كان الفجر يوشك أن يطلع.
ذهبت امرأة من الشارع الجنوبي لتستقي، فرأت رجلًا جالسًا على حجر البئر، رأسه منخفض وظهره إلى الحافة كأنه نائم. نادته فلم يجب، دفعته فانقلب على ظهره.
كان وجهه بلا دم وشفتاه بيضاوين. وفي رقبته شق رفيع، لا أعمق من خدش موس، جف دمه وصار عند الياقة جلبة سوداء حمراء.
صرخت المرأة، فاستيقظ الشارع كله. جاء الناس بفوانيس وسرج، بثياب على عجل ونعال مقلوبة، وعرف أحدهم الجثة: تشاو فو، كبير خدم آل تشاو.
كانت الضربة مستقيمة من اليسار إلى اليمين، ضربة واحدة لا أثر فيها لمقاومة. إما أنه ذُبح نائمًا، وإما أن يدًا عاجلته من الخلف. عيناه مفتوحتان وفمه مفتوح؛ لم يكن آخر ما في وجهه خوفًا بل دهشة، كأنه رأى شخصًا يستحيل أن يكون هنا.
سرى الخبر في البلدة: مات تشاو فو. قُتل تشاو فو.
ثم، قبل أن تمضي مدة طبخة، أتى الخبر الثاني. عُثر في زقاق بجوار دار البلدية على جثة قائد البلطجية، صاحب لحية المعزى. كان قد تلقى سبعًا أو ثماني طعنات، والدم سال من فم الزقاق إلى آخره. ظل يقبض على سكين طويلة عليها دم ليس دمه؛ قاتل قبل أن يموت، وخصمه أُصيب كذلك.
تبدل هواء السوق. كان ليو الأحدب، بائع الهلام، يغرف ماء في القدر حين صاح أحدهم: «مات صاحب لحية المعزى!» فأفلت المغرفة في الماء المغلي، وتناثر الماء على ذراعه ولم يشعر. وانكسرت مسطرة وانغ الثانية بائعة القماش في يدها. وكان سون الملطخ الوجه يحلق لرجل، فارتجفت يده وجرحت خده جرحًا رقيقًا؛ لم يصرخ الزبون، واكتفى الاثنان بنظرة عبر المرآة.
وما أرعب الناس أكثر أن لا أحد اقترب من الجثة. جاء رجلان بالزي الرسمي ووقفا عند فم الزقاق طويلًا يتبادلان النظر. وفي النهاية جرّ طباخ مسن من آل تشاو حصيرًا باليًا، غطى الجثة وراح يقرفص عند الحائط، ساترًا وجهه بمئزره، وكتفاه تهتزان؛ لم يعرف أحد أكان يبكي أم يضحك.
وكان السؤال في قلب كل واحد: اليوم آل تشاو، وغدًا من؟
ثم جاء الخبر الثالث: تشاو وِنكوي شنق نفسه في غرفة دراسته. لم يقتله أحد؛ ركل كرسيًا من خشب الورد تحت قدميه، وترك رسالة من سطرين: «جرائمي عظيمة؛ أكفّر عنها بالموت. لا تتعقبوا ولا تحققوا.»
لم يصدقه أحد. كان قد استولى على الأراضي ثلاثين سنة وأهلك أرواحًا لا تحصى؛ متى عرف الندم؟ لكنه مات.
عاد تشاو تيانده راكضًا من بيت البغاء بعد أن أضاء النهار. رأى أباه وخادمه وصاحب لحية المعزى: ثلاث أرواح اختفت من أسرته في ليلة. وقف في الفناء وربطة عنقه مائلة وياقته مفتوحة، ووجهه وجه مجنون، يصرخ: «من فعلها؟ من؟ لأخذن روحه!»
لم يجبه أحد. وقف أهل البلدة عند الباب، لا يدخلون ولا يتكلمون. وعلى كل وجه عبارتان: يستحقون. ومن التالي؟
فتح تشاو صاحب اللحية الكبيرة مقهاه، لا لاستقبال الناس بل ليتحصن في الداخل. أشعل أخيرًا غليونه وسحب منه نفسًا بعد نفس، والدخان يحجب وجهه ثم يكشفه.
دخل السيد دوان. كان كتفه الأيسر ملفوفًا بضماد أبيض تتسرب منه بقعة دم. كاد الغليون يسقط من يد تشاو.
— «يا دوان، كتفك...»
جلس دوان وسكب لنفسه شايًا باردًا وأفرغه دفعة واحدة: «ارتطمت بشيء. لا بأس.»
نظر إليه تشاو، إلى كتفه وإلى الهدوء الغريب في وجهه، وتذكر تحذير الأمس: مهما سمعت الليلة، لا تخرج. كانت في فمه أسئلة كثيرة، لكنه لم يسأل سؤالًا. ثلاثون سنة في المقهى علّمته أن بعض الناس لا يمنح السؤال عندهم جوابًا، وأن عدم السؤال أطول للعمر.
