انصرف أهل القرية جميعًا.
ظلوا مشغولين بالأمر بضعة أيام،
ثم انصرفوا.
فالحياة لا بد أن تستمر.
والزرع في الحقول لا بد أن يُحصد.
سيقان الذرة واقفة في الحقول، تنتظر من يكسر أكوازها.
والبطاطا الحلوة مدفونة في التراب، تنتظر من يحفرها.
والدجاج لا بد أن يُطعم.
والخنازير لا بد أن تُربّى.
والأطفال لا بد أن يذهبوا إلى البلدة ليتعلموا.
لم يعد أحد يحرس تحت شجرة البغونيا.
إلا العجوز لي.
كان العجوز لي يأتي كل ليلة.
يحمل مقعدًا خشبيًا صغيرًا.
ويجلس قبالة البغونيا.
لم يأت ليعبدها.
ولا ليحرق البخور.
بل لأن—
في قلبه عقدة.
عقدة لا تنحل.
تلك الزهرة الوردية.
وذلك الوجه الصغير.
وحركة تلك الشفتين.
وتلك الكلمة.
كانت تدور في رأسه بلا انقطاع.
دارت أيامًا طويلة.
حتى فقد شهيته للطعام.
وحتى عجز عن النوم.
وحتى انتهت مراسم جنازة تشو شيوي تشي.
وهي لا تزال تدور في رأسه.
وفي تلك الليلة،
عاد العجوز لي مرة أخرى.
جلس طويلًا،
فأخذه النعاس.
فقد كان عجوزًا في آخر الأمر.
في السبعين وما بعدها.
قضى النهار كله يعمل في الحقول.
ثم جاء إلى هنا ليلًا.
ولم يعد جسده يقوى على الاحتمال.
راح رأسه يهوي ويرتفع.
كالدجاجة تنقر حبوب الأرز.
أو كبكرة البئر.
تصر صريرًا،
فتهبط قليلًا.
ثم تصر صريرًا مرة أخرى،
فتهبط قليلًا آخر.
لا يدري أنائم هو أم يقظ.
وفي غمرة الضباب الذي خيّم على وعيه،
سمع صوتًا.
لم يكن صوت الريح.
فلم تهب ريح في ذلك اليوم.
ولم تكن الأوراق تصدر حفيفًا.
ولم يكن صوت تفتح الزهر.
فالزهر لا يزال يتساقط،
لكن السقوط لا صوت له.
ولم يكن صرير الحشرات.
فالحشرات كلها كانت نائمة.
وحتى لو كانت مستيقظة،
فصوتها ليس على هذه النغمة.
بل كان—
صوتًا.
صوت إنسان.
صوت طفلة صغيرة.
صافيًا رنانًا.
كطقطقة قشرة الكستناء حين تُقشر.
أو كحجر يكسر قشرة جوز: طق— تلك الطراوة الرنانة.
وكجليدة متدلية من سقف البيت في صباح ربيعي،
تلمسها الشمس،
فتنكسر.
وتهوي.
رنّ—
— يا جد لي.
انتفض العجوز لي واستيقظ.
وانفلت كوب الشاي المعدني من يده.
فرقع على الأرض.
وانسكب الشاي البارد على قدمه.
وانتشرت بقع الشاي فوق الحذاء.
وتسربت خلاله.
فبرد جوربه.
وبردت قدمه أيضًا.
لكنه لم يشعر بشيء.
أخذ ينظر حوله.
لم يكن هناك أحد.
لم يكن في الفناء سواه.
وعند زاوية الجدار أكوام من حزم الحطب.
وكان قن الدجاج ساكنًا في صمت.
والباب الخارجي مغلق.
والبلاط مغطى بالبتلات.
بياض كثيف،
كأن الثلج هطل هناك.
لم يكن ثمة إلا هو،
وشجرة بغونيا واحدة.
ولا تزال أزهار الشجرة تتساقط.
زهرة.
ثم زهرة.
ثم زهرة أخرى.
كانت تهبط ببطء شديد.
ببطء غير طبيعي.
كأن شيئًا يسندها من أسفل البتلات،
يمسكها لحظة،
ثم يضعها برفق على الأرض.
— يا جد لي، لا تخف.
كان الصوت آتيًا من الشجرة.
لا—
لم يكن من الشجرة.
بل من داخل الشجرة.
من قلبها.
من عظامها الخشبية.
من كل بتلة، وكل جذر دقيق، وكل عرق في ورقة،
يتسرب.
وينفذ إلى الخارج.
ذلك الصوت—
كأن هذه الشجرة، من أعلاها إلى أسفلها،
كل شبر من خشبها،
وكل وعاء من أوعيتها،
وكل طبقة من حلقات عمرها،
كان فمًا لها.
وكان يتكلم.
— يا جد لي، هل شفيت لسعة البرد التي أصابت قدم أمي في الشتاء الماضي؟
لسعة البرد.
انقبض قلب العجوز لي.
أصيبت سو شيوي لان بلسعة برد في قدمها في الشتاء الماضي.
في كعب قدمها اليسرى.
وكان قد تعفن فيه ثقب.
فصارت تمشي وهي تعرج.
