كان العجوز لي أول من رآها.
في تلك الليلة، نهض لقضاء حاجته.
كان قد تقدّم به السن.
وكانت البروستاتا تؤرقه.
فلا بد له أن ينهض مرتين أو ثلاثًا كل ليلة.
تدحرج العجوز لي من سريره وهو نصف نائم.
ارتدى سترة مبطنة فوق ثيابه.
ودفع الباب.
ثم خرج إلى الفناء، متجهًا إلى الركن عند الجدار.
وكان على وشك أن يبول.
وبينما هو غارق في نعاسه،
رفع رأسه فجأة.
فرأى فوق جدار الفناء المجاور
شيئًا ما.
أبيض يلمع.
لم يكن ضوء القمر.
فضوء القمر ينبسط على الأرض
كطبقة من الصقيع.
أما ذلك الشيء فكان معلقًا في الهواء.
كتلًا متلاصقة،
كأنه سحاب،
لكنه ليس بسحاب.
فالسحاب يتحرك،
أما ذاك فكان ثابتًا.
ثابتًا على الأغصان.
رفع الرجل سرواله.
وفرك عينيه.
ثم أحضر سلّمًا وأسنده إلى رأس الجدار.
وصعد.
فرآها.
لقد أزهرت شجرة البغونيا.
بياض يغطي الشجرة كلها.
تحت ضوء القمر في عمق الليل،
بدت البتلات البيضاء كأنها تشع نورًا من تلقاء نفسها.
زهرة بعد زهرة.
تتلألأ كل واحدة منها.
لم يكن بياضًا ناصعًا.
بل بياض الثلج.
بياضًا شاحبًا كالكفن.
بياضًا لا يشبه لونًا من ألوان الدنيا.
كأن الزهر قد أراق كل ما ادخره طوال عمره من ألوان،
فلم يبق إلا الأبيض.
لم يبق إلا بياض نظيف، خالص.
سقط العجوز لي من فوق السلم.
لم تنزلق قدمه.
بل ارتخت يداه.
في اللحظة التي رأى فيها ذلك،
انفرجت أصابعه من تلقاء نفسها.
ولم يستطع السيطرة عليها.
وقع على الأرض.
وضرب بمؤخرته وعاء علف الدجاج،
فجعله الألم يكشر عن أسنانه.
لكنه لم يلتفت إليه.
نهض مسرعًا.
وكانت في ياقة ثوبه ريشات دجاج عالقة،
وملتصق بها روث دجاج يابس.
فلم ينفضه.
دفع الباب واندفع إلى الخارج.
ركض خطوتين ثم عاد أدراجه.
فقد كان لا يزال منتعلًا شبشبيه.
بدلهما بحذاءين من قماش،
ثم عاد إلى الركض.
وصل إلى باب بيت العمة وانغ وظل يقرعه بعنف.
فأيقظ أسرتها كلها، كبارًا وصغارًا.
خرج ابن العمة وانغ عاري الصدر ليفتح الباب.
ظن أن لصًا قد جاء.
وكان يقبض في يده على عصا فرد العجين.
وحين رأى العجوز لي،
تجمد في مكانه.
— لا، لا... لقد تفتحت.
— ماذا تفتّح؟
— البغونيا.
— أي بغونيا؟
— بغونيا سو شيوي لان. لقد تفتحت. أزهرت. كلها تفتحت. زهر أبيض، والشجرة كلها بيضاء. تعال وانظر. تعال وانظر إليها!
في صبيحة ذلك اليوم،
جاء أهل القرية جميعًا.
كانوا أكثر من الذين حضروا يوم الجنازة.
حتى العابرون من البلدة، في طريقهم إلى السوق، توقفوا ليتفرجوا.
وضع العجوز تشانغ بائع التوفو حمّالته عند حافة الطريق.
ووضع ساعي البريد، الذي كان يسوق دراجته، قدمًا على الأرض.
وظل يحدق في الفناء دقائق طويلة،
ونسي أن عليه توزيع الرسائل.
تجمع الناس حول شجرة البغونيا.
لكن أحدًا لم يجرؤ على الاقتراب كثيرًا.
وقفوا على بعد طاولة مربعة منها،
ينظرون إليها من بعيد.
كأنهم يطوقون مزارًا مقدسًا.
وفي عيونهم دهشة،
وغرابة،
وخوف،
وعدم تصديق،
ثم خيط رقيق لا يُدرى ما هو—
شعور بالذنب.
كأن تفتّح تلك البغونيا
كشف في آن واحد للجميع
سرًا ظل مخبوءًا خمسين عامًا.
وكأن كل واحد منهم،
كل واحد منهم،
له نصيب في ذلك السر.
ارتخت ساقا العمة وانغ.
فخرّت على ركبتيها.
واصطدمتا ببلاط الحجر الأزرق.
دوّى صوت مكتوم.
مد العجوز لي يده ليعينها على النهوض.
لكنه لم يستطع.
