في يومٍ ما من عامٍ ما، جاء إلى سفح كونلون فانٍ يُدعى هو يي. رفع رأسه نحو ذروة جبل اليشم. كان قد سمع أن شي وانغ مو تقيم هناك، وأن لديها دواء الخلود. صعد الدرجات التسعمئة والتسع والتسعين. لم تكن ثمة جبال شفرات، ولا بحار نار، ولا هوّات جليد؛ بل طريق جبلي مرصوف باليشم، مستوٍ فسيح، تتفتح الأزهار الغريبة على جانبيه.
بلغ هو يي القمة، فرأى عند بركة اليشم امرأةً جالسة: في ثوب قوس قزح وريش سماوي، وشعر مضموم في دبوس من اليشم، مهيبةً مترفة، باردة الجمال وقورة. التفتت إليه، وكان نظرها هادئاً كالماء.
قالت: «أأنت هو يي؟»
ركع هو يي وقال: «أسأل شي وانغ مو أن تمنحني دواء الخلود.»
حدّقت فيه طويلاً، ثم سألت: «تريد دواء الخلود؛ فلماذا؟»
رفع رأسه وقال: «أريد أن أحيا أنا وزوجتي بلا شيخوخة، وأن نبقى معاً إلى الأبد.»
تحرّكت شفتا شي وانغ مو، وارتجفت أنياب النمر في فمها ارتجافاً خفيفاً. تذكرت إمبراطوراً فانياً آخر قبل ألف عام. قال لها: إن الخلود ليس بالضرورة نعمة. وقال: إن للحياة والموت قدراً. وقال: لا أريد إلا أن يحيا الناس أفضل، وأن يموتوا في سكينة.
نهضت شي وانغ مو، ومضت إليه، ونظرت إليه من علٍ: «أتحب زوجتك؟»
أجاب بلا تردد: «أحبها.»
قالت: «أكثر من حبك لحياتك؟»
قال: «أكثر.»
صمتت شي وانغ مو. تموّج ماء البركة بخفة، وحط طائر أزرق على كتفها وغرّد خافتاً كأنه يذكّرها بشيء. رفعت يدها ومسحت ريشه.
قالت: «حسناً. سأعطيك إياه.»
نهضت ومضت إلى حجرة الإكسير، فأخرجت حبةً وسلمتها إلى هو يي. قالت: «هذا دواء الخلود. تذكّر: إن أكله شخص واحد صار خالداً؛ وإن أكله اثنان، لم ينالا إلا طول العمر.»
شكرها هو يي شكر المبالغ في الامتنان، وحمل الدواء ونزل الجبل. ظلت شي وانغ مو تنظر إلى ظهره البعيد، وفي عينيها عمق غامض. همست: «قلب الإنسان طمّاع، وهو أرهَب من النمور والفهود.» ثم عادت إلى البركة وجلست تتابع سطح الماء. كان يعكس وجهها، ويعكس أيضاً ظل ذيل الفهد وأنياب النمر. ابتسمت؛ وكانت ابتسامتها كما كانت منذ ألف عام.
في اليوم التالي مضى هو يي بعيداً في طريقه، ثم التفت، فما زال يرى ذروة جبل اليشم. كانت المرأة لا تزال جالسة عند البركة، وثوبها السماوي يرفرف في الريح كغيمة، كحلم، كثلجٍ لا يذوب منذ ألف سنة. لكنه لم ير طائراً أزرق ينهض وراءها، ويخترق السحب، ويطير جنوباً نحو أرض جينغ وتشو، ونحو الأنهار العظيمة، ونحو عالم البشر.
ومنذ ذلك الحين مر ألف عام آخر، وانتشرت في الدنيا حكايات شتى. قال قوم إن شي وانغ مو إلهة شريرة، لها ذيل فهد وأنياب نمر، تتولى الأوبئة والكوارث، وتنزل الرعد والطواعين لمعاقبة البشر. وقال قوم إنها خالدة أنثى، في ثوبها السماوي المترف، تزرع خوخ الخلود ودواء البقاء، وتبارك الخلق. وقال قوم إنها تقتل كل رجل تراه، وتأكل لحمه وتشرب دمه بوحشية. وقال قوم إنها تتخذ فتيات البشر تلميذات، وتعلمهن صناعة الإكسير وفنون الخلود، بوجه رحيم.
