كان صيف ممرّ تشِن تانغ خانقاً دائماً. أحجار الطريق تسخن تحت الشمس حتى إن من يطؤها حافي القدمين يقفز في الحال. نقل بائع هلام الفاصولياء العجوز عربته إلى ظلّ السور، وتمدد كلب عند فتحة الباب ولسانه خارج، والذباب يدور حول أذنيه وهو لا يطرده. كان القيظ شديداً جداً.
وقف لي جينغ تحت الرواق يحدّق في شجرة السوفورا العتيقة في الفناء؛ لم تكن ورقة واحدة تتحرك. خرجت خادمة من الحجرة الداخلية، شاحبة الوجه: «سيدي، السيدة... عاد الألم إليها». لم يقل شيئاً ودخل. كانت السيدة يِن ممدّدة على السرير، وبطنها كبيراً كقدر.
حملت السيدة يِن ثلاث سنوات، وكان ينبغي أن تلد قبل ستة أشهر. في السنة الأولى خاطت ثياباً صغيرة من قماش أزرق مزهر بالأبيض، بغرز دقيقة؛ وفي الثانية انتهت منها فطوتها في الخزانة؛ وفي الثالثة أخرجتها ثم أعادتها. حتى بياض الطيات تآكل.
جاءت ثلاث قابلات وقلن إنهن لم يرَيْنَ مثل هذا. أمسكت يِن بيده وأصابعها باردة: «أظنني لن أنجو». قال لي جينغ: «هراء، لن تموتي». ثلاث سنوات وستة أشهر؛ وكان أهل تشِن تانغ كلهم يعرفون الأمر.
قال بعضهم إن في بطن زوجة لي وحشاً، وقال آخرون إن خطايا لي جينغ في القتل ثقيلة، وقال غيرهم إن قائد الحامية أغضب ملك التنين. واخترع الحكواتي في المقهى حكاية سماها «سخط التنين»: لا يحمل المرء وحسب، بل يمنعه ملك التنين من الولادة. ضرب بمطرقته وقال: «لمن أراد معرفة الصدق، فليترقب الفصل». فانتظر الناس، وتأخر الفصل.
كان لي جينغ لا يصدقهم، لكنه ضاق ذرعاً. يستيقظ ليلاً على تقلب يِن وصوت ألواح السرير، فيبقى ناظراً إلى عارضة السقف حيث شبكة عنكبوت قديمة متهدلة تهتز في الظلام، فلا يفكر في شيء ولا يستطيع النوم.
ارتجفت يد القابلة: «سيدي... خرج...». رأى لي جينغ شيئاً مستديراً بحجم قبضة، يتصاعد منه بخار ويتحرك على الملاءة. وما إن قطعت القابلة كلامها حتى انتفخ وصار كرة لحم بحجم بطيخة. أغمي على يِن، فاستل لي جينغ سيفه وشطرها.
تدحرج طفل منها، مغطى بالدم. تقلب على الملاءة ثم وقف. جلست القابلة على الأرض منهارة: «وحش!». نظر إليها وقال بصوت صاف: «لست وحشاً، إنما تأخرت قليلاً في الخروج».
رنّ سيف لي جينغ على الأرض. سمّى ابنه نِجا. حملته يِن وسألته: «كيف يتكلم منذ ولد؟». لم يجب؛ كان يرضع بسرعة كأنه جاع ثلاث سنوات وستة أشهر. قال لي جينغ: «لعله تعلم في البطن». قالت يِن: «لعل ذلك صحيح». ثم نام الطفل، أنفاسه منتظمة كأي طفل، قبضته مضمومة وفي طرف فمه أثر حليب؛ مسحته أمه فقبض أصابعه أكثر، كأنه يمسك كنزاً، ولم يكن في يده شيء.
انتشرت الحكايات: قالوا إن طفل قائد الحامية مسخ، وإن كرة اللحم أضاءت البيت بالأحمر، وإنهم سمعوا زئير تنين أو شمّوا رائحة دم. وفي النهاية صار لنِجا ثلاث أو أربع هيئات مختلفة. بدّل الحكواتي روايته وصار يقول إن «لؤلؤة روحية نزلت إلى العالم»، ثم يضرب مطرقته: «ذلك الطفل ليس مولوداً عادياً». وحين يسأله الناس ما هو، يرفع غطاء فنجانه ويقول: «أسرار السماء لا تُفشى».
لم يلتفت لي جينغ إلى هذا. كان يدرب الجنود، ويقضي شؤون الحامية، ثم يعود إلى الطعام والنوم. أما نِجا فنما سريعاً: جرى في ثلاثة أشهر، وقفز في خمسة، وتسلق الجدران والسطوح في سبعة. كان يحب الخروج ومقاتلة أطفال الشارع، ويفوز دائماً. قالت يِن متنهّدة: «ألا يستطيع أن يهدأ؟». قال لي جينغ: «الأولاد هكذا»، لكنه عرف أن نِجا ليس كغيره؛ الأطفال يبكون إذا سقطوا ويخافون الظلام، أما هو فلا.
ذات ليلة رأى لي جينغ نِجا في الفناء تحت القمر يرسم بغصن على التراب. وما إن اقترب حتى محا الصبي الرسم بقدمه. «ماذا ترسم؟» — «لا شيء». لم يسأله أبوه ثانية، لكنه لمح خطاً كالموج.
وفي ليلة أخرى دخل نِجا على أبيه في مكتبته: «أبي، ماذا وراء البحر الشرقي؟» — «البحر». «ووراءه؟» — «بحر أيضاً». «ووراء ما وراءه؟» ففكر لي جينغ وقال: «لعلها أرض». أومأ نِجا وخرج. نظر الأب إلى ظهره وفجأة أحس أن الصبي واقف على الأرض، لكن ما تحت قدميه فراغ.
# ثانياً: التتلمذ وتعلم الفنون
جاء تايي، الإنسان الحقيقي، يوم أتمّ نِجا شهره الأول. طرق باب آل لي وقال لحارس البوابة: «جئت لأتخذ تلميذاً». تفحّصه الحارس: رداء طاوي قديم، أكمام بالية، وحذاء عليه طين الطريق. أدخله لي جينغ.
شرب تايي الشاي وقال: «لابنك صلة قدر بي، وأريد أن أتخذه تلميذاً». لم ير فيه لي جينغ هيئة خبير عظيم، فسأله: «من أين أتيت أيها الطاوي؟» — «من جبل تشيانيُوان». «وكم استغرقت الطريق؟» — «ثلاثة أشهر». صمت لي جينغ، ثم قال: «لقد تعبت». أجابه تايي ببطء، كأنه يتأمل كل كلمة: «لا، اعتدت الأمر».