وذات مرة، عند بئر مدخل القرية، كانت تستقي الماء.
احتك موضع لسعة البرد في كعبها بحافة الحذاء فانفتح.
ونضح الدم.
وصبغ بقعة صغيرة من جوربها بالأحمر.
قرفصت سو شيوي لان.
وخلعت حذاءها.
وغسلت الجرح بماء البئر.
وعضت على أسنانها.
وتجعد حاجباها لحظة.
ثم نهضت.
وحملت دلو الماء.
ومضت تعرج.
وكان العجوز لي قد مر بالمصادفة.
فسألها:
— شيوي لان، لماذا لم تشف لسعة البرد في قدمك بعد؟
فأجابته سو شيوي لان:
— ستشفى قريبًا، حين يحل الربيع.
هذا كل شيء.
هذا هو كل ما حدث.
ولا شيء أكثر.
لم يعرف بهذه الحكاية إلا قلة من الناس.
فلم تكن سو شيوي لان ممن يشكون مرارتهم للناس.
كانت تبتلع المرارة وحدها.
وتحتمل الألم وحدها.
حتى إذا تعفنت لسعة البرد، لم تنبس ببنت شفة.
لم تكن العمة وانغ تعرف.
ولم يعرف أحد آخر من أهل القرية.
بل حتى العجوز لي لم يعرف إلا حين صادفها عند البئر يومئذ.
فكيف عرفت هذه الطفلة؟
ومن تكون هذه الطفلة؟
— من أنتِ؟
كان صوت العجوز لي يرتجف.
ولم يكن صوته وحده.
كانت يداه ترتجفان.
وساقاه.
وظهره.
وكان جسده كله كأنه جالس فوق منخل،
يهزه أحدهم ذهابًا وإيابًا من حوافه.
كل شيء فيه يرتجف.
— أنا البغونيا.
البغونيا.
دوى في رأس العجوز لي طنين.
كأن أحدًا قرع جرسًا في لب دماغه.
دانغ—
وفي تلك اللحظة،
اندفعت كل الأشياء في رأسه.
هاي تانغ.
ابنة سو شيوي لان.
الطفلة الصغيرة التي ماتت في الخامسة.
الطفلة التي كانت تضحك في قماطها ضحكة خافتة.
الطفلة التي كانت عيناها تتقوسان كالهلال حين تبتسم.
الطفلة التي أخذها بيديه من سو شيوي لان ووضعها في حفرة التراب—
لا.
لم يكن هناك حتى تابوت.
كان جسدها ملفوفًا في غطاء صغير مزهر.
أزرق الأرضية.
وعليه زهور مطرزة لا يُدرى ما هي.
لعلها فاونيا صينية.
ولعلها فاونيا شجرية.
ولعل من طرزها لم ير في حياته زهرة قط،
فطرزها على هواه.
لكن الزهور كانت جميلة حقًا.
لكل زهرة خمس بتلات.
سمينة،
ممتلئة،
كيدي طفل صغير.
كان يحملها بين ذراعيه.
خفيفة إلى حد هائل.
خفيفة كأنه يحمل كتلة من القطن.
حتى إنه لم يجرؤ على أن يضمها بقوة.
خاف أن تتفتت إن ضغط عليها.
حمل تلك الحزمة الصغيرة،
وسار في طريق الجبل.
وكانت سو شيوي لان تمشي خلفه.
لم تبكِ.
ولم تصدر صوتًا.
كانت تمشي خلفه وحسب.
خطوة بعد خطوة.
وكان رذاذ خفيف يهطل.
خيوطه دقيقة كشعر البقر.
يلامس الوجه ببرودة لطيفة.
وكان طين الجبل يلتصق بنعالهم كلها.
ويزداد ثقلًا.
فكل بضع خطوات،
كان لا بد من أن يدق قدمه بالأرض ليهز الطين عنها.
وحين وصلوا إلى المكان،
وضع تلك الحزمة في حفرة التراب.
وكانت يداه ترتجفان أكثر مما ترتجفان الآن.
قرفصت سو شيوي لان إلى جانبه.
لم تبكِ.
ولم تنزل دمعة واحدة.
بقيت قرفصاء قرب كومة التراب الجديدة.
كانت تضغط التراب بيديها، حفنة بعد حفنة.
وتضغطه مرة بعد مرة.
كأنها تخشى أن تنثره الريح.
أو أن ينفذ إليه المطر.
أو أن تشعر الطفلة بالبرد.
وكانت، وهي تضغط التراب، تنظر إلى الحفرة.
لم تكن تنظر إلى التراب.
بل إلى أشياء لا تُرى.
كان العجوز لي يتذكر.
كان يتذكر كل شيء.
بعد خمسين عامًا،
ظل يتذكر كل تفصيل.
ذلك الرذاذ الذي هطل يومها.
كان المطر يسيل من جبهته.
ويدخل عينيه.
فتلسعان من الحموضة.
رمش العجوز لي بعنف.
لكنه لم يستطع أن يطرد الماء منهما.
وحين نهضت سو شيوي لان،
كانت ساقاها قد تنملتا.
فتمايل جسدها قليلًا.
