إلى جوار بركة اليشم، كان سطح الماء مرآة. خفضت شي وانغ مو رأسها، تتأمل انعكاسها. مضت ألف سنة؛ البركة هي البركة، والماء هو الماء. لكن من الذي يظهر فيه؟
رأت سيدة الطيور الزرقاء وجهين.
عن اليسار: ملكة الخالدات، مترفة مهابة، شعرها مرفوع ودبوس اليشم فيه، وثوبها من قوس قزح وريش سماوي، ملامحها كلوحة، وجلالها ساكن.
وعن اليمين: الإلهة البدائية ذات ذيل الفهد وأنياب النمر، شعرها منفوش وعليه تاج النصر، أنيابها بارزة، ونظرتها كالبرق، وهيبتها شرسة خاطفة.
كان الوجهان يوجدان معاً في الماء؛ يتداخلان حيناً، ويفترقان حيناً. مرةً يصفو الوجه الأيسر ويغيم الأيمن، ومرةً يصفو الأيمن ويغيم الأيسر. مدّت شي وانغ مو يدها، وكانت أصابعها ترتجف. لامس طرفها سطح الماء، فتحطم الوجه الأيسر ووضح الأيمن. ثم حرّكت الماء مرة أخرى، فتحطم الأيمن ووضح الأيسر.
همست، وفي صوتها حيرة وحزن وضياع لم يبدده ألف عام: «أيّهما هو أنا الحقيقية؟»
لم يُجب الماء، ولا بركة اليشم، ولا كونلون، ولا السماء والأرض.
نهضت وحيدة جبل اليشم. كان ذيل الفهد يهتز برفق تحت تنورتها؛ ذلك الشيء الوحيد الذي لم تستطع إخفاءه، أصلها، ومنبعها، والأثر البدائي الحقيقي الوحيد الذي بقي لها بعد ألف عام من التحول.
استدارت ومضت إلى الجرف عند قمة جبل اليشم، حيث جلست عشرة آلاف عام. يومها كانت إلهة العقاب، وإلهة الشر، وإلهة الكوارث، شي وانغ مو ذات ذيل الفهد وأنياب النمر. والآن لا تزال تجلس في الموضع نفسه. رفع الريح ثوبها، وبقي شعرها المرتب لا تضطرب منه شعرة. كان وجهها بارداً نبيلاً، لكن عينيها عبرتا طبقات السحاب إلى عالم البشر، وإلى الناس جميعاً، وإلى ذاتها القديمة.
تذكرت صاحبة الذيل المتأرجح كيف جلس الملك مو عند بركة اليشم قبل أعوام طويلة وسألها: لماذا يوجد الوباء؟ ولماذا الجراد؟ ولماذا الزلازل؟
أجابته يومها أن طريق السماء يحتاج إلى العقاب، وأن عالم البشر يحتاج إلى نظام، وأن في قلب الإنسان شراً، وأن الفعل الشرير يستحق العقوبة. لكنها لم تقل له إن فيها هي أيضاً شراً. فقد وُلدت إلهةً للعقاب؛ إنزال الكوارث طبيعتها، والقتل سجيتها، ورؤية الدم بهجتها، ورؤية الموت سكينتها.
قبضت شي وانغ مو كفها، فانغرست أظفارها في باطن يدها، ونزّت قطرة دم ذهبية على الصخر، فانشقّ الصخر في لحظة. تلك قوة الإلهة الشريرة في جسدها؛ مضت ألف سنة ولم تندثر. كانت فقط تكبتها، وتغطيها، وتخفيها تحت ثوبها السماوي، وتحت شعرها المرفوع ودبوس اليشم، وتحت وجهها البارد الجميل، في قلبها.
أغمضت إلهة العقاب عينيها، واستنشقت نفساً عميقاً. وحين فتحتهما، مرّ فيهما بريق شرس: نظرة أيام ذيل الفهد وأنياب النمر؛ قتلٌ، وقسوة، وبلا رحمة. لكنه لم يدم إلا لحظة. اختفى البريق، وحلّت مكانه الرقة والرحمة والأسى.
رفعت يدها ولمست وجهها. لم يعد ذلك وجه الإلهة الشرس، لكنه أتعبها أكثر من ذلك الوجه؛ فالإلهة الشرسة لا تحتاج إلى تنكر، ولا إلى كبت، ولا إلى أن تخدع نفسها.
«من أنا؟» سألت نفسها.
طوال ألف عام طاردها هذا السؤال. بعد رحيل الملك مو غيّرت نفسها: من إلهة شرسة إلى خالدة، ومن الوحدة إلى صحبة ثمانمئة خالدة، ومن إنزال الكوارث إلى صنع الإكسير والدواء، ومن القتل إلى الهداية. ظنت أن التغير هو الجواب. لكنها الآن، وهي تنظر إلى الوجهين في الماء، فهمت أخيراً أن التغير ليس جواباً، بل طريق.
إنها دائماً شي وانغ مو: خالدة وإلهة عقاب معاً، شي وانغ مو المترفة المهيبة والإلهة الشرسة ذات ذيل الفهد وأنياب النمر معاً. الاثنان يوجدان فيها، ولا يفترقان أبداً.