خرجت يِن تحمل نِجا. نظر إليه تايي وقال: «إنه حقاً طفل طيب». قالت: «لكنه ليس مثل سائر الأطفال». قال تايي: «كلهم سواء، كلهم بشر». وأخرج من كمه حلقة ذهبية ووشاحاً حريرياً أحمر: «هذه حلقة الكون، وهذا وشاح خلط السماء؛ أعطيهما له ليدفع بهما عن نفسه». كانت الحلقة ثقيلة والوشاح خفيفاً. وأقام تايي في البيت.
كان يعلم نِجا كل يوم: أحياناً الضربات والحركات، وأحياناً تعاويذ مختصرة، وأحياناً يجلسان ليتكلما. تعلم نِجا بسرعة مفرطة؛ يرى المعلم مجموعة من الحركات مرة، فيؤديها في الثانية كما هي. لم يقل تايي أحسنت أو أسأت، بل كان يومئ برأسه فقط.
قال نِجا: «يا معلم، ألست أتعلم سريعاً أكثر مما ينبغي؟». فكر تايي وقال: «السريع والبطيء، في الحقيقة، شيء واحد». لم يفهمه الصبي. أشار تايي إلى شجرة السوفورا: «الشجرة التي تنمو سريعاً تصير جوفاء، فإذا هبّت الريح انكسرت». قال نِجا: «إذن ينبغي أن أبطئ؟» — «ليس بالضرورة؛ بعض الأشياء لا علاقة لها بالسرعة والبطء». لم يفهم أكثر، لكنه أحب كلام معلمه وحسب أنه صواب.
وسأله: «لماذا يسلك المرء الطريق؟» فكر تايي: «لعل ذلك لأن لا شيء نفعله». قال نِجا: «أليس السلوك يصير بنا إلى الخلود؟». قال تايي: «نصير خالدين، ثم ماذا؟». لم يجد نِجا جواباً. قال تايي: «يبقى أيضاً ألا شيء نفعله». نفض الغبار عن ردائه وقال: «لذلك خير من ذلك أن نسلك الطريق ذاته». قال نِجا: «لعل هذا صحيح»، وإن لم يفهمه كله.
مرّت سبع سنوات، فصار نِجا في السابعة. ظل يحب الشارع لكنه توقف عن الشجار؛ تارة يراقب النمل عند سور المدينة، وتارة السفن في الرصيف، وتارة يجلس بلا عمل تحت السوفورا حيث يسمع حشرات لا يسمعها غيره. كانت حلقة الكون في معصمه ووشاح خلط السماء في خصره. قال تايي: «بهذين تقي نفسك الماء والنار». «أتحرق النار جسمي؟» — «لا». «ويغرقني الماء؟» — «لا». سرّ نِجا. قال تايي: «لكن لا تستعملهما لإثارة المتاعب». أجاب: «نعم». ونظر إليه تايي كما لو كان يوقن أنه لن يسمع.
كانت يِن تنشر الغسيل، ونِجا جالس على العتبة. قال: «أمي، لماذا يبدو أبي غير سعيد دائماً؟». قالت وهي تنفض رداء: «ليس غير سعيد». «لكنه يبدو كذلك». «إنه فقط... لا يعرف ماذا يفعل». «وماذا؟» فكرت وقالت: «لعل الأمر هو كيف يعيش المرء». لم يفهم نِجا: «أليس العيش سهلاً؟». قالت: «سهل عليك، أما للكبار فالأمر مختلف». لم تجب عن سؤاله التالي، بل علّقت الرداء، واخترقت الشمس القماش المبلل وتركت بركاً من الضوء والماء على الأرض.
وفي مساء ذلك اليوم قال تايي إنه راحل: «علمتك ما ينبغي، وما بقي فدبّره أنت». «إلى أين يا معلم؟» — «إلى الجبل». «أتعود؟». نظر إليه تايي وقال: «لعلني لا أعود». صمت نِجا ثم قال: «هل أستطيع أن أبحث عنك؟» — «تستطيع، لكن الطريق بعيد». «أنا لا أخاف البعد». أومأ تايي ومضى، ثم توقف بعد خطوات وأخرج من كمه تعويذة من ورق أصفر وحبر قرمزي: «أحرقها حين تحتاج إليها». كانت رقيقة تنفذ منها الشمس. سأله نِجا: «ومتى أحتاجها؟». فكر تايي: «لعل ذلك يكون حين لا يكون لها أقل نفع».
لم يفهم نِجا هذا أيضاً. طوى التعويذة ووضعها في صدره. كانت الشمس تنحدر، وظله يمتد طويلاً، وظل واقفاً عند الباب يتابع الرداء القديم حتى صغر واختفى عند زاوية الشارع.
# ثالثاً: إثارة البحر وقتل التنين
كان نِجا في السابعة، وكان النهار حاراً على نحو غريب؛ انكمشت أوراق السوفورا وصاحت الزيزات حتى بحّ صوتها. كانت يِن تروح بمروحتها تحت الرواق، لكن الريح نفسها حارة. قال: «أمي، أنا حار». قالت: «اذهب فاغتسل عند البئر». قال: «حتى ماء البئر حار». تنهدت: «إذن اصبر». صبر قليلاً ثم خرج: «سأذهب إلى شاطئ البحر الشرقي، هناك أبرد». حاولت أن تناديه، لكنه كان قد ابتعد.
كان البحر الشرقي إلى شرق ممر تشِن تانغ، مسيرة ساعة، لكن نِجا وصل في نصف ساعة. مرّ بين حقول الذرة التي علت قامة الإنسان، وأوراقها تمس كتفيه بحفيف، فرآه فلاحون يزيلون العشب؛ لم يروا إلا ومضة ثوب أحمر. كان البحر يلمع تحت الشمس، لا ريح، والموج يزحف كسولاً إلى الرمل.
خلع نِجا ثيابه ونزل الماء البارد. حلّ وشاح خلط السماء من خصره، فانفتح الحرير الأحمر في الماء كأفعى حمراء، وأخذ بطرفه وهزّه. اتسعت دوائر حمراء، دائرة بعد دائرة، في كل الجهات.
في قصر التنين في الأعماق كان ملك التنين الشرقي آو غوانغ يقيل. رأى في حلمه مائدة عليها سرطان بحر وكركند، وطفلاً بثوب أحمر يجلس قبالته. وقبل أن يسأله من يكون، اهتزت المائدة وتناثرت الأواني وفرّت السرطانات والكركند، والطفل يضحك. استيقظ الملك والسرير والأعمدة تهتز، والغبار يتساقط من سقف القصر. «ما الأمر؟»
أسرع مستشار السلحفاة: «يا مولاي، على سطح البحر اضطراب». «أي اضطراب؟» — «كأن أحداً يخضّ الماء». رأى الملك الماء عكراً وفيه تيار أحمر داكن: «من يجرؤ على العبث ببحري الشرقي؟». واستدعى ياكشا دورية البحر، ذا الوجه الأزرق والأنياب، طوله قامتان وفي يده رمح فولاذي: «اذهب وأتِ بذلك الشخص».