كانت شي وانغ مو تعرف تلك الحكايات كلها، وهي جالسة عند البركة تسمع الأخبار التي تجلبها الطيور الزرقاء من عالم البشر.
حين سمعت القول الأول، ابتسمت، وبرزت أنيابها مخيفةً كئيبة. وحين سمعت القول الثاني، ابتسمت أيضاً، رقيقة الفم، مشفقة العينين. وحين سمعت القول الثالث، ضحكت ضحكاً عالياً هزّ الوادي، فسقطت أوراق شجرة الخلود، ورفرفت الطيور الزرقاء الثلاثة مذعورة، وتموّجت البركة. وحين سمعت القول الرابع، كفّت عن الضحك، ونظرت بعيداً طويلاً، ثم قالت همساً:
«جي مان، إنهم لا يزالون لا يفهمون. حتى نحن أنفسنا احتجنا ألف عام؛ فكيف يفهمون؟»
رفعت كأساً من اليشم، وكان الرحيق فيها يتموّج قليلاً. نظرت إلى انعكاسها في الكأس: ذلك الوجه هو هي، وليس هي؛ هو إلهة الشر قبل ألف عام، وهو الخالدة الأنثى بعدها بألف؛ هو رعب ذيل الفهد وأنياب النمر، وهو وقار الثوب السماوي؛ هو بدء كل شيء ومآل كل شيء.
وفي ذلك العام ضرب عالم البشر جفاف عظيم: امتدت الأرض القاحلة آلاف الأميال، واحترقت السنابل، وانتشرت الجثث الجائعة. أحرق الكهنة القرابين على المذابح وتضرعوا إلى السماء، وركع الناس على الأرض، وعلا عويلهم: «يا شي وانغ مو، أنزلي المطر الغزير، أنقذينا!»
حمل طائر أزرق الخبر، فعبر الجبال والأنهار وحطّ عند البركة مغرّداً. فلما سمعت شي وانغ مو نهضت ومشت إلى الجرف. نظرت إلى عالم البشر تحتها: حقول متشققة، وزروع ميتة، وعامة راكعون يستغيثون. حط الطائر على كتفها وقال: «يا سيدتي، أننزل الرعد؟»
لم تجب. أخذت نظرتها تتغير، تصير حادة باردة، كالإلهة الشريرة قبل ألف عام. ارتفع ذيل الفهد، وبانت أنياب النمر، وانتفش شعرها. رفعت يدها اليمنى فتجمع فيها برق؛ كان ذلك عقاب السماء، والهلاك الكامن في طبيعتها، والشراسة التي لم تنطفئ في جسدها منذ ألف عام.
وفي اللحظة التي كان الرعد فيها على وشك الهبوط، توقفت. فقد رأت على تلك الأرض المتشققة جماعة من الناس لا يركعون ولا يستغيثون. كانوا يحفرون الآبار، عميقاً: عشرة أذرع، فعشرين، فثلاثين، حتى تبتل التربة وتتفجر العيون. وكانوا يحملون الماء على أكتافهم من مئة لي، من ضفاف النهر العظيم، حملاً بعد حمل، ليسقوا الزرع الذي أوشك أن يموت. وكانوا يقتسمون طعامهم القليل، يعطونه لمن هو أجوع منهم، للشيوخ والأطفال والضعفاء والمرضى.
