كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/06 · مجرّب النوم في البيت المشؤوم
الفصل السابق

06 · مجرّب النوم في البيت المشؤوم

ما وراء الليل

الفصل التالي

لم يكن الفجر قد انبلج تمامًا.

لكن السوق كان قد افتتح.

لا أحد يعرف متى بدأ هذا السوق.

لكن الناس يجيئون إليه دائمًا قبل أن يطلع النهار.

إلا أن اليوم كان مختلفًا.

فالناس اليوم— كانوا هادئين أكثر مما ينبغي.

لا مساومة على الأسعار، ولا نداءات الباعة، ولا بكاء أطفال.

كان الجميع يتجهون إلى طرف السوق الشمالي.

إلى أسفل شجرة السنط العتيقة.

كان الحكواتي هناك.

وقد ظل يحكي ثلاثة أيام.

كان يحكي عن— أمور العالم السفلي.

لم تكن حكايات تمثيل.

بل وقائع حقيقية.

فالأموات الذين يتحدث عنهم كانوا أحياء بالأمس.

والأماكن التي يذكرها زارها أناس اليوم.

أما الأشباح التي يصفها، فهي تقف الآن بين جمهور المستمعين.

كان السوق الصباحي في بلدة تشانغ قد افتتح بالفعل.

كان ذلك في التاسع عشر من الشهر السادس.

وفي كل يوم ينتهي بالرقم تسعة يُقام السوق الكبير. كان أهل ثلاثين ليًّا حولها يأتون إلى البلدة قبل الفجر، يحملون أمتعتهم على أكتافهم، أو يدفعون عربات بعجلة واحدة، أو يقودون الحمير والبغال. منهم بائعو القماش والملح والإبر والخيوط. ومنهم بائعو هلام النشويات البارد، وخبز السمسم، ولصقات جلد الكلب الطبية. وفيهم قارئو الحظ، والحلاقون، ونازعو الأسنان.

وفيهم الحكواتيون أيضًا.

كان الحكواتي في الطرف الشمالي من السوق، تحت شجرة سنط قديمة. كان جذعها غليظًا لا يطوقه إلا رجلان متعانقان، وكانت تاجتها تبسط ظلًا على نصف مو من الأرض. تحتها أكثر من عشرة مقاعد طويلة؛ بعضها ملك لأصحاب البسطات، وبعضها استعاروه من المقهى المجاور. أما الحكواتي فلا يحتاج إلى مقعد طويل.

كان يحكي واقفًا.

كان اسمه العائلي دوان.

ولا يعرف أحد اسمه الحقيقي.

كانوا ينادونه السيد دوان. وبعضهم يناديه نصف الخالد دوان. لأن حكاياته تختلف عن حكايات غيره. فالآخرون يروون «الممالك الثلاث»: يروون كيف اجتاز غوان يو خمسة ممرات وقتل ستة قادة، وكيف استعار كونغ مينغ الريح الشرقية وأحرق منحدر تشيبي. أما هو فيروي «الممالك الثلاث» بوصفها قلوب البشر. يروي نية القتل الكامنة في جملة واحدة. ويروي العالم الواسع المختبئ في نظرة واحدة.

كان السيد دوان في أوائل الستين. نحيلًا. لا لحم زائد في وجهه. عظام وجنتيه بارزة جدًا، ومحجرا عينيه عميقان. وكانت عيناه كحصاتين سوداويين مغروزتين في العظم. صلبتين. لامعتين. وحين ينظر إلى إنسان، تشعر كأنه يرى ما فيك كله.

كان دوان العجوز يرتدي ثوبًا طويلًا من قماش رمادي. باهتًا من كثرة الغسل. تهرأ طرف ياقته، وعلى كُمّيه رقعتان. لكنه كان نظيفًا تمامًا. بلا بقعة دهن واحدة. وفي يده مروحة قابلة للطي، عظامها من الخيزران. استعملها عشرات السنين حتى تشرّبت بريق الاستعمال وصارت لماعة دهنية.

لم يكن السيد دوان يحدد يومًا لمجيئه. يأتي متى شاء، ويرحل بلا وداع. أحيانًا يختفي نصف شهر متصل. وأحيانًا يحكي ثلاثة أيام وثلاث ليال متتابعة، ويواصل الحكي حتى بعد أن يبح صوته. كان بينه وبين صاحب المقهى، تشاو صاحب اللحية الكبيرة، مودة. وكلما جاء، حفظ له تشاو أفضل مكان.

لم يكن يتقاضى أجرًا.