صعد الياكشا إلى السطح، ونِجا ما زال يلعب. انتفخ الماء في البعيد ثم تفجر، وخرج منه ذلك الكائن المخيف. صاح صوته كجرس مكسور: «أيها الصغير، ماذا تفعل؟». توقف نِجا: «أغتسل». «أتغتسل فتزعزع قصر التنين؟». «أين قصر التنين؟». أشار إلى الأسفل: «على عمق ثمانمئة جانغ». فكر نِجا: «ذلك بعيد». سأله: «ما الذي تستعمله؟». رفع نِجا الوشاح: «هذا». «تلوّح بوشاح أحمر في الماء فيهتز إلى ذلك البعد؟» — «لعل ذلك».
قال الياكشا: «تعال معي، مولاي يريد رؤيتك». قال نِجا: «لن أذهب؛ لا أعرف ملككم». مدّ الياكشا يده ليقبض عليه، فتفاداه نِجا. استدار الياكشا وطعنه برمحه، فرفع نِجا يده اليمنى؛ طارت حلقة الكون من معصمه وبرق منها ضوء ذهبي. طار الرمح وسقط في البحر، ثم عادت الحلقة فثبتت قرب يد نِجا. «ما هذه؟» — «حلقة الكون، أعطاني إياها معلمي». تراجع الياكشا خطوة؛ طريقة الصبي الهادئة لم تكن طريقة طفل.
قال: «أتأتي أم لا؟». قال نِجا: «لا. سأعود». وتوجه إلى الشاطئ. انقض الياكشا هذه المرة بلا رحمة؛ فقد الرمح لكن له مخالب حادة، ومدها إلى عنق الصبي. لم يلتفت نِجا. نهضت الحلقة بنفسها، أضاءت، ثم دوى صوت مكتوم وصوت عظم يتشقق. سقط الياكشا في الماء الأحمر وعيناه مفتوحتان نحو السماء. استدار نِجا إليه: «لم أرد قتالَك، لكنك أصررت على البدء».
برد هواء البحر فجأة. جلس آو غوانغ في قاعة قصره الصامتة، لا يُسمع إلا فقاعات على أعمدة المرجان. قال: «ألم يعد الياكشا؟». هز مستشار السلحفاة رأسه: «مرّت ساعة». نهض الملك ثم جلس. «وأين آو بينغ؟» — «الأمير الثالث في القاعة الخلفية». «نادوه».
جاء آو بينغ، الابن الثالث، وقد عاش ثلاثمئة سنة في قصر التنين، جلّ ما يفعله الأكل والنوم ومشاهدة جنود الروبيان وسرطانات البحر يتدربون. كان يظن أحياناً أنه ينبغي أن يفعل شيئاً، ولا يعرف ما هو. قال له أبوه: «الـياكشا أصابه أمر، قتله طفل». ذهل: «طفل؟». «من اليابسة، بثوب أحمر». بدا له الأمر عبثاً؛ وأعظم عاصفة رآها من قبل حوت صدم غابة مرجان فكسرت منه أغصاناً وأصلحت ثلاثة أشهر.
كرر الملك: «اذهب وانظر». في صوته شيء من العجلة، أو من الفزع الذي لا يريد الاعتراف به. أطاع آو بينغ ولم يأخذ جنداً، إذ لم ير حاجة لذلك. سبح من القاع إلى السطح في زمن فنجان شاي.
كان نِجا قد ارتدى ثيابه وربط الوشاح ووضع الحلقة في معصمه الأيسر، حين سمع صوت ماء غير عادي. شق سطح البحر أخدود وقفز تنين أبيض طويل، حراشفه فضية تلمع، وقرونه كالمرجان. خفض آو بينغ رأسه فرأى طفلاً لا يبلغ ركبته: ثوب أحمر، حرير أحمر، وحلقة ذهبية.
قال: «أأنت قتلت الياكشا؟». «نعم». «لماذا؟» — «هو بدأ». «أتعرف من هو؟» — «لا». «ياكشا دورية البحر الشرقي». قال نِجا: «آه، وماذا في ذلك؟». لم يعرف آو بينغ ماذا يقول؛ فقد عاش ثلاثمئة عام ولم يتكلم مع أحد بهذا القدر. قال أخيراً: «ستأتي معي، أبي يريدك». «لن أذهب. أمي تنتظرني للعشاء». واستدار ليمضي.
حرّك آو بينغ ذيله، فهبّت ريح وارتفع الرمل. قفز نِجا وانطلق الوشاح الأحمر في الهواء، وانبسط والتف بذيل التنين. حاول آو بينغ أن يهزه فلم يستطع؛ وكلما ناضل اشتد الخناق وألمه. «ما هذا؟». لم يجبه نِجا؛ كانت الحلقة قد انطلقت، تدور وتصدم رأس التنين. انحرف رأس آو بينغ فجأة، ورخا جسده وسقط من العلو على الرمل، فغار الرمل ودخل الماء وشكل حفرة ضحلة.
اقترب نِجا، وعينا آو بينغ الفضيتان مفتوحتان تعكسان وجهه: ثوب أحمر وشعر أسود وظل صغير، كأنه مرآة، لكن المرآة لا تنزف، وهذه العينان لن تنزفا بعد. انحنى وأطبق جفنيه؛ كان جفن التنين سميكاً بارداً وقفز قليلاً ثم انفتح شقاً، فأغلقه ثانية. هذه المرة بقي مغلقاً. حمل الهواء رملاً ناعماً غطى الجسد، فتحولت الحراشف الفضية إلى رمادية. قال نِجا: «لم أرد قتالَك. وما كان ينبغي لك أن تبدأ».
تحرك فم آو بينغ بلا صوت، وارتعش جسده ثم هدأ. مد نِجا يده إلى الجسد، وشق بطنه بحلقة الكون وأخرج وتر التنين، أبيض فضياً، إذ أراد أن يصنعه حزاماً لأبيه. لم يعرف أن البحر في تلك اللحظة صار أعمق وأهدأ مما ينبغي، كأنه يحبس أنفاسه.
# رابعاً: ردّ العظم إلى الأب واللحم إلى الأم
عاد نِجا إلى البيت بحزام وتر التنين. سأله لي جينغ: «ما هذا؟». قال: «وتر تنين. قتلته عند البحر؛ سيصير حزاماً جيداً لك». تغير وجه الأب. أراد أن يغضب، لكنه لم يعرف بماذا يبدأ. في تلك الليلة هبّت ريح من البحر، فلم تكن رائحتها رائحة ماء ولا طين؛ كانت رائحة شيء كبير يتقدم ببطء.
