كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/42 · ملكة الغرب الأم — الفصل 4
الفصل السابق

42 · ملكة الغرب الأم — الفصل 4

ما وراء الليل

الفصل التالي

رحل الملك مو. ولم يبقَ عند بحيرة اليشم سوى ملكة الغرب الأم. ظلّ كأسه على الطاولة الحجرية، لكنه كان قد تحطّم، وكانت شظاياه تطفو فوق الماء. انحنت فالتقطتها من البركة، فقطع طرفُ إصبعها وسال منه دم ذهبي.

راقبت إلهة العقاب قطرة الدم وهي تتمدّد على سطح الماء، وتذوب، وتمتزج، ثم تختفي؛ كما اختفى طيف الملك مو في أفق الشرق. وظلت واقفة طويلًا، حتى غربت الشمس، وظهرت النجوم، وغمر ضوء القمر بحيرة اليشم، وحتى كلّت الطيور الزرقاء الثلاثة، فضمّت أجنحتها ودفنت رؤوسها في ريشها.

وأخيرًا استدارت سيدة جبل اليشم وعادت إلى كهفها. كان ذيلها النمري يجرّ وراءها، ويترك على الأرض أثرًا طويلًا. كل خطوة بطيئة، وكل وطأة ثقيلة. لم يتغير شيء في الكهف: السرير الحجري بارد، والجدران تشع ضوءًا غامضًا. اضطجعت وأغمضت عينيها، لكنها فتحت عين القلب؛ فرأت وجه الملك مو، ورأت ابتسامته، وسمعته يقول: «فيكِ أنت أيضًا مسحة تعب.» وسمعته يقول: «أنتِ أيضًا إلهة وحيدة.» وسمعته يقول: «وقلبكِ قد لا يكون شرسًا.»

جلست إلهة كونلون فجأة، واندفعت خارج الكهف، ثم وقفت عند الحافة تنظر شرقًا. كان بعيدًا جدًا؛ لم تعد تراه. رفعت يدها، وأرادت أن تنزل عاصفة رعدية فتشطر عربة الملك مو، لكنها توقفت. لم تطاوعها نفسها.

أنزلت المرأة ذات الذيل النمري يدها. تدلّى الذيل واهنًا، وكنس الأرض فأثار الحصى. نظرت إلى يدها: أظفار سوداء، وحراشف دقيقة بين الأصابع. هذه اليد تستطيع أن تقتل مليون إنسان، وأن تفني سلالة حاكمة، وأن تثير الكوارث، وأن تهزّ الأرض. لكنّها في تلك اللحظة لم تفعل إلا أن تنقبض ثم تنبسط.

طلع النهار، وكان ذلك اليوم الأول بعد رحيل الملك مو. جلست عند الحافة لا تفعل شيئًا، ولا تنظر إلا إلى الشرق. حملت إليها الطيور الزرقاء ثمرة من شجرة الخلود، فلم تتناولها. صاحت الطيور في حيرة، فلم تتناولها أيضًا. فوضعت الثمرة إلى جوار يدها وذهبت تبحث عن طعامها.

وفي اليوم الثاني وقفت أمام بحيرة اليشم تتأمل انعكاسها: الذيل النمري، والأسنان النمرية، والشعر المنفوش، وتاج اليشم، وإلهة العقاب، والإلهة المخيفة، وإلهة الكوارث. ثم مدّت يدها فجأة فبعثرت سطح الماء، فانكسرت الصورة إلى شظايا لا تحصى.

تسعت دوائر الماء دائرة بعد أخرى، من موضع وقوفها إلى الضفة الأخرى للبحيرة. وهناك كانت شجرة الخلود، غارقة في الضباب، وأوراقها الزرقاء تتمايل فيه كأنها عيون لا تفتح إلا نصف فتحة. نظرت إليها وفكرت فجأة: كم عمر هذه الشجرة؟ أهي أقدم مني؟ أم في مثل عمري؟ أم هي أقدم مني بكثير؟ لم تعد تذكر. لم تذكر إلا أن شجرة الخلود كانت هناك منذ وعَت، وأنها كانت تحكم منذ وعَت، وتعاقب منذ وعَت، وتعيش وحيدة منذ وعَت.

