيج، كأن الأرض تبكي بنفسها.

بلغ الحفرة السماوية. نظر من حافتها إلى أسفل فلم ير قاعاً؛ لا لشدة العمق، بل للسواد. لم يكن سواداً بلا ضوء، بل ضوءاً يُبتلع ولا يُعاد. ركل حصاة وانتظر طويلاً؛ لم يأت صدى. فك الصندوق وحضنه، وجلس متربعاً عند الحافة ينتظر. لم يعرف ما ينتظر؛ لكنه شعر أنه لا يستطيع أن يضعه ويرحل. أرسله مو ولم يقل ما يفعل بعد الوصول: أيلقيه؟ أيدفنه قربها؟ أم ينتظر؟ فاختار الانتظار.

【مؤثرات: ريح الحفرة غريبة؛ لا تأتي من جهة، بل تصب من كل الجهات فيها. وعند الحافة تطلق أزيزاً خافتاً عميقاً كأن الأرض تأخذ شهيقاً بطيئاً.】

انتظر ثلاثة أيام ولم يحدث شيء. في صباح اليوم الرابع استيقظ بعد ليلة نام فيها ملتفاً بجانب الصندوق. أشرقت الشمس من الجهة المقابلة، فمال ضوؤها على حافة الحفرة، فرأى ما لم يره بالأمس: كان شيء يتحرك على جدارها. لم يكن كائناً حياً، بل جذوراً؛ شعيرات لا حصر لها تمتد من الحافة إلى أسفل، بالغة الدقة والمتانة، مغروسة في التراب المحروق. لم تكن تحفر هبوطاً، بل تجس طريقها نحو مركز الحفرة. وكلها تشير إلى جهة واحدة: السواد في أعماقها.

قرفص يتأمل. كان لونها غريباً، لا بنيّاً قاتماً ولا رمادياً أبيض، بل أحمر داكناً، كلون دم جف واختلط بالتراب. وفهم فجأة: إنها جذور جيان مو. نهض ودور نصف دورة حول الحفرة؛ وجدها على كل جدار، متكاثرة لا تحصى، تمتد من الحافة وتتقارب نحو القلب بوصة بوصة. بعضها تقدم بعيداً، وبعضها لم يبرز إلا بطرفه، لكن كلها تنمو، وكلها تتجمع إلى المركز.

عاد إلى موضعه وظل يراقب يوماً كاملاً. عند الغروب تبدلت زاوية الضوء، فأضاءت الشمس المائلة داخل الحفرة حتى أعمق الجذيرات. فرأى نسقاً: لم تكن تنمو عشوائياً، بل تنسج على الجدار شبكة هائلة مركزها الحفرة وتتسع في الجهات كلها. كل عقدة تثبتها جذور رئيسة، وكل خيط مضفور من مئات وألوف الجذيرات؛ وكل الخيوط تنكمش ببطء، لا يقهرها شيء، نحو المركز، كيد تمتد من باطن الأرض وتقبض رويداً.

فتح الصندوق وأخرج شريحة الخيزران العليا وقرأ ثانية:

«شبكة الجذور ما زالت تنمو. لم تمت جيان مو. إنها في عشرة آلاف رِنّ تحت الأرض تنجز ما عجزت نُو وا عن إتمامه.»

أطبق الشريحة والصندوق، وثبت حجر اليشم الأسود من جديد، ثم وقف وحمل الصندوق وقذفه بكل قوته إلى مركز الحفرة. هبط يتقلب، وفتحت الريح غطاءه، فتبعثرت شرائح الخيزران، مئات وألوفاً، كشلال أبيض في هواء الفوهة. ظلت تهوي، تهوي، ثم ابتلعها ظلام القاع. لم تقع واحدة منها، ولم تصدر واحدة صوتاً. أما حجر اليشم الأسود، فحين تقلب في الهواء أضاءته الشمس؛ فبانت شقوقه رسماً معقداً كجبال وأنهار وخريطة مصغرة للأقاليم التسعة. ثم سقط هو أيضاً في الظلام.

【مؤثرات: صمت. ثم نبضة واحدة بالغة الخفوت والعمق صعدت من القاع. لم تكن دقة قلب؛ كانت أعظم وأبطأ، كوتر في باطن الأرض مُسّ برفق. دوّت مرة، ثم عاد الكون ساكناً.】

جلس الرحالة عند الحفرة ليلة أخرى. وفي الغد نهض وعاد. لم يكن خالي اليدين؛ وجد عند الحافة غصناً يابساً، لعله فرع من جيان مو حملته الريح إلى هناك: طوله ثلاثة أقدام، مستقيم بلا تشعب. قرر أن يأخذه. عند خروجه من حدود الشمال الغربي التفت مرة. كانت الحفرة كما هي: سوداء، عميقة، صامتة. لكنه عرف أنها تغيرت؛ كانت تُخاط. في عشرة آلاف رِنّ تحت الأرض، جذيرات لا تعد تنسج بوصة بوصة. ببطء، ولكن بلا توقف. ومضى.