مد العجوز لي يده ليسندها.
لكن سو شيوي لان كانت قد تماسكت بنفسها.
نظرت إلى البعيد.
إلى القرية عند سفح الجبل.
إلى بيتها في القرية.
إلى البغونيا في فناء بيتها.
وقالت كلمتين:
— إلى البيت.
ثم سار الاثنان، أحدهما أمام الآخر،
على طريق الجبل الموحل،
ونزلا من الجبل.
وفي منتصف الطريق،
التفتت سو شيوي لان مرة.
نظرت إلى كومة التراب.
ونظرت إلى شجرة الصنوبر العجوز الملتوية العنق.
ثم عادت فاستدارت،
وتابعت السير.
كان ذلك أوجع ظهر رآه العجوز لي في حياته.
نحيلًا إلى حد لم يبق فيه إلا عظم يعلّق عليه ثوب فارغ.
هزه الريح قليلًا.
لكنه لم يسقط.
— نعم يا جد لي.
لم أرحل.
كنت هنا دائمًا.
في داخل هذه الشجرة.
الشجرة التي غرستها أمي.
في ربيع السنة التي غرستها فيه،
أزهرت.
زهر وردي.
وكانت الشجرة كلها غارقة به.
كنت وقتها لا أستطيع الكلام بعد.
لكنني كنت أرى.
كانت أمي تضمّني وتجلس تحت الشجرة.
وكان وجه سو شيوي لان فوق رأسي،
تحجبه البتلات.
لم أكن أرى إلا ذقنها.
مدببًا.
وفيه نقرة صغيرة.
مثل أبي تمامًا.
كانت الشمس تتسرب من شقوق الزهر،
نقطة بعد نقطة،
إلى وجهي.
دافئة ناعمة.
كحرارة شفتي أمي حين تلامسانني.
مددت يدي لأمسكها.
لكنني لم أستطع.
كانت بقع الضوء تقفز فوق كفي.
ولا أقدر على القبض عليها.
كلما قبضت، أمسكت بالفراغ.
فتضحك سو شيوي لان.
وتخفض رأسها.
وتلامس جبهتها بجبيني.
وكان ضحكها أجمل من الزهر،
وأجمل من كل شيء.
انهمرت دموع العجوز لي.
لكنه لم يشعر بها.
سالت على خديه.
ودخلت طرف فمه.
مالحة.
ودخلت ياقة ثوبه.
باردة.
ولم يمسحها.
تركها تسيل هكذا.
سقطت قطرات الدمع على ركبتيه،
وعلى البتلات في الأرض.
فبللت البتلات.
وظهرت على البتلات البيضاء دوائر شفافة.
كعيون ماء صغيرة.
ومن خلالها،
تظهر عروق البتلات الدقيقة على نحو أوضح.
— يا طفلة.
منذ متى وأنتِ في هذه الشجرة؟
— منذ عامي الخامس.
منذ ليلة دفنتني أمي في الجبل الخلفي.
جبل بارد.
والتراب أبرد.
والظلام يحيط بي من كل الجهات.
ظلام كأنني حُبست في جرّة محكمة الإغلاق.
كنت وحدي في ذلك السواد.
خائفة إلى حد الموت.
أرتجف من الخوف.
وأضم جسدي على نفسه في كرة.
وأصغر أكثر فأكثر.
حتى لم يعد في وسعي أن أصغر.
حتى ضممت نفسي بيدي وصرت كرة صغيرة.
أردت أن أصرخ من الخوف.
لكنني لم أستطع.
كان حلقي ممتلئًا بالتراب.
أردت أن أهرب من شدة الخوف.
لكنني لم أستطع الحركة.
كأن عظام جسدي كلها مقيدة بالتراب.
ثم...
ثم رأيت أمامي نقطة ضوء صغيرة.
صغيرة جدًا.
نقطة لا غير.
صفراء برتقالية.
ليست كالشمس.
فضوء الشمس أبيض.
أما هذا فكان أصفر ودافئًا.
كمصباح الزيت الذي كانت أمي تشعله حين تخيط.
ذلك المصباح.
كانت تشعله كل ليلة عند طرف سرير الكانغ.
وكان لهبته صغيرة.
بحجم حبة فول الصويا.
وكانت أمي تجلس قرب اللهب.
تمسك الإبرة.
تمررها في القماش.
ثم ترفعها.
غرزة بعد غرزة.
كان ضوء المصباح يقع على وجهها،
فيجعل جانب وجهها رقيقًا جدًا.
ويصبغ الزغب المتناثر عند حافة شعرها
بلون ذهبي.
رأيت تلك النقطة من الضوء.
كانت أمامي.
في مكان عميق، عميق جدًا.
فزحفت نحوها.
زحفت طويلًا.
زحفت في التراب.
كلما أزحت طبقة منه،
انهارت طبقة أخرى أمامي.
أزيح فينهار.
وينهار فأزيح.
لكنني لم أتوقف.
لأن الضوء ظل هناك.
وكلما زحفت اقتربت منه.
وكلما زحفت ازداد سطوعًا.
ثم اكتشفت
أنها كانت بغونيا أمي.
كانت تشع من أسفل الشجرة.