ثم نزل المطر، برق ورعد، وتغير لون البحر. وجاء رجل بثوب أزرق إلى باب آل لي؛ كان المطر يضربه ولا يتجنب القطر. خرج لي جينغ فعرفه من النظرة الأولى: آو غوانغ، ملك التنين الشرقي، بلا قرون ولا رداء ملكي، كأي رجل في منتصف العمر بثوب قماشي وحذاء مبتل.
قال لي جينغ: «ادخل واجلس». قال الملك: «لا حاجة. جئت من أجل ثلاثة أمور». انتظر لي جينغ. قال: «أولها: من قتل ياكشا دورية البحر؟ والثاني: من قتل ابني آو بينغ؟ والثالث...» ومد يده الفارغة، «أين وتر التنين؟». اشتد المطر؛ لي جينغ تحت الرواق والملك عند الباب، وكلاهما يغمره الماء.
قال لي جينغ: «ابني هو الفاعل، نِجا». كان نِجا قد وقف عند الباب. سأله الملك: «أأنت قتلت آو بينغ؟» — «نعم». «والياكشا؟» — «نعم». «والوتر؟». أخرجه نِجا من صدره وقدمه لأبيه، فلم يأخذه؛ فمد الملك يده فسقط الوتر في كفه. ظل ينظر إليه طويلاً ثم قال: «آو بينغ ابني الثالث. كان سيبلغ ثلاثمئة هذا العام». لم يقل نِجا شيئاً. قال الملك: «لا يلزمك أن تقول شيئاً. أتعرف ما سأفعل؟». «ستغرق ممر تشِن تانغ». أومأ آو غوانغ: «بعد ثلاثة أيام»، ثم مضى في المطر حتى ابتلعه.
جلس لي جينغ تلك الليلة في مكتبه، أمامه إبريق خمر وكأسان، ونِجا قبالته. قال الصبي: «أبي، هل فعلت خطأ؟». لم يجب الأب؛ رفع الكأس ويده ترتجف من غير أن يدري. قال: «كان ينبغي أن أعلمك. طوال هذه السنوات لم أعلمك إلا القتال». قال نِجا: «أنا الذي فعلت، لا شأن لك». قال لي جينغ: «أنت ابني، وهذا هو الشأن».
نظر نِجا إلى وجهه المشوه في إبريق نحاس لامع، ثم أدار وجهه. «أبي، أيموت الناس كلهم؟» — «كلهم». «ومتى؟» — «لا أحد يدري». أومأ كأنه فهم وكأنه لم يفهم. «فلماذا يريد بعضهم أن يموت آخرون بدلاً منهم؟». لم يجد لي جينغ جواباً. أجاب نِجا بنفسه: «لعل من يموت بدلاً منهم يكون مديناً لهم». قال لي جينغ: «أنت لا تدين لأحد بشيء»، وكان لا يصدق ما يقول.
وقف نِجا: «سأخرج قليلاً». أراد الأب أن يناديه، فلم ينفتح فمه. دخلت يِن وعيناها حمراوان بلا بكاء. قالت: «إذا غُمر ممر تشِن تانغ بالماء... فكم إنساناً؟». هز لي جينغ رأسه. «كل الممر». «وكم هم؟» — «لا يُحصون». جلست وقالت: «فما العمل؟». قال: «لا عمل، إلا...» ولم يكمل.
نهض نِجا وقال: «أبي، أعرف ما العمل. أنزع العظم فأرده إلى أبي، وأقطع اللحم فأرده إلى أمي. هكذا لا أبقى مديناً لكما». وضعت يِن يدها على فمها، وقبض لي جينغ على كأسه. «من علمك هذا؟» — «لم يعلمني أحد. فكرت به وحدي».
خرج نِجا إلى الفناء في عمق الليل، خلع ثيابه وأمسك حلقة الكون. كان جسده في ضوء القمر مزرقاً. رفع الحلقة إلى جبهته ثم توقف، إذ تذكر شيئاً، فعاد إلى الغرفة. كانت أمه هناك. قال: «أمي، شكراً... على هذه السنوات». لم تستطع أن تقول شيئاً، وظلت تنظر إليه. خرج القمر من السحاب وألقى ضوءه على ظهره، فكان ظله قصيراً كظل طفل عادي. أغمض لي جينغ عينيه.
سمع قائد ممر تشِن تانغ صوت العظام تتحطم، وصوت اللحم يقع، وصوت يِن تبكي أخيراً. لم يفتح عينيه؛ خاف أن يفتحهما فلا يعود يرى شيئاً قط. وفي الغد عرف الناس ما حدث في بيت لي: نزع نِجا عظمه وقطع لحمه، ورد جسده إلى والديه. عادت حلقة الكون ووشاح خلط السماء، ولم يبق في الفناء إلا كومة دم ولحم يتسرب دمها إلى شقوق الآجر. لم يأت أحد ليجمعها. ظل لي جينغ ثلاثة أيام في مكتبه، وسقطت يِن على سريرها لا تأكل ولا تشرب. وفي اليوم الثالث تساقطت كل أوراق السوفورا العتيقة.
لم يعلُ ماء البحر الشرقي. وفي ظهيرة اليوم الثالث حضر ملك التنين بثوب التنين وتاجه، ووقف خارج الممر. سأل الجنود على السور: «أين نِجا؟». قالوا: «مات». تجمد لحظة: «كيف مات؟». قالوا: «نزع عظمه لأبيه وقطع لحمه لأمه». صمت الملك. تفرقت الغيوم، وتسربت خيوط شمس إلى السور وإلى البحر الرمادي الأزرق. استدار، وبعد خطوات التفت إلى بوابة الممر؛ كانت حروف اسمها الثلاثة قد بهتها هواء البحر، فلم يستطع قراءتها، أو لعله لم يشأ. عاد الماء إلى موضعه ولم يلتفت مرة أخرى.
في قصر التنين جلس أمام وتر آو بينغ، أبيض فضياً بطول ستة أقدام، ينظر إليه حتى آلمته عيناه. دخل مستشار السلحفاة فقال: «يا مولاي...» فأشار بيده: «اخرجوا جميعاً». خلت القاعة، وأسند الملك جبهته إلى عرش التنين البارد كالجليد. تذكر آو بينغ صغيراً يعود من الشاطئ مغطى بالرمل: «أبي، ما أمتع ما فوق البحر!». وكان الملك يقول: «لا تصعد، فاليابسة خطرة». «ولماذا؟» — «لأن عليها بشراً». «وما البشر؟» — «نقاط صغيرة تمشي على ساقين». «وما الخطر فيها؟». طال تفكيره ثم قال: «إنهم يموتون ويتألمون، ويغضبون لأن أعمارهم قصيرة. أعمارهم مستعجلة إلى حد أنهم قادرون على فعل أي شيء». لم يفهم آو بينغ يومها. والآن مات آو بينغ، ولم يبك الملك؛ بدت الدموع عاجزة عن الخروج، كأنها تجمدت كتلة صلبة في صدره.