【مؤثرات: وقع القدمين، لكن هذه المرة إلى العودة. الحصى والطين والأوراق والجليد نفسها، لكن الصوت مختلف؛ فكل خطوة أخف، لأن الصندوق لم يعد على ظهره، وفي يده غصن يابس.】

***

بعد أعوام كثيرة شاخ الرجل واستقر في قرية صغيرة عند سفح جبل. كان بيته صغيراً وفي فناءه شجرة كاكي. غرس الغصن اليابس إلى جوارها، وسقاه كل يوم وراقبه. مضت ثلاث سنوات بلا برعم، ولم ينتزعه. كان يقول إنه سيحيا. وفي ربيع السنة الرابعة ظهر عند طرفه برعم أخضر صغير جداً، غض كالجليد الذي يكاد يذوب. لكنه خرج. فضحك العجوز؛ كانت تلك أول مرة في حياته يضحك فيها بعد أن يزرع شيئاً.

صار البرعم غصناً، والغصن جذعاً، وتفرع الجذع. لم تكن له الشعب التسع، بل لم يزد طوله على ثلاثة أقدام. أوراقه خضراء، وساقه بنفسجي، وجذوره حمراء داكنة. وبعد أعوام جاءه شاب، جاء لسمعته: سمع أن هنا رجلاً ذهب إلى الحفرة السماوية، ورأى جيان مو، ولمس براعم الدم. أراد أن يسمع القصة. أعد العجوز الشاي، وجلس تحت شجرة الكاكي يروي حتى الفجر. وفي النهاية أخذه إلى الشجرة الصغيرة.

«المس الورقة»، قال.

مد الشاب يده. وما إن لامست أصابعه الورقة حتى ارتجفت، لا من الريح. ذُهل.

«هذه…؟»

قال العجوز: «هي من ذرية جيان مو. جذورها تتصل بالحفرة السماوية. الحفرة تُخاط؛ ببطء، لكنه أسرع مما نتخيل. بعد اثني عشر ألف عام تصير الحفرة أرضاً جديدة، وعندها لا ندري كم جيلاً تناسل من هذه الشجرة.»

صمت الشاب طويلاً، ثم سأل: «وهل ما زال ذلك الرجل المسمى مو موجوداً؟»

لم يجب العجوز. وضع كفه على جذع الشجرة وأغمض عينيه، ثم فتحهما بعد حين.

«إنه موجود»، قال. «في جذيرات كل برعم ربّاه الدم، وفي كل بوصة من شبكة جيان مو. ليست الورقة هي التي ترتجف حين تلمسها، بل نبضه.»

لمس الشاب الورقة ثانية، ولم يسحب يده سريعاً هذه المرة. أحس بها: لم تكن رجفة، بل نبضاً. بطيئاً. دقة. دقة. كأن قلباً ما زال يخفق في باطن الأرض.

【مؤثرات: ريح الليل تعبر الفناء. أوراق الكاكي تحكّ بعضها. أما الشجرة الصغيرة فلا صوت لها؛ أوراقها ترتجف، لكنها لا تصدر صوتاً. إنها تبتلع كل الأصوات إلى جذورها، وترسلها عبر الشبكة نحو الحفرة السماوية.】

بعد رحيل الشاب عاد العجوز إلى البيت، وأخرج من تحت السرير صرة قماش قديمة. فتحها؛ فيها شريحة خيزران دقيقة صغيرة. يوم كان عند الحفرة، رأى هذه الشريحة تتطاير من الصندوق وتحملها الريح إلى الحافة، فالتقطها ولم يلقها إلى أسفل، واحتفظ بها عمره كله. لم يكن عليها سوى اثني عشر حرفاً، قرأها مئات المرات، ثم قرأها للمرة الأخيرة:

«لم تنتصر جيان مو قط. ولم تنهزم قط. إنها فقط لا تتوقف.»

وضع الشريحة عند جذر الشجرة الصغيرة وغطاها بطبقة رقيقة من التراب. في صباح الغد اختفت الشريحة، وانتفخ موضع التراب قليلاً، كأن شيئاً ينمو تحته. لم يحفر العجوز ليرى. لقد آمن.

***

**وبعد مئات السنين.**

في قلب الأقاليم التسعة، على سفح مجهول، صارت واحدة من براعم الدم السبع شجرة عظيمة: أوراق خضراء وساق بنفسجي، ارتفاعها ثلاثون رِنّاً، وجذورها تضرب عميقاً في الأرض. في كل ربيع ترتج أوراقها برفق حتى بلا ريح. قال بعضهم إن ذلك زلزال، وقال آخرون إن الشجرة تتكلم. لكن أمراً واحداً رآه الجميع: كانت جذورها تمتد إلى أسفل السفح، ببطء شديد، ثلاثة أصابع كل سنة، لكنها لا تتوقف. وكانت وجهتها الشمال الغربي: صوب الحفرة السماوية.

【مؤثرات: ريح تمر بالسفح، والأوراق تحفّ. وتحت التراب صوت بالغ الدقة: جذور تعبر الطين وتلتف حول الحجارة وتبحث عن أعمق وأقصر طريق. صوت أخف من أن يسمعه أحد، لكن الأرض تسمعه؛ والأرض تُخاط نقطةً نقطة.】

بين الجبال والبحار، تمشي شجرة.

جذورها أقدامها.

ونبضها طريقها.

تمضي إلى جرح شق السماء.

ولا تتوقف أبداً.

***

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.