كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/06 · مجرّب النوم في البيت المشؤوم — الفصل 2
الفصل السابق

06 · مجرّب النوم في البيت المشؤوم — الفصل 2

ما وراء الليل

الفصل التالي

خرج السيد دوان من سوق بلدة تشانغ.

وسار ثلاثة ليّات إلى الغرب.

على جانب الطريق معبد مهجور لإله الأرض. كان بابه ساقطًا، وتمثال الإله مفقودًا نصف رأسه، وشباك العنكبوت في الزوايا كثيفة ككتل القطن. دخل السيد دوان المعبد، ووضع كيسه القماشي على مذبح القرابين، ثم جلس على العتبة.

جلس السيد دوان.

لا يتحرك.

كتمثال من طين.

أغمض عينيه.

فتراءى له الوجه الذي رآه قبل قليل بين الجمهور.

كان وجه شاب في أوائل العشرين. كان يجلس في الصف الثالث من المقاعد، ويرتدي سترة قصيرة بلون النيلة، وكُمّاه مطويان إلى المرفقين. وعلى ذراعيه ندوب عدة. قديمة. لم يصب بها اليوم. لم يكن في وجهه تعبير خاص؛ كان مثل سائر الحاضرين، فمه مفتوح ورأسه مرفوع، ينتظر الجملة التي سيقولها غوان غونغ.

لكن السيد دوان لم ير وجهه.

رأى عينيه.

قضى السيد دوان عمره في الحكي. وكانت عيناه تمسحان كل يوم مئات الوجوه من تحت منبره. لم يكن يعرف أكثرهم، لكنه يعرف كل نظرة.

نظرة الفضول.

نظرة الملل.

نظرة من ينتظر أن يظفر منه بزلة.

نظرة من ينتظر أن يضحك عليه.

ونظرة من استغرق في الحكاية حتى نسي من يكون.

كان يعرف تلك النظرات جميعًا. كما يعرف الخياط أنواع القماش، والنجار أنواع الخشب، والجزار كل قطعة في جسد الخنزير.

لكن اليوم.

في الصف الثالث.

ذلك الشاب ذو السترة الزرقاء النيليّة.

كان ينظر إلى السيد دوان فوق المنبر.

وكانت عيناه فارغتين.

والفراغ ليس غياب الروح. الفراغ هو— أن روح هذا الرجل لم تعد هنا. كانت روحه قد طارت إلى مكان آخر. طارت إلى هذه الليلة. إلى مكان ما. إلى أمام شخص ما. وكانت روحه تفعل أمرًا ظل يفكر فيه زمنًا طويلًا جدًا.

قتل إنسان.

كان السيد دوان يعرف تلك النظرة.

يعرفها أكثر مما ينبغي.

قبل أربعين سنة، رأى تلك النظرة عند بركة ماء. كانت عيناه هو تنعكسان على سطح الماء. يومها كان في العشرين فقط، وقد قتل أول إنسان.

كان جنديًا.

جنديًا يرتدي سترة عسكرية مرقمة.

اقتحم ذلك الجندي فناء بيته، وطرح أمه على الأرض. اندفع أبوه نحوه حاملًا معزقة، فطُعن في بطنه حتى خرج النصل من الجهة الأخرى. كان هو مختبئًا في مخزن الحطب، ورأى كل ذلك من شق الباب. ثم التقط من كومة الحطب ساطورًا. وحين رفع الجندي سرواله واستدار، ضربه بالساطور على مؤخرة رقبته.

ضربة واحدة.

لم تقتله.

زحف الجندي على الأرض، واندفع الدم من رقبته. تناثر على الجدار. وعلى الأرض. وعلى وجهه هو. فضربه مرة ثانية. ثم أخرى. ثم أخرى. ظل يضربه ضربة بعد ضربة، حتى كف الجندي عن الحركة، وحتى انثنى نصل الساطور.

كان السيد دوان يومها راكعًا على الأرض، يلهث نفسًا بعد نفس.

ثم رأى وجهه ينعكس في ماء جرّة الماء.

رأى السيد دوان عينيه.

تلك النظرة نفسها.

فارغة. لم تعد روحه هناك. كانت قد طارت إلى الساطور، وإلى جسد الجندي، وإلى الدم.

هرب في تلك الليلة. هرب بعيدًا. إلى ساحة الحرب. وصار جنديًا. قتل أناسًا أكثر. كثيرين كثيرين. عددًا لا يريد أن يفكر فيه، وعددًا لم يعد يذكر معه الوجوه.

انتهت الحرب فيما بعد.

وضع السيد دوان السكين جانبًا.

وأمسك بالمروحة ومضرب الحكواتي.

أراد أن يغسل ذلك الدم بالحكايات.

غسله أربعين عامًا.

ولم ينظف.

لكنه صار، على الأقل، يستطيع أن يعرف من النظرة الأولى أي عينين— تحملان دمًا.

حارب السيد دوان ست سنوات. من الشمال إلى الجنوب، ومن الجنوب إلى الشمال. صار الجندي الجديد الآتي من السهل جنديًا مخضرمًا، وصار المخضرم مجنونًا لا يجرؤ أحد على استفزازه. تبدلت السكاكين بين يديه واحدة بعد أخرى. وفي نصل كل واحدة منها ثلم. كلما تثلمت، شحذها. وفي النهاية ضاق النصل بمقدار نصف إصبع. صارت السكين أخف، لكن اليد التي تحملها صارت أثقل.

