كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/44 · أولاً: أعماق بحر الشمال المظلم
الفصل السابق

44 · أولاً: أعماق بحر الشمال المظلم

ما وراء الليل

الفصل التالي

في الشهر الثاني دخل بنغ بحر السحاب؛ لا السحاب الذي تحته، بل سحاب يمر بمحاذاة جناحيه، أبيض لبنيّاً، ينساب بين الريش ويبلل كل شيء. ابتل الريش والطحلب، وابتل تشو آر حتى العظم. وجد منخفضاً بين الريش وانكمش فيه، لكن الماء تسلل إليه؛ بخار لا يردّه حاجز، وبرد نفذ إلى نخاعه. ظلت أسنانه تصطك ثلاثة أيام وثلاث ليال، واشتعلت الحمى ثم انطفأت ثم عادت؛ وفي كل مرة حسب أنه سيموت، ثم عاش.

بعد بحر السحاب دخل بنغ عاصفة رعدية. سرت الصواعق بين جناحيه، برق أرجواني ملتَوٍ كالأفاعي ضرب قرب تشو آر. امتلأ الجو برائحة الريش المحترق، وشم رائحة شعره هو يحترق، لكن الصاعقة لم تصبه؛ كانت تفلت منه دائماً بشعرة، كأن بنغ يحميه، أو كأن هذه الريشة تحميه. لم يكن يعلم. كل ما علمه أن العاصفة انقضت وهو لا يزال حياً، وأن رائحة الريش المحترق لم تبرح طويلاً.

في الشهر الثالث دخل بنغ فضاء لا شيء فيه: لا سحاب ولا رعد ولا ريح، بل زرقة لا نهاية لها وطيران يتكرر يوماً بعد يوم. كان إيقاع الجناحين كنبض القلب وكالمد وكبندول عتيق؛ به ينام تشو آر وبه يصحو. وأحياناً لم يعد يميز: أطارت به ثلاثة أيام أم ثلاثة أشهر؟ في ذلك الفضاء عثر على أشياء أكثر، ليست حية بل ميتة، حطام سفن أقدم. كانت هناك سفينة عارضتها الرئيسية ثلاثة أضعاف عارضة قاربه، وعلى جانبيها زخارف لا يعرفها. تسلق إليها فرأى في قاع المقصورة بقع حبر جافة لم يبق منها كلام مقروء، وبجانبها رسم: طائر عظيم يخرج من البحر، تتساقط الحراشف عن جناحيه. فهم أن أناساً وصلوا إلى هنا منذ زمن بعيد؛ حملتهم كُون إلى السماء، وعاشوا على ظهر بنغ ثم ماتوا، فرسموا ما رأوا وتركوه لمن يأتي بعدهم، كما رآه هو الآن، وكما سيرى القادمون آثاره يوماً.

جلس طويلاً إلى جوار الحطام يفكر في وجوه أولئك السابقين. كانوا مثله صيادي بحر الشمال، التقطوا اللؤلؤ وغاصوا في الأعماق ولمسوا تلك الحرشفة الدافئة، ثم حملوا جميعاً إلى السماء. وبدأ تشو آر يراقب كيف يدور العالم الصغير على ظهر بنغ.

رأى الطحلب يتمدد؛ ففي الموضع الذي احترق قبل شهر نبت طحلب جديد، أخضر زاهٍ، من الرماد، وأشد كثافة من ذي قبل. وتغير عدد الخنافس: زاد ثم نقص، في توازن دقيق. ورأى أشياء أدق، في برك الماء، كائنات بحجم الغبار لم يلحظها سابقاً، تتقلب في الماء وتأكل ما هو أصغر منها، ثم تأكلها الخنافس والأسماك الصغيرة. وكانت الأسماك الصغيرة قد فقست من بيوض حملتها الطيور. جلس عند البركة يتفرج يوماً كاملاً، ناسياً الزمن، ناسياً ارتفاع تسعين ألف لي، ناسياً أنه يطير.

سحره ذلك العالم. كما أخذ يتبين الهياكل على ظهر بنغ: كان عددها سبعة وثلاثين؛ واحد وعشرون كاملاً، وستة عشر مكسراً. أقدمها تحولت عظامه إلى أحفورة، منغرزة عند جذر الريش، يغطيها الطحلب كثيفاً ولا يظهر منها إلا جمجمة واحدة تتجه جنوباً، إلى بحر الجنوب بعد ألف عام. وأحدثها كان الصياد العجوز، رجل الخمسين عاماً، لا يزال جالساً، مسنداً ظهره إلى صارية مكسورة، وفي يده قلادة اليشم، وعيناه نحو الشمال.

كان ذلك اتجاه بحر الشمال، اتجاه موطنه. جلس تشو آر إلى جانبه، وتكلم لأول مرة: «يا سيدي، مكثت هنا خمسين عاماً؛ أتشتاق إلى وطنك؟» لم تجب العظام. مر الريح من محجريها المجوفين وأطلق عواءً خافتاً، كأنه جواب.

قال تشو آر: «وأنا أيضاً أشتاق. أشتاق إلى جدتي. لا بد أنها تظنني مت، وتنتظر الدواء فلا يصل، ويبيض شعرها». اختنق صوته، لكن لم تكن له دموع؛ فقد جففتها الرياح منذ زمن.

في الشهر الرابع بدأ بنغ يهبط في العلو، لا لينزل، بل لأن مسار الهجرة تغير. دخل تياراً دافئاً، فرطب الهواء ولم يعد قارساً. خلع تشو آر ما بقي من ثيابه ومكّن الشمس من ظهره. كانت جروحه قد تجلّطت، لكنه هزل كثيراً؛ برزت أضلاعه واحدة واحدة، وصارت ساقاه كقصبتين. لكنه بقي حياً، بل صار أقوى مما كان.

