حل الخريف مبكراً على نحو غير مألوف ذلك العام.
لم يكن قد مضى من سبتمبر إلا آخره، ومع ذلك كان الصباح يكشف عن صقيع في الفناء: طبقة رقيقة بيضاء، كأن يداً نثرت حفنة ملح على ألواح الحجر، وعلى سقف حظيرة الدجاج، وعلى جذور شجرة التفاح الظاهرة فوق التراب.
دفعت سو شيولان الباب في الصباح. كان عتب الباب ثقيلاً؛ لم تدهنه بالزيت طوال العام، فجف الخشب وانكمش، وصار لا ينفتح إلا إذا دفعته بكتفها. دفعته فانفرج.
خطت فوق الصقيع فانزلقت. أمسكت بإطار الباب، وخدشت أظفارها الخشب بخط ضحل. استقرت قدماها، لكن شيئاً في قلبها ارتجف.
كأن شيئاً ما انقطع في أعمق موضع من جسدها.
لم يكن عظماً.
ولا وتراً.
كان شيئاً آخر.
لا اسم له، لكنها أحست به.
انقطع.
انقطع، ولا سبيل إلى وصله من جديد.
وقفت شيولان عند الباب طويلاً، تنظر إلى الصقيع في الفناء، وإلى الألواح الحجرية التي يغطيها، وإلى الشقوق التي بين ألواحها. كانت قد راقبت ذلك الشق خمسين عاماً: صار شقاً واحداً شقين، ثم صار الشقان شبكة عنكبوت. ونما الطحلب في الفجوات، فتجمد تحت الصقيع، قاسياً أبيض.
ثم خفضت رأسها.
نظرت إلى يديها. كانت العروق النافرة تغطي ظاهر اليد، عرقاً بعد عرق، كشقوق ألواح الحجر في الفناء.
وفي الأيام التالية أخذت سو شيولان تستيقظ متأخرة أكثر فأكثر. في البداية لم تنهض إلا بعد أن يطلع النهار وتسمع صيحة الديك الثالثة. ثم صارت لا تنهض حتى ترتفع الشمس فوق الجدار. ثم حتى تصير في نصف السماء.
وفي يوم من الأيام، لم تنهض.
لم ترَ العمة وانغ دخاناً يخرج من مدخنة بيت سو شيولان يومين متتابعين. لم تعبأ في اليوم الأول؛ ظنت أن شيولان تأكل طعاماً بارداً. لكن الدخان لم يظهر في اليوم الثاني أيضاً، فشعرت أن في الأمر خطباً. حملت إليها وعاء من فطائر الجياوزي المحشوة بالكراث والبيض؛ كانت شيولان قد صنعتها بنفسها وزادت حصة وهي تفكر في وحدتها، وقالت لعلها لا تريد إشعال الموقد، فأوصل لها وعاء.
كان باب الفناء مغلقاً. نظرت العمة وانغ من الشق، فرأت ورقتين صفراوين ملتفتَي الحافة فوق ألواح الحجر؛ ورقتين سقطتا من شجرة التفاح. ولم يكن المقعد الصغير تحت الشجرة، ولا إنسان هناك.
نادت مرتين: «شيولان! يا شيولان!»
لم يجبها أحد. ارتطم صوتها بجدران الفناء وعاد إليها طنيناً مبهماً.
ضربت العمة وانغ الباب بكل قوتها، ثم راحت تدقه بقبضتها، بلا جواب. أصابها الذعر. كان المزلاج موصداً من الداخل، ولا سبيل لدفع الباب من الخارج. هبط قلبها دفعة واحدة إلى قاعها. وضعت وعاء الجياوزي على العتبة، وركضت تستدعي العجوز لي.
كان العجوز لي يشطر الحطب في فنائه. وما إن سمع كلامها حتى ألقى الفأس على الأرض وركض أسرع منها. سقطت فردة من نعليه، فتابع حافياً بقدم واحدة، والحصى يؤلم باطن قدمه، لكنه لم يلتفت.