بقيت العمة وانغ راكعة هناك.
والدموع تغمر وجهها.
تسري على أخاديد وجهها العميقة،
وتعبر طرف فمها،
ثم ذقنها،
وتقطر فوق البلاط الأزرق.
كانت سو شيوي لان تنظر إلى شجرة البغونيا المثقلة بالزهر الأبيض.
وشفتاها ترتجفان.
وظلت تتمتم طويلًا.
ثم سمع من حولها ما كانت تقوله بوضوح:
شيوي لان...
شيوي لان...
لقد عدتِ.
أنتِ التي عدتِ، أليس كذلك؟
لم تزهر هذه الشجرة قط طوال حياتها.
كانت تنتظر رحيلها هذه المرة.
فلما رحلت، أزهرت كي تراها.
جاءت لتودعها.
لقد حرستها عمرًا كاملًا.
إنها جنّية زهور.
بغونيا بيت سو شيوي لان جنّية زهور.
حرستها عمرًا كاملًا.
أما فهمتم؟ إنها جنّية زهور.
جنّية زهور!
وانتشر حديث جنّية الزهور
كأنما نبتت له أجنحة.
وفي لحظة عمّ القرية كلها.
من أولها إلى آخرها.
ومن آخرها إلى القرية المجاورة.
ومن القرية المجاورة إلى البلدة.
وكلما تناقله الناس، ازداد غرابة.
وكلما تناقله الناس، كثرت تفاصيله.
وكلما تناقله الناس، بدا أصدق.
قال بعضهم إن سو شيوي لان أنقذت، في شبابها، ثعلبًا أبيض مصابًا في الجبل.
كان النهار يوشك أن ينقضي.
وعادت سو شيوي لان من الحقول،
سالكة طريق الجبل.
فسمعت من بين الشجيرات على جانب الطريق شيئًا يئن أنينًا خافتًا.
أزاحت الشجيرات،
فرأت جرو ثعلب أبيض.
كانت ساقه الخلفية عالقة في فخ للصيد،
وقد صبغ الدم مساحة واسعة من فرائه الأبيض بالأحمر.
لم يهرب الثعلب حين رآها.
بل ظل ينظر إليها هكذا.
وكانت عيناه خضراوين صافيتين،
كحجري يشم أخضر غسلهما الماء.
قرفصت سو شيوي لان.
ومزقت شريطًا من ثوبها.
وفكت الفخ بيديها.
ثم ضمّت الثعلب إلى صدرها،
وحملته إلى البيت.
وضعت على جرحه أعشابًا طبية،
ولفته بشرائط من القماش.
وأطعمته ماء الأرز ثلاثة أيام.
وفي صباح اليوم الرابع، اختفى الثعلب.
ولم يترك في الفناء إلا خصلة من الشعر الأبيض،
وحبة لا يُعرف ماهيتها.
كانت سوداء،
بحجم حبة فول الصويا.
دفنت سو شيوي لان الحبة في ركن من الفناء.
وفي ربيع السنة التالية،
أزهرت تلك البغونيا.
وأضاف أحدهم: كان ذلك الثعلب دابة لإله الزهور. وردًّا للجميل، حلّ إله الزهور في شجرة البغونيا وبقي معها عمرًا كاملًا.
وقال آخرون إنه في العام الذي غرست فيه سو شيوي لان الشجرة،
دفنت قطعة نقدية نحاسية عند جذورها.
كانت النقود من عهد الإمبراطور غوانغ شيوي.
وكانت عليها أربعة أحرف: «داو غوانغ تونغ باو».
أعطاها إياها والد سو شيوي لان.
وقال إنها إرث الأسرة.
تسرب صدأ النحاس الأخضر إلى عروق الشجرة.
ومع توالي السنين،
دبت فيها الروح.
وصارت روحًا شيطانية.
سأل الناس: وكيف عرفت؟
فأجاب: سو شيوي لان نفسها أخبرتني. في سنة من السنين كنا ننزع الحشائش معًا في الحقل، شربت قليلًا من نبيذ الأرز، وأكثرت الكلام، فحكت لي.
وقال آخرون كلامًا أشد غرابة:
ليست جنّية زهور.
إنها سيدة البغونيا الخالدة.
إحدى آلهة السماء.
نزلت إلى الدنيا لتجتاز محنة.
وحين اجتازتها عادت إلى السماء.
انظروا إلى الزهر الأبيض.
أبيض.
ذلك لون الخالدين.
وقال آخرون: ليست جنّية زهور، وليست إلهة.
إنها سو شيوي لان نفسها.
فقد قالت سو شيوي لان إنها لم تضحك من قلبها طوال عمرها.
جمعت كل ضحكاتها.
وظلت تجمعها خمسين عامًا.
ثم ادخرتها في هذه الشجرة من الزهر الأبيض.
وقبل أن ترحل،
ضحكت مرة واحدة.
لتراها العيون.