وحين ينتهي، يلقي المستمعون نقودًا نحاسية في حوض نحاسي على الأرض. يلقي بعضهم، ولا يلقي آخرون. لا ينظر هو. ولا يعد. فإذا انتهى، حمل الحوض وسكب ما فيه في كيس قماشي. يربط فمه، ويلقيه على كتفه، ويرحل.

في ذلك اليوم جاء السيد دوان باكرًا.

وصل في أول الضوء.

كان تشاو صاحب اللحية الكبيرة يرتب الطاولات عند باب المقهى. فلما رآه قادمًا، كاد إبريق الشاي أن يقع من يده.

— السيد دوان!

— أخيرًا جئت!

— عند أي موضع توقفت في المرة الماضية؟ انتظرت نصف شهر كامل!

سار السيد دوان إلى أسفل شجرة السنط. وضع كيسه القماشي عند الجذور. وأخرج منه المروحة، ومضرب الحكواتي، ومنشفة بيضاء. مسح يديه. ثم طواها بعناية وأعادها إلى الكيس. وبعدها استقام في وقفته ونظر إلى السماء.

— اليوم سأُنهي الحكاية.

تجمد تشاو صاحب اللحية الكبيرة لحظة.

— ستنهيها؟ لكن غوان يو لم يصل إلا للتو إلى طريق هوارونغ—

لم يجبه السيد دوان. أخذ مضرب الحكواتي وربت به المائدة برفق.

طَق.

سمع أهل السوق هذه الضربة. فتوقف بعضهم عن المشي. ووضع بعضهم ما في يده. وأطل بعضهم من المقهى.

— جاء السيد دوان.

— أسرعوا واحجزوا مقاعدكم.

وفي أقل من زمن احتراق عود بخور،

امتلأت المقاعد تحت شجرة السنط. احتشد عليها عشرون أو ثلاثون شخصًا. ووقف خلفها أربعون أو خمسون. وأبعد منهم، تسلق أناس الجدار. ووقف آخرون فوق عربات الحمير. ورفع بعضهم الأطفال على أكتافهم.

نظر السيد دوان إلى الجمهور.

كانت عيناه تمسحانهم من اليسار إلى اليمين. ومن الأمام إلى الخلف.

وشعر كل واحد منهم أنه وقع تحت نظرته.

ثم بدأ يقول:

— وصلنا في المرة الماضية إلى موضع أحرق فيه تساو تساو نارًا عند تشيبي.

— أحرق جيشه هو، الثمانمئة والثلاثين ألفًا.

— وأحرق حلمه بالإمبراطورية.

*(يضرب مضرب الحكواتي— طَق!)*

هرب تساو تساو ببقايا جيشه المنهزم إلى طريق هوارونغ. وحين بلغ مفترقًا، وجد أمامه طريقين: طريقًا عريضًا وطريقًا ضيقًا. لم يكن في الطريق العريض دخان، أما الطريق الضيق فكان يتصاعد منه الدخان. فقال تساو تساو: «نسلك الطريق الضيق». فقال القادة: «الدخان في الطريق الضيق يعني كمينًا حتمًا». فقال تساو تساو: «الفراغ هو الامتلاء، والامتلاء هو الفراغ. تشوغه ليانغ يحب خداع الناس بالمظاهر. نسلك الطريق الضيق».

توقف السيد دوان هنا.

فاستطالت أعناق الحاضرين جميعًا قليلًا.

رفع السيد دوان وعاء الشاي، وشرب رشفة. وضعه، ثم فتح المروحة بصوت حاد. وعلى وجهها أربعة أحرف:

**قلوب البشر في خطر.**

ثم تابع السيد دوان:

سلك تساو تساو الطريق الضيق.

ولم يقطع ثلاثة ليّات.

حتى دوّى انفجار مدفع أمامه.

وتلألأت المشاعل في آن.

وسدّ طريقه صف من الفرسان. يتقدمهم قائد وجهه كلون ثمرة العنّاب الحمراء، وشفاهه كأنها مطلية بالقرمز، وعيناه كعينَي طائر العنقاء، وحاجباه كهلالين فوق جفنين ممتلئين؛ وفي يده سيف التنين الأخضر ذي النصل المقوّس.

غوان غونغ.

غوان يون تشانغ.

انخفض صوت السيد دوان فجأة. انخفض حتى بدا كأنه يخرج من باطن الأرض.

وانخفضت أنفاس الجمهور معه.