وحين وصلا إلى بيت سو شيولان لم يقل كلمة. تسلق الجدار ودخل. لم يكن الجدار عالياً، لكن العجوز لي تجاوز السبعين، فتعلق سرواله بشظية زجاج في أعلاه وانشق، وانخدشت ساقه بخط دامٍ. ولم يلتفت إلى ذلك أيضاً، بل اندفع نحو البيت.
دفع الباب.
كان الداخل معتماً. ورق النوافذ لم يُبدّل منذ أعوام، فلا يكاد الضوء ينفذ منه. واستقبلته رائحة عفن ورائحة أعشاب طبية.
وكانت هناك رائحة العفن، ورائحة الأعشاب الطبية، ورائحة لا تكون إلا في جسد شيخ مسن. امتزجت كلها في هواء ثقيل خانق، كأن زمن البيت كله تجمد وصار غلافاً خفياً يطبق على كل ما فيه.
كانت سو شيولان مستلقية على السرير. يغطيها اللحاف في نظام تام، وقد دُسّت أطرافه بإحكام، كأنها هي من سحبه على نفسها. طوال حياتها كانت ترتب لحافها ترتيباً دقيقاً، سواء غطّت هايتان الصغيرة أم غطّت نفسها.
كانت يداها إلى جانبيها، وعيناها مغمضتين. انبسطت تجاعيد وجهها؛ لا، لم تكن الأخاديد العميقة قد اختفت، بل كأنها امتلأت. كأنها، قبل أن ترحل، وضعت كل ما ادخرته في عمرها من مرارة جانباً. وضعته جانباً، فاستوى وجهها.
لم تكن قد رحلت.
كانت نائمة.
وقف العجوز لي أمام السرير وقتاً طويلاً. ثم لمس جبينها، فوجده بارداً. ولمس يدها، فوجدها باردة. استدار إلى العمة وانغ الواقفة عند الباب وقال:
«مضت.»
رحلت سو شيولان في هدوء.
وجاء الطبيب الحافي الوحيد في القرية. قلب جفنيها، وجس نبضها، وضغط على صدرها، ثم نهض وقال:
«يُرجح أنها رحلت في الليل. جلطة قلبية. لم تتعذب. نامت ومضت. توقفت أعضاؤها كلها ببطء: النفس أولاً، ثم القلب، ثم الدماغ، ثم كل خلية في جسدها، خلية بعد خلية، كما ينطفئ مصباح نفد زيته؛ يحترق فتيله حتى آخر شرارة، ثم يخبو. وهكذا تمضي.»
وحين غادر الطبيب الحافي على دراجته القديمة، أخذت عجلاتها تصر فوق طريق الحصى، صريراً يبتعد شيئاً فشيئاً.
قال أهل القرية في سرهم: «امرأة لم تعرف الراحة طوال حياتها، لكنها على الأقل مضت بسهولة. لعل السماء رأتها شديدة البؤس، فأحسنت إليها مرة.»
وقال العجوز لي:
«لا ابن لها ولا ابنة، ولا أحد عند رأسها. شدّت لحافها بيدها…»
وضعت يديها بنفسها إلى جانبيها، وأغمضت عينيها بنفسها، ومضت بنفسها؛ مضت في هدوء وكرامة، من غير أن تثقل على أحد.
تكفل أهل القرية بنفقات الجنازة. عاشت سو شيولان أرملة خمسين عاماً؛ لا ولد لها ولا ابنة ولا قريب. انقطع أهلها عنها منذ سنين. وكانت آخر رسالة وصلتها من بيت أهلها قبل عشر سنوات، تخبرها أن أخاها مات. كتبتها زوجة أخيها على يد شخص يعرف الكتابة: «يا أختي، رحل أخوك. إن وجدتِ وقتاً فتعالي وانظري إليه.»
وضعت شيولان الرسالة تحت وسادتها ثلاثة أشهر. كانت تخرجها فتقرؤها مرة، ثم تعيدها. وفي النهاية لم تعد.
