كKR1688
الرئيسية/ما وراء الليل/05 · قضية تُحلّ في المنام — الفصل 2
الفصل السابق

05 · قضية تُحلّ في المنام — الفصل 2

ما وراء الليل

الفصل التالي

عاشت سو شيولان وحدها خمسين سنة.

خمسين سنة: من الثامنة عشرة إلى الثامنة والستين، من عروس جديدة إلى أرملة عجوز، من شعر أسود كامل إلى رأس أبيض، ومن أسنان سليمة إلى سبعة أو ثمانية أسنان فقط، ومن مشية سريعة إلى خطوات تتكئ على عصا.

كانت إذا مشت من الفناء الأمامي إلى الخلفي تحتاج إلى ثلاث وقفات. في الأولى، عند وسط الفناء، تمسك ركبتيها وتتنفس بشدة، ويخرج من صدرها صفير كمنفاخ. وفي الثانية تتكئ على إطار باب الفناء الخلفي وتغلق عينيها لحظة؛ جفناها كقشر الشجرة فوق عينين عكرتين. وفي الثالثة تجلس قرب كومة الحطب، وتظل فيها ما يقارب نصف ساعة، تنظر إلى الجبل الخلفي، وإلى الصنوبرة الملتوية، وإلى الطريق المتعرج الصاعد، حتى تنتقل الشمس من الشرق إلى الغرب ويطول ظلها من جانب إلى جانب. ثم تنهض ببطء وتعود بعصاها، خطوة بعد خطوة.

خلال خمسين سنة عرض عليها الناس الزواج. كان في القرية المجاورة أرمل اسمه فِنغ، أكبر منها بخمس سنوات، يملك بضع قطع أرض وخنزيرين وبقرة. ماتت زوجته قبل ثلاث سنوات وأراد زوجة أخرى، فأرسل العمة وانغ لتخطب له.

دخلت العمة وانغ فناء سو شيولان بسلة بيض. كان الفناء نظيفاً تماماً، حتى الأعشاب بين شقوق الحجارة اقتُلعت، وحظيرة الدجاج أصلحت مراراً، والجدار الطيني رقع مراراً. كان قديماً، لكنه مرتب على نحو لا يشبه بيت أرملة.

قالت لها إن الأخ فِنغ رجل طيب؛ لا يشرب ولا يضرب، وإن كان قليل الكلام، فالرجال الهادئون أصلح للعيش. وقالت إن أرضه أخصب وماءه أعذب وحياته أيسر.

لم تقل سو شيولان شيئاً. أشارت بإصبعها إلى شجرة التفاح البري في ركن الفناء، ثم إلى الجبل الخلفي.

نظرت العمة وانغ حيث تشير: أولاً إلى الشجرة، خضراء لا زهر فيها؛ ثم إلى الجبل الرمادي، وفيه قبر.

فهمت.

لم تعد تجد كلاماً. تركت البيض، ومضت. وعند باب الفناء التفتت؛ كانت شيولان تحت الشجرة، يدها على الجذع، ولا تدري العمة أكانت تسند الشجرة أم تجعل الشجرة تسندها. غصّ أنفها، فمشت سريعاً. وبعد أن خرجت وقفت طويلاً عند الجدار الطيني، ومسحت دموعها قبل أن تعود إلى بيتها.

وفي تلك الخمسين سنة مات كثيرون في القرية. ماتت زوجة العجوز لي بعد أن ظلت ثلاثة أشهر في الفراش؛ وفي أيامها الأخيرة لم تعد تعرف الناس، فكانت تنادي زوجها باسم أخيها الأصغر. ولم يصحح لها العجوز لي؛ كان يسمع فقط.

ومات زوج العمة وانغ وهو يعزق الحقل؛ سقط برأسه إلى الأرض، وحين حملوه كانت فيه بقية نفس. شرب وعاء ماء ثم انقطع نفسه، وعيناه مفتوحتان إلى السقف، كأنه يرى شيئاً ينتظره هناك.

ومنذ ذلك الحين لم يلفظ نفساً آخر.

ظلت عيناه مفتوحتين، تحدّقان إلى السقف، كأنهما تريان شيئاً، كأن شيئاً ما كان ينتظره فوقه.

ومات ليو العجوز، قليل الكلام، من طرف القرية الشرقي. ومات تشاو الأعرج من طرفها الغربي. ومات شيخ مجهول الاسم كان يقيم تحت شجرة السَّوفورا العتيقة عند مدخل القرية. قضى برداً في الشتاء؛ وحين عثروا عليه كان جسده صلباً كعود جليد.

حتى كلب سو شيولان الأصفر العجوز مات.

مات ميتة طبيعية. عاش خمس عشرة سنة، وهو عمر مديد في حساب الكلاب. في أيامه الأخيرة امتنع عن الطعام ولم يشرب إلا الماء. وكانت شيولان تصفّي ماء الأرز من عصيدتها وتطعمه إياه قليلاً قليلاً.

وفي صباح فتحت الباب فرأته ممدداً عند أسفل سور الفناء، في الموضع الذي اعتاد أن يتشمّس فيه. لكنه لم يتحرك ذلك اليوم. نادته مرة فلم يجب، ثم نادته ثانية فلم يجب. اقتربت، وانحنت، ولمست ظهره؛ كان متيبساً بارداً. عيناه نصف مفتوحتين، وما زال على شعر فمه شيء من ماء الأرز الذي شربه بالأمس.

قرفصت شيولان إلى جانبه طويلاً. ثم نهضت، وأحضرت مجرفة من مخزن الحطب، وحفرت حفرة تحت شجرة التفاح البري في زاوية الفناء. وضعت الكلب فيها، وردمت التراب، وربّتت عليه حتى استوى. ثم جلست تحت الشجرة يوماً كاملاً.

كانت حياة سو شيولان تمضي بانتظام شديد. تستيقظ قبل أن يطلع النهار، عند صيحة الديك الثانية، صيفاً وشتاءً، في ريح أو مطر