نهضت سيدة جبل اليشم وأشرفت على بركة اليشم. كان الوجهان ما يزالان على الماء: الأيسر مترفاً، والأيمن قبيحاً شرساً. وفجأةً ضحكت. بدأ ضحكها منخفضاً ثم علا، بدأ ليّناً ثم عنيفاً، حتى امتزجت فيه في آخره شيئان: جلال الإلهة الشريرة وحزن الخالدة.
فزعت الطيور الزرقاء الثلاثة، وخفقت بأجنحتها إلى السماء، تدور وتصيح، وفي أصواتها حيرة وقلق واضطراب. فقد عرفت أن ذلك الضحك يخص شي وانغ مو الحاضرة وشي وانغ مو الماضية معاً. كان صوتين متراكبين، كالرعد، كضرب الجرس، كزئير شي وانغ مو حين هبطت إلى كونلون أول مرة قبل عشرة آلاف عام.
توقف الضحك. وقفت شي وانغ مو في موضعها، والريح تلصق ثوبها بجسدها فتظهر هيئة ذيل الفهد تحت التنورة. انفرجت شفتاها قليلاً، وعادت أنياب النمر إلى الظهور.
لكن هذه المرة لم يكن فيها غضب، ولا ظمأ للدم، ولا شراسة؛ بل طمأنينة، وقبول، وقولٌ واحد: أنا أنا.
رفعت إلهة كونلون يدها وتأملت أظفارها. كانت لا تزال سوداء، وفي شقوق أصابعها حراشف دقيقة. لم تغيّرها، ولم تكن تستطيع تغييرها. فهذا جوهرها وقدرها، وجزء لا يمكن انتزاعه منها.
كانت تظن أن الملك مو أحب صورتها بلا أنياب النمر، فلذلك أخفت أنيابها وذيل الفهد، ورتّبت شعرها المنفوش، ولبست ثوبها السماوي، وصارت خالدة مترفة. لكنها فهمت الآن أن الملك مو لم يرَ هيئتها قط؛ سواء ذيل الفهد وأنياب النمر، أو ثوب قوس قزح وريش سماوي، لقد رأى قلبها: القلب الذي يتعب حتى تحت مظهر الإلهة الشريرة، ويشعر بالوحدة، ويتوق إلى أن يفهمه أحد.
لوّحت المرأة ذات ذيل الفهد بيدها، فارتفع التموج على سطح بركة اليشم. وحين هدأ، لم يبقَ في الماء إلا وجه واحد، لا يسار ولا يمين، ولا وجهان متداخلان؛ وجه واحد يجمع الترف والشراسة، ويجمع الخالدة والإلهة الشريرة، ويجمع ما قبل تحول الألف عام وما بعده. كانت تلك شي وانغ مو، شي وانغ مو الحقيقية.
استدارت الإلهة ذات أنياب النمر وعادت إلى كهف جبل اليشم. وفي الطريق صادفت بضع خالدات، فحيينها: «يا شي وانغ مو.» أومأت لهن. وحين رفعن رؤوسهن ورأين وجهها، ذُهلن لحظة، لأنها بدت في ذلك اليوم غير ما اعتدن.
في العادة كانت مترفة رفيعة المقام، باردة الجمال، رزينة. أما اليوم فكان في زاوية فمها ارتفاع طفيف. لم تكن ابتسامة وديعة أو رحيمة؛ كان فيها شيء من الوحشية، وشيء من الضراوة، كفهد كفّ مخالبه: أنيق، لكنه قاتل.
لم تستطع خالدة شابة أن تكتم سؤالها:
«يا سيدتي، تبدين اليوم مختلفة بعض الشيء.»
توقفت شي وانغ مو ونظرت إليها.
«وفي أي شيء أختلف؟»
ترددت الفتاة.
«في نظرتك. كأنك تنظرين إلى فريسة، وكأنك تنظرين إلى البعيد. كأنك تبتسمين، وكأنك… تتنهدين.»
لم تجب شي وانغ مو. رفعت يدها فقط، ورتبت خصلةً منفلتة عند جبين الخالدة. كانت الحركة لطيفة وبطيئة، كأنها تلمس زهرة. ثم مضت. انسحب ذيل ثوبها على الدرج الحجري، وذيل الفهد تحته يتأرجح قليلاً. بقيت الخالدات واقفات مبهوتات زمناً طويلاً قبل أن يفقن.
دخلت شي وانغ مو كهفها وجلست على السرير الحجري. كان بارداً كما كان قبل عشرة آلاف عام. رفعت يدها ولمست صورتها الإلهية المنقوشة على الجدار: وجهٌ ذو ذيل فهد وأنياب نمر، وشعر منفوش، وتاج نصر، وهيئة شيطانية شرسة.
نظرت إليه، فنظر إليها. تقابلا في صمت.
وفجأةً قالت سيدة تاج اليشم لذاتها المنقوشة على الحجر:
«ما زلتِ هنا. وأنا أيضاً ما زلت هنا.»