وقف غوان غونغ هناك، فلم يجرؤ رجل واحد من رجال تساو تساو على الحركة. كان تساو تساو على ظهر جواده، وساقاه ترتجفان. كان خائفًا. قتل في حياته من الناس ما لا يقل عن ثمانية آلاف، إن لم يكن عشرة آلاف. فمن كان يخاف؟ لم يخف لو بو. ولم يخف يوان شاو. بل إنه لم يخف السماء نفسها.

لكنه خاف غوان غونغ.

لأنه كان مدينًا لغوان غونغ.

ضم السيد دوان مروحته.

طَق.

— مدين بماذا؟

أجاب الجمهور كله بصوت واحد:

— بدَين الفضل.

أومأ السيد دوان. وأدخل المروحة خلف ظهره. مشى خطوتين، ثم استدار.

كان غوان غونغ ينظر إلى تساو تساو من فوق جواده. وكان تساو تساو ينظر إلى غوان غونغ من فوق جواده.

تبادلا النظر طويلًا.

ترجل تساو تساو، ومشى حتى وقف أمام غوان غونغ، ثم شبك يديه احترامًا.

— يون تشانغ، هل أنت بخير منذ افترقنا؟

لم يترجل غوان غونغ. ولم يرد التحية. كان سيف التنين الأخضر مستعرضًا فوق جواده، وعلى نصله دم لا يزال عالقًا، دم القادة الستة من رجال تساو تساو الذين قطع رؤوسهم قبل قليل.

قال غوان غونغ جملة واحدة.

وتوقف السيد دوان هنا.

لم يكن توقفًا عاديًا. لم يتوقف ليشرب الشاي، ولا ليلتقط أنفاسه.

بل كان كأن شيئًا قد سمره في موضعه.

وقف دون حركة. وعيناه مثبتتان في جهة ما من الجمهور. وتحول التعبير على وجهه من هدوء واثق إلى جدية، ومن الجدية إلى— خوف.

ظل الجمهور ينتظر. خمس ثوان. عشر ثوان. مدة احتراق نصف عود بخور.

لم يحتمل أحدهم أكثر.

— السيد دوان؟ وماذا حدث بعد ذلك؟

— ماذا قال غوان غونغ؟

أخرج السيد دوان المروحة من خلف ظهره. ببطء. أغلقها، ووضعها على الطاولة. ثم تناول مضرب الحكواتي. لم يضربه؛ بل أمسكه في يده فابيضت مفاصل أصابعه.

تغير صوت السيد دوان. لم يعد صوت الحكواتي الذي كان منذ قليل. لم يعد الصوت القوي الممتلئ، النافذ إلى البعيد. صار رقيقًا. باردًا. كخيط ريح يتسلل من شق الباب في الشتاء.

— لن أحكي اليوم.

ذهل الجمهور.

— سيد دوان، لا تمزح! لقد علقتنا في هوارونغ عند أعظم موضع!

— بالضبط! قطعت عشرين ليًّا لأحضر!

— سيد دوان، هل أنت متعب أو مريض؟

هز السيد دوان رأسه، ووضع مضرب الحكواتي في جيبه.

— لن أحكي اليوم. أيها الحضور—

توقف السيد دوان لحظة، ومرر عينيه على كل وجه في الجمهور.

— في هذا الجمهور أحد—

— سيصيبه أمر الليلة.

ساد صمت الموت.

ثم كأن أحدًا أفرغ مغرفة ماء في قدر زيت يغلي. انفجر المكان.

— هاهاهاها! يا سيد دوان، ما أمهر نكاتك!

— هل صار الحكواتي قارئ حظ؟ لا بد أن تدفعوا له زيادة إذن!

— يا نصف الخالد دوان! احسب لي إن كنت سأعثر على مال اليوم!

تعالت الضحكات.

انحنى بعضهم من الضحك. وضرب بعضهم أفخاذه. بل إن بعضهم ضحك حتى بصق الشاي من فمه.

لكن السيد دوان لم يضحك. أعاد مروحته ومضربه والمنشفة البيضاء، واحدة بعد أخرى، إلى الكيس القماشي. ربط فمه، وحمله على كتفه، ثم استدار ورحل.

لحق به تشاو صاحب اللحية الكبيرة.

— السيد دوان! يا دوان العجوز! ما بك؟

لم يتوقف السيد دوان. ولم يلتفت.

قال جملة واحدة فقط:

— يا صاحب اللحية الكبيرة، مهما سمعت الليلة، لا تخرج من البيت.

تجمدت الابتسامة في وجه تشاو صاحب اللحية الكبيرة. أراد أن يلحقه ليسأله أكثر، لكن خطوات السيد دوان كانت سريعة. ومض ثوبه الرمادي بين الناس مرات قليلة، ثم اختفى.

---

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.