# خامساً: ميلاد اللوتس من جديد
كان تايي عند باب كهفه حين هرع إليه غلام: «يا معلمي!» قال: «أعرف»، ونهض ونفض غبار ردائه: «إلى أسفل الجبل». نزل ببطء، بردائه القديم ذي الأكمام البالية وحذائه الملطخ بطين جبل تشيانيُوان. كان الخريف وقد غطت الأوراق الصفراء والحمراء الدرب. لقي حطاباً سأله: «إلى أين أيها الطاوي؟» — «ممر تشِن تانغ». «ذلك بعيد». «نعم». «وكم شهراً؟» — «ثلاثة». ضحك الحطاب: «لو مشيت أنا إليه لاحتجت، على الأرجح، ثلاثة أشهر أيضاً». قال تايي: «لعل ذلك صحيح»، ومضى.
ومشى ثلاثة أشهر أخرى. وصل في اليوم التاسع والتسعين بعد موت نِجا. كان باب بيت لي مغلقاً؛ طرقه فلم يجبه أحد، فدفعه ودخل. اسود الدم في الفناء، وشجرة السوفورا عارية. كانت يِن قد هزلت وجلست تحت الرواق بعينين فارغتين. نهضت وقالت بصوت خشن: «أيها الطاوي...». قال: «جئت لأسترده». «لكن...» — «العظم واللحم هنا، والروح ذهبت». «إلى أين؟» فكر: «لا أدري، لكن يمكن أن نستدعيها».
أخرج من كمه شيئَين، لا الحلقة ولا الوشاح: قرن لوتس وقطعة جذر لوتس أبيض مائل إلى الرمادي. وضعهما على الأرض وبدأ يتلو تعويذة بصوت خافت مبهم، وكأنه نسي كلماتها. طال التلاوة وتعثر فيها مراراً، فتجاوز مواضع النقص بعبارتي «لعل ذلك» و«هذا صحيح».
تحركت كتل اللحم المسود كما يتحرك سطح الماء إذا مر به الهواء. وتحرك جذر اللوتس، التوى في التراب ثم اعتدل على هيئة إنسان. انشق قرن اللوتس وتدحرجت سبع بذور تجمعت وصارت رأساً. نفخ تايي نفخة، فنبتت الأطراف من الجذر وظهرت للوجه سبع فتحات وحواس كاملة، لكن لونه أبيض كلون جذر اللوتس. وبعد زمن طويل فتح ذلك الشكل عينيه: عيني نِجا. نظر إلى معلمه وقال بصوت صاف: «يا معلم، أنا جائع».
ابتسم تايي ومد يده فرفعه: «لقد ازددت طولاً». نظر نِجا إلى جسده الأبيض وإلى معصميه الدقيقين كعقد الجذر: «لماذا أنا أبيض هكذا؟». «صُنعت من جذر اللوتس». «جذر اللوتس؟ ولماذا؟». توقف تايي: «لأن اللوتس نظيف». لم يفهم نِجا تماماً، لكن هذا بدا صحيحاً. حرك أصابعه فانثنت عقد الجذر؛ كانت تعمل. جاءت منه رائحة خضراء نيئة باردة إلى حلقه، وفجأة أراد أن يبكي، لكنه لم يستطع؛ لعل جسد اللوتس لا دموع له.
كانت يِن واقفة تحت الرواق، تضغط يدها إلى فمها حتى تركت أسنانها صفين من العلامات على ظهرها، لا تصرخ ولا تتحرك، ولا ترمش وهي تحدق في ذلك البياض. خرج لي جينغ ورأى نِجا: «حسن أن عدت...» ثم توقف، «وما زلت أبيض». غصت في حلقه كتلة صلبة، ثم قال أخيراً: «لعل الشمس لم تصبك بما يكفي». أدار وجهه ولم ير أحد احمرار عينيه.
أكل نِجا تلك الليلة ثلاثة أوعية من المعكرونة. تناثر المرق على ذراعيه كعقد اللوتس وترك دوائر زيت على البياض. كانت يِن تمسحه بمنديل ويدها ترتجف، فسقط المنديل مراراً. أمسك يدها وقال: «أمي، أنا الآن مصنوع من جذر اللوتس». قالت: «نعم». «لن أغرق ولن أتهشم». توقفت يدها؛ كان وجهه أبيض وعيناه من بذور اللوتس، لكنه بقي نِجا.
في الغد همّ تايي بالرحيل. ترك حلقة الكون ووشاح خلط السماء، وأخرج أيضاً عجلتين تقذفان لهباً ورمحاً رأسه أحمر محمى. أشار إلى العجلتين: «عجلتا الريح والنار»، وإلى الرمح: «رمح رأس النار. تمضي بهما سريعاً، ويكون القتال أيسر». أخذ نِجا الرمح فوجده حاراً، بدّل يده فظل حاراً. وكان تايي قد استدار ومضى، الرداء نفسه والأكمام نفسها، وظهره يصغر كما صغر قبل سبع سنين.
صعد نِجا على عجلتي الريح والنار، فحمله اللهب. رفع لي جينغ ويِن رأسيهما، دار نِجا في السماء ثلاث دورات وتركت العجلتان خطين كغيمتين حمراوين. هبط على سور الفناء، وجسده الأبيض ينعكس عليه الشفق: «أبي، أمي، سأذهب». «إلى أين؟» قال لي جينغ. فكر نِجا: «إلى البحر الشرقي». سكت الأب، وقبضت يِن على طرف ثوبها. قال: «لن أذهب للقتال، إنما لأرى فقط. المد جميل». قفز عن السور وطار، وتصاغر اللهبان في الصباح حتى ذابا صوب البحر.
ظل البحر الشرقي بحره: مد وجزر، يوماً بعد يوم. لم يذهب نِجا إلى قصر التنين؛ وقف عند الشاطئ، العجلتان تحت قدميه، ورمح رأس النار في يده، والوشاح في خصره والحلقة في معصمه. كانت الأمواج البيضاء تقبّل عجلاته. وقف طويلاً لا يدري ماذا يفعل. طلعت الشمس وخرجت قوارب الصيد، فرأى الصيادون طفلاً أبيض فوق لهبين فهابوا الاقتراب.
تذكر قول تايي: «نسلك الطريق لأن لا شيء نفعله». لم يكن لديه شيء يفعله، لكنه لم يشأ أن يسلك الطريق؛ لعله رأى أن الوقوف هكذا حسن أيضاً. وفي عمق ثمانمئة جانغ رأى آو غوانغ لهبي البحر من نافذته. هرع مستشار السلحفاة: «يا مولاي، هناك أحد على السطح». قال الملك: «أعرف». نهض ثم جلس: «دعوه». ذهل المستشار. قال الملك بهدوء لا يشبه هدوءه قبل ثلاثة أشهر: «قلت دعوه».