ولا يراها إلا أنا.
لأنني كنت أنظر من تحت التراب.
أما الأحياء فلا يرون ذلك الضوء.
يحجبه لحاء الشجرة.
ويحجبه سمك الخشب.
لكن الموتى يرونه.
لأنهم ينظرون من الأسفل إلى الأعلى.
دخلت إليها.
وتسللت إلى الداخل على امتداد الجذور.
كانت الجذور دافئة.
ليست كالتراب.
فالتراب بارد كالثلج.
أما الجذور فكانت دافئة.
كشيء حي.
وحين زحفت إلى قلب الشجرة،
فجأة،
صار كل شيء دافئًا.
ولم أعد أخاف.
كأنني عدت إلى البيت.
كأنني عدت إلى بطن أمي.
تكورت.
وضممت ركبتيّ.
ودفنت وجهي في الفراغ بينهما.
وأصغيت إلى صوت الماء يجري داخل قلب الشجرة.
كأنه نبض قلب أمي.
نبضة.
ثم نبضة.
هادئًا ثابتًا.
— فلماذا لم تخبريها؟
كانت أمك أمامك.
كانت سو شيوي لان تأتي إليك كل يوم.
وتجلس تحتك كل يوم.
وتكلمك كل يوم.
تلفك بالقش حين يشتد البرد.
وتسقيك حين يشتد الحر.
وتدفن أوراقك في الأرض في الخريف.
وتراقبك وأنت تنبت براعم جديدة في الربيع.
كانت سو شيوي لان تعد كل ورقة منك طفلًا لها.
فلماذا لم تجيبيها بكلمة؟
لماذا لم تدعيها تعرف؟
لماذا لم—
توقف العجوز لي فجأة.
ولم يستطع المتابعة.
فقد فهم.
فهم كل شيء.
فهمه في لحظة.
كأن شخصًا في رأسه
نزع دفعة واحدة قطعة قماش سوداء كانت تغطي شيئًا منذ زمن طويل.
فاندفع الضوء إلى الداخل.
قاسيًا على العين.
قاسيًا إلى حد أنه أراد أن يحجبه.
لكنه لم يستطع.
فهم كل شيء.
— لا تستطيعين الإزهار.
أليس كذلك؟
ما إن تزهرين
حتى تعرف سو شيوي لان.
وما إن تزهرين
حتى يعرف أهل القرية.
حين لا تزهر البغونيا،
تكون شجرة عادية.
قطعة خشب في الفناء.
شيئًا لا يلتفت إليه أحد.
لكن ما إن تزهر،
تصير جنّية زهور.
وتصير شيطانة.
وتصير شيئًا يتحرك.
إنه الشيء الذي ينبغي التخلص منه.
كنت تخافين.
تخافين أن تعرف هي.
وتخافين أن يعرف أهل القرية.
وتخافين أن يقطعوا الشجرة.
وتخافين أن يطردوك.
وتخافين ألا يبقى لك مكان تقيمين فيه.
وتخافين أن تفقدك أمك مرة أخرى.
ألم تكف مرة واحدة؟
مرتان—
مرتان، ولن تقدر أمك على الاحتمال حقًا.
حين كانت سو شيوي لان تغسل لسعة البرد عند البئر.
حين كانت تعض على أسنانها.
كانت سو شيوي لان على وشك ألا تحتمل.
لكنها تحملت.
لأن هناك شجرة في الفناء تنتظرها.
ولأن شيئًا لا يموت يرافقها.
فماذا لو ذهبت الشجرة أيضًا؟
وماذا لو فقدت حتى الشجرة؟
لن يبقى لسو شيوي لان شيء.
لن يبقى لها شيء على الإطلاق.
— نعم.
قال ذلك الصوت الصغير.
وفيه خيط من الأسى المكتوم،
وخيط من التحمل الصامت،
وخيط من شهقة مخنوقة كبتها خمسين عامًا.
لكن كان فيه أكثر من ذلك—
سكون.
سكون من انتظر كل الأمور حتى بلغت نهايتها.
كنهر،
ظل موجه يضطرب خمسين عامًا،
ثم هدأ أخيرًا.
سطحًا مستويًا.
لا تموج فيه واحدة.
—
لم أستطع أن أدعها تعرف.
لم أجرؤ أن أدعها تعرف.
كنت أراها تأكل وحدها.
صحن أرز مسلوق.
وطبق صغير من الخضار المخللة.
من أيام كانت لها أسنان إلى أيام لم يبق لها فيها سن.
من أيام كانت تخلل طعامها بيديها إلى أيام لم تعد تقوى فيها حتى على حمل جرّة المخلل.
كنت أراها تخيط الثياب تحت المصباح.
تخيط ثم يغلبها النوم.
فتغرز الإبرة في إصبعها.
تسحب سو شيوي لان يدها فجأة.
وتستيقظ.
تنظر إلى الدم على إصبعها.
ثم تضعه في فمها وتمصه.
وتعود إلى الخياطة.
كنت أراها تحدث نفسها تحت الشجرة.
تضحك أحيانًا.
ولا تضحك أحيانًا.
وأحيانًا تنسى ما كانت تقول وهي في منتصف الكلام.
