عاد السيد دوان إلى سوق تشانغ. كان أنحف، وعلى كتفه الأيسر ندبة طويلة كأم أربعة وأربعين. مشيته كما كانت: لا سريعة ولا بطيئة، ثابتة كمشية من عرف الطين تحت قدميه عمرًا.
رآه تشاو صاحب اللحية الكبيرة عند باب المقهى فسقطت خرقة المسح من يده.
— «يا دوان العجوز! جئت أخيرًا!»
ابتسم دوان ابتسامته الخفيفة، التي لا تعرف أهي ابتسامة أم فكرة. أدخله تشاو، صنع شايًا طيبًا ووضع طبقين من الحلوى، وجلس قبالته. فتح فمه وأطبقه، ثم قال أخيرًا:
— «فتى آل لي... قُبل في مدرسة المقاطعة.»
ارتشف دوان الشاي وأومأ: «أعرف.»
— «جاء الشهر الماضي يبحث عنك. انتظر تحت السنط ثلاثة أيام. وحين انصرف قال لي أن أبلغك: يا سيد دوان، أُعيد التحقيق في قضية أخي، وانتهى آل تشاو. عُزل تشاو تيانده وسُجن، وقُسمت أراضيهم، وشُفي أبي، وخُطبت أختي. وقال إنه مدين لك بروح.»
أومأ دوان ثانية، وشرب في صمت.
ثم سأل تشاو السؤال الذي أخفاه ثلاثة أشهر: «يا دوان، ما الذي وقع تلك الليلة حقًا؟»
غمس دوان إصبعه في الشاي ورسم ثلاث دوائر على الطاولة.
«تشاو فو قتلته أنا. كان يستحق؛ هو من أهلك لي يوانخه، وكان يريد إهلاك يوانشان أيضًا.» ومسح الدائرة الأولى.
«صاحب لحية المعزى لم أقتله. قتله تشاو وِنكوي ليطمس الخبر. لما عرف أن الأمر انكشف، أمره بالهرب ليلًا، ثم أعد له رجلًا آخر في الزقاق.» ومسح الثانية.
«أما وِنكوي، فلم أقتله كذلك. لقد شنق نفسه حقًا. لكني وضعت رسالة على مكتبه تقول إن الإقليم تسلّم دفتر آل لي، وإن الرجال سيأتون صباحًا. ختمتها بختم رسمي مزور، ووضعت قربها ختمه الخاص الذي كان قد زوّره يومًا لإهلاك القاضي السابق. رأى الرسالة والختم معًا، ففهم أن روح القاضي هي التي جاءت تطلبه، وأن السماء سقطت.» ومسح الثالثة. لم يبق إلا ثلاث لطخات ماء تجف في الهواء.
لم يجد تشاو كلامًا. كان يظن دوان رجلًا يقاتل، فإذا به يحسب ويدبر؛ ثلاث أرواح وثلاث ميتات، ويدٌ واحدة وراء الجميع.
نهض دوان وأخرج السكين القصير ووضعه على الطاولة، ما يزال في قماش الزيت ومقبضه أكثر اهتراء.
قال: «صحبني هذا السكين أربعين سنة. قتل أناسًا طيبين وأناسًا أشرارًا. بعد الحرب لففته وقلت لن ألمسه ثانية. جعلت المروحة والمضرب بدلًا منه: أحكي الممالك الثلاث، وأبطال المستنقع، وصعود الأمم وسقوطها، وخير القلوب وشرها. ظننت بعد أربعين سنة أنني اغتسلت. لكن حين رأيت عين ذلك الشاب، عرفت أنني لن أغتسل أبدًا. أعرف تلك العين.»
اتجه إلى الباب وقال دون أن يلتفت: «احتفظ بالسكين تحت منضدة مقهاك. إذا متّ فادفنه معي. وإن سأل عنه أحد، فقل إنه من أدوات حكايات دوان، مثل المروحة والمضرب؛ كلها أدوات الرزق.»
دخل ضوء الخريف، فسقط على الطاولة والسكين ووجه تشاو الشارد. خرج دوان إلى السنط؛ كانت أوراقه سقطت كلها، وأغصانه العارية كلوحة حبر.
وكان تحته شاب بسترة نيلية. الندوب في ذراعيه كما هي، لكن عينيه لم تعودا فارغتين؛ فيهما ضوء صافٍ كموقد بدأ يشتعل.
لي يوانشان.