خلا القصر. نظر الملك إلى النقطتين المرتجفتين في الماء كفانوسين بعيدين، وتذكر آو بينغ حياً، يعود من السطح والطحالب على ثوبه: «أبي، رأيت أنواراً على الشاطئ». «تلك قوارب صيد». «تحت الأنوار يأكل الناس». «نعم». «ويضحكون وهم يأكلون. لماذا؟». لم يجب الملك يومها، ولا أحد يجيب الآن. كان البحر ساكناً ثقيلاً، والنقطتان تظلان مضيئتين.
أغمض الملك عينيه، لا لينام بل لأنه لم يشأ أن يرى. انتظر نِجا ثلاثة أيام، فلم ير الملك ولا جنود الروبيان ولا سرطانات البحر؛ كان السطح ساكناً على نحو غير معقول. وفي صباح اليوم الرابع ارتفع بعجلتيه، ووضع الرمح على كتفه، وأحاطته الشمس من خلفه بالذهب. قال: «لعل الأمر حقاً... هكذا فحسب». ثم طار، ورسم اللهبان قوساً طويلاً كأن قلماً من حديد محمى خط به السماء.
ظل البحر الشرقي بحره، وظل ممر تشِن تانغ ممره. أخرجت السوفورا براعم جديدة في الربيع، وعاد لي جينغ إلى تدريب جنوده، ونشرت يِن الغسيل. كانت أحياناً ترفع رأسها فتخيل طفلاً بثوب أحمر يركض، ثم تعرف أنه ليس هو؛ ما زال الثوب رطباً والماء يقطر من العصا ويجف سريعاً تحت الشمس.
طار نِجا فوق جبال وأنهار وغيوم كثيرة، وكانت عجلاته تدوي لكن رأسه هادئ كالمقعد الحجري في فناء البيت القديم. أشياء لم يفهمها من قبل فهمها الآن، وأشياء ظن أنها تحتاج تفسيراً لم تعد مهمة. نظر إلى يديه البيضاء الباردتين كماء خرج تواً من البئر: تستطيعان الحركة وحمل الرمح ولمس نسيج الوشاح الخشن والشعور بالريح؛ وذلك يكفي.
تذكر يوم نزع العظم، طعم النصل وهو يمر بالعظم، وبرد الهواء وهو ينفذ من الجسد الفارغ، وبكاء يِن وصمت لي جينغ. كان يظن أن الكراهية تحمل الإنسان: كراهية البحر والملك والأب وكل من يدين له. ثم ماذا بعد الكراهية؟ لم يعرف، والآن عرف: لا شيء؛ فراغ كالميدان في الشتاء، لا أحد فيه وظل السارية طويل. قال تايي إن اللوتس نظيف. الآن فهم: النظافة ليست ألا يلمس المرء الطين، بل أن يمسه ويستطيع غسله في الماء. جذر اللوتس ينمو في الوحل، لكنه أبيض.
كان يظن أنه نِجا مثير البحر، وقاتل التنين، ونِجا الذي رد عظمه ولحمه؛ وكلها هو، وكلها تريد أن تثبت شيئاً: أنه قوي، لا يخاف، ولا يدين لأحد. لم يعد ذلك مهماً. المهم أنه حي؛ جسد اللوتس جسد، وعينا البذور تريان الضوء والمد ودخان ممر تشِن تانغ ويِن تنشر ثيابها ولي جينغ يراقب النمل.
صار كل ما لم يكن يبالي به جيداً في عينيه. أبطأ العجلتين ووقف فوق جبال ومياه وناس لا يعرفهم، ولم يشعر بالوحدة. كان يظن السماء والأرض كبيرتين وهو صغير كرملة في البحر الشرقي؛ لكنه عرف أن الرمل جزء من السماء والأرض، وأن البحر نفسه من حبات الرمل. مد كفه إلى أعلى، فمرّت سحابة باردة لينة خلالها، كالثوب الأزرق المزهر بالأبيض الذي خاطته يِن. ابتسم، ابتسامة غير طبيعية قليلاً على فم أبيض، لكنها كانت ابتسامة.
رأى الجبال تصغر والأنهار تدق والناس يصيرون نَملاً ثم نقاطاً لا تُرى. ومع ذلك شعر بهم: من يمشون في شوارع الممر، ومن يشربون الشاي في المقهى، ومن يتدربون في الميدان، ومن ينشرون الغسيل. كلهم عرفوه وقد رأوه يركض في ثوبه الأحمر، بشعره المعقود عالياً ومقلاعه في يده. يومها كان لحماً وعظماً ودمه وحياته من أمه؛ ثم ردها كلها، رداً كاملاً، عظمة بعد عظمة ولحمة بعد لحمة. كان الألم ألماً، لكنه عض على أسنانه ولم يبك. والآن عرف أن البكاء أو تركه لا يهم؛ المهم أنه حي، وأن يد اللوتس تحمل الرمح وقلب اللوتس يتذكر.
تذكر بائع الهلام عند الزقاق، وصوت المطرقة في دكان الحداد، وريح البحر المالحة، ورائحة البصل الأخضر في كم يِن وهي تحمل المعكرونة. كانت الذكريات كخيوط جذر اللوتس تشده، لا تنقطع مهما طار. قال تايي إن سلوك الطريق لأن لا شيء نفعله؛ ورأى نِجا أن المرء يمكن أيضاً ألا يفعل شيئاً، ويطير ويرى البلاد تتبدل، فيكون ذلك حسناً.
طلع الشرق وألقى ظله الأبيض على الغيم. لم تظهر ملامحه، لكن هيئته كانت هيئة إنسان، رأس وكتفان ويدان وقدمان، كما كان وكما كل الناس. مرّ فوق البحر الشرقي؛ الأمواج البيضاء تحته كأزهار كمثرى مفتوحة. وطار نحو الأفق ونحو الضوء، طويلاً حتى تبدلت الأرض: حقولاً ثم قفاراً، ثم صحارى فبحاراً فبحر غيم.
توقف في بحر الغيم، وكل ما حوله أبيض ناعم كقطن الثوب الصغير الذي خاطته يِن. غرس رمح رأس النار في السحاب، فلحس اللهب الغيم وحرق فيه ثقباً سال منه ضوء ذهبي كصفار بيضة مقلية. ابتسم مرتين، ثم استلقى؛ كانت السحابة أنعم من سرير بيت الممر ومن اللوتس ومن أي شيء.
أغلق عينيه وسمع الريح، وأصواتاً بعيدة مألوفة لا يميز كلامها: كأن يِن تدعوه إلى الطعام، وكأن لي جينغ ينادي أوامر التدريب، وكخطى تايي المتراخية، وكالموج على صخور البحر الشرقي. لم يفتح عينيه؛ أصغى حتى نام. كانت أول نومة له بعد ولادته الثانية. عرف جسد اللوتس التعب وعرف الحلم.