ظلت شي وانغ مو تنظر طويلاً. وتبدد برق كفها شيئاً فشيئاً، وحلّت مكانه رطوبة الماء، والسحاب، والضباب، والمطر. رفعت يدها اليسرى ولوّحت بها برفق. فنزل المطر: لا عاصفة ولا طوفان، بل غيث رقيق متصل، يسقي الأشياء في صمت. التأمت شقوق الأرض، واستقام الزرع المصفرّ من جديد. وقف الناس في المطر ودموعهم تسيل، ورفعوا رؤوسهم إلى السماء؛ لم يروا شي وانغ مو، بل رأوا في أعماق السحاب قوس قزح يعبر الأفق. كان ذلك ثوبها، وريشها السماوي، وذيل تنورتها.
عادت شي وانغ مو إلى البركة وجلست. حطّت الطيور الزرقاء الثلاثة على ركبتيها، تنظر إليها بشيء من الحيرة. مدت يدها وربتت ريشها وقالت:
«تريدون أن تسألن: لماذا لم أملأ مجاري أنهارهم مباشرةً بقوتي الإلهية، ولماذا لم أجعل الزرع ينضج في ليلة، والطعام يتراكم في المخازن؟»
مال الطائر برأسه وقال: «لأن ذلك هلاك، لا إنقاذ.»
قالت شي وانغ مو: «إن كانت الآلهة تمنح كل شيء، فماذا يصبح الناس؟ سينسون كيف يحفرون الآبار، وكيف يحملون الماء، وكيف يتعاونون، وكيف ينمون. سيصيرون دمى، ويفقدون قوتهم. ذلك هو الهلاك الحق، هلاك أفظع من الجفاف.» ثم توقفت ونظرت بعيداً: «كان جي مان يقول إن على الإنسان أن يحيا بنفسه، وإن الإله لا يستطيع أن يحيا نيابة عنه. الآن فهمت. عقابي يجعلهم يخافون، ومنحي يجعلهم يعتمدون عليّ؛ لكن الذي يستطيع إنقاذهم حقاً هو أنفسهم. يكفيني أن أعطيهم قليلاً من المطر، وما بقي يقدرون عليه بأنفسهم.»
خفضت رأسها إلى ماء البركة: «عاقبي الشر، وارحمي الخير؛ لكن الأهم أن تثقي بالبشر، وأن تثقي بأنهم جديرون بالثقة.»
إن كان الملك مو قبل ألف عام قد علّمها أن ترى الخير في قلب الإنسان، فإن أولئك الذين حفروا الآبار وحملوا الماء واقتسموا الطعام في الجفاف، جعلوها تفهم أن الإيمان بالبشر أنفسهم هو أعظم الرحمة.
ومرت مئات أعوام أخرى. وفي يوم كانت شي وانغ مو في بستان الخوخ المقدس، تنظر إلى الثمار تنضج واحدة بعد أخرى، وردية ممتلئة، تثقل الأغصان حتى تثنيها. كانت في البستان عدة خالدات من تلميذاتها اللواتي أخذتهن من عالم البشر. كنّ يقتلعن العشب، ويسقين، ويقلمن الأغصان، ولا ينقطع حديثهن وضحكهن.
رفعت إحدى الخالدات رأسها وسألت: «يا مولاتنا، يزهر الخوخ المقدس مرة كل ثلاثة آلاف سنة، ويثمر بعد ثلاثة آلاف أخرى. لا طاقة لنا على انتظار ذلك. فلماذا لا نعجّل نضجه بالفنون الخالدة؟»
نظرت إليها شي وانغ مو. كانت في السادسة عشرة، حسنة الوجه، صافية العينين، وفي ابتسامتها غمازتان. أجابتها: «العجز عن الانتظار أعظم وسواسٍ لمن يصيرون خالدين. للخالدين وقت لا نهاية له، فيظنون أن كل شيء يمكن تعجيله؛ وينسون أن الانتظار نفسه رياضة روحية. لكل شيء أوانه، فلا يجوز أن يُنتزع قسراً.»