فتبقى ساكنة هكذا.
وفمها مفتوح.
تحدق في الفراغ.
ثم تغلقه.
وتهز رأسها.
وتعود إلى الجلوس.
كنت أرى شقوق يديها، ومع ذلك تلفني بالقش.
شقوق عميقة إلى حد يرشح الدم منها.
أحمر.
يلتصق بالقش.
وكلما لفت سو شيوي لان القش،
لفّت الدم معه.
كأن الشق لم يكن في يدها.
وكأن تلك اليد يد غيرها.
وكنت أراها وشعرها يبيض شعرة بعد شعرة.
بدأ عند الصدغين.
ثم عند قمة الرأس.
ثم في مؤخرة الرأس كلها.
وفي النهاية صار أبيض تمامًا.
لم تبق شعرة سوداء واحدة.
أبيض كأول ثلج في الشتاء.
وكنت أرى ظهرها ينحني قليلًا قليلًا.
من ظهر عروس جديدة مستقيم تمامًا،
إلى ظهر عجوز مقوس.
كأن كيسًا من شيء لا يُرى
وُضع على كتفيها.
أثقل فأثقل.
أثقل فأثقل.
حتى لم تعد قادرة على رفع رأسها.
وكنت أرى بصرها يضعف أكثر فأكثر.
فلا تستطيع إدخال الخيط في ثقب الإبرة.
تقضي بعد ظهر كامل تحاول.
حتى يحل الظلام.
ترفع الإبرة أمام النافذة.
وتستعين بآخر خيط من ضوء النهار.
ومع ذلك لا تنجح.
وفي النهاية تستسلم.
تضع الإبرة والخيط في علبة الخياطة.
وأول ما تفعله في صباح اليوم التالي أن تحاول مرة أخرى.
فتدخل الخيط من المحاولة الأولى.
فتقول سو شيوي لان:
— عيناي أفضل في الصباح.
لكن الضوء هو الذي كان أفضل.
وكنت أرى سمعها يضعف أكثر فأكثر.
يتكلم معها الناس.
فتدير رأسها إلى جانب،
وتضم يدها حول أذنها.
— ماذا؟
فيصرخ الآخرون بأعلى أصواتهم.
حتى تبح حناجرهم.
عندها فقط تسمع سو شيوي لان.
— آه، آه، فهمت.
وكنت أراها تمشي في طريق القرية.
تتوكأ على عصا.
خطوة بعد خطوة.
أبطأ من نملة.
وفي منتصف الطريق كانت ساقاها تؤلمانها.
فتتوقف.
وتسند يديها إلى ركبتيها.
وتلهث نفسًا بعد نفس.
ثم تمضي بعدما تهدأ.
وكنت أراها في اليوم الذي سقطت فيه عند البئر.
كان جلد ركبتها قد انسلخ.
جلست على الأرض ولم تقوَ على النهوض.
مر العجوز لي وساعدها على الوقوف.
قالت سو شيوي لان شكرًا.
وربتت التراب عن ثوبها.
ثم مضت.
ولا أدري كيف عادت إلى البيت في النهاية.
كنت أراها تستريح ثلاث مرات وهي تمشي من الفناء إلى باب البيت.
وثلاث مرات وهي تمشي من الفناء الأمامي إلى الخلفي.
ثم تنتقل من الفناء الأمامي إلى البئر العتيق عند مدخل القرية.
ثم من الفناء الأمامي إلى قبر الجبل الخلفي.
كانت المسافات تقصر أكثر فأكثر.
وقوتها تقل أكثر فأكثر.
وعدد مرات استراحتها يزداد.
كنت أمامها تمامًا.
كنت عندها تمامًا.
كان يكفي أن تمد سو شيوي لان يدها لتلمسني.
وحين كانت تسند ظهرها إلى جذع الشجرة لتستريح،
كان ظهرها يلتصق بي.
ومن وراء اللحاء،
كنت أشعر بثقل جسدها.
يخف أكثر فأكثر.
يخف أكثر فأكثر.
حتى صار في النهاية
كورقة يابسة.
معلقة على غصن.
تكفيها هبة ريح لتطير.
لكنني لم أستطع الكلام.
ولا الحركة.
ولم أستطع أن أدعها تعرف.
يا جد لي—
أتدري ما طعم ذلك؟
أتدري ما طعم أن ترى بأم عينيك أحب الناس إليك
يشيخ أمامك ببطء،
ويقصر ببطء،
ويصغر ببطء،
ويصبح أكثر وحدة،
وأكثر صمتًا،
وأشبه فأشبه بمصباح زيت أوشك أن ينطفئ؟
لهبته أصغر فأصغر.
ونوره أخفت فأخفت.
وأنت لا تستطيع أن تفعل شيئًا.
أتدري ما طعم أن تسمع أحب الناس إليك يناديك:
هاي تانغ...
هاي تانغ...
ثم لا تملك إلا أن تبتلع كل إجاباتك في جذور الشجرة،
لتتعفن تحت الطين،
وتصير غذاء لأوراق العام القادم؟
أتدري ما طعم ذلك؟
بكى العجوز لي بصوت عال.