كم إنسانًا قتل السيد دوان؟ لم يعد. لم يجرؤ على العد، ولم يشأه.

لكنه تذكر كل وجه. على الأقل في السنوات الثلاث الأولى، كان يذكر كل وجه بوضوح. الجندي ذو السترة الرمادية: وجهه مستدير، وعلى خده الأيسر شامة سوداء. الضابط الذي ركب حصانًا أصفر: حاجباه غليظان حتى يبدوان كخط واحد. والشاب الراكع في الطين: لم يكن أكبر منه إلا بقليل، وفي عنقه قلادة من اليشم منقوش عليها حرف واحد: «الحظ».

ثم، في السنة الرابعة والخامسة، بدأت الوجوه تضطرب وتتداخل. من قتلهم نهارًا عادوا إليه ليلًا في أحلامه. لا يتكلمون، بل يقفون وينظرون إليه. لم يعد يجرؤ على النوم. فما إن يغمض عينيه حتى تطفو الوجوه، كقمر في بئر: ينكسر واحد، فيظهر آخر، ولن تنتهي الكسور أبدًا.

انتهت الحرب وتفرق الجنود. عاد من له بيت إلى بيته. ومن لا بيت له— لم يدر إلى أين يذهب.

وكان السيد دوان ممن لا بيت لهم.

مر في أماكن كثيرة. عمل حمّالًا، وبوابًا، وسائس خيل. لكن لم يرد أحد الاحتفاظ به. كان في عينيه شيء لا يُوصف، كسطح نهر تجمد في الشتاء. تقف عنده فلا ترى ما تحت الماء، لكنك تعرف— أن شيئًا يتحرك في القاع. كان أرباب العمل يخافون حين يرون عينيه. فلا يستخدمونه ولا يقتربون منه. وحتى إذا كلموه، جعلوا بينه وبينهم طاولة.

وفي يوم وصل إلى سوق ليو لين. رأى فيه شجرة سنط عتيقة، وتحتها حكواتي أعمى. كان الأعمى في الثمانين وما بعدها، وحاجباه أبيضان طويلان كخطين من الثلج. وفي يده مروحة قابلة للطي، وكان يحكي. لم يكن يحكي «الممالك الثلاث» ولا «أبطال المستنقع»، بل يحكي قصته هو: كيف تحول من جزار خنازير— إلى حكواتي.

وقف السيد دوان خارج الجمع، وأصغى يومًا كاملًا. حل الظلام، وانصرف الناس، لكن الأعمى ظل جالسًا تحت السنط. أمامه حوض نحاسي فيه نقود قليلة. لم يمد يده إليها. ثم قال للهواء جملة:

— تعال هنا.

تجمد السيد دوان لحظة. كان واقفًا في ظل الشجرة، ولا أحد حوله. فلمن كان الأعمى يتكلم؟

كرر الأعمى:

— تعال. لا تقف في الريح. في الريح رائحتك. رائحة صدأ. ورائحة دم. ورائحة مضت عليها أعوام طويلة ولا تغسل أبدًا.

مشى السيد دوان إليه ووقف أمامه. مد الأعمى إليه المروحة التي في يده. أخذها السيد دوان، وعلى وجهها أربعة أحرف: **قلوب البشر في خطر.**

قال الأعمى: «في عينيك أشياء كثيرة. لا تعودان تتسعان لها. لا بد أن تفرغها. والمكان الذي تفرغها فيه هو الحكاية. إن لم تفرغها، فستظل تحفر إلى الداخل: إلى عظامك، وإلى أحلامك، حتى تحرقك في النهاية فتجعلك قبضة من رماد».

وقف السيد دوان طويلًا أمام الأعمى والمروحة في يده. كانت الريح تحرك أوراق السنط بصرير خافت، كأن شيئًا يتفرق في الريح، وكأن شيئًا آخر يتجمع فيها.

منذ ذلك اليوم، مات دوان المجنون، مجنون المعسكر الحديدي. وعاش السيد دوان الذي يطوف الأسواق.

ذلك الشاب.

من يريد الشاب أن يقتل؟

وكم إنسانًا؟

ومتى سيتحرك؟

لم يكن السيد دوان يعرف. كان يعرف فقط أن في عيني الشاب شيئًا لا يخاف الموت. وكان ذلك الشيء يقول له: الليلة. لا بد أن تكون الليلة.

لم يبلغ السيد دوان السلطات.

لم يعرف كيف يبلغهم.

هل يعود إلى السوق ويقول لشاب: «هل تنوي أن تقتل الليلة؟ لا تقتل. إن قتلت إنسانًا فلن تبقى إنسانًا، وسينهدم عمرك كله»؟

من سيصغي؟

ومن سيصدق؟

إنه عجوز يحكي القصص. لا أكثر من حكواتي.

لذلك قال جملته على المنبر. لم يملك إلا هذه الطريقة: تحذيرًا مبهمًا، يأمل أن يسمعه الشاب ويفهمه ويتوقف.

لكنه لم يكن متأكدًا.

لم يكن متأكدًا إن كان الشاب قد فهم.

ولا إن كان لا يزال بين الجمهور.

ولا من أي شيء.

ومضى السيد دوان نحو البلدة.

كان يمشي أبطأ من مجيئه. كل خطوة كأنه ينتزعها من الطين. كيسه القماشي على كتفه، والمروحة ومضرب الحكواتي يتصادمان في داخله بصوت خفيف.

مر السيد دوان من القوس التذكاري خارج البلدة.

ومن البيت الأول.

ومن البيت الثاني.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.