رأى في الحلم نفسه في ممر تشِن تانغ بثوبه الأحمر ومقلاعه، يعدو من الزقاق. رفع بائع الهلام رأسه وقال: «اركض أبطأ». لم يسمع. مر بالمقهى ودكان الحداد والسور والسوفورا. تحت الشجرة كانت يِن تحمل وعاء معكرونة يغلي، والبصل يطفو عليه والبيضة المقلية ذهبية. نادته: «نِجا، الطعام!». أخذ الوعاء؛ كان المرق حاراً فنفخ فيه، لكنه لذيذ حتى شربه كله. حين استيقظ بقي الغيم أبيض والضوء ذهبياً، ولم يتغير شيء، لكن قلبه امتلأ كما لو أنه فرغ لتوه من الوعاء.
نزع الرمح من الغيم وطار بعجلتيه نحو البيت. وبعد ذلك رأى أهل البحر الشرقي لهبين في الليل، فوق سطح الماء، يظلان طويلاً لا يتحركان ولا ينطفئان. أول من رآهما الصياد تشاو لاو سي وهو يجمع شباكه عند منتصف الليل. قال للناس: «إنهما كما كانا في تلك السنة»، فقالوا إنه شرب كثيراً. قال: «حقاً، ظلّا مدة نصف فنجان شاي». لم يصدقوه، ثم رآهما آخرون. قال بعضهم إنهما نيران الأشباح، وقال بعضهم إنهما نِجا؛ وحين نطقوا الاسم صمت المقهى لحظة، سعل واحد وشرب آخر الشاي، فتحول الكلام إلى موضوع آخر.
رآهما ملك التنين أيضاً من الأعماق. جلس قرب النافذة طويلاً، والطحالب تتمايل والأسماك العميقة تسبح ببطء؛ في الضوء تلمع حراشفها فضية، وفي الظلام لا يرى شيئاً، لكنه يعرف أنها هناك. تذكر آو بينغ صغيراً يلح أن يصعد: «ما الجميل في الأعلى؟» — «الضوء». ولما كبر كان يعود والطحالب على ثوبه، ومرة حمل قطعة خشب محترقة. «لم جمعتها؟» — «لأنها ممتعة». لم يعرف الملك أين ألقيت، وفجأة أرادها. دخل حجرة ابنه: سرير مرجان وستائر لؤلؤ وحاجز أصداف، وغمازة صغيرة تحت الوسادة ما زالت هناك. لمسها فوجدها باردة. ثم وجد في شق حجارة الممر نصف الخشبة، منتفخة سوداء، تتفتت إذا عصرها. حملها في كفيه المرتجفتين، والنقطتان لا تزالان تلمعان.
عاد تايي إلى جبل تشيانيُوان، والدرج مكسو بالطحلب وغلامه نائم عند البوابة. في غرفة الإكسير بقيت رائحة كبريت والموقد مطفأ. جلس على حصيره، والأكمام البالية أشد بلى، وقال: «حضّر إبريق شاي». وحين هم الغلام أن يسأل عن نِجا، رفع تايي كأسه وقال: «اشرب الشاي». وبعد أن فرغ أخرج نصف جذر لوتس أبيض ووضعه على النافذة للشمس: «دعه يتشمس»، قال لنفسه.
أمضى نِجا زمناً في السماء، وصار إله اجتماع البحار الثلاثة في جيش النهر السماوي. كان ختم منصبه ثقيلاً، لكنه أحب الجلوس عند النهر ومد قدميه إلى الماء البارد الذي لا طعم له، بخلاف ماء البحر الشرقي المالح. في الفناء شجرة ميتة، وفي شق لحائها نملة. تذكر لي جينغ يراقب النمل، وهو لم يره لكنه عرف أنه كان يفعل. زادت النملات وصعدت في صف إلى قمة الشجرة ثم نزلت؛ لم تعرف أن الشجرة ميتة، فالميتة والحية عند النمل طريق واحد.
دعاه تاي باي جينغ شين يوماً إلى خمر سماوية كالعنبر حلوة جداً. سأل نِجا: «أتبقى السماء مضيئة هكذا دائماً؟» — «نعم، لا ليل هنا». «آه». «تعتادها». لم يرد نِجا، بل نظر إلى نهاية النهر وقال: «مد البحر الشرقي جميل».
عاد لاحقاً إلى ممر تشِن تانغ، لكنه لم يدخل البوابة؛ وقف على تل خارجها بعد المطر. كانت الأرض مبتلة وألواح الحجر الأزرق تلمع والقطر يسيل من كل سقف. رأى سقف بيت لي من بعيد. لم يكن المدخن يخرج دخاناً، لكن الريح حملت إليه رائحة حطب وبصل أخضر مقلي، كما كانت من قبل. وكان العشب أخضر لامعاً، والبحر في البعيد رمادياً بلون السماء حتى لا حد بينهما.
ارتفع دخان العشاء، خيطاً ثم خيطين ثم ثلاثة، أبيض رقيقاً يتبدد في الغسق. فكر نِجا: لا بد أن بيت لي يطبخ أيضاً. أي معكرونة اليوم؟ مع صلصة اللحم، أم صلصة الفول، أم مرق صاف وبيضة مقلية؟ كانت يِن أبرع من يقلي البيض: بياض مقرمش وصفار سائل، إذا ثقبه المرء بعصاه سال الأصفر وتعلق بكل خيط من المعكرونة. ابتلع نِجا ريقه؛ جسد اللوتس لا يحتاج طعاماً، لكنه اشتهى الوعاء، ورائحة البصل عند تسخينه، وصوت الصويا حين تصب على حافة المقلاة، وبقع الطحين على مئزر أمه. كان ذلك أطيب من رحيق السماء ومن كل موائد الخالدين.
لكنه لم ينزل في ذلك اليوم؛ كفاه أن ينظر إلى الدخان والأنوار وإلى الممر يظلم رويداً. أغلقت البوابة وتفرق الناس وطويت موائد المقهى وأطفأ الحداد موقده ودفع بائع الهلام عربته، وظهر الكلب من فتحة الباب ثم عاد. جاء الليل ونام الممر، وظل نِجا على التل، وضوء العجلتين يومض على وجهه الأبيض كيراعات أو نجوم بعيدة. ثم طار وترك بعد المطر خطين رقيقين من الدخان سرعان ما تفرقا.
جاء ربيع جديد. أخرجت السوفورا براعم خضراء ناعمة كفراخ توّها خرجت من البيض. وظلت حجارة الشوارع تحرق الأقدام الحافية، ونقل بائع الهلام عربته إلى ظل السور، والكلب يلهث والذباب يدور عند أذنيه وهو لا يطرده. كان الحر كما كان. وقف لي جينغ تحت الرواق فرأى أوراق السوفورا تتحرك: ثمة ريح. خرجت الخادمة وقالت: «السيدة تسأل: أي معكرونة نأكل اليوم؟». فكر وقال: «مع صلصة اللحم. وزيدوا بيضة مقلية». ذهلت الخادمة؛ لم يضعوا البيض في البيت منذ زمن. قالت: «حسناً» ودخلت.