ولم يبق من أهل زوجها أحد أيضاً. كان تشو دِههو ابناً وحيداً، وقد مات والداه منذ زمن. فلم يبق لها سواها؛ امرأة واحدة عاشت ثمانية وستين عاماً في هذا العالم، ثم مضت، ولم يوجد حتى من يرتدي ثوب الحداد من أجلها.
وتولى العجوز لي الأمر. جمع من كل بيت في القرية مالاً قليلاً: يواناً من هذا، ونصف يوان من ذاك، حتى بلغ ما جمعوه نحو مئة يوان. اشتروا نعشاً رقيقاً من خشب التنوب، بلا طلاء، لا يزال لون خشبه فاتحاً.
ودعوا عرّافاً جنائزياً من البلدة ليختار اليوم. جلس في الغرفة الرئيسية من بيت سو شيولان، وعدّ على أصابعه، وقلب تقويماً قديماً اصفرّت صفحاته وهشّت، ثم نظر إلى ظل شجرة التفاح خارج البيت، إلى زاويته. وقال:
«بعد ثلاثة أيام يوم ميمون. صالح للدفن.»
فحددوا الجنازة بعد ثلاثة أيام.
وكانت العمة وانغ والعجوز لي يسهران عند الجثمان. جلسا في الغرفة الرئيسية على جانبي مصباح كيروسين. قصّا الفتيل مراراً حتى صار لهب المصباح صغيراً بحجم حبة فول الصويا، أصفر مرتعشاً، يلقي ظلين على الحائط، أحدهما كبير والآخر صغير، يهتزان مع الضوء.
ومع طول الاحتراق امتلأت الغرفة برائحة الكيروسين الخفيفة ورائحة الفتيل المحترق. وأحياناً تنفجر زهرة صغيرة في المصباح: طَقّ. فيرتجف الاثنان معاً، يتبادلان نظرة، ثم يصرف كل منهما عينيه.
قالت العمة وانغ:
«ماذا جنت شيولان من عمرها هذا؟ لو تزوجت مرة أخرى في ذلك الوقت لما كانت أيامها بهذه القسوة. ذلك الأخ فِنغ تزوج بعدئذ بأرملة من القرية المجاورة، وعاشا بخير. ربّى ثلاثة خنازير وبنى بيتاً جديداً، ورُزق بحفيد في الشتاء الماضي. لو أومأت شيولان بالموافقة يومها، لكان لها الآن أحفادها أيضاً.»
«ما كانت لتبقى حتى لا تجد من يلبس ثوب الحداد من أجلها.»
لم يجب العجوز لي. ظل مطأطئ الرأس ينظر إلى اللهب الصغير في مصباح الكيروسين. قفز اللهب مرة ثم مرة، كأن شيئاً وطئه فانطفأ، ثم عاد يشتعل.
وبعد صمت طويل قال:
«لعلها فعلت ذلك لتطمئن قلبها.»
وما إن قالها حتى ارتجف فجأة.
لم يكن برداً.
كان برودةً تسري من باطن قدميه إلى أعلى، كأن شيئاً مر من خلف ظهره، ونفذ خلاله.
استدار العجوز لي بعنف. لم يكن خلفه شيء؛ لا شيء إلا الظلال على الحائط: ظله هو، وظل العمة وانغ، و…
وظل ثالث.
فرك العجوز لي عينيه ونظر ثانية. كان الظل الثالث منكمشاً بين ظليهما، صغيراً كطفل، قابعاً هناك، مطأطئ الرأس، ويداه فوق ركبتيه، كأنه ينتظر أحداً.
فتح العجوز لي فمه ليطلب من العمة وانغ أن تنظر، لكن حين فرك عينيه مرة أخرى اختفى الظل.
كان العرق البارد يملأ ظهر قاضي الناحية، ويلصق ثيابه به. وشعرت العمة وانغ هي الأخرى بشيء. وشهقت سو شيولان بصوت خافت وقالت:
«يا أخي لي، ألا تشم شيئاً؟»
استنشق العجوز لي. كان في الهواء شيء يتسلل: عطر زهر رقيق جداً، غامضاً متقطعاً، كأن في مكان بعيد حقلاً من الزهر، وأن الريح حملت منه الرائحة إليهما.