ثم سكنت التموجات أخيرًا، وعاد انعكاسها: الهيئة الإلهية نفسها، ذيل نمر وأسنان نمر، وشعر منفوش وتاج من اليشم. لم تعبث بالماء مرة أخرى، بل ظلت تنظر طويلًا حتى خُيّل إليها أن صورتها في الماء تنظر إليها هي أيضًا. ملكتا غربٍ أمٍّ تقفان متقابلتين عبر سطح الماء. قالت إحداهما:

«ماذا تفعلين؟ أنت تفكرين في فانٍ. أنت إلهة العقاب، سيف الطريق السماوي، والسيف لا ينبغي أن يعرف الحنين.»

وقالت الأخرى: «لا أدري. لا أستطيع إلا أن أفكر؛ أن أفكر مرارًا وتكرارًا في كلماته، وفي نظرته إليّ، وفي ندائه لي: يا إلهة بحيرة اليشم. خفق قلبي بضع خفقات؛ ثلاثًا، أو أربعًا، لا أذكر، لكنها بالتأكيد لم تكن خفقة واحدة.»

قالت الأولى: «لا يحق لكِ. إلهة عقاب حرست كونلون عشرات الملايين من السنين، تهتزّ من أجل بشر لا يعيش مئة عام! ما أشنعكِ، وما أشقاكِ، وما أضحككِ!»

أجابت الأخرى: «لعلّك محقة. لكنني أختار أن أكون شنيعة، وشقية، ومثيرة للضحك؛ لأن تلك الخفقات التي خفقها قلبي وأنا مثيرة للضحك هي الخفقات الوحيدة له منذ آلاف السنين. أما خفقاته السابقة فكانت خفقان الجسد، خفقانًا يحفظ القوة الإلهية، لا خفقان القلب. كان القلب متوقفًا من قبل. ولم يتحرك إلا حين رفع ذلك الرجل عينيه إليّ من سفح الجبل.»

وفجأة تحطم انعكاس الماء، لا لأنها بعثرته، بل لأنه انكسر من تلقائه. تشقق من الوسط إلى نصفين: في اليسار وجه الذيل النمري والأسنان النمرية؛ وفي اليمين وجه لم تره من قبل. لم يكن بذلك القبح: أسنانه النمرية أصغر قليلًا، وذيله أقصر قليلًا، وفي عينيه لمعان ماء، لا لمعان قتل، بل ضوء رقيق؛ ضوء قمر ليلة على بحيرة اليشم، ودفءٌ لا تدري كيف تخبئه منذ أن ناداها الملك مو باسمها. مدت يدها لتلتقطه، فمرّت يدها في الماء ولم تمسك بشيء. تمايلت الصورة المتكسرة ثم التأمت ببطء، وعادت إلى وجهها الأول، بذيله النمري وأسنان النمر وشعره المنفوش وتاجه اليشمي. غير أن عند زاوية عينها اليسرى ظهر خط قصير خفيف، لا يُرى إلا بتدقيق؛ كأنه موضع مرّ به الدمع مرارًا، حتى شقّ في برودة الصخر مجرى.

وفي اليوم الثالث بعد رحيل الملك مو، نزعت شعرة من ذيلها النمري ورأت الريح تحملها، ثم نزعت أخرى وأخرى. عادت الطيور الزرقاء الثلاثة وحطت على كتفها، وأمالت رؤوسها تطالعها، وأصدرت من حناجرها هديلًا غامضًا؛ لم تفهم ما بها.

نقر طائر أزرق أذنها بمنقاره. «يا سيدتي، ماذا تفعلين؟»

نظرت ملكة الغرب الأم إلى شعر الذيل بين أصابعها. «أنتف شعري.»

مال الطائر برأسه. «ولِمَ؟»

نفخت الشعر بعيدًا. «لا أدري. أشعر أنني أريد ذلك وحسب.»

قفز الطائر من كتفها إلى ركبتها. «يا سيدتي، لستِ سعيدة.»

خفضت رأسها إليه. «وكيف عرفت؟»

فرك الطائر رأسه بيدها. «لأنكِ لا تأكلين، ولا تتكلمين، ولا تنزلين الكوارث، ولا تنظرين إلى عالم البشر؛ لا تنظرين إلا إلى الشرق.»

صمتت ملكة الغرب الأم، وراح ذيلها يتأرجح بخفة فيكنس الأرض ويثير غبارًا ناعمًا. ثم قالت: «أفكر في شخص.»