وضع دوان الكوب الفارغ ونهض: «يا أبا اللحية، سأذهب.»
— «إلى أين؟»
— «لأحكي.»
فتح الباب وخرج. أضاءت شمس الصباح ثوبه الرمادي؛ وقد جف الدم على كتفه فصار بنيًا قاتمًا كرقعة على ثوب قديم. مضى إلى السنط، وضع كيسه عند الجذر وأخرج المروحة ومضرب الحكواتي والمنشفة البيضاء.
ثم ضرب الطاولة ثلاثًا.
طَق. طَق. طَق.
التفت الناس. وقف السيد دوان تحت الشجرة، كتفه ملفوف ودمه ظاهر، لكنه مستقيم، ومروحته انفتحت بصفير؛ عليها الكلمات الأربع: **قلوب البشر في خطر.**
تجمعوا أكثر من الأمس. سمع كل واحد ما وقع في الليل، وأراد كل واحد أن يعرف ما سيقوله هذا العجوز الذي تبدو بينه وبين الموتى الثلاثة صلة لا يفسرها الكلام.
جال بصر دوان من اليمين إلى اليسار ومن الأمام إلى الخلف. رأى أبا اللحية والمرأة التي استقت من البئر وبائع الهلام ووجوهًا كثيرة، لكنه لم ير الفتى ذا السترة النيلية.
لم يكن لي يوانشان هناك.
فاطمأن قلبه.
تنحنح وقال: «بالأمس بلغنا أن غوان غونغ سد على تساو تساو طريق هوارونغ. قال تساو تساو وهو يشبك يديه: يا يون تشانغ، أرجو أنك بخير. لم ينزل غوان غونغ عن جواده، وكان الدم يقطر من سيف التنين الأخضر. ثم قال...»
توقف كما توقف بالأمس، لكن الخوف فارق وجهه؛ فيه الآن عمق بئر قديمة، لا يرى من ينظر إليها إلا صورته.
ضرب بالمضرب: طَق!
قال غوان غونغ: «يا منغده. اليوم ينقطع ما بيننا من فضل ومودة. اذهب.»
ذهل تساو تساو. أطلق له غوان غونغ طريق الحياة، فركب وفرّ ببقايا جنده. تقدم جندي من خلف غوان غونغ وسأل: «يا سيدي، أتتركه هكذا؟»
طبق دوان مروحته وأشار إلى كل من تحته: «قال غوان غونغ: أطلقه اليوم لا لأجله، بل لأجلي. في يدي من الأرواح ما يكفي؛ هذه الروح أتركها لي، لأبقي غوان غونغ نظيفًا، غوان غونغ الذي لم يقتل في هوارونغ، والذي يستطيع أن يواجه كلمات قسم حديقة الخوخ.»
أعاد المضرب والمروحة والمنشفة إلى الكيس، ثم رفع رأسه. لم يكن صوته عاليًا، لكن كل حرف بدا مسمارًا في الهواء:
«البارحة مات في البلدة ثلاثة: تشاو فو، ورئيس بلطجية آل تشاو، وتشاو وِنكوي. ثلاث أرواح. لكن تحت هذا المنبر إنسان حي. كان هو أيضًا على وشك أن يموت أمس، لكنه في اللحظة الأخيرة سمع جملة تقول: لا تتحرك اليوم؛ هناك من يراك، ومن رأى بعينيه عينيك. فسمعها. ولهذا بقي حيًا.»
تجمد الهواء. راح الجميع ينظرون إلى بعضهم، وفي عيونهم سؤال واحد: أيتحدث عني؟
حمل دوان كيسه ونزل. انشق الجمع له طريقًا، ولم يوقفه أحد ولم يناده أحد، ولم يجرؤ أحد على صوت. وبعد عشر خطوات صاح رجل: «يا سيد دوان، من تكون حقًا؟»
لم يتوقف، لكنه أجاب بصوت لا مرتفع ولا خافت:
— «حكواتٍ.
— أجوب الأسواق.»
وقف تشاو صاحب اللحية الكبيرة يتابع ظهره، وغليونه في فمه وقد انطفأ من غير أن يلاحظ. كانت يده ترتعش لا خوفًا، بل لأنه فهم فجأة: لم يكن تحذير دوان لتشاو فو ولا لوِنكوي، بل للي يوانشان. وموت تشاو فو وصاحب لحية المعزى ووِنكوي ربما لم يكن له علاقة بكلام الحكواتي، وربما كانت له به علاقة كاملة.
أنزل الغليون، فرأى رماده باردًا. نفخ فيه فتطاير في الشمس، كأنه ثلاث ذرات رماد.
ثلاث ذرات.
ثلاث أرواح.
حكى الحكواتي عن غوان غونغ الذي أطلق تساو تساو، وحكى عن شخص تحت المنبر ستقع له مصيبة، وحكى عن أربع أرواح.
فأصاب في ثلاث فقط.
أما الرابعة، فقد أنقذها الحكواتي بنفسه.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.