بكى نحيبًا.
كان فمه مفتوحًا،
لكن لم يخرج منه صوت.
لأن الصوت كان أكبر من أن يخرج.
أكبر من أن حلقه انسد به.
فلم يقدر أن يطلقه.
لم يبق إلا أن يفيض من عينيه.
تلك الدموع.
كماء اندفع بعد فتح سد.
لا تتوقف.
ولا تنقطع.
تنهمر من محجري العينين.
وتسقط على الأرض.
وعلى البتلات.
فتبلل البتلات واحدة بعد أخرى.
كان يبكي كعجوز في السبعين أو الثمانين.
ويبكي كرجل لم يعرف قط ما البكاء.
ثم صدمه شيء فجأة وحطمه.
فتناثر كشظايا خزف على الأرض.
ولا سبيل إلى جمعه مرة أخرى.
—
يا طفلة— يا طفلة— فماذا عنك الآن—
كان يبكي حتى تقطعت أنفاسه.
ولم يستطع أن يتم جملته.
لكن ذلك الصوت كان يسمع كل حرف يقوله.
لأنها شجرة.
وكل جذر دقيق فيها أذن.
وكل ورقة أذن.
— لأن أمي جاءت لترافقني.
— جاءت أمي.
منذ ثلاثة أيام فقط.
رأيتها.
كانت سو شيوي لان تمشي في الطريق القديم من الجبل الخلفي إلى الفناء.
وكانت لا تزال ترتدي تلك السترة من القماش الرمادي.
وفي كُمّها رقعة.
هي الرقعة التي أحدثتها حين عضضت كُمها وأنا صغيرة.
حين بدأت أسناني تنبت، كانت لثتي تحكني.
كنت أريد أن أعض كل شيء.
وفي ليلة ما، ضممت ذراعها بين ذراعيّ،
وعضضتها.
عضة قوية.
مزقت القماش.
وصنعت فيه ثقبًا.
لم تغضب سو شيوي لان.
ربتت رأسي برفق وحسب.
وقالت:
— كأنك وُلدتِ في عام الكلب.
وفي اليوم التالي، رقعت عند الكُم قطعة قماش زرقاء.
لم تكن الرقعة بلون السترة نفسها.
فالسترة رمادية.
والرقعة زرقاء.
وكانت ظاهرة جدًا من بعيد.
لكنها لم تبالِ.
قالت سو شيوي لان:
— ألبسها لنفسي، ولست مضطرة إلى أن أبررها لأحد.
كانت سو شيوي لان تمشي في ذلك الطريق القديم.
أسرعت خطوتين.
ثم عادت فأبطأت.
لا بد أن ساقيها تؤلمانها.
فإذا أسرعت، اشتد الألم.
كان داء قديمًا.
وصلت سو شيوي لان إلى أسفل الشجرة.
ورفعت رأسها لتنظر.
كنت فوق رأسها، بين الأغصان.
قرفصاء.
متكورة بين الأغصان الأكثر كثافة.
أنظر إليها.
كما كنت أقرفص تحت عارضة البيت وأنا صغيرة وأنتظر عودتها.
لكنها رأتني هذه المرة.
رأتني سو شيوي لان أخيرًا.
لم يعد في وجهها مرارة.
لا مرارة فيه قط.
كل المرارات التي نبتت في تجاعيده.
كان كل تجعد ندبة.
وكل ندبة أيامًا شاقة.
زوجها.
ابنتها.
الكلب الأصفر.
الثلج.
الريح.
لسعة البرد.
ألم الخصر.
ألم الساقين.
موقد امرأة واحدة.
عيدان طعام امرأة واحدة.
وفراش امرأة واحدة.
وخمسون عامًا لامرأة واحدة.
تلك المرارات نمت على وجهها خمسين عامًا.
وكانت أصلب من الطحلب الأخضر على الشجرة.
لكنها اختفت الآن كلها.
كأن أحدًا غسل تلك التجاعيد بالماء.
وغسلها حتى صارت نظيفة تمامًا.
كأنها في الليلة التي نامت فيها إلى الأبد،
وفي الحلم،
فكت تلك المرارات، واحدة بعد أخرى.
وتركتها تذهب.
فتفرقت في الهواء.
وفي ضوء القمر.
وفي أوراق البغونيا الواقفة خارج النافذة.
وقفت سو شيوي لان تحت الشجرة.
وظلت واقفة زمنًا طويلًا.
ورفعت رأسها.
تنظر إليّ.
ارتفع طرف فمها قليلًا.
لم تكن ابتسامة.
لكنها كانت على وشك أن تكون ابتسامة.
كان فيها رضًا من انتظر عمرًا كاملًا ثم وجد ما ينتظره.
وفيها راحة من يقول: طفلي هنا، لم أكن أنتظر عبثًا.
ثم بدأت تمشي نحوي.
لا تحت الشجرة.
بل نحو الشجرة.
نحو الأغصان.
نحو قلبي.
نحو المكان الذي بقيت فيه خمسين عامًا.
كانت تمشي.
ارتفعت قدما سو شيوي لان عن الأرض.
وصعدت على درجات لا تُرى.
درجة بعد درجة.