أضاءت عينا الطائر. «أهو الرجل الذي في الحلم؟»

أومأت. طار الطائر فدار فوق رأسها دورة ثم عاد وهبط. «من هو؟»

لم تجب. انتظر طويلًا، حتى غربت الشمس وظهرت النجوم، ثم قالت أخيرًا: «بشر. إنه بشر.» فغرد الطائر غناءً خافتًا، متعرجًا كسؤال وكأنه تنهيدة.

وفي اليوم السابع، جرّبت أن تقول: «جي مان.» كان ذلك اسم الملك مو. وكانت تلك أول مرة تنطق بها هذا الاسم؛ خرج صوتها أجش، ولم يكن نطقها سليمًا، إذ طال عليها العهد بنداء أسماء البشر. حاولت مرة أخرى: «جي مان.» وكان هذه المرة أفضل. وظلت تكرره: «جي مان... جي مان... جي مان...» حتى صفا صوتها، ولان، وصار كماء بحيرة اليشم يتموج في رفق.

وفي اليوم العاشر وقع الأمر العجيب: أخفت أسنانها النمرية في فمها. كانت تلك أول مرة تخفي فيها هيئتها المرعبة بإرادتها. كانت الأسنان صغيرة، لكنها حين تبرز ترهب كل الكائنات. فلما أخفتها انطبقت شفتاها، فلم تعد تبدو بذلك القبح. لمست شفتيها: ملساوين، ناعمتين، دافئتين، لا كما كانتا من قبل، تكشفان دائمًا أسنانًا كالعظام البيضاء.

صرخت الطيور الزرقاء الثلاثة، ورفرفت، وطارت إلى مكان مرتفع، ثم راحت تحدق فيها في ذعر؛ لم تعد تعرفها. رفعت ملكة الغرب الأم رأسها وقالت: «ألم تعدن تعرفنني؟» لم تجب الطيور، وظلت تدور في الجو ولا تجرؤ على الهبوط. ثم هبط طائر أكثرها جرأة رويدًا، وظل معلقًا قبالتها، ينظر يمينًا ويسارًا ويميل برأسه. «يا سيدتي؟» كان صوته مترددًا. «أين أسنانك؟»

فتحت فمها قليلًا وقالت: «في الداخل.» اقترب الطائر ولمس شفتيها بمنقاره. «لكن... هل تظل السيدة بلا أسنان هي سيدتي؟»

توقفت ملكة الغرب الأم لحظة. خفضت رأسها ونظرت إلى انعكاسها في بحيرة اليشم: الشفتان مطبقتان، لا أسنان نمرية ولا هول. قالت بخفوت: «لا أعرف. لكنني أشعر أن هذا... ربما كان أفضل.»

فطوال عشرات الآلاف من السنين كانت ملكة الغرب الأم هي ذلك الوجه وتلك الهيئة الإلهية؛ لا تتغير، ولا يجوز أن تتغير، فإن تغيرت لم تعد ملكة الغرب الأم. لكنها تغيرت رغم ذلك؛ أخفت أسنانها النمرية، ولم تعد إلهة العقاب ذات الذيل والأسنان النمرية، وبدأت تصير... تصير كالبشر.

لم تجبرهن على شيء، بل واصلت الجلوس عند الحافة تنظر شرقًا، ويدها تلمس شفتيها بلا وعي. هنا كانت الأسنان النمرية تبرز، أما الآن فلا شيء. إحساس غريب: فراغ، لكنه خفة أيضًا.

وفي اليوم الثالث والثلاثين أخفت ذيلها النمري تحت ذيل ثوبها. وكان ذلك أصعب. فالذيل غليظ مبرقش، يتحرك من تلقاء نفسه ولا ينضبط. حاولت أن تستره بثوبها، لكنه كان طويلًا جدًا، فلا يلبث طرف منه أن يظهر. جربت عشرات الوسائل، ثم نسجت أخيرًا بقوتها الإلهية ثوبًا طويلًا يتدلى من خصرها إلى قدميها في طبقات متراكبة. أخفت الذيل تحته؛ فإذا مشت مسّ طرف الثوب الأرض، فلا يرى أحد ما تحته، إلا من دقق حين ينتفخ طرف الثوب انتفاخًا خفيفًا من حين إلى حين: ذلك الذيل يتحرك.

