كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/06 · مجرّب النوم في البيت المشؤوم — الفصل 3
الفصل السابق

06 · مجرّب النوم في البيت المشؤوم — الفصل 3

ما وراء الليل

الفصل التالي

لم يذهب السيد دوان إلى الطرف الشرقي من البلدة.

انعطف إلى زقاق ضيق، لا يتسع لاثنين متجاورين. على الجانبين جدران عالية مكسوّة بالطحلب المبتل، وكانت قطرات المطر تنقر الحجر: طَق... طَق... كأن أحدًا يعدّ الأرقام.

في عمق الزقاق قرفص، ووضع الكيس على ركبتيه، وأخرج شيئًا ليس مروحة ولا مضرب حكواتٍ.

كان سكينًا قصيرًا، بطول شبر، نصلُه رقيق بلا غمد، ملفوفًا بقطعة قماش زيتية. حين فكّها أضاء السكين في العتمة بلمعان خافت؛ لا ضوء قمر ولا مصباح، بل لمعان الحديد الذي تشرب الدم طويلًا.

كان السكين عتيقًا. انقطعت ثلاث لفّات من مقبضه، وفي النصل ثلمات صغيرة من عظام سبق أن ضربها. لم ينظر إليه دوان منذ أعوام، لكن ما إن لمست أصابعه المقبض حتى تذكرت كيف تقبض عليه. العضلات لا تنسى. والعظام لا تنسى. واليد التي قتلت لا تنسى ما دامت حية.

مرّ وقع أقدام عند فم الزقاق ثم ابتعد. خرج دوان بخفة لا توقظ برك الماء، ومضى جنوبًا، حيث دار آل تشاو الكبيرة.

كانت في أقصى الجنوب: ثلاثة أفنية متعاقبة، طوب أزرق وقرميد رمادي، جدرانها أعلى من جدران الناس بشبرين، وفوقها شظايا خزف. بابها من خشب الدردار السميك، وفيه حلقتان نحاسيتان برأسي أسدين.

وقف دوان خلف شجرة سنط مقابلة للباب. كان الباب موصدًا والضوء يتسرب من شقه. انتظر نصف عود بخور، ثم خرج تشاو وِنكوي، كبير العائلة، في رداء حريري أزرق داكن يتكئ على عصا حضرية؛ تفحص الشارع ومضى نحو دار البلدية.

وبعد حين خرج تشاو تيانده، ببدلة بيضاء وشعر لامع وسيجارة في فمه، يمشي مزهوًا نحو بيت البغاء الوحيد في البلدة. وبقي دوان ينتظر الثالث: كبير الخدم تشاو فو، أثق الناس عند وِنكوي وأقساهُم. نصف ما اقترفته الأسرة من اغتصاب أراضٍ وإهلاك نفوس وإذلال للنساء والرجال نفّذه هو. فإن كان لموت لي يوانخه صلة بآل تشاو، فهو القاتل.

لكنه لم يخرج. انغلق الباب.

دار دوان إلى الخلف، حيث جدار قصير وراءه بستان خضر. عبره بخفة ورقة، ومشى بين الملفوف والفجل حتى نافذة الفناء الخلفي. كان في الغرفة ضوء وأصوات.

قال تشاو فو: «قال السيد الكبير إن أمر فتاة آل لي ينبغي أن يُنجز سريعًا. فالليل يطول ويكثر معه الخطر.»

وسأل رجل آخر، يبدو بلطجيًا: «وماذا عن لي يوانشان؟ ذلك الفتى مجنون؛ كاد يشهر سكينه في وجه السيد تيانده المرة الماضية.»

جاء صوت تشاو فو باردًا: «لا حاجة لنا أن نحرّك ساكنًا معه. الليلة سيأتي إلينا بنفسه.»

تجمد جسد دوان.

تابع الخادم: «أرسلت إليه أن عندي دليلًا على مقتل أخيه، وواعدته عند الساعة الثالثة من الليل في قاع الفرن المهجور شمال البلدة.»

قال الرجل: «وهل يجرؤ على المجيء؟»

ضحك تشاو فو ضحكة لم تكن ضحكة، بل احتكاك أسنان: «جاء أو لم يأتِ سواء. إن جاء، فهناك خمسة رجال في الفرن. وإن جبن، أثبت غدًا قضية أخيه تثبيتًا لا يمحى، فيعيش آل لي مطأطئي الرؤوس. أما أخته فستكون، عاجلًا أو آجلًا، للسيد تيانده.»

تحسست أصابع دوان السكين في كيسه وانقبضت حتى ابيضت مفاصله، ثم أفلتته. تراجع ثلاث خطوات وذاب في ظلام البستان.

لكنه عاد أولًا إلى الفناء الأمامي. تسلق الجدار من شق طوب يعرفه بعادة أربعين سنة: تفقد الجدران قبل كل شيء، واعرف الحجر الرخو والطحلب الذي لم يمسه أحد. لم يصدر عن دخوله سوى غصن يابس انكسر تحت حذائه؛ توقف عشرة أنفاس، ثم مضى.