إلى الأعلى.
وصار جسدها أخف فأخف.
وأشف فأشف.
حتى صار ضوء القمر خلفها مرئيًا من خلالها.
ثم—
— ثم ماذا؟
كان العجوز لي يرفع رأسه،
كطفل ينتظر نهاية حكاية مشوقة—
— ثم أزهرت.
— كتمت ذلك خمسين عامًا.
ولم أكتم إلا هذه المرة.
كتمته حتى جاءت أمي تبحث عني.
فأزهرت لأريها.
وأزهرت هذه الشجرة كلها زهرًا أبيض لأريها.
ليست جنّية زهور.
وليست إلهة زهور.
وليست ثعلبًا.
وليست قطعة نقد نحاسية.
وليست خالدة هبطت من السماء.
إنها طفلة وحسب.
طفلة في الخامسة.
تريد أن تدع أمها ترى
أن سو شيوي لان تستطيع أن تزهر هي أيضًا.
وأن سو شيوي لان يمكن أن تكون جميلة.
وأن سو شيوي لان تشتاق إلى أمها.
اشتاقت خمسين عامًا.
اشتاقت كل يوم.
تشتاق حين تستيقظ في الصباح.
وتشتاق قبل أن تنام في الليل.
تشتاق في الربيع.
وفي الصيف.
وفي الخريف.
وفي الشتاء أكثر.
لأن الشتاء بارد.
وتخاف أن تكون أمها وحيدة في البرد.
تشتاق في كل شهر.
في أوله.
وفي وسطه.
وفي آخره.
وتشتاق في كل سنة.
في السنة الأولى.
والسنة الثانية.
والسنة العاشرة.
والسنة العشرين.
والسنة الأربعين.
ولا تزال تشتاق في السنة الخمسين.
اشتقت حتى ابيضت البتلات.
كنت وردية في الأصل.
بلون وجه أمي حين كانت شابة.
كانت سو شيوي لان جميلة جدًا في شبابها.
حين كانت تجلس تحت الشجرة،
كانت الأزهار الوردية تهبط على شعرها،
كأنها أزهرت هي أيضًا.
لكنني اشتقت طويلًا جدًا.
حتى فقدت اللون.
وحتى انطفأت الحمرة من وجهي.
ولم يبق إلا البياض.
لكن أمي لن تنفر مني.
فهي التي جثت في الثلج حتى تجمدت قدماها،
ثم لفّت الشجرة بالقش.
لن تنفر من بياضي.
نهض العجوز لي.
وتقدم إلى البغونيا.
ومد يده ولمس الجذع.
كان اللحاء دافئًا.
لا باردًا.
كجلد إنسان حي.
كحرارة من استيقظ لتوه ولم يغادر فراشه بعد.
ثم اقترب لينظر إلى داخل الجذع—
إلى خطوط اللحاء الرمادية البيضاء.
خطًا بعد خط.
متعرجة.
كأنها نقشت كلمات.
لم تظهر بوضوح.
فاقترب أكثر.
فعرفها.
كانت كلمات.
لكنها معكوسة.
منقوشة من الداخل إلى الخارج.
كلمتان.
كلمتان فقط—
أمي.
أمي.
في اللحاء كله.
في كل خط.
وفي كل نتوء.
وفي كل شق.
كانت هاتان الكلمتان مخبأتين.
لم تُنقشا مرة واحدة.
بل مرة بعد مرة.
ومرة بعد مرة.
ويومًا بعد يوم.
وشهرًا بعد شهر.
وسنة بعد سنة.
نُقشتا خمسين عامًا.
من قلب الشجرة إلى الخارج.
من قلب الشجرة، رويدًا رويدًا،
بأصابع طفلة،
على الخشب.
ضربة بعد ضربة.
نقشت.
حتى امتلأ الخشب.
وتخربش.
حتى لم يبق في اللحاء موضع أبيض.
ولم يعد يحتمل نقشًا آخر.
حتى شاخت هي نفسها.
مر خمسون عامًا.
حتى المسمار الخشبي لا بد أنه يصدأ ويتعفن في هذا الزمن.
لكن أصابعها لم تتعفن.
لأنها كانت في قلب الشجرة.
وقلب الشجرة دافئ.
وحي.
وهو أم.
وقف العجوز لي في الفناء.
ورفع رأسه ينظر.
رأى أزهار الشجرة كلها تطير بعيدًا.
ورأى الأغصان تصير عارية.
ورأى الأوراق تبدأ بالسقوط هي الأخرى.
ورأى خطوط الجذع تخف خطًا بعد خط.
ورأى كلمتي «أمي»
تختفيان شيئًا فشيئًا.
ورأى الشجرة كلها، من الداخل إلى الخارج،
تذبل قليلًا قليلًا.
وتجف.
كأنها ألقت عنها كل قوتها.
وكأنها قالت أخيرًا كل ما كتمته خمسين عامًا.
وكأنها تستطيع أن ترتاح قليلًا.
وكأنها تستطيع أن تنام مطمئنة—
نامت.
في اليوم التالي،
جاءت العمة وانغ لترى.
كانت البغونيا قد يبست تمامًا.