وبدأت الطيور الزرقاء الثلاثة تألف الأمر قليلًا، فعادت إلى كتفي ملكة الغرب الأم، وإن بقي الارتباك في عيونها. كانت رائحتها هي نفسها، لكن هيئتها صارت غيرها. مسحت ملكة الغرب الأم ريشها وقالت: «أنا هي. لا تخفن.» وكان صوتها قد تغير هو الآخر: لم يعد أجشّ عميقًا، بل صار رقيقًا ذا نبرات صاعدة هابطة، ككلام البشر، كأنه غناء.

وفي السنة الثالثة بعد رحيل الملك مو، لفت شعرها المنفوش في عقدة. فقد كان شعرها، طوال عشرات الآلاف من السنين، كالعشب المتشابك، وكالأشواك، وكعرف الوحش: جامحًا، عنيفًا، لا يسمح لأحد بالاقتراب. مشت أصابعها في خصلاته وانتزعت منها شعرًا كثيرًا، فتألمت، لكنها واصلت تمشيطه.

أمضت ثلاثة أيام وثلاث ليال تمشطه، حتى سوّت كل خصلة، ثم رفعتها في كعكة شعر وغرزت فيها دبوسًا من اليشم، فكشفت وجهها كله. ذلك الوجه لم تعد فيه أسنان نمرية ولا شعر منفوش. عاليتا الوجنتين، والحاجبان كالسيف، والشفتان مطبقتان، والنظرة عميقة. بقيت الهيبة، لكنها لم تعد رعبًا؛ صارت وقارًا، وصارت فتنة باردة.

دارت الطيور الزرقاء الثلاثة حولها وغردت بلا انقطاع. لم يعد غناؤها ذعرًا بل إعجابًا. لم تر قط ملكة الغرب الأم بهذا الشكل: بالغة النبل، بالغة الجمال، بالغة التألق. وتأملت ملكة الغرب الأم انعكاسها في بحيرة اليشم طويلًا. كان وجهها في الماء نظيفًا هادئًا، بلا ذيل نمر، ولا أسنان نمر، ولا شعر منفوش. مدت يدها ولمست الماء، فاهتزّ الانعكاس. رأت نفسها في الماء تنظر إليها أيضًا، وحركت الصورة شفتيها: «أهذه أنا؟» لم تجب بحيرة اليشم. نظرت قليلًا بعد، ثم قالت بصوت خفيف بعثرته الريح: «هذا ما كان يريد أن يراه.»

وفي السنة العاشرة، لبست ملكة الغرب الأم ثوبًا من السحاب ذي ريش. نسجته من السحاب المتورد، وصبغته بضوء النجوم، وخاطته بضوء القمر. كانت أكمامه ترفرف، وألوانه قوس قزح تتدفق. وحين لبسته ووقفت عند الحافة، حملت الريح أشرطة ثوبه كأنها توشك أن تصير طائرًا خالدًا وتطير. حطت الطيور الزرقاء الثلاثة على كتفيها، فبدت كإلهة سماوية، وقديسة، ولوحة؛ لا إلهة عقاب، ولا إلهة مخيفة، ولا إلهة كوارث، بل أنثى خالدة، وملكة، وملكة الغرب الأم: ملكة الغرب الأم الجديدة.

وفي السنة الثلاثين، هبطت ملكة الغرب الأم من كونلون. كانت تلك أول مرة تترك فيها جبل اليشم منذ عشرات الملايين من السنين. طارت الطيور الزرقاء الثلاثة أمامها تستكشف الطريق، وسارت في الدرب الذي صعده الملك مو يومًا. كان جبل السكاكين قد غطاه الطحلب، وانثنت نصاله حتى صارت كطين لين. وانطفأ بحر النار، ولم يبق منه إلا آثار الاحتراق السوداء، كندبة في جسد الأرض.

وبقيت الدرجات الحجرية التي تحولت إليها الوحوش كلها حين خضعت، وقد تراكم عليها إبر الصنوبر الجديدة الصفراء، لينة تحت القدم. لم يسلكها أحد؛ لم يسلكها أحد منذ زمن طويل.

بلغت الإلهة ذات الأسنان النمرية سفح الجبل، فرأت آثار معسكر الملك مو القديم: بضعة أخشاب بالية، ونصف سارية راية، وحجرًا مسودًا بالنار. وعلى الحجر كتابة منقوشة. انحنت لتقرأ: «— بلغ الملك هذا الموضع، فنظر غربًا إلى كونلون.» كانت الكلمات محفورة بالسيف، قوية الخطوط، غائرة في الصخر. مررت أطراف أصابعها عليها، فتساقط غبار الحجر. وحطت الطيور الزرقاء الثلاثة خلفها.