بدت الخالدة كأنها فهمت ولم تفهم، ثم سألت: «وكم انتظرتِ أنتِ، يا مولاتنا، حتى صرتِ على هيئتك اليوم؟»
صمتت شي وانغ مو لحظة. تذكرت عند البركة قبل ألف عام ذلك الإمبراطور الفاني، وديعاً هادئاً وفي عينيه ابتسامة. وتذكرت ألف سنة قضتها في كهفها تصارع نفسها: كل تمزق، وكل التحام، وكل انهيار، وكل ولادة جديدة. ثم تذكرت الألف التي تلتها: شروق الشمس وغروب القمر، اخضرار النبات وذبوله، وانعكاسها في البركة، تتغير يوماً بعد يوم، وتلتحم، حتى تصير شي وانغ مو مكتملة.
قالت: «انتظرت طويلاً؛ حتى نضج الخوخ ثلاثة آلاف مرة، وحتى صار البحر حقلاً، وحتى نسيت أنا نفسي عدد السنين. لكنه كان مستحقاً؛ فالذي يأتي بعد الانتظار أثمن من الذي ينال بسهولة بعشرة آلاف مرة.»
فكرت الخالدة مطولاً ثم قالت: «وما الذي انتظرتِه أطول زمن، وماذا نلتِ؟»
نظرت شي وانغ مو إلى بحر السحاب البعيد، وهو يتموج كما كان قبل ألف عام. قالت: «نلت جواباً.»
لم تفهم الخالدة: «أي جواب؟»
لم تجب شي وانغ مو، بل ظلت تنظر إلى السحاب، وارتفعت زاوية فمها قليلاً؛ وكانت ابتسامتها أحلى من الخوخ المقدس.
وفي موسم نضج الخوخ، كانت تقيم مأدبة عند البركة. لم تكن تدعو الآلهة الأخرى، بل تلميذاتها وحدهن، ومعهن بعض البشر المميزين الذين رأَتهم في عالم الناس.
منهم رجل يدعى تشانغ تشيان، عاد من الأقاليم الغربية ومر بكونلون. تحولت شي وانغ مو إلى عجوز وانتظرته على جانب الطريق، وقدمت له وعاء ماء، وسألته عن أحوال الأقاليم الغربية وعاداتها. أجابها تشانغ تشيان عن كل شيء، ثم قال: «يا أماه، جبت الأقاليم الغربية كلها ورأيت معجزات لا تحصى، لكن ما مسّ قلبي أكثر هو أولئك الناس: يغرسون الأشجار في الصحراء، ويحفرون الآبار في غوبي، ويبنون واحات في أعماق الرمال. ليسوا كالخالدين، لكنهم يصنعون ما لا يقدر الخالدون على صنعه.»
نظرت إليه شي وانغ مو طويلاً وقالت: «صدقت. يقدر الفانون على أشياء كثيرة لا يقدر عليها الخالدون.»
تحير تشانغ تشيان وقال: «وكيف تعرفين أخبار الخالدين يا أماه؟»
ابتسمت ولم تجبه. نزعت دبوس اليشم من شعرها وأعطته إياه، وقالت: «خذ هذا الدبوس إلى قومك، وقل للناس: إن شي وانغ مو ليست وحشاً له ذيل فهد وأنياب نمر، وليست خالدةً لا همّ لها إلا دواء البقاء؛ إنها إلهة تؤمن بالفانين. ليس إلا.»
حمل تشانغ تشيان الدبوس في كفيه ووقف مشدوهاً. وكانت شي وانغ مو قد تحولت إلى خيط من دخان أزرق وتلاشت في الريح. فانحنى تشانغ تشيان انحناءة عميقة للجهة التي اختفى فيها الدخان.
ومنهم رجل يدعى لي باي. كان يجوب البلاد وسيفه معه، حتى بلغ سفح كونلون. وكان سكران، فأشار إلى قمة جبل اليشم وضحك بصوت عالٍ: «يا شي وانغ مو، لقد عشتِ فوق ذلك آلاف السنين؛ أما شعرتِ بالوحدة؟ انزلي لنشرب الخمر. عندي أطيب خمر في تشانغآن!»