أغصانها عارية.
لا ورقة واحدة.
ولا زهرة واحدة.
وفي الجذع شقوق عدة يابسة.
وبعضها عميق يصل إلى قلب الشجرة.
كأن أحدًا أجوفها من الداخل.
كأن الجفاف بدأ من أعمق موضع فيها واتجه إلى الخارج.
لم يكن سوسًا أكل ظاهرها.
ولا غرقًا أصاب جذورها.
بل لأنها أرادت أن ترتاح.
لأنها قطعت كل الطرق.
واستهلكت كل قوتها.
وقسمت حياتها نصفين.
فنصف أزهَر شجرة كاملة.
والنصف الآخر طار مع الزهر.
كإنسان أتم آخر مهمة له،
فجلس،
ولم ينهض ثانية.
حكى العجوز لي للعمة وانغ ما جرى في تلك الليلة.
لم تقل العمة وانغ شيئًا.
وقفت تسمع حتى انتهى.
وظلت واقفة بعد انتهائه.
وقفت طويلًا.
ثم أومأت برأسها.
وأومأت مرة أخرى.
كأنها تجيب عن سؤال لا تسمعه إلا هي.
ثم ذهب الاثنان معًا إلى الجبل الخلفي.
ووصلا إلى قبر سو شيوي لان.
كان قبرًا جديدًا.
ولا يزال ترابه مفككًا.
لكن عند رأس القبر،
نبتت شتلتان صغيرتان جديدتان.
خرجتا لتوهما من التراب.
خضراوان ندّيتان.
تشقان الأرض إلى أعلى.
وعليهما ندى الصباح.
وسقط ضوء الشمس على الندى،
فكسره إلى ألوان قوس قزح.
واحدة كبيرة.
وأخرى صغيرة.
متلاصقتان.
كأنهما تمسكان بأيدي بعضهما.
كأنهما شخصان ظلا متجاورين عمرًا كاملًا،
وقد التصقا أخيرًا تحت التراب.
ولم يعد يفصل بينهما خمسون عامًا.
ولم يعد يفصل بينهما أن تكون واحدة في الفناء والأخرى في الجبل الخلفي.
جثت العمة وانغ.
وجثا العجوز لي أيضًا.
وبقيا راكعين طويلًا.
حتى تنملت ركبتاهما.
وحتى ارتفعت الشمس إلى كبد السماء.
وحتى سمعا في القرية البعيدة من ينادي: حان الطعام— يا إروى— عودي لتأكلي—
وحتى جفف هواء الجبل كل ما على وجهيهما.
ثم التقطت العمة وانغ غصنًا من الأرض.
وكتبت بالطين على شاهد قبر سو شيوي لان
ثلاث كلمات:
معًا من جديد.
وفيما بعد، قطع أهل القرية البغونيا اليابسة.
وشقوها حطبًا.
وأعطوا كل بيت حزمة.
أما الحزمة التي نالها العجوز لي،
فلم تشتعل مهما حاول.
كان الحطب جافًا.
وكانت النار مشتعلة بقوة.
لكنه لم يحترق.
كان يضعه في النار.
فتلامس الشعلة الحطب لحظة،
كأن شيئًا يدفعها بعيدًا.
فتنطفئ.
وإذا أخرج الحطب،
اشتعلت النار ثانية.
جرب ثلاث مرات.
ثم كف العجوز لي عن المحاولة.
أخرج الحزمة من موقد الطهي.
وربطها بحبل.
ووضعها تحت المذبح العائلي في الغرفة الرئيسية.
وفي رأس كل سنة وفي الأعياد،
كان يوقد لها ثلاث عيدان بخور.
وكان رماد البخور يتساقط على الحزمة.
رماديًا باهتًا.
لكن العجوز لي كان يشعر
أن الحزمة أدفأ مما كانت حين توضع في الموقد.
— مجلد البشر · الحكاية الرابعة عشرة · تم —
---
**[ملاحظة عن الكتابة]**
- جوهر التحول: ليست البغونيا جنّية زهور، بل روح هاي تانغ الصغيرة، ابنة الأرملة سو شيوي لان التي ماتت في الخامسة. - عاشت روح الابنة داخل الشجرة خمسين عامًا، ولم تجرؤ على الإزهار كي لا تعرف أمها، خشية أن تُطرَد الشجرة، وخشية أن تفقدها الأم مرة أخرى. - بعد موت الأم، جاء أخيرًا وقت اجتماع الروحين، فأزهرت روح الابنة شجرة بيضاء كاملة لتودع العالم. - بعد سقوط الزهر ماتت الشجرة— رحل الروحان معًا. - استُلهم نمط الوفاء العاطفي لجنّية الزهور من «شيانغ يو» في «حكايات لياو جاي»، وصورة تعايش الإنسان والزهور من «هوانغ ينغ».
ولم يعرف العجوز لي إلا بعد ذلك—
أن جذور البغونيا كانت مغروسة في صدر سو شيوي لان.
وفي كل موسم تتفتح فيه الأزهار، كانت الجذور تغوص أعمق قليلًا.
وحين تخترق الجذور القلب، تستطيع سو شيوي لان أن تعود.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.