لكن في الفناء لم تكن هناك إلا شجرة واحدة؛ شجرة تفاح لا تزهر أبداً.
نهض العجوز لي، ومشى إلى الباب، وفتحه شقاً ضيقاً ونظر إلى الفناء. كانت الشجرة تقف عارية في ضوء القمر، وقد أوشكت أوراقها أن تسقط كلها، ولم يبق إلا بضع أوراق معلقة على أعلى الأغصان.
لكن الأمر لم يكن أمر الأوراق.
تلك الرائحة لم تأت منها.
كانت تصعد من داخل الشجرة، من قلبها، ومن جذورها الغائرة في التراب.
أغلق العجوز لي الباب برفق شديد، كأنه يخشى أن يوقظ شيئاً.
ثم عاد إلى المصباح وقال للعمة وانغ:
«لا بأس. حملتها الريح. لعلها من زهر بري في الجبل الخلفي.»
هزت العمة وانغ رأسها، لكنها كانت تعرف أن ذلك غير صحيح. لم يبق في الجبل الخلفي في ذلك الفصل زهر؛ ذبل كله ومات، حتى الأقحوان البري انكمش ككتلة صغيرة يابسة.
تبادلا النظرات ولم يجرؤ أحدهما على الكلام. أدخلت العمة وانغ يدها في جيبها وقبضت على مسبحة من خشب الصندل. لم تكن سو شيولان تحمل مسبحة في العادة، لكنها وضعتها ذلك اليوم خاصة، وقبضت عليها حتى آلمتها حباتها في راحة اليد، ولم تفلتها.
أما العجوز لي فقرّب مصباح الكيروسين منه قليلاً. اهتز اللهب وانحرف نحوه. رفع يديه حول زجاج المصباح ليدفع الريح؛ ولم تكن هناك ريح. لكنه أراد أن يفعل شيئاً، أي شيء يشغل يديه.
وفي اليوم الثالث خرجت الجنازة.
كان الشباب الأربعة الذين يحملون النعش عند إخراجه من الفناء من أقوى فتيان القرية، أكتافهم مستديرة قوية. وحين وضعوا عصا الحمل على أكتافهم غاص اللحم تحتها. بذل الأربعة قوتهم معاً فارتفع النعش عن الأرض.
وحين تجاوزوا بوابة الفناء شعروا فجأة أن النعش خف.
لم يخف تماماً.
خف قليلاً فقط.
كأن شيئاً خرج من النعش، وهبط في الفناء، وبقي هناك.
نظر الشبان إلى بعضهم. قال أحدهم: «يبدو أن النعش خف.»
فحدق فيه آخر وقال: «كف عن الكلام. امشِ.»
لم يجرؤ أحد على زيادة كلمة. كانت البرودة تسري في ظهورهم جميعاً، لكن أياً منهم لم يرخ يده. وتقدم النعش ثابتاً إلى الأمام.
دُفنت سو شيولان في الجبل الخلفي، إلى جوار قبر هايتان الصغيرة. اختار العجوز لي الموضع وقال إنه يتلقى الشمس؛ يذوب ثلجه سريعاً في الشتاء، ويزهر فيه الربيع أولاً.
قبران، كبير وصغير، تفصل بينهما خمسون سنة، وقد أصبحا أخيراً متجاورين.
كان قبر هايتان قد كاد يستوي بالأرض. خمسون سنة هبط فيها التراب، ونما العشب، وتفتحت الأزهار البرية ثم ذبلت، ثم تفتحت من جديد. ولم يعد المرء، إن لم يدقق، يعرف أنه قبر.
لكن العجوز لي كان يتذكر.
وقف أمام كومة التراب الأصفر، ونزع بعض العشب من فوقها، ثم قال للشباب خلفه: «هنا.»
ثم قرفص، ورسم بإصبعه على شاهد قبر سو شيولان خطين، واحداً كبيراً وآخر صغيراً متجاورين، كأنهما شخصان يمسكان بأيدي بعضهما.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.