اصفرّت وجوه رفاقه من الخوف وركعوا يلتمسون العفو، لكن لي باي لم يبال وظل يضحك. سمعت شي وانغ مو عند البركة، فذهلت لحظة ثم ضحكت هي الأخرى. كان أول فانٍ منذ ألف عام يجرؤ على دعوتها إلى الشراب. فنزلت حقاً، في هيئة امرأة بثوب أبيض، وجلست قبالته، ورفعت كأساً وفرغتها دفعة واحدة.
نظر إليها لي باي بعينين غائمتين من السكر وسأل: «أأنتِ حقاً شي وانغ مو؟ لستِ كما في الحكايات: لا ذيل فهد ولا أنياب نمر، ولا ثوب قوس قزح ولا ريش سماوي.»
ابتسمت وقالت: «وأي هيئة تراني عليها؟»
ضيّق لي باي عينيه وفكر ثم قال: «امرأة تشرب الخمر؛ في حاجبيها هموم، وفي عينيها ألف عام، وفي ابتسامتها تقلبات الدهر. لكنها حقيقية، أصدق من الحكايات.»
وضعت شي وانغ مو الكأس، وظلت تنظر إلى الشاعر الثمل طويلاً، ثم قالت: «أنت مصيب. أنا امرأة فحسب؛ عشت طويلاً، ورأيت كثيراً، لكنني ما زلت جالسة هنا أنتظر شخصاً.»
سأل لي باي: «من تنتظرين؟»
لم تجبه، بل قامت وعادت إلى القمة. نظر إلى ظهرها وفجأة أنشد بصوت عالٍ:
«تشتهي السحب ثوبها، وتشتهي الزهور محيّاها؛ ونسيم الربيع يلامس السور، والندى يثقل أزهاره. لولا أن تُرى على رأس جبل اليشم المتلألئ، لأمكن لقاؤها تحت قمر منصة اليشم.»
لم تلتفت شي وانغ مو، لكن زاوية فمها ارتفعت قليلاً، وتعثرت خطوتها لحظة، وقالت همساً: «قصيدة جميلة.» حملت الريح الكلمتين، فلا يُدرى هل سمعهما لي باي. لكنه وقف عند سفح الجبل، ورفع كأسه في وجه جبل اليشم الذي يلفه الضباب، وجرعها، ثم ضحك ثلاث ضحكات. فأفزع صوته الطيور الزرقاء الثلاثة، وظل يتردد طويلاً بين قمم كونلون.
ومرت أعوام كثيرة. تراكم ثلج كونلون ثم ذاب، وذاب ثم تراكم، حتى عجزت شي وانغ مو عن عدّ السنين. بدلت ثيابها السماوية غير مرة، وكلها منسوجة من السحاب والشفق، لكن ألوانها أخذت تخبو: من سبعة ألوان قوس قزح إلى بياض القمر، ثم إلى رمادي فاتح، ثم إلى شبه شفافية. ولم يعد يُرى على قماشها خيط من ضوء القوس إلا حين تشتد الريح. وتبدّل ريش الطيور الزرقاء الثلاثة أيضاً: من برودة البرونز إلى دفء الخزف الأخضر، ثم إلى زرقة السماء، ثم إلى زرقة باهتة كزرقة ما بعد المطر. لقد هرمت؛ حتى الطيور الإلهية تهرم. كبرت حتى لم تعد قادرة على الطيران بعيداً، فكانت تدور كل يوم بضع دورات فوق البركة ثم تعود إلى كتف شي وانغ مو، وتدفن رؤوسها في خصلتها، فلا تتحرك.
وفي يوم جاء فتى إلى أسفل الجبل: حافي القدمين، في ثوب من قماش خشن، يحمل عصا من خيزران تتدلى منها قرعة. وقف عند السفح ورفع عينيه إلى جبل اليشم طويلاً. رأته شي وانغ مو من علٍ، وهمّت أن تنزل الضباب لتصرفه، لكنها رأته يضع العصا، ويرسم دائرة على الأرض، ثم يجلس فيها مغمض العينين لا يتحرك.