بقي لي جينغ في الرواق وظل الشجرة مرقعاً عليه. وأخرجت يِن من أسفل الخزانة الثوب الصغير الأزرق المزهر بالأبيض. نفضته، فالطيات ما زالت بيضاء، والياقة والأكمام صغيرتان. لمست نسيج القماش الخشن بطرف إصبعها؛ غرز دقيقة خاطتها قبل سبع سنين، حين كان نِجا في بطنها ثلاث سنوات. كانت تخيط كل يوم، تفك ثم تخيط حتى اكتمل. أخرجته الآن لا ليلبسه نِجا، بل لتنظر إليه. ثم طوته وأعادته وأغلقت الخزانة، فصدر منها الصوت القديم نفسه.
نشرت يِن الغسيل، وقطر الماء قطرة بعد قطرة على الآجر الأخضر حتى حفر حفرة ضحلة صارت أعمق من ذي قبل. نظرت إليها ثم علقت ثوباً آخر. ارتفع المد في البحر الشرقي، والموج الأبيض طبقات كأن أحداً فرش فوق البحر أقمشة بيضاء لا تحصى. عبرت الريح المالحة الممر والسوفورا وسقف بيت لي والغسيل وشعر يِن الذي شابه، ثم مضت غرباً فوق الجبال والأنهار والغيوم إلى الأفق.
هناك، في الأفق، لهبان صغيران شديدا اللمعان لا يتحركان، كأنهما نجمان، لكنهما ليسا نجمين؛ كان نِجا فوق عجلتي الريح والنار، والرمح على كتفه، ينظر إلى كل ما تحته: الجبل والنهر والبحر والمدينة والناس. يعرفهم كلهم ويتذكرهم. نظر قليلاً ثم طار أبعد، فرسمت النار قوسين طويلين تفرقا سريعاً. لكن الريح تتذكر، والموج يتذكر، والسوفورا تتذكر، وبائع الهلام والكلب عند البوابة وثياب يِن على العصا؛ يتذكرون جميعاً طفلاً في الأحمر ركض من هنا بسرعة حتى اختفى في رمشة.
وكان الجميع يعرف أن نِجا الشاب سيعود، ربما غداً أو السنة المقبلة أو بعد زمن طويل، لكنه سيعود لأن هذا ممر تشِن تانغ، بيته. كل ربيع، حين تبرعم السوفورا، تطبخ يِن وعاء معكرونة إضافياً وتضعه عند الموقد بلا ملح ولا زيت، في ماء فقط، وإلى جانبه عودا طعام. لا يسأل أحد لمن هو ولا يلمسه أحد. في المساء تتكتل المعكرونة، فتخرج يِن بها وتسقيها تحت أصل الشجرة. وفي الصباح تختفي: لعل النمل نقلها، أو العصافير نقرتها، أو حملتها الريح. لكن يِن تظن أن نِجا عاد وأكلها، وتظل تفعل ذلك كل ربيع حتى تكبر الشجرة، ويبيض شعرها، وتصير حجارة الممر أكثر نعومة تحت الأقدام، ويبهت لون الثوب في الخزانة، وتبقى غرزُه دقيقة كما كانت.
ظل البحر يمد ويجزر عاماً بعد عام. ورأى أهل الشاطئ أحياناً لهبين في الليل فوق الماء، ساكنين لا ينطفئان، وقالوا إن نِجا ينظر إلى ممر تشِن تانغ وينتظر المد القادم ليعود إلى البيت. شاخ الحكواتي وسقطت سِنان من أسنانه، لكن طرقته بقيت كما هي. تغير المستمعون؛ الشبان لا يعرفون حكاية إثارة البحر، ولا يعرفون إلا أن الممر أخرج إلهاً فوق عجلتي نار يسكن السماء ويعود أحياناً لينظر. لم يكن الحكواتي يروي ذلك، بل يروي قصص العشاق، إلى أن يسأله أحد: «وماذا حدث لنِجا بعد ذلك؟». فيفكر ويقول: «بعد ذلك كان بخير في السماء. يعود أحياناً، يأكل وعاء معكرونة، ثم يذهب». «يذهب ويعود، ويعود ويذهب؟» فيشير إلى الأفق: «ألا ترون اللهبين؟ ذاك هو». ينظرون فلا يرون إلا الغيم، لكنهم يومئون ويقولون إنهم رأوا وأنه ساطع حقاً.
شاخ لي جينغ؛ لم يعد يستطيع الوقوف طويلاً في ميدان التدريب، لكنه يذهب كل يوم ويقف تحت السارية والراية تصفق في الريح. تبدل المجندون جيلاً بعد جيل، ولم يعد يتذكر كل الأسماء، لكنه يتذكر كل مجند أخطأ رأس رمحه، كما يتذكر ذلك المجند القديم. يمضي إليه ويعدل رأس الرمح: «من جديد». صوته كما كان، لا عالياً ولا منخفضاً، لكن فيه بحة. وفي الليالي الساكنة يجلس أحياناً على المقعد الحجري في الفناء. القمر هو القمر، غير مكتمل وفيه قطعة مفقودة، وعشب ذيل الكلب ينمو فوق السور. ينظر إلى القمر والعشب ثم يدخل، ويترك الباب موارباً؛ تدخل الريح من الشق، تدور في الغرفة وتخرج من النافذة، لا تأخذ شيئاً ولا تترك شيئاً، إنما تمر.
كما مرّ نِجا بممر تشِن تانغ، وكما يمر الزمن بكل إنسان: يأتي ثم يذهب، لكن مجيئه كان حقيقة يتذكرها الجميع. السوفورا تتذكر فتغرس جذورها إصبعاً أعمق، والحجارة تتذكر فتسويها الأمطار طبقة أخرى، والبحر يتذكر فيدفع موجَه أبعد عند كل مد، ودخان الطعام يتذكر إذ يصعد كل مساء فوق الممر متلوياً كيدين تلوحان وتدعوان شخصاً إلى البيت ليأكل. وقبل الفجر، يتقدم موج البحر ثم يتراجع طبقة بعد طبقة كتنفس هادئ منتظم لا يتعب. تبتل بلاطات سقف الممر بالندى وتلمع، ولم يصح الديك بعد لكن الأفق بدأ يبيض. يبدأ يوم جديد: مثل الأمس ومثل أول أمس ومثل كل الأيام التي تلت، ومختلف عنها أيضاً، لأن الأحياء ما زالوا يعيشون، والمتذكرين ما زالوا يتذكرون، والمنتظرين ما زالوا ينتظرون. وذلك حسن.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.