قالت: «يا سيدتي، هذه كتابة ذلك البشري.»

لم تقل ملكة الغرب الأم شيئًا، وظلت أصابعها تتبع الخطوط مرارًا. «نظر غربًا إلى كونلون»، قرأتها بصوت خافت. «حين رحل، التفت إليّ.»

رفرف الطائر. «وكيف عرفتِ يا سيدتي؟»

لمست الكلمات الأربع وقالت: «لأنه نقش هذه الكلمات الأربع. قبل أن يرحل، التفت إلى كونلون.» نهضت، فحركت الريح ثوبها المتلألئ، وكان يضيء قليلًا في شمس المغيب. «نظر غربًا إلى كونلون»، كررتها، وعضّت شفتها السفلى عضّة خفيفة بأسنانها النمرية المخفية.

كان النقش قد صمد ثلاثين عامًا من الريح والمطر وظل واضحًا، لأن سيف الملك مو كان سيف ابن السماء، ينحت الحجر كما ينحت اليشم. جلست إلى جوار الصخرة طوال بعد الظهر. حطت الطيور الزرقاء الثلاثة ونقرت طرف ثوبها، لكنها لم تعبأ. مالت الشمس نحو الغرب فمدّت ظلها طويلًا، وسقط ظلها على كتابة الملك مو فغطّى كلمتي «كونلون». تحركت قليلًا فانكشفتا، لكن ضوء الغروب صبغهما بالذهب؛ كخيوط تاج الملك مو، وكأنه يجلس في عربته ويبتسم لها. كان الغروب يومئذٍ مثل هذا الغروب.

وحط أكثر الطيور الزرقاء الثلاثة جرأة في حجرها، وأطلق من حنجرته هديلًا منخفضًا. لم يكن حيرة، بل حزنًا. كان يعلم أنها تفكر في شخص، في شخص لم يعد موجودًا. لم تبكِ ملكة الغرب الأم؛ فإلهة العقاب لا تبكي. لكنها دفنت وجهها بين يديها طويلًا. وحين رفعتهما، كان على وجهها خطان، لا أثر دموع، بل تشققات دقيقة خلّفها اضطراب القوة الإلهية؛ ذهبيتان، تمتدان من زاويتي العينين إلى الفك، كخزف متشقق رُمم بخيوط من ذهب.

لم تمحُ سيدة تاج اليشم هذين الخطين بسحرها، وتركتهما على وجهها، كنهرين يجريان من زاويتي العينين إلى الفك، فلا يزولان أبدًا. ولم تسلك بقية الطريق. خافت أن تبلغ عاصمة تشو، وخافت أن تبلغ هاو جينغ، وأن تجد ضريحه، أو ترى شاهد قبره، أو تقرأ في أي عام مات؛ وخافت أن تعرف كم عاش، وكم عاش بعد أن رحل، وهل ذكر كونلون من جديد، أو بحيرة اليشم، أو تلك الإلهة عند بحيرة اليشم التي جلست على الحجر وقدمت له كأس شراب.

لم تذهب؛ لم تجرؤ. عادت إلى جبل اليشم ودخلت الكهف وجلست على السرير الحجري، وذيلها النمري ملتف عند قدميها. ضمت الطيور الزرقاء الثلاثة أجنحتها ودفنت رؤوسها في ريشها، في ثقل وغموض أشد من كل ما عرفته في عشرات الملايين من السنين.

وفجأة قالت أم الأوبئة: «جي مان، لقد علمتني شيئًا. علمتني أن للآلهة أشياء لا تجرؤ على فعلها، وأمكنة لا تجرؤ على الذهاب إليها، وأجوبة لا تجرؤ على التحقق منها.»

صمتت طويلًا، ولم يبق في الكهف إلا صوت قطرات الماء: قطرة، ثم قطرة.

ثم قالت: «لكنني تغيرت مع ذلك، بسببك. صرتُ ما أنا عليه الآن. وإن كنت لا تستطيع أن ترى، فالسماء ترى، والأرض ترى، وبحيرة اليشم ترى، وشجرة الخلود ترى، والطيور الزرقاء الثلاثة ترى، وأنا أيضًا أرى.»