مررت أصابعها فوق خطوط النقش: فوق ذيل الفهد، وأنياب النمر، والشعر المنفوش، وتاج اليشم.
«شكراً لكِ. شكراً لأنك بقيتِ هنا ولم تتركيني.»
ثم نهضت وخرجت من الكهف، وعادت إلى بركة اليشم. حطّت الطيور الزرقاء الثلاثة على كتفها وفركت خدها برؤوسها. مدّت يدها ولمست ريشها: ناعم، دافئ، كما كان قبل عشرة آلاف عام.
جلست أمّ الأوبئة إلى الطاولة الحجرية، وصبّت لنفسها كأساً من الرحيق. رفعتها في مواجهة المقعد الحجري الفارغ.
«جي مان، رحلت منذ ألف عام، وأنا ما زلت هنا. سألتني: لماذا توجد الكوارث السماوية؟ والآن أجيبك.
الكوارث طبيعة فيَّ لا أستطيع محوها. لكن يمكنني، حين أنزل العاصفة والرعد، أن أنزل معها المطر. وحين أنزل الوباء، أن أنزل معه وصفة الدواء. وحين أنزل الزلزال، أن أنزل معه إنذاراً.
أنا إلهة عقاب وخالدة معاً؛ أعاقب الشر، وأرثي للخير.»
وضعت الكأس، ونظرت إلى المقعد المقابل الخالي، فكأن الملك مو لا يزال جالساً عليه، هادئاً وديعاً، وفي عينيه ابتسامة.
«قلتَ إن في قلب الإنسان شراً وخيراً. كنتُ أرى الشر فقط، ثم رأيت الخير. والآن أفهم أنني مثله: في داخلي شر وخير، وإلهة شرسة وخالدة، وذيل فهد وأنياب نمر، وثوب من قوس قزح وريش سماوي. كلاهما أنا، ولا غنى لي عن واحد منهما.»
نهضت هيئة الكوارث وسارت إلى حافة بركة اليشم، ونظرت إلى انعكاسها. هذه المرة لم يكن وجهين ولا انقساماً؛ كان وجهاً واحداً، وجه شي وانغ مو، جمع كل شيء، واحتوى كل شيء، وأهدأ كل شيء.
كانت الإلهة البدائية ذات ذيل الفهد وأنياب النمر لا تزال تسكن عينيها، لكن في عمقهما أيضاً رقة ورحمة وحزن وذكرى لم تتغير منذ ألف عام: صورة إمبراطور فانٍ.
حلّقت الطيور الزرقاء الثلاثة فوق رأسها دورة، ثم هبطت إلى كتفها وضمّت أجنحتها، واقفةً في هدوء. ظل ماء بركة اليشم ساكناً، وجبل كونلون شامخاً، وقمة جبل اليشم تعانق السحاب. وظلت أوراق شجرة الخلود تهمس، وظلت حديقة الخوخ السماوي مثقلة بالثمار، وظلت ضحكات الخالدات تتردد في الوادي.
كان كل شيء كما كان، وكان كل شيء مختلفاً.
وقفت شي وانغ مو عند بركة اليشم وقتاً طويلاً، حتى غربت الشمس، وطلعت النجوم، وانسكب ضوء القمر على الماء. بقيت هناك لا تتحرك، كتمثال، كلوحة، كالأبد.
وأخيراً تحركت الإلهة ذات الشعر المنفوش. استدارت، وانساب ثوبها فوق الماء فأثار تموجات. سارت إلى الكهف بخطوات بطيئة ثابتة. مرّت تنورتها فوق الأرض، وذيل الفهد تحتها يتأرجح برفق. ارتفع طرف فمها قليلاً. لم تظهر أنياب النمر، لكنها كانت آمنة في فمها، موجودةً، تنتظر الوقت الذي تحتاجها فيه.
دخلت الجالسة عند البركة كهفها، واختفى ظلها في العتمة. كانت لؤلؤة مضيئة عند باب الكهف تبث نوراً رقيقاً، يضيء الصورة الإلهية القديمة على الجدار: ذيل فهد وأنياب نمر، شعر منفوش وتاج نصر، وهيئة إلهة شرسة.
أما في عمق الكهف، فعلى السرير الحجري، كانت ترقد امرأة مترفة مهيبة، باردة الجمال، ترتدي ثوباً من قوس قزح وريش سماوي، وشعرها مرفوع بدبوس اليشم. أغمضت عينيها، وأنفاسها منتظمة، وفي زاوية فمها ابتسامة.
كانت تلك الابتسامة تمتزج فيها شيئان: جلال الإلهة الشريرة وحزن الخالدة. امتزجا امتزاجاً تاماً، ولم يبقَ بينهما أي شق.
بركة اليشم صامتة، وكونلون صامت، وجبل اليشم صامت. وحده القمر في السماء يضيء كل شيء بهدوء: ماء بركة اليشم، وشجرة الخلود، والطيور الزرقاء الثلاثة، وشي وانغ مو في كهفها.
ألف عام.
ألفان.
ثلاثة آلاف.
إلى الأبد.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.