أضحى قادراً على الركض بين الريش، ومطاردة الطيور الصغيرة، وإن لم يقبض عليها؛ صار يلمس ذيلها أحياناً. وتعلم أن يميز الخنافس المأكولة من غيرها: الزاهية الألوان لا تؤكل، فهي تورث القيء؛ أما السوداء فتؤكل، وطعمها كالروبيان. وتعلم أن يصيد الأسماك الصغيرة في البرك بقطعة من ثوبه الممزق شبكةً، فيلتقط منها عدداً ويأكلها نيئة، بطعم ماء البحر وصدأ الدم. عاش، عاش عيشاً حقيقياً.

لكنه بدأ يسأل نفسه: إلى أين يذهب بنغ؟ إلى بحر الجنوب، سمع في الأساطير أن في أقصى جنوب السماء بحيرة سماوية معلقة بين النجوم، حيث تستحم الخالدات؛ وإن كُون تتحول إلى بنغ لتطير إليها. لكن ماذا بعد الوصول؟ ماذا يحدث لبنغ، وماذا يحدث له هو؟ هل يغوص مع بنغ في الماء؟ هل يُطرح عنه؟ أم يبقى، كالعظام، على ظهره إلى الأبد؟ لم يجرؤ على الإمعان في الفكرة؛ كلما خطرت له رفع بصره إلى النجوم وبحر السحاب ورفرفة الجناحين، كي يطردها.

لكنه رأى شيئاً اضطره إليها: عظمة جديدة، لا عظمة إنسان، بل عظمة بنغ؛ أو بالأحرى عظم ريشة هائلة بارزة من ظهره. كانت بالية لكنها ضخمة، طولها عشرة أمتار، يتسلقها الطحلب وتتخذ الخنافس من شقوقها أعشاشاً. لم تكن جزءاً نامياً من جسده، بل ريشة قديمة سقطت ثم علقت بين الريش. اقترب تشو آر ولمسها؛ كانت خفيفة حتى بدت كإسفنج مجفف لا كعظم. كسر منها بلطف قطعة، فصارت في راحته شظية بيضاء لا تكاد تزن شيئاً. فهم: بنغ أيضاً يبدل ريشه.

وهو أيضاً يتجدد، ويتحول، بل وربما يموت؛ وهذه العظمة ليست جرحاً بل تبدل طبيعي، كما انسلخت حراشف كُون حين صارت بنغاً. نظر إلى الشظية وشعر بالطمأنينة. فبنغ يتغير مثله، وكلاهما يتأقلم ويتحول ويطير نحو الجنوب.

إنهما رفيقا رحلة، لا صياد وفريسة. قبض الشظية وقال لزرقة السماء: «شكراً لك. خذني معك». تبدل اتجاه الريح من معاكس إلى مواتٍ، وانبسط الريش بعدما كان منتصباً، وصار ألين؛ كأن بنغ سمعه.

في الشهر الخامس أبطأ بنغ طيرانه. لم يعد يقطع ألف لي في رفرفة، بل أخذ ينزلق ببطء، ويهبط إلى ما تحت السحاب، حتى ظهرت الأرض. انحنى تشو آر عند حافة الظهر ونظر إلى أسفل: خضرة لا تنتهي، جبال وأنهار وسهول وغابات. لم يكن شيء منها كبحر الشمال الذي لا لون فيه إلا الرمادي والأبيض. هنا الألوان كلها: حقول قمح ذهبية تموج في الريح كالبحر، وبساتين خيزران خضراء تنحني في الهواء كأنها تسجد، وغابات قيقب حمراء تصبغ نصف الجبل، وبحيرات زرقاء صافية تعكس السحب البيضاء، كأن قطعة من السماء سقطت على الأرض.

مر ظل بنغ فوق القمح والخيزران والقيقب والبحيرات. رفع العاملون في الحقول رؤوسهم، فلم يروا إلا سحابة تمر، ثم عادوا إلى أعمالهم. لم يعلموا أن السحابة حية، وأنها جناح بنغ. رأى تشو آر الفصول تمر: عبر جبلاً ما زال عليه ثلج، ثم سهلاً متفتحاً بالربيع، ثم نهراً عظيماً يصعد فوقه بخار الصيف، ثم مدينة تتساقط أوراق الخريف عندها. فهم أن رحلة بنغ تعبر الزمن: انطلقت من شتاء بحر الشمال، وعبرت الربيع والصيف والخريف، متجهة إلى فصل آخر من فصول بحر الجنوب.

ورأى المدن البشرية، صغيرة كالألعاب. دخان يعلو منها، وخيل تمشي في الشوارع، وناس يتبايعون في الأسواق. لم يرفع أحد رأسه؛ لم ير أحد طائر بنغ الهائل يمر على ارتفاع تسعين ألف لي، ولا إنساناً فوق ظهره ينظر إليهم. ابتسم تشو آر وصاح إلى أسفل: «أيها الناس!» مزقت الريح صوته فلم يبلغ الأرض، لكنه ظل يصيح مراراً حتى بح صوته وانهمرت دموعه. ولم يعرف لماذا يبكي.

في الشهر السادس بدأ بنغ يصعد من جديد إلى العلو. رقّ الهواء ثانية، لكن تشو آر لم يعد يخافه؛ لقد ألفه. صار طيران بنغ أكثر سكوناً، كأنها المرحلة الأخيرة من الرحلة. عرف تشو آر أن بحر الجنوب قريب. لف نفسه بقطعة قماش، وجمع ما بقي له من خنافس مجففة، وملأ قربة الماء. تفقد كل جرح في جسده؛ ما التأم منها صار قشرة ولم يتقيح شيء. طاف بالظهر دورة أخيرة، وعدّ العظام كلها: سبعة وثلاثون، ومعه هو ثمانية وثلاثون. لكنه سيهبط حياً، لا بد أن يهبط حياً؛ قالها في سره.

ثم مضى نحو الرأس، حيث الريش أقصر وأكثر كثافة وأثبت للوقوف. وقف في الريح، وفيها رائحة غريبة؛ ليست ملوحة بحر الشمال، بل دفء يحمل عطر الزهر والعشب والتراب الذي سخنته الشمس. كان بحر الجنوب قريباً، عرف ذلك. صار بنغ يطير أبطأ وأخفض، كأنه يبحث عن شيء، كأنه يتعرف إلى شيء.