كان بيت تشاو ليلًا متاهة، غير أن قدميه تعرفان الحجر والطين والحصى، وأذنيه تعرفان ورق النوافذ في الريح، والفأر على العارضة، وناقوس الحارس في شارع بعيد. عند غرفة دراسة تشاو وِنكوي وجد نافذة مواربة بعرض إبهام، فدفعها بإصبعين وقفز إلى الداخل كقط.

كان المصباح بحجم حبة فول، وما وراء دائرته ظلام. مكتب من خشب الورد، ورقة خط عليها نصف كتابة قبيحة، وثقالة ورق من اليشم الأخضر منحوتة على هيئة بيشيو. أخرج دوان ورقة بيضاء وكتب سطرين بخط صلب نحيل كحد السكين. طواها ثلاثًا ووضعها في وسط المكتب تحت ثقالة اليشم، ثم ختم ذيلها بختم أحمر صغير.

لم يكن الختم له. كان غنيمة من جبهة الشمال قبل أربعين عامًا: ختم رسمي أهداه آل تشاو يومًا لفتح الأبواب بالنفوذ. كان وِنكوي يعرفه؛ وإذا عرفه صدّق، وإذا صدّق خاف. لم تحمل الرسالة تهديدًا ولا سبابًا، بل خبرًا واحدًا: لقد وصل الدفتر إلى من ينبغي أن يصل إليه، وتنتهي سماؤك الليلة. وأخرج دوان من مخبأ في الدراسة ختمًا خاصًا مزورًا كان وِنكوي قد استعمله حين أهلك قاضي المقاطعة السابق، ووضعه قرب الرسالة. بذلك لن يرى وِنكوي رسالة فحسب، بل يد القاضي الميت تطلب دَينها.

أعاد كل شيء كما كان، وخرج.

ثم ذهب إلى آل لي في شرق البلدة. كانت ثلاثة بيوت من طين وجدارها لا يبلغ نصف قامة. لم يكن في الفناء نور، لكن بكاءً مكتومًا انساب منه. أضيئت السراج في الداخل، وعلى ورق النافذة خيال أم لي يوانشان، شعرها منفلت، وخيال أخته.

— «أماه، إلى أين ذهب أخي؟»

— «لا أدري. خرج عند حلول الظلام، ولم يقل شيئًا. كان وجهه... لم أجرؤ على منعه.»

— «سأذهب لأبحث عنه.»

— «اجلسي! لا شأن لك بأمر أخيك. إلى أين تذهب فتاة في جوف الليل؟»

— «قلبي يرتجف. ظل جفني الأيمن يرفّ يومًا كاملًا.»

نهض ظل الفتاة وجلس، وجلس ثم نهض، كنملة على صفيح ساخن. وقف دوان خارج السور يتأملها، ثم استدار ومضى شمالًا.

كان الفرن القديم على مسافة ثلاثة ليّات، فرنًا للآجر هجره الناس منذ سنين. نبت العشب فوق سقفه وانهار نصف فمه، وفي الساحة أمامه وقف ستة رجال بالسواد، في أيديهم عصي وسكاكين تومض كألسنة الحيّات.

اختبأ دوان خلف دردارة عتيقة، على خمسين خطوة منهم. ثم سمع أقدامًا من الجهة الأخرى. جاء شاب بسترة نيلية، كُمّاه إلى مرفقيه وندوب قديمة في ذراعيه: لي يوانشان.

جاء وحده بلا سلاح؛ سلاحه كان في قلبه. نارٌ احترقت ثلاثين يومًا: عين أخيه المتسعة عند الموت، وسبّ أبيه المريض له بأنه عديم النفع، وبصقة تشاو تيانده حين طرح أخاه أرضًا، وبكاء أخته خلف الباب. كان ذلك أثقل من العصا وأسرع من السكين.

وقف أمام الفرن ورأى الستة وسلاحهم. لم يظهر على وجهه خوف؛ ظهر فيه خيبة واحدة. لم يكن تشاو فو بينهم.

قال: «أين تشاو فو؟»

تقدم قائدهم، رجل في الأربعين بلحية معزى وسكين أطول من سواها. قال: «قال تشاو فو إن لي يوانشان لن يجرؤ على المجيء. يبدو أنه أخطأ.»

قال يوانشان بصوت جليدي: «سألتك: أين تشاو فو؟»

بدّل الرجل سكينه إلى يده اليسرى ومسح ذقنه: «موت أخيك لا صلة له بآل تشاو. عد الآن، وغدًا سلّم أختك للأسرة؛ لعل السيد تيانده يمنحكم بعض الأرض الطيبة. وإن لم تفعل...»

لم يتم. اندفع يوانشان، وضرب وجهه بقبضته. تناثر الدم من أنفه، وأحاط به الباقون. ارتفعت العصي والسكاكين، ولم يتراجع الفتى. لم يأتِ ليقاتل؛ أتى ليخرج النار من صدره، وليكن ما يكون بعد ذلك. كان أخوه ينتظره في قاع النهر.