وقف الفتى، وتبادلا النظرة طويلًا. سقطت آخر ورقة من الشجرة، دارت ثلاث دورات ثم استقرت بينهما.
قال يوانشان: «لم آتِ لأشكرك. ما أدين لك به لا ترده كلمة شكر. جئت أسألك: أطلق غوان غونغ تساو تساو ليترك لنفسه غوان غونغ نظيفًا. وحين أوقفتني أنت، أفعلت ذلك لتترك لنفسك سيد دوان نظيفًا؟»
تحرك فم دوان بحركة أعقد من الابتسام: «لم أطلقك. أنت من توقف.»
— «لكنّك جعلتني أتوقف، بجملة لا بفم حكواتٍ، بل بما في عينيك. ماذا كان في عينيك؟»
سكت دوان قليلًا، والريح ترفع طرف ثوبه ثم ترده: «كنت أرى نفسي قبل أربعين سنة.»
احمرت عينا يوانشان، وكاد يركع، ركوعًا لا للشكر بل كمن يطلب أستاذًا. أمسك دوان كتفه ومنعه.
— «ما بالك؟»
— «علّمني. لا أن أحكي، ولا أن أقاتل أو أقتل. أريد أن أتعلم كيف تصير تلك الأشياء في العينين مثل ما في عينيك.»
نظر دوان إلى الأغصان وقال: «يا يوانشان، ما الحكواتي في رأيك؟»
— «من يروي القصص.»
— «لا. الحكواتي شاهد. المنبر يرى من تحته، ومن تحته يرى المنبر. أحدهم يحكي والآخرون يسمعون، لكن الشيء الحق ليس في الحكاية، بل في العيون. يوم كنت في الصف الثالث كان في عينيك أخوك وأختك وأبوك وأرض بيتك وتيانده وتشاو فو والموضع الذي قصدته والسكين والنهر والبئر. لكن لم تكن فيه أنت. إذا رأى الإنسان في عينيه غيره فهو إنسان؛ وإذا لم يرَ فيها إلا دم الآخرين صار سكينًا.»
توقف، وبدا يوانشان كأن شوكة علقت في حنجرته.
قال دوان: «ما أهم شيء في العمر؟»
قال يوانشان بعد تفكير: «أن نحيا؟»
هز دوان رأسه، وأشار إلى عينيه ثم إلى عيني الفتى: «أن ترى. أن ترى ما لا يراه الناس، وما لا تريد أنت أن تراه: عيون من تحت المنبر، وعين قلبك، والدم والدمع والسكين والمروحة، والحرف في الكتاب والمعاني العشرة تحته.»
«كان أستاذي الكفيف في سوق ليو لين لا يرى شيئًا، لكنه يرى أكثر من الجميع. قال لي قولًا أمضيت أربعين عامًا أفهم نصفه: الحكواتي لا ينقذ العالم، فهو أكبر من أن ينقذه إنسان، ولا يستطيع المرء أن ينقذ حتى حياة واحدة دائمًا. لكنه يستطيع أن يرى من يقف على حافة الهاوية، والحصى ينهار تحت قدميه، والنور يطفأ من عينيه؛ ثم يقول له جملة واحدة. جملة تكفي لتوقفه مقدار عود بخور، فيتراجع خطوة. وهذا يكفي.»
نظر يوانشان إلى المروحة في يده، وقد لمع عظمها المعتق بضوء أربعين سنة من العرق والريح والحكايات. ابتسم دوان هذه المرة حقًا.
— «أتدري لماذا أعطيتك المروحة والمضرب؟ لأن في عينيك الآن أنتَ. بعد أن تركت السكين، ومشيت سبعين ليًّا في الليل بالدفتر، وسلمته إلى خه تشينغيون، وسقط آل تشاو وأعيدت قضية أخيك، لم تعد عيناك لا ترى إلا أخاك وأختك وأباك وخصومك وسكينًا لم ترفعه. من يرى نفسه يستطيع أن يرى الآخرين؛ ومن يرى الآخرين يرى الخلق؛ ومن يرى الخلق يستطيع أن يحكي.»
«الحكواتي لا يحكي كتابًا، بل ما رأته عيناه في مئات العيون. غوان غونغ لم يطلق تساو تساو، بل أطلق نفسه. وكلامي لم يكن لكل الجمهور بل لإنسان واحد؛ فهم، فعاش. أما الثلاثة الآخرون فلهم ميتاتهم، ولم يقتلهم كلامي.»