ولما قالت ذلك نهضت ومضت إلى مدخل الكهف. كان الفجر يلوح في الأفق، والضوء الذهبي ينسكب على قمة كونلون، وعلى ثوبها المتلألئ، وعلى الخطين الذهبيين. كان الخطان يلمعان في نور الصباح كأنهما نهران حقيقيان يجريان على وجهها.

وقفت تجسيد الكوارث عند الحافة، لا تزال تنظر شرقًا، وظهر في عينيها وجه الملك مو. لو جاء الآن ورآها وقد صارت هكذا، ماذا عساه يقول؟ أيُدهش؟ أيَسرّ؟ هل... هل يبقى؟ هزّت رأسها. لا. فهو ملك بشري له مملكته، وله شعبه، وله قدره. وهي إلهة، كائن لا يموت. بينهما السماء والأرض، والحياة والموت، وهوة لا يمكن تجاوزها. أغمضت عينيها، وقبضت أصابعها حتى انغرست أظفارها في راحة يدها وسالت قطرة دم ذهبي.

بعد مئة عام من رحيل الملك مو، كانت شي وانغ مو قد تبدّلت هيئتها بالفعل.

غدت مهيبةً مترفة، باردة الجمال، ترتدي ثوباً من قوس قزح وريشٍ سماوي، وقد رفعت شعرها في ضفيرة وثبّتته بدبوس من اليشم. أخفت ذيل الفهد تحت تنورتها، وأعادت أنياب النمر إلى فمها.

وأخذت تصنع الإكسير: دواء الخلود، وحبوب الخالدين، ورحيق السماء. قرب بركة اليشم خصصت حجرةً للكيمياء، وظلّ الموقد مشتعلاً ليل نهار. وكانت الطيور الزرقاء الثلاثة تراقب النار من أجلها، وتحمل إليها الأعشاب الروحية، والثمار السماوية، وفتات اليشم.

عدّلت الإلهة ذات الشعر المنفوش وصفةَ دواء الخلود. فقد كان الدواء القديم يحوّل الإنسان إلى مسخ، ويجعله يعجز حتى عن الموت. أضافت إلى الوصفة عنصراً اسمه الرحمة، وعنصراً اسمه الغفران، وعنصراً اسمه التخلّي. فلم يعد الدواء الجديد عقوبة، بل صار إتماماً للرجاء.

وكان الفانون يأتون يطلبونه، فتعطيهم إيّاه، لكنها تسألهم أولاً:

«أحقاً تريدونه؟

وبعد أن تصيروا خالدين، ماذا ستفعلون؟»

كان أكثرهم لا يجد جواباً، فينزل الجبل خائباً. وأحياناً كان أحدهم يملك جواباً، فتعطيه الدواء، ثم تراه يرحل: منهم من يصير خالداً، ومنهم من يبقى إنساناً، ومنهم من يصير بعد ألف سنة تراباً. لم تعد تسخر منهم أو تزدرِيهم؛ كانت تراقبهم في صمت، كما راقبها الملك مو ذات يوم.

وبعد خمسمئة عام من رحيل الملك مو، بدأت شي وانغ مو تؤوي بعض الخالدات. كنّ متعبّدات متفرقات، أو ناجيات من محن، أو بلا مأوى، أو آتيات لذكرها. أسكنتهن في أرجاء جبل اليشم، ووزّعت عليهن الأعمال: جمع الدواء، وصنع الإكسير، ونسج الثياب، وتنظيف المكان، وحراسة شجرة الخلود، وحماية شتلة شجرة البناء، وتفقد عروق حجر الألوان الخمسة.

سألتها إحدى الخالدات:

«يا شي وانغ مو، لِمَ عشتِ وحدك في كونلون كل هذه المدة؟ ولماذا آويتِنا بعد ذلك؟»

كانت شي وانغ مو جالسةً قرب بركة اليشم، إلى طاولة من حجر، تشرب من الرحيق. نظرت إلى الضفة المقابلة، حيث جلس ذات مرة إمبراطورٌ فانٍ.

قالت: «لقد جاء شخصٌ إلى هنا. وبعد أن رحل، لم أعد أريد أن أعيش وحدي.»

لم تفهم الخالدة وسألت: «من كان ذلك الشخص؟»

لم تجب شي وانغ مو. حدّقت في سطح الماء، فكأن صورة الملك مو ارتسمت عليه: وديعاً، هادئاً، وفي عينيه ابتسامة. مدّت يدها ومسّت الماء بطرف إصبعها. فتناثرت الصورة، ثم التأمت، ثم تناثرت، ثم التأمت.