كان ينتظر. ينتظر وصول النهاية.

# خامساً: بحيرة السماء في بحر الجنوب

توقف بنغ. لم يهبط، بل وقف معلقاً في الفضاء المرصع بالنجوم. رأى تشو آر أمامه ماءً معلقاً: ماءً مشرقاً شفافاً لا نهاية له ولا شاطئ ولا سد، ساكناً بلا موج، يعكس مئات الملايين من النجوم.

كانت تلك بحيرة السماء، بحيرة بحر الجنوب. ليست بحراً، بل ماء أقدم من البحر، موضع استحمام النجوم، ومنتهى بنغ. بدأ بنغ ينخفض إليها ببطء وهيبة. انبطح تشو آر على الريش وقبض جذره بكل ما فيه؛ اقتربت البحيرة أكثر فأكثر.

حجب جسد بنغ نجوم سطحها. تموج الماء، لا من نقطة واحدة، بل من كل موضع مسّته به ريشة؛ مسه الريش والطحلب والخنافس والطيور الصغيرة، ثم صدر بنغ، ثم رأسه، ثم جسده كله.

صعد الماء دافئاً؛ ليس كبرد بحر الشمال الذي يقطع العظم، بل دافئاً بحرارة النجوم. لامس تشو آر الماء أيضاً فشرب جرعة؛ كانت حلوة، ماء عذب لا ماء بحر. شرب بنهم حتى امتلأت بطنه، حتى خرج الماء من أنفه وهو يختنق. كم مضى عليه من زمن لم يشرب فيه ماء عذباً؟ ضحك وهو يشرب كالمجنون.

دخل بنغ بحيرة السماء كلها، وغاص تشو آر معه. لم تكن البحيرة شفافة إلى قاعها؛ كلما هبط زادت عتمتها. ورأى جسد بنغ يتغير؛ لا بعنف تحوله الأول، بل ببطء ورقة. انكمش الريش، وقصرت الأجنحة، وتبدل الرأس، واختفت هيئة الطائر لتحل محلها هيئة السمكة. كان بنغ يعود كُوناً؛ ليستقر هنا، وينتظر تحوله المقبل، وهجرته المقبلة، بعد زمن لا يعلم أحد قدره.

ربما بعد عشرة ملايين سنة، وربما غداً. ظل تشو آر يهبط، يهبط أعمق، لكن صدره لم يضق، واستمر يتنفس. نظر إلى يديه، فإذا هما تضيئان؛ ليس من دم الجرح، بل جلده كله يضيء، وجسده كله يضيء. ورأى حوله لا ماء بحيرة السماء، بل حياته هو.

رأى نفسه في السابعة يلتقط أول لؤلؤة، وفي الثامنة يلقى أول عاصفة، وفي التاسعة يغوص عشر قامات، وفي العاشرة تعلمه جدته القراءة، وفي الحادية عشرة تغرق سفينة أبيه، وفي الثانية عشرة تموت أمه مريضة، وفي الثالثة عشرة يقف هنا.

هنا، في بحيرة السماء، في ماء النجوم. مرّت كُون إلى جواره؛ ظل هائل لكنه ظل ودود. نظرت إليه بعينها، العين نفسها التي فتحتها في هوة بحر الشمال حين استيقظت، لكنها لم تكن باردة الآن، بل رقيقة، كأنها عرفته، وكأنها تودعه. غاصت كُون إلى الأعماق التي لا تنتهي في بحيرة السماء.

وظل تشو آر يضيء. ثم رأى نوراً يهبط من سطح الماء، ساطعاً مؤلماً؛ طفا نحوه، نحو النور. فتح عينيه وكان ضوء الشمس يلسعه. كان ممدداً على شاطئ.

كان الرمل حاراً وجسده يؤلمه، لكنه حي. جلس مترنحاً، وقلبه يضطرب، ثم تقيأ ماءً مالحاً. رأى البحر: أزرق، لا رمادي كبحر الشمال. ورأى ساحلاً غريباً عليه أشجار وبيوت. وأقبل أناس يركضون نحوه؛ فرأى سفناً في البحر البعيد، تشبه سفن موطنه لكن أعلامها ورسومها مختلفة.

«أين أنا؟» كان صوته مبحوحاً يكاد لا يخرج. اقترب فتى في مثل سنه، أسمر البشرة، ينتعل صندلاً من عشب. صاح: «يا هذا، لقد أفقت! كنت ملقى على الرمل، وظننا أنك ميت». نظر إليه تشو آر وحرك شفتيه: «أين هذا المكان؟» أجاب الفتى: «قرية صيادي الجنوب. لم نر غريباً هنا طوال ستة أشهر».

«كيف جرفك البحر إلى هنا؟»

«ستة أشهر؟» ذهل تشو آر. «غبت ستة أشهر؟»

هز الفتى رأسه: «نعم. قبل نصف عام رأى الناس أمواجاً عاتية في البحر، وقالوا إن وحشاً خرج من الماء؛ ثم هدأ كل شيء. من أين جئت؟» لم يرد تشو آر.

وقع بصره على يده. كان يقبض ريشة بيضاء تبعث نوراً أزرق خافتاً؛ ريشة من بنغ، لم يأخذها ماء بحيرة السماء. ضمّها وقال للفتى: «من مكان بعيد جداً». استعار قاربه، وظل ينجرف سبعة أيام وسبع ليال.

وعاد إلى بحر الشمال، إلى القرية الرمادية. لم يتغير شيء: البحر رمادي، والجليد أبيض، والقوارب متهالكة. وحدها جدته تغيرت؛ صار شعرها أبيض كله، وضعف بصرها. فلما رأته يدخل حسبته روحاً. مدت يدها تتحسس وجهه، وحين لمست جلداً حاراً حياً بكت: «لقد عدت... أحقاً أنت؟ أين كنت طوال هذه الأشهر الستة؟»

عانق تشو آر جدته وبكى. ظن أنه لن يبكي قط بعد ظهر بنغ، لكن ما إن عاد حتى لم تستطع دموعه التوقف. ضم نفسه إليها كما كان يفعل طفلاً. مررت يدها على ظهره فوجدت الندوب: جروح قطعتها رياح الشرق، وجمدتها السحب، ومسحتها العاصفة الرعدية؛ خطوطاً كخريطة، وكشهادة طريقه.