سأله يوانشان، وصوته مبحوح: «فما الذي قتلهم؟»
فتح دوان مروحته؛ كانت الكلمات الأربع عليها: **قلوب البشر في خطر.** ومس بها صدر الفتى لمسة أخف من نزول طائر.
— «هم أنفسهم. مشوا خطوة بعد خطوة: تشاو فو بطمعه، وصاحب اللحية بحماقته، ووِنكوي بخوفه. هم من قطعوا طرقهم بطمعهم وحماقتهم وخوفهم. أما أخوك فترك لك لا دفترًا فقط، بل طريقًا لا ينتهي بالموت. أعطاك الدفتر ليقول: استخدمه، لا تستخدم السكين.»
انهمرت دموع يوانشان بلا صوت، حتى وصلت إلى زاوية فمه بطعم الملح. مد دوان إليه المروحة: «خذها. رافقتني أربعين سنة. كتبت عليها: قلوب البشر في خطر، أربع كلمات قرأتُها أربعين سنة وما زلت أتعلمها.» ثم أعطاه المضرب المصقول كحجر أسود.
— «سأذهب جنوبًا إلى سوق ليو لين. أستاذي الكفيف في الثالثة والثمانين؛ أريد أن أراه. أعطاني هذه المروحة والمضرب، وأنا أسلمهما إليك.»
— «لكني لا أعرف الحكاية.»
— «لا تحتاج أن تتعلمها. في عينيك كتاب. حين تمتلئ عيناك بالكلمات حتى لا تسعها، قف تحت السنط واضرب الطاولة؛ سيأتي الناس من تلقائهم.»
مشى دوان ثلاث خطوات، فناداه يوانشان: «يا سيد دوان، سؤال أخير: حين قطعت الحكاية على المنبر وقلت إن شيئًا سيقع، من رأيت؟ أرأيتني؟»
توقف دوان طويلًا، لا يلتفت، والريح تسحب ظله حتى قدمي يوانشان.
— «رأيتك. لكن الذي رأيته لم يكن أنت.»
اشتدت الريح وهزت أغصان السنط. قال دوان، وقد غطى الريح صوته لكن الفتى سمعه واضحًا:
— «رأيت طفلًا في العشرين يحمل سكين حطب ويخرج من كوخ الحطب، فيضرب جنديًا في مؤخرة عنقه.»
ارتجف يوانشان، وكادت المروحة والمضرب يفلتان. رفعت الريح آخر ورقة يابسة عن الأرض، ثم ألقتها في البئر. وحين رفع رأسه ثانية كان دوان قد ابتعد؛ صار ثوبه الرمادي نقطة أصغر فأصغر على طريق السوق، ثم ذابت النقطة في سماء الخريف الواسعة.
قلب يوانشان المروحة، فرأى على ظهرها أربعة أحرف صغيرة بالحبر الخفيف، كأنها كتبت عرضًا لكنها محفورة في القلب:
**اعرف نفسك. اعرف الخلق.**
ضمها إلى صدره، وبقي طويلًا تحت السنط. خرج تشاو صاحب اللحية الكبيرة ووقف إلى جواره، ينظران معًا إلى طريق دوان.
— «رحل دوان؟»
أومأ يوانشان.
— «ومتى يعود؟»
هز رأسه.
أخرج تشاو غليونه، أشعله وسحب منه نفسين. ثم سأل: «والسكين، أعطاك إياها؟»
— «لا. تركها لك، تحت منضدتك.»
ضحك تشاو ضحكة خافتة. عاد إلى المقهى، أخرج السكين الملفوف بالقماش الزيتي من تحت المنضدة، وزنه في يده؛ كان خفيفًا على نحو لا يليق بسكين قتل كل أولئك. أعاده إلى مكانه، ومسح الغبار عن يديه، وعلّق عند الباب لوحًا خشبيًا كتب عليه:
**موضع حكايات السيد دوان. تُروى الحكايات كل يوم تاسع. لا حجز مسبقًا.**
*(تمت الحكاية)*
---
> مجلد البشر · سجل غرائبيات الدنيا، الحكاية الثانية والعشرون — انتهى > عدد الكلمات: نحو عشرين ألفًا > زمن الكتابة: صيف سنة بينغوو > تمهيد للحكاية التالية: «الحكاية الثالثة والعشرون: قمر قاع البئر»
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.