سألت الخالدة برفق: «أسيعود؟»

هزّت شي وانغ مو رأسها.

«لن يعود. إنه من البشر، وعمر البشر لا يزيد على مئة عام.»

أطرقت الخالدة وقالت: «فلماذا ما زلتِ تنتظرينه؟»

رفعت شي وانغ مو كأسها، وتأملت الرحيق يتموّج فيها.

«لستُ أنتظره هو. إنما أنتظر تلك الذات التي أيقظها في داخلي.»

ابتسمت، ثم أفرغت الكأس دفعة واحدة.

وبعد تسعمئة وتسعةٍ وتسعين عاماً من رحيل الملك مو، كانت شي وانغ مو قد تغيّرت تماماً. صاروا يسمونها ملكة الخالدات. كان لديها ثمانمئة خالدة، وثلاثة آلاف غلام سماوي، وعدد لا يحصى من طيور الخلود. لم يعد جبل اليشم ذروةً موحشة، بل صار أرضاً مقدسة للخالدين.

جلست عند بركة اليشم تنظر إلى كل ذلك: إلى الخالدات وهنّ يذرعن المكان ذهاباً وإياباً، وإلى الطيور وهي تطير وتلهو، وإلى أغصان شجرة الخلود الوارفة، وإلى ثمار الخوخ السماوي المتدلية في عناقيد.

تمتمت: «جي مان، أترى ذلك؟ لم أعد وحيدة.»

لكنها كانت تعرف أن الملك مو لا يراه. فقد مات منذ زمن في عالم الفانين، ودُفن في التراب الأصفر، وصار عظاماً بيضاء، ثم عاد إلى العدم.

وفجأةً امتلأت عينا الجالسة عند البركة بضباب الدمع. لم تمسحه، وتركته يدور في محجريها. وفي النهاية لم يسقط؛ لم يستطع أن يسقط. فهي شي وانغ مو، ملكة الخالدات، وسيدة كونلون. كيف لها أن تبكي؟

لكن قلبها، ذلك القلب الذي كان يوماً شرساً عنيفاً ثم غدا رقيقاً رحيماً، امتلأ في تلك اللحظة بمرارة لا تُحتمل. رفعت يدها وضغطت على صدرها، وخرج من فمها زفير خافت.

حطّت الطيور الزرقاء الثلاثة على كتفها، تفرك خدها برؤوسها، وتسوّي شعرها بمناقيرها. صحبتها عشرة آلاف عام، ورأتها تتحول من إلهة العقاب إلى خالدة، ورأت أنياب النمر تعود إلى فمها، وذيل الفهد يختفي تحت ثوبها، ونظرتها تتبدل من الافتراس إلى الوداعة، ومن الفراغ إلى الحزن.

كانت تعرف أنها لم تنسَ، ولن تنسى أبداً ذلك الإمبراطور البشري الذي صعد جبل اليشم، فلم يخف منها، ولم يركع لها، ولم يطلب منها شيئاً؛ بل سألها فقط: لماذا أنتِ وحيدة؟

رفعت شي وانغ مو رأسها ونظرت شرقاً. مضت ألف سنة، وتعاقب على الشرق أباطرةٌ كثيرون. وصارت الجياد الثمانية تراباً، وتعفنت العربة الملكية. أما هي فبقيت هنا، لا يهرم وجهها، وعمرها بمقدار السماء.

قالت: «جي مان، شكراً لك.»

ثم نهضت. مرّ ثوبها السماوي على المقعد الحجري، وتحت التنورة تحرك ذيل الفهد برفق. كان ذلك آخر ما تبقى فيها من شي وانغ مو الأولى؛ لم تتخلّ عنه، ولم يكن في قدرتها أن تتخلى عنه.

ومضى الظل تحت شجرة الخلود إلى الكهف. كان ظهرها ممشوقاً، جليلاً، رشيقاً. لكن الطيور الزرقاء كانت تعرف أن تحت ثوبها، وتحت شعرها المرفوع ودبوس اليشم، وتحت ظاهرها البارد الجميل، تسكن دائماً تلك الإلهة البدائية ذات ذيل الفهد وأنياب النمر. لم تفنَ قط؛ إنما نامت، منتظرةً يوماً تستيقظ فيه من جديد.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.