وفي الليل جلس إلى جوار موقد النار وحكى لها: حكى كُون، وبنغ، وسماء تسعين ألف لي، والطحلب والخنافس على ظهره، والعظام السبعة والثلاثين، وبحيرة السماء في بحر الجنوب. لم تقاطعه؛ كانت أحياناً تمس رأسه بيدها الذابلة، وتمس الريشة في يده. وحين انتهت الحكاية كانت النار قد قاربت الانطفاء.

قالت الجدة: «أصدق ما تقول. شيوخ بحر الشمال كلهم سمعوا بحكايات كُون، لكن لم يرها أحد. أنت رأيتها، وعدت حياً. تلك هبة القدر». أومأ تشو آر، وأخرج الريشة وناولها إياها.

أخذتها الجدة ونظرت إليها في ضوء النار. كانت الريشة البيضاء تلمع؛ لا بانعكاس النار، بل بنورها الخافت الأزرق، كسماء بحر الشمال وكالهوة. ففاضت دموع الجدة وقالت: «إنه بنغ... إنه بنغ حقاً».

في اليوم التالي لم يخرج تشو آر إلى البحر. أصلح سقف البيت؛ فقد كان يتسرب طوال الأشهر الستة ولم تقوَ الجدة على إصلاحه، فأتمه في صباح واحد. وعند الغداء جاء أهل القرية، سمعوا أنه عاد فتقاطروا وملؤوا البيت وسألوه أين كان.

فكر قليلاً ثم قال فقط: «انقلب قاربي، وجرفتني المياه بعيداً، وعدت بعد ستة أشهر». لم يشك أحد؛ ففي بحر الشمال تنقلب القوارب عادة، ومن ينجرف بعيداً ثم يعود أمر مألوف. وسأله بعضهم عن الريشة البيضاء في يده فقال: «التقطتها في الطريق، أعجبتني. أبقيتها ذكرى».

لم يرغب في المزيد. كانت تلك الحكايات تكفي جدته؛ لو قالها لغيرها لما صدقوا ولا فهموا. عادت الأيام إلى حالها: يلتقط اللؤلؤ ويبيعه، يأكل وينام. لكنه عرف أنه لم يعد كما كان. فإذا أرقه الليل أخرج الريشة ووضعها عند وسادته، ونظر إلى نورها الأزرق الخافت. تذكر علو تسعين ألف لي، ورفرفة جناحي بنغ في الهواء، وبحر السحاب، والرعد، والعظام السبعة والثلاثين، وبحيرة السماء. وعرف أنها لم تكن حلماً، لأن الريشة حقيقية.

كان نورها حقيقياً، وندوبه حقيقية. وعرف كذلك أنه لا يستطيع العودة؛ لا لأنه لا يستطيع الرجوع إلى بحر الشمال، بل لأنه لا يستطيع الرجوع إلى نفسه الأولى. من رأى سماءً بهذا الاتساع لا يعود إلى أعماق بحر ضيق. لكنه لم يقل ذلك لأحد. كان يخرج كل يوم إلى البحر، يلتقط اللؤلؤ ويبيعه ويدخر المال. أراد أن يبني للجدة بيتاً جديداً، وأن يأخذها إلى موضع دافئ في الجنوب، إلى قرية صيادي الجنوب، إلى الشاطئ الذي أفاق عليه؛ فلا جليد هناك ولا بحر رمادي، بل شمس ونخيل وعالم آخر.

ومضى شهر آخر فشُفي سعال الجدة؛ لعل الدواء نفع، ولعل فرحها بعودته نفع. صارت تنهض من سريرها، وتذهب إلى الشاطئ، وتجلس على صخرة تشاهد الغروب. كان تشو آر يجلس معها ممسكاً يدها، وينظران معاً إلى سطح البحر الرمادي.

صبغت الشمس الغاربة الجليد بلون البرتقال. وفجأة قالت الجدة: «أريد أن أسمعها منك مرة أخرى». سأل: «أي شيء؟» قالت: «بنغ. حدّثني عن ذلك الطائر العظيم، عن تسعين ألف لي». أومأ تشو آر وبدأ من هوة بحر الشمال، من اللحظة التي وطئت فيها قدماه الحراشف، ومن تحول كُون إلى بنغ، ومن العالم بين الريش.

أغمضت الجدة عينيها وهي تسمع، وابتسامة على فمها. وحين بلغ بحيرة السماء في بحر الجنوب صار نَفَسها خفيفاً جداً، حتى كاد ينعدم. توقف تشو آر وأمسك يدها. فتحت عينيها؛ كان بصرها قد تشتت، لكنها ظلت تبتسم. قالت: «أرى بنغ... ما أعظمه... ما أجمله». ثم أغمضت عينيها، وبردت يدها.

لم يبك تشو آر. حمل جدته إلى البيت ووضعها على السرير وغطاها بأنظف لحاف، ثم جلس عند الباب حتى الفجر. ومع الفجر ذهب إلى القرية وطلب من الناس أن يعينوه في الجنازة. دفنها على السفح خلف القرية، ووجهها إلى الجنوب، إلى ناحية بحر الجنوب. ونقش على شاهدها اسمها، وسمكةً تتحول إلى طائر. لم يفهم أحد الرسم.

لكنه عرف أن الجدة ستفهم. يوم الدفن ركع عند قبرها وغرس الريشة البيضاء في رأسه. أضاءت الريشة تحت الشمس بنورها الأزرق الخافت. هبّت الريح فارتعشت قليلاً، كأنها تخفق وكأنها ستطير، لكنها بقيت في مكانها؛ تحرس الجدة.