راحت تراقبه من الصباح إلى المساء، ثم من المساء إلى صباح اليوم التالي، وهو لا يزال جالساً. ثم في اليوم الثالث والرابع والخامس. لم تنزل ضباباً ولم تطرده، بل ظلت تنظر. طارت الطيور الزرقاء إليه، ودارت حوله ثلاث مرات ثم عادت، وأمالت رؤوسها نحو شي وانغ مو، وأصدرت من حناجرها هدير سؤال. قالت: «دعنه يجلس. لعله جاء ليجلس برهة لا غير.»
وفي اليوم السابع نهض الفتى، ونفض التراب عن ردفيه، وحمل عصاه، وانحنى لجبل اليشم ثم مضى. لم يصعد الجبل، ولم يطلب دواء الخلود ولا طول العمر؛ جاء فقط ليجلس عند السفح قليلاً.
عادت الطيور إلى كتف شي وانغ مو وقالت: «يا سيدتنا، لقد رحل.»
قالت وهي تنظر إلى ظهره البعيد: «أعرف.»
مال طائر برأسه: «ولماذا لم يصعد؟»
صمتت وهي تراه يختفي في الأفق: «ربما أراد فقط أن يكون أقرب إلى كونلون، أن يجلس برهة، أن يتنفس هواء هذا المكان.»
قال الطائر في حيرة: «وما الفرق بين ذلك وبين أن يكون عند أسفل الجبل؟»
مسحت ريشه وقالت: «أحياناً يكفي القرب، ولا حاجة إلى الوصول.» وظلت تحدق في الجهة التي اختفى فيها الفتى، ثم سحبت عينيها عنها بعد زمن طويل.
ورأت شي وانغ مو ظهره يذوب في الأفق، فتذكرت فجأة أن شخصاً آخر جاء ورحل بالطريقة نفسها منذ زمن بعيد. لكن ذاك صعد الجبل، وشرب الخمر، ورأى بركة اليشم، وعقد موعد السنوات الثلاث. كان اسمه جي مان. أما هذا الفتى فلا اسم له، لكنه جاء هو أيضاً ورحل. وبين المجيء والرحيل جبل لم يُصعد، وكأس خمر لم تُشرب، ولقاء لم يقع. لكن الجبل باقٍ، والخمر باقية، ولعل اللقاء أيضاً ينتظر عند مفترق ما. ليس بالضرورة هذا الفتى، ولا الفتى القادم، ولا الذي بعده؛ لكن لا بد أن يأتي أحدهم فيصعد هذا الجبل مرة أخرى، ويجلس، ويشرب كأساً، ويقول: «خمر طيبة.»
استدارت شي وانغ مو ومضت إلى شجرة الخلود. كانت لا تزال هناك، أوراقها الزرقاء الخضراء تغطي السماء. مدت يدها ولمست جذعها؛ لحاؤه لا يزال بلون البرونز، دافئاً نابضاً. وقد عقدت عليه قشرة دم جديدة. لا، لم تكن قشرة دم، بل صمغاً شفافاً بلون الكهرمان، تجمد على الجذع على هيئة قطرة دمع. اقتلعت قطعةً منه ووضعتها في كفها. لان الصمغ ببطء وتحول إلى سائل دافئ، يعكس وجهها. لم يعد فيه وجه ذيل الفهد وأنياب النمر؛ صار وجه الثوب السماوي، ووجه الخطين الذهبيين عند طرفي العينين، ووجه من ينتظر منذ ثلاثة آلاف عام ولا يزال ينتظر.
وفجأة ابتسم الوجه في الصمغ. لم تكن شي وانغ مو هي التي تبتسم، بل وجه الصمغ، كأنه سمع نكتة أو رأى أمراً حسناً. لم تعرف ما الذي يضحك له، ولم تسأل. أعادت الصمغ إلى الجذع، فتجمد من جديد قطرة دمع معلقة عليه، ككهرمانة، كعين مغمضة.
وقفت شي وانغ مو أمام تلك القطرة طويلاً: لا يوماً ولا سنة، بل زمناً آخر لا تتذكره.