لتعرف الناس أن سو شيوي لان كانت قادرة على الضحك،
وأنها كانت جميلة،
وأنها أزهرت يومًا هي الأخرى.
انظروا إلى تلك البتلات البيضاء.
ألا تشبه إنسانًا يضحك ضحكة عريضة؟
أخرج في ضحكته كل مرارة عمره.
ضحك حتى عجز عن التوقف.
ضحك حتى امتلأ الفناء كله.
ضحك حتى توقف كل عابر في طريقه.
لكن أكثر الروايات شيوعًا
ظلت رواية العمة وانغ نفسها:
جنّية زهور.
جنّية الزهور حرست سو شيوي لان عمرًا كاملًا.
مات زوج سو شيوي لان.
وماتت ابنتها.
ومات أهلها جميعًا.
وعاشت وحيدة طوال عمرها.
لكنها لم تكن وحدها.
لم تكن سو شيوي لان وحدها قط.
ففي الفناء جنّية زهور.
كانت جنّية الزهور تراقبها.
من عروس جديدة إلى أرملة عجوز.
من شعر أسود إلى شعر أبيض.
من فم ممتلئ بالأسنان إلى فم لم يبق فيه إلا سبع أو ثماني أسنان.
تراها تبكي.
وتراها لا تبكي.
وتراها تجلس كل يوم تحت الشجرة.
وتراها تحدث نفسها تحتها.
وتراها في الشتاء تجثو في الثلج لتلف الشجرة بالقش.
وترى الدم من تشققات يديها يتسرب إلى القش.
وظلت تراقب،
تراقب،
حتى مضى العمر كله.
لم تكن جنّية الزهور تستطيع الكلام.
ولا الحركة.
لم تكن تملك إلا أن تزهر.
لكنها لم تجرؤ على الإزهار.
فما إن تزهر
حتى ينكشف أمرها.
ولن تقدر على الاختباء.
ولن تعود مجرد شجرة.
سيخافها أهل القرية.
وسيقطعونها.
أو يحرقونها.
أو يقتلعونها من جذورها.
لم تستطع أن تزهر.
ولم تجرؤ على ذلك.
صبرت خمسين عامًا.
وانتظرت خمسين عامًا.
وكابدت خمسين عامًا.
وحين رحلت سو شيوي لان،
لم تعد تحتاج إلى التخفي.
فأزهرت مرة واحدة.
أزهرت من أجلها.
وابيّضت من أجلها.
وجاءت لتودعها.
وأفرغت بياض خمسين عامًا
في إزهار واحد.
وحين انتشرت هذه الحكاية في القرية،
بكت نساء كثيرات.
لم يبكين سو شيوي لان.
بل بكين جنّية الزهور.
بكين شجرة.
شجرة انتظرت خمسين عامًا قبل أن تجرؤ على الإزهار.
ثم وقف الناس حول البغونيا،
وضموا كفيهم أمام صدورهم.
وأوقد بعضهم البخور.
ووضع بعضهم الفاكهة قربها.
وقدمت عجوز كعكات بخارية من الدقيق الأبيض صنعتها بيديها، ووضعتها أمام جذع الشجرة.
ثم تراجعت ثلاث خطوات.
وعادت إلى جمع الناس.
ووقفت هناك.
تمسح دموعها.
وقال الناس إن في ذلك وفاءً أعمق من وفاء البشر،
ونخوةً أعظم من نخوتهم،
وإنه، أكثر من البشر—
يشبه إنسانًا.
كان العجوز لي قابعًا عند أسفل الجدار.
لا يقول كلمة.
سأله الآخرون: ما بك؟
فلوّح العجوز لي بيده.
فلم يسألوه ثانية.
لكنه في الحقيقة كان يفكر فيما وقع قبيل الفجر.
يتذكر المشهد الذي رآه
قبل أن يسقط من السلم.
لم ير العجوز لي الزهور وحدها.
بل رأى أيضًا—
شيئًا آخر.
رأى، وسط الشجرة المكسوة بالزهر الأبيض،
زهرة واحدة.
مختلفة.
لم تكن بيضاء.
بل وردية.
وردية ممتلئة بالحياة.
مختبئة بين أكثر الأغصان تشابكًا.
ولا يمكن أن تراها العين إن لم تدقق النظر.
وفي اللحظة التي رأى فيها تلك الزهرة الوردية،
شعر فجأة
أنها ليست زهرة.
بل وجه صغير.
وجه طفلة في الخامسة.
تبتسم فتتقوس عيناها،
كهلالين صغيرين.
ثم التفت ذلك الوجه.
ونظر إلى الشجرة الغارقة في الزهر الأبيض.
وقال شيئًا.
لم يسمعه العجوز لي بوضوح.
لكنه قرأ من حركة الشفتين
كلمة واحدة فقط:
أمي.
لم يجرؤ العجوز لي على إخبار أحد.
لأنه خاف إن نطق بها،
أن ينكسر الأمر.
أن يختفي.
أن لا يكون حقيقيًا.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.