على ذلك السفح الصغير، البعيد جداً عن بحر الجنوب، نهض تشو آر ونفض التراب عن ركبتيه. كان ذاهباً إلى البحر، لا لالتقاط اللؤلؤ، بل لينظر إلى ذلك البحر الرمادي الذي نهضت منه ذات يوم سمكة وتحولت إلى طائر وطار جنوباً. كان حاضر الواقعة، كان الشاهد، والآن صار الراوي. وفي المستقبل سيكون فتى آخر، وتشـو آر آخر، يوقظه نَفَس كُون في ليلة ما، ويحمله إلى تسعين ألف لي، ليرى ذلك العالم: الطحلب والخنافس والطيور الصغيرة والنجوم الجديدة.

لكن لا أحد يعرف متى يكون ذلك. نزل السفح، واستقبله هواء البحر، يحمل برد بحر الشمال ورائحته المألوفة. أخذ نفساً عميقاً، ومضى نحو البحر، نحو قارب الصيد، نحو الغد.

*نهاية المجلد السماوي، الحكاية الثامنة والعشرون.*

# ملحق بعد الخاتمة: صدى الحلم

ظل ريح بحر الشمال كما هو: رمادياً بارداً، يحمل ملوحة نفاذة وحبيبات الجليد. وقف تشو آر عند البحر يتأمل قاربه القديم. ما زال في جانبه الشق الذي أحدثه الاصطدام قبل نصف عام؛ رقعه بغراء السمك ونشارة الخشب، فكان رقعاً خشناً لكنه متين. كانت جدته تقول في حياتها إن القارب مثل الإنسان: إذا جُرح ترك ندبة، والندبة تجعله أقدر على احتمال الموج. دفع القارب إلى الماء.

احتك قاعه بالجليد الرقيق وأصدر فرقعة دقيقة، كأن شيئاً بعيداً جداً يصحو. كانت قطع الجليد تطفو على السطح، قطعة بعد قطعة، بلون أخضر رمادي في ضوء الصباح. وفي البعيد كانت سفينة صيد قد رفعت مرساتها، ولوّح له الصياد عند مقدمتها وصاح بشيء؛ مزقت الريح صوته فلم يصل إلى أذن تشو آر إلا مقاطع مبهمة. لوّح له هو أيضاً، ثم مد مجدافيه وشق ذلك البحر الرمادي المغبر. كان وقع المجداف في الماء مكتوماً، والماء ثقيلاً، كأنه امتزج بملح كثير أو بسنين كثيرة. تحت السطح ظلمة مألوفة؛ كان يعرف ما فيها، ويعرف اتجاه كل تيار خفي وموضع كل صخرة. عاش في هذا البحر ثمانية عشر عاماً، حتى ليعرف طبعه مغمض العينين.

لكنه كان يعلم أيضاً أن في مكان أعمق أشياء لم يرها: كُون. كانت لا تزال هناك، في قاع تلك الهوة، في ظلام لا تبلغه الشمس. لم يكن يعلم وجودها بعينيه، بل بإحساس أعمق منهما، كأن عظمة جديدة نمت في داخله تعرفها: تعرف حرارتها، ونَفَسها، والرجفة الطويلة التي تكاد لا تسمع حين تنام.

أوقف المجداف وانحنى إلى الماء. انعكس وجهه عليه: هزيل، أسمر، والندبة عند صدغه بادية واضحة. لمسها؛ فشعر تحت الجلد بذلك التصلب البارز الذي يتركه الجرح بعد التئامه، علامة طبعتها عليه العاصفة. وتذكر الهياكل السبعة والثلاثين.

كان يتذكر كل واحد منها: هيئة جلوسه على المنصة الحجرية، وما يحمله في يده، واتجاه نظره نحو بحيرة السماء. بل كان يتذكر خاتماً من صدفة في عظم إصبع أحدها؛ أكل الزمن في الصدفة ثقوباً، لكن لونها المرجاني الباهت بقي ظاهراً. تذكر نفسه واقفاً على المنصة الحجرية، شاعراً لا بالخوف بل بهيبة لا اسم لها. أولئك الناس، منذ زمن بعيد جداً، حُملوا مثله على كُون إلى السماء، وعبروا بحر السحاب والعواصف الرعدية والعوالم التي لم يرها قط. رأوا بنغ، وبحيرة السماء، وكل ما في علو تسعين ألف لي. ثم بقوا هناك؛ تركوا عظامهم وعيونهم متجهة إلى الجنوب، إلى بحر الجنوب. وكان يمكن أن يبقى هو أيضاً.

كان ذلك الصوت قد سأله: «هل ترغب في البقاء؟» يتذكر العبارة، ويتذكر كيف ارتج الجدار الحجري كله عندما وصل الصوت، كأن حنجرة الأرض تبتلع ريقها. لم يسمعه بأذنيه؛ بل دوى في عقله وعظامه وموضع في أعماقه لم يكن يعرف أنه يملكه. رفض.

قال إنه يريد العودة لأن جدته ما زالت تنتظره. أما الآن فلم تعد الجدة موجودة. أعاد تشو آر المجداف إلى الماء ومضى. انغلق سطح البحر خلفه، واجتمعت قطع الجليد ثانية كأنها لم تفترق قط. مر ضوء الشمس من شق في السحب فألقى على الماء بقعاً مضيئة تتحرك، كأن شيئاً يسبح فوق السحاب.

رفع رأسه إلى السماء. كانت السماء رمادية، والسحب رمادية، وحتى الشمس رمادية. لكنه عرف أن فوق هذا الرماد، أعلى فأعلى، بعد السحب وبعد العواصف الرعدية وبعد الظلام الأبدي، سماء زرقاء. ليست زرقة بحر الشمال الرمادية، ولا الأزرق الغامض في قلب الجليد، بل زرقة لم يرها من قبل، مشرقة كأنها أحرقت بالنار، نقية كأنها ولدت تواً. لقد طار فيها، حين صار بنغاً.