ثم رأى الظل تحت شجرة الخلود أناساً يجيئون من جديد. لم يكن جي مان، ولا الفتى المجهول، بل شخصاً آخر، أو جماعة أخرى؛ لم تعد تتذكر. صار القادمون أكثر ضبابية، كأنها تراهم وراء ضباب، أو ماء، أو وراء جلدها القديم الذي سلخته. تذكرت ذلك الجلد القديم، جلد ذيل الفهد وأنياب النمر، ما زال مضغوطاً تحت لوح حجري في قاع الكهف. لعله ذاب، ولعله ما زال هناك، ولعله يفتح عينيه.
كانت سيدة الطيور الزرقاء تفكر أحياناً أن تذهب لتنظر، لكنها كانت تقف عند باب الكهف. لم يكن خوفاً، بل لأنها لم تعد ترى ضرورة. لم يعد ذلك الجلد هي، كما لم يعد الطاعون هي، ولا الكوارث الطبيعية، ولا القانون العقابي. فمن هي الآن؟ كانت لا تزال تفكر في ذلك. فكرت ثلاثة آلاف عام ولم تفهم، لكن الأمر لم يعد مهماً؛ فما لا يُفهم لا يلزم دائماً أن يُفهم.
رفعت وحيدة قمة جبل اليشم يدها ومسحت رأس الطائر على كتفها. كان ريشه لا يزال بلون البرونز، بارداً صلباً، لكن هذه المرة أحست دفئاً خفيفاً. لم يكن دفء الطائر، بل دفء أطراف أصابعها. لقد دفئ دمها أخيراً. نظرت إلى يدها: أظفارها لا تزال سوداء، لكن السواد يشع منه قليل من الحمرة؛ وخطوط كفها لا تزال قوانين عقاب، لكن حروفها تأخذ في البهوت، ككتابة على شاطئ يمحوها المد قليلاً قليلاً.
وفجأة فكرت صاحبة ذيل الفهد المتأرجح: ربما لا تحتاج إلى انتظار ذلك الشخص الذي سيجلس ويشرب الخمر؛ لعلها هي نفسها ذلك الشخص. انتظرت كل هذا الزمن، فإذا الذي كانت تنتظره هو نفسها. ابتسمت. لمعت أنياب النمر عند زاوية فمها؛ لم يكن ذلك بريقاً بارداً، بل ضوء قمر، رقيقاً هادئاً، كماء البركة، وكأوراق شجرة الخلود، وكالكلام الذي لم ينطقه الفتى.
وقفت قليلاً بعد. تموّج سطح البركة، لا من الريح، بل لأن طرف جناح طائر أزرق مرّ فوق الماء. اتسعت الدوائر دائرةً بعد دائرة، حتى بلغت الشاطئ ولامست الحجارة فتكسرت، ثم اجتمعت من جديد. نظرت إليها وتذكرت أنها كانت تنظر إلى الماء هكذا منذ زمن بعيد، حين كانت ذات ذيل الفهد وأنياب النمر، وحين كان الماء يعكس وجه إلهة شريرة. أما الآن، فهو يعكس وجهاً لا تعرفه هي نفسها تماماً. لكن لا بأس؛ يمكن أن تتعرف إليه ببطء. لديها ثلاثة آلاف عام لتتعرف إليه ببطء.
قرفصت شي وانغ مو ومدت يدها في ماء البركة. كان الماء بارداً، بالقدر المناسب: ليس برد الجليد ولا برد الموت، بل برد حي، كبرد الثلج الجديد حين يذوب ماء. غرفته في كفيها وشربت جرعة. لم يكن خمراً، لكنه أحلى من الخمر. نهضت، وقطرت حبات الماء من أطراف أصابعها، قطرة بعد قطرة، وكان صوتها جميلاً.
وحين سلخت شي وانغ مو طبقتها الأخيرة من جلدها، نظرت إلى القشرة الخاوية على الأرض.
كانت عينا القشرة مفتوحتين.
كأنهما تنظران إليها.
وكأنهما تقولان:
— التالية التي ستسلخ جلدها هي أنتِ.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.