لكن ظلًا رماديًا خرج من خلف الدردار.

اندفع السيد دوان إلى الحلقة. لم تكن حركته عنيفة كحركة الشباب، لكنها محسوبة: قطع ذراع رجل فسقطت عصاه، وطعن فخذ الثاني فركع، ثم أبصر سكين صاحب لحية المعزى تهوي نحو ظهر يوانشان. ركل الفتى بعيدًا، فتلقى الضربة على كتفه الأيسر. انفتحت الجرح عميقة، وتفتحت على ثوبه الرمادي زهرة حمراء قاتمة.

لم يصرخ. مرر سكينه بيمناه على معصم الرجل فسقط السلاح في الطين. تبادل الثلاثة الباقون النظرات وتراجعوا؛ ربما أخافتهم خبرته، وربما لم تكن فضة تشاو فو تستحق أن يموتوا لأجلها.

كان دوان قائمًا في بركة الدم، وكتفه ينزف، مستقيمًا كوتد لا يدفعه شيء. التفت إلى يوانشان. عرفه الفتى: الحكواتي دوان. أمسك دوان ذراعه ورفعه من الأرض.

— «اذهب.»

لا إلى البلدة، بل إلى حقول الذرة، إلى مكان لا بشر فيه. مشيا حتى عمق الحقل، حيث السيقان أعلى من إنسان. هناك تركه دوان واستند إلى ساق ذرة يلهث؛ كان نصف ثوبه قد احمرّ بالدم.

ظل يوانشان ينظر إليه طويلًا ثم قال: «لماذا أنقذتني؟ أنت حكواتٍ فقط. كيف تعرف القتل؟ ضرباتك تلك ليست ضربات من قتل للمرة الأولى.»

لم يجب دوان. اقترب يوانشان، وقد صار في عينيه ضوء مختلف، ضوء من رأى الحقيقة: «هل قتلت من قبل؟ هل قتلت كثيرين؟»

أخرج دوان القماشة الزيتية والسكين ووضعهما على الأرض. كان الدم لم يجف، بعضه من خصمه وبعضه منه. قال بصوت أخف من حفيف أوراق الذرة: «صدقت. قتلت. قتلت كثيرين جدًا. أعرف عينيك لأنني رأيتهما في جرّة الماء قبل أربعين سنة. قضيت عمري أحاول غسل تلك العينين من عينيّ. ولم أنجح.»

ثم رفع رأسه، وقد دفئ ضوء عينيه كجمر موشك على الخمود: «يا يوانشان، أجبني: هل ترك أخوك شيئًا قبل موته؟»

ارتجف الفتى وأخرج لفافة قماش فيها دفتر أصفر بالٍ؛ دفتر أخيه لي يوانخه. كان الأخ بنّاء حجارة يصنع شواهد القبور والمقابر لآل تشاو. وعلى سفح يملكونه اسمًا كمحجر، وقد اغتصبوه حقًا من أراضي أسلاف عشرات الأسر، دوّن الأخ سرًا كيف أجبروا الناس على الموت، واستولوا على الأرض، وأحرقوا من أبوا الرحيل؛ نصف دفتر سطرًا سطرًا.

في ليلة موته سلّم الدفتر لأخيه وقال: «يا يوانشان، بهذا يسقط آل تشاو. احفظه.» وفي الغد وُجد غريقًا.

قلب دوان الصفحات تحت النجوم وقال: «يكفي. هذا يكفي لقطع رؤوس الأسرة كلها. هل يعلم أبوك؟»

— «لا. خفت أن لا يحتمل.»

أعاد دوان الدفتر إلى يده، وكانت يده باردة من فقد الدم: «عند الفجر اذهب به إلى مدينة المقاطعة، ولا تسلك الطريق العام. رجال تشاو سيبحثون عنك. لا تذهب إلى مكتب المقاطعة؛ تيانده موظف فيه. ابحث عن المفتش القادم من عاصمة الإقليم، اسمه خه تشينغيون، في نزل دونغشنغ، الغرفة الثالثة من الدرجة الأولى. قل له إن دوان العجوز أرسلك. رأيته قبل أربعة أيام بين جمهور الحكاية، وعرفت شارة مكتبه المطرزة على كمه؛ كنت جنديًا في معسكر تشينغتشو، ولم تتغير تلك الشارة في ثلاثين سنة.»

صار الدفتر أثقل في يد يوانشان، لا لأنه تغيّر، بل لأن نار قلبه أضاء فيها نور آخر، ليس نار فناء مشترك فحسب. نهض دوان مترنحًا وقال: «اذهب.»

مضى يوانشان، والتفت مرة واحدة. كان دوان قائمًا بين الذرة، لا يكاد يُرى في ثوبه الرمادي، إلا بقعة الدم على كتفه تحت النجوم.

كراية.

راية مضرجة بالدم.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.