تلك الذكريات بقيت، وإن غامت كأن بينها وبينه طبقة ماء. تذكر صوت الريح وهي تمر بين شقوق الريش، وهيئة بحر السحاب يضطرب تحته، والوميض الأبيض الذي يضيء نصف السماء حين تنفجر العاصفة في البعيد. تذكر الحرية: حرية لا قيد لها، حرية لا تعود معها للجاذبية معنى. أغمض عينيه واستنشق؛ ملأ هواء البحر رئتيه، بارداً مالحاً مألوفاً. فتح عينيه ومضى يجدف.

حين بلغ موضع التقاط اللؤلؤ كانت الشمس قد ارتفعت إلى منتصف السماء. تناثرت قوارب الصيادين على السطح، بعيدة وقريبة، كنوى سوداء طافية على حرير رمادي. كان بعضهم يغوص، وتظهر فقاعات متصلة، ثم يطفو أحدهم بعد حين قابضاً على محارة، يهز الماء عن رأسه ويصيح إلى من في قاربه. أوقف تشو آر قاربه في موضعه القديم، وخلع ثوبه فظهر جسده النحيل المشدود. مضى نصف عام والتأمت الجروح، لكنها تركت ندوباً متفاوتة العمق؛ أشدها على صدره، حيث اخترقته شظية من سفينة وكادت تثقب رئته، فاحتاج إلى علاج طويل. وعند خصره ندبة أخرى من الحبل، سلخته حتى اللحم، فصار الجلد الجديد وردياً فاتحاً يباين الجلد الذي اسمرته الرياح. ربط حبلاً بخصره وربط طرفه الآخر بمقدمة القارب، ثم أخذ نفساً عميقاً وانقلب إلى الماء.

كان الماء شديد البرودة، يضغط من كل جانب كأنه يريد سحقه. فتح عينيه فأوجعهما الملح، لكنه اعتاد سريعاً. عالم تحت الماء معتم؛ لا تصل إليه الشمس، ولا يظهر فوقه إلا ضوء غامض يحدد موضع السطح. غاص إلى أسفل. ازداد ضغط الماء وأخذت أذناه تؤلمانه؛ أمسك أنفه ونفخ فخف الألم. كان المشهد حوله مألوفاً: شعاب نبت عليها عشب بحري أخضر داكن يتمايل برفق مع التيار، وسرب من السمك الصغير يعبر بجانبه، حراشفه الفضية تلمع في الضوء الخافت.

فرش الرمل والحصى قاع البحر، وكانت المحار تختبئ بينها، نصف مدفونة لا يظهر منها إلا طرف الصدفة. سبح إلى قرب شعاب وراح يتحسس الرمل؛ لمس شيئاً صلباً، فاجتذبه بكل قوته وأخرج محارة في حجم الكف. وضعها في الشبكة عند خصره ومضى يبحث. كان الماء هادئاً، لا يسمع فيه إلا فقاعات نَفَسه تصعد: غُلْ غُلْ، ثم تختفي في الضوء فوقه. وفي ذلك السكون تذكر سكوناً آخر: سكون علو تسعين ألف لي، أعمق وأنقى، لا فقاعات فيه، بل ريح ونَفَس ونبض قلب فقط.

طفا ليستنشق الهواء، وكان قاربه إلى جواره، وشق جانبه ظاهر. أمسك بحافته وألقى المحار من الشبكة إلى القارب، ومسح الماء عن وجهه. صاح له صياد من قارب قريب: «تشو آر، كيف يومك؟» قال: «لا بأس». قال الرجل: «سمعنا أن جدتك رحلت».

قال: «رحلت». قال الصياد: «أحسن الله عزاءك». فرد تشو آر: «ذهبت في سلام». أومأ الرجل ولم يزد. فأهل بحر الشمال ألفوا الموت، وألفوا انقلاب القوارب ومن يجرفه البحر فلا يعود. الحداد رفاهية؛ اعتادوا أن يبتلعوا الحزن ويواصلوا العمل والحياة.

أخذ تشو آر نفساً آخر وغاص ثانية. هذه المرة نزل أعمق؛ صار الضوء أضعف والشعاب حوله أكثر غموضاً. لمس محارة، ثم أخرى، وبدأت الشبكة تثقل. وبينما كان يستعد للصعود لمست يده شيئاً مختلفاً. لم يكن حجراً.

لم يكن محارة ولا رملاً. كان سطحه أملس ذا نقوش دقيقة، كأنه قشرة شيء. تحسس تشو آر شكله شيئاً فشيئاً؛ كان كبيراً، أكبر من طشت، حافته مقوسة، وسطحه مليء ببروزات منقوشة كرموز قديمة. اجتذبه من الرمل بكل قوته.

ثار الرمل فغامت الرؤية أكثر. صعد وهو يعانق الشيء، وطفا يلتقط أنفاسه. رفعه عند جانب القارب وتأمله: صدفة ضخمة. كان سطحها بنياً غامقاً أكلته السنين، وعليه خطوط أدق من الشعر تدور طبقة فوق طبقة، كحلقات الشجر أو كتابة تسجل الزمن. لم ير قط صدفة بهذا الحجم أو بهذه النقوش؛ لم تكن تبدو طبيعية، بل كأن يد إنسان حفرتها، كأنها علامات.

رفع الصدفة إلى القارب بشق النفس، وقلبها. كان داخلها من عرق اللؤلؤ يلمع بلطف تحت الشمس، لكن ما أوقفه حقاً هو المنقوش على جدارها الداخلي. عرف تلك الصورة، رغم أنه لم يرها من قبل في صدفة، رغم أنها محفورة في شيء نام في البحر دهوراً. رآها في موضع آخر: على المنصة الحجرية بين الهياكل السبعة والثلاثين، وعلى جدار الهوة، وفي أحلامه. كانت شجرتين عظيمتين تتشابك تيجانهما وأغصانهما، وجذورهما مغروسة في فوضى أولى. وحولهما سحب وطيور ورموز صغيرة لا تحصى: عيون النجوم، وغبار أجنحة الفراشات، ورقص الذرات. وفوق الشجرتين طائر هائل يطير، جناحاه يغطيان نصف السماء، وكل ريشة فيه منحوتة واضحة، كأن من حفرها رأى ذلك الطائر بعينيه.

بدأت يدا تشو آر ترتجفان، لا من البرد، بل من شيء أعمق يصعد من عظامه. قرفص في قاربه وحدق في الصدفة وفي الصورة، وتسارع نَفَسه. عرف ما هي؛ لقد ذهب إلى هذا المكان في حلمه، ورآه في عين بنغ، وقرأه على جدار الهوة. إنها بحيرة السماء.

هاتان الشجرتان هما بحيرة السماء. وعلى حافة الجدار الداخلي دائرة أخرى من الرموز؛ بعضها يشبه الكتابة وبعضها الرسوم، وبعضها سمك وبعضها طير، وبعضها كائنات نصفها سمك ونصفها طير في طور التحول، وبعضها أمواج ورياح ومسارات نجوم. لم يفهمها، لكنه عرف واحداً منها.

كان رمز سمكة، هو نفسه الذي رآه على جدار الهوة، وهو نفسه السمكة التي نحتها على شاهد قبر جدته وهي تتحول إلى طائر. وضع راحته عليه؛ كانت الصدفة باردة، لكنه شعر تحت كفه بشيء ينبض، ضعيفاً بطيئاً، كنبض حياة أخرى.

تذكر فجأة الصوت الذي سأله عند المنصة الحجرية: «هل ترغب في البقاء؟» رفض، لأنه أراد العودة وكانت جدته تنتظره. أما الآن فلم تعد موجودة. كان جالساً في القارب، يعانق صدفة مجهولة العصر، محفوراً داخلها أوسع سماء رآها في حياته. في تلك السماء شجرتان، وعلى أغصانهما طيور كثيرة، وكل طير يرفع رأسه نحو الطائر العظيم فوق الشجرة، يراه يفرد جناحيه ويغطي السماء.

تذكر بنغ وهو يصعد من الهوة. في تلك اللحظة غلى البحر، وتصاعد البخار، وتشقق سطح البحر المتجمد الممتد آلاف الأميال كأن العالم كله ينفتح. قفزت كُون من الشق، وحجب جسدها الهائل نصف السماء، وحراشفها تومض بالنور الأزرق الخافت، كسماء بحر الشمال وكألوان الهوة. توقفت في الهواء لحظة ثم بدأت تتغير. لم يكن لينسى ذلك التحول أبداً.

لم يكن عنيفاً ولا مؤلماً، بل طبيعياً ولازماً، كتفتح زهرة، وكشروق شمس، وكصعود المد وهبوطه. تحولت السمكة إلى طائر، وانبسطت الأجنحة تحت الحراشف، وكانت كل ريشة تضيء بنور أزرق خافت ينير سطح البحر المتجمد منذ الأزل. خفق بنغ بجناحيه فطار، أعلى فأعلى وأبعد فأبعد، حتى اختفى فوق السحب.

وحُمل تشو آر معه، عبر بحر السحاب والعواصف الرعدية والظلام الأبدي، فرأى عالم تسعين ألف لي. لقد رآه، رأى بنغ. وها هو الآن يجلس على بحر الشمال الرمادي حاملاً صدفة منقوشاً عليها بنغ، فيحس أن كل ما جرى في ذلك الصباح يعود: صوت الريح والموج والرعد والنَفَس، وذلك الصوت الذي سأله إن كان يريد البقاء.

قلب الصدفة. كان على ظهرها نقش آخر، سطر من الكلمات العتيقة أكل ماء البحر بعضه لكنه ما زال مقروءاً. لم تكن الكلمات منحوتة بسكين، بل كأن شيئاً حاداً نقرها نقطة بعد نقطة؛ وكل ضربة أخدود عميق استقرت فيه حبات رمل صغيرة تتلألأ في الشمس.

قرأها حرفاً حرفاً: «نمت في الهوة زمناً طويلاً جداً. حلمت أنني صرت سمكة. حلمت أنني صرت طائراً. لا أدري أيهما الحلم». قرأها ثلاث مرات، وكل قراءة جعلت ظهره يقشعر.

كان ذلك هذيان كُون، ذلك الهمس الذي سمعه في جوفها؛ هذيان بين اليقظة والحلم، كأنين تيار عميق في البحر. بعد أن ابتلعته كُون، مكث في بطنها زمناً لا يدريه، لا نور هناك ولا صوت، إلا ذلك الهذيان المتواصل في عظامه: «نمت في الهوة زمناً طويلاً جداً، وحلمت أنني صرت سمكة. حلمت أنني صرت طائراً. لا أدري أيهما الحلم».

وضع الصدفة برفق في مقصورة القارب، إلى جانب المحار الذي جمعه. كانت تلك المحارات صغيرة عادية، أصدافها مليئة بنتوءات خشنة. إلى جوار الصدفة العتيقة بدت كأنها من عالم آخر، لكن تشو آر عرف أنها من عالم واحد؛ إنما اختلف العصر.

في عصر سحيق رأى أناس بنغ، وحملوا إلى تسعين ألف لي؛ وجلس بعضهم حتى تحجر فوق المنصة، وحفر بعضهم ما رأى على صدفة، ثم تركها تغوص إلى قاع البحر وتنوم ألف سنة حتى التقطها هو اليوم. والهياكل السبعة والثلاثون لم تكن وحوشاً ولا شواذ؛ كانت شهوداً مثله. اختاروا البقاء، واختار هو العودة. رفع تشو آر عينيه إلى السماء؛ ما زالت رمادية والسحب كثيفة، لكن شعاع شمس تسلل من فجوة وسقط على البحر البعيد كعمود ذهبي يصل السماء بالماء.

تذكر يوم ماتت جدته. قالت إنها ترى بنغاً: «ما أعظمه، ما أجمله»، ثم أغمضت عينيها. مضت هي أيضاً؛ ولعل المكان الذي ذهبت إليه هو بحر الجنوب، أو بحيرة السماء، أو الموضع الذي وجّهت الهياكل عيونها إليه. أخذ تشو آر نفساً عميقاً.

فك حبل مقدمة قاربه. كان ما جمعه اليوم من اللؤلؤ كافياً، وعليه أن يعود، فيفتح المحار ويأخذ اللآلئ، ويبيعها في السوق غداً. سيدخر المال، وحين يكفي سيأخذ جدته إلى الجنوب. ورغم أنها لم تعد موجودة، فسيفعل ذلك؛ سيحمل رمادها إلى قرية صيادي الجنوب، إلى ذلك الشاطئ المشمس ذي النخيل، لترى هناك بحراً آخر.

وأثناء التجديف التفت إلى البحر: رمادي بارد ثابت لا يتغير. لكنه عرف أنه في عمق عميق جداً، في هوة لا يصل إليها ضوء الشمس، سمكة هائلة نائمة. لا يعلم أحد منذ كم سنة تنام ولا كم سنة ستواصل نومها. ربما تستيقظ غداً، وربما بعد ألف عام.

وعندما تستيقظ ستصعد إلى السماء، وتصير طائراً، وتطير جنوباً. وربما يحمل معها فتى آخر إلى تسعين ألف لي، فيرى بحر السحاب والعواصف والمنصة الحجرية فوقها ثمانية وثلاثون هيكلاً؛ هيكل جديد مضاف إلى السابقين. لكن ذلك لن يكون اليوم.

ولا غداً. فشتاء بحر الشمال لا يزال طويلاً، ونوم كُون لا يزال طويلاً. أدار وجهه ومضى يجدف إلى الشاطئ، يشق الجليد الرقيق. قربت قرية الصيادين؛ تصاعد دخان الطهو من الأسقف رمادياً أبيض يذوب في السماء. كان بعضهم يرقع الشباك، وبعضهم ينشر السمك المجفف، وبعضهم يصلح القوارب. كانت الأيام هي الأيام نفسها، وستظل الأيام هي الأيام نفسها.

لكن تشو آر عرف أن شيئاً قد تغير. بلغ الشاطئ وسحب القارب إلى الطين، وحمل المحار والصدفة العتيقة إلى البيت. كان في الموقد جمر باقٍ، فأضاف إليه حطباً فعاد يشتعل، وأضاء الجدران الأربع. وضع الصدفة على الطاولة وتأملها في ضوء النار مرة بعد مرة: خطوطها ورموزها والطائر الذي يفرد جناحيه.

وفجأة فهم أن الصدفة لم تقع في شبكته مصادفة. لقد رقدت في القاع آلاف السنين، تنتظر أن يأتي يوم يلتقطها فيه إنسان رأى بنغاً، فيعرف الصورة المنقوشة عليها ويفهم الكلمات. وكان ذلك الإنسان هو هو.

لا غيره؛ فمنذ مئات السنين لم ير أهل قرية بحر الشمال إلا كُون، وهو وحده الذي حمل إلى العلو، وهو وحده الذي رأى بنغاً. قلب الصدفة وقرأ كلماتها ثانية: «لا أدري أيهما الحلم». ووضع يده عليها.

نفذ البرد إلى راحته، برد عميق جداً كأنه يصعد من هوة عمرها ألف عام. همس: «ليس أي منهما حلماً. كلاهما حقيقي. كلاهما حقيقي». استمرت النار في الاشتعال، ورقص ضوؤها على وجهه، وألقى ظله طويلاً جداً على الجدار. وخارج النافذة ظل ريح البحر يهب، وظل الموج يضرب؛ وكان ليل بحر الشمال كما كان دائماً: أسود بارداً طويلاً.

لكن عند وسادته ريشة زرقاء خافتة النور، كسماء بحر الشمال وكألوان الهوة وكباب إلى عالم آخر. استلقى على السرير وأخذها في يده، يتأمل ضوءها. كان ضعيفاً، لا يضيء الغرفة، لكنه يضيء عينيه. وفي تلك الزرقة رأى صوراً كثيرة: الهوة، وحراشف كُون، وبحر السحاب يهدر تحت قدميه، والعواصف تنفجر في البعيد، والهياكل الجالسة صامتة فوق المنصة الحجرية، والشجرتين العملاقتين عند بحيرة السماء.

بقيت الشجرتان في ذهنه: عظيمتين متشابكتين، تيجانهما تحجبان السماء، وعلى أغصانهما طيور لا تحصى، كل منها يغني أغنية مختلفة. وتذكر قول ذلك الصوت: «في كل ذرة غبار عالم، وفي كل عالم أناس يرفعون أبصارهم».

لم يفهم يومئذ، أما الآن فبدأ يفهم. أغمض تشو آر عينيه، وظل الضوء الأزرق يلمع من خلال جفنيه كإشارة تأتي من عالم آخر. وأدرك أخيراً أن النجم المعلق فوقه لم يكن شيئاً آخر؛ كان عالماً آخر، عالم الفراشات والندى.

وما زال ذلك النجم هناك، على ارتفاع تسعين ألف لي، فوق بحر السحاب، وفوق المنصة الحجرية مباشرة، يلمع مع نواة النجم التي دفنها هو. أخذ نفساً عميقاً، واستدار على جنبه، وألصق الريشة البيضاء بصدره وأغمض عينيه. أخذت الريح خارج النافذة تبتعد، وكذلك الموج، وغاص العالم في الظلام. لكنه عرف أن هذا ليس نهاية؛ فغداً ستطلع الشمس، وسيخرج إلى البحر، ويلتقط اللؤلؤ، ويدخر المال ليبني بيتاً جديداً. الحياة تمضي، وستظل تمضي.

غير أن أحلامه ستزداد أشياء لا يملكها سواه: ظل العملاق في الهوة، والطائر فوق بحر السحاب، والعظام فوق المنصة، والشجر العظيم عند بحيرة السماء، والنجم المعلق فوقه؛ عالم في ذرة غبار، والناس الذين يعيشون في ذلك العالم.

نام نوماً عميقاً، وانتظم نَفَسه، وعلى فمه ابتسامة خفيفة، كأنه يطير، يعبر تسعين ألف لي إلى الجنوب، إلى ذلك الشاطئ الذي فيه الشمس وبساتين النخيل، إلى بحيرة السماء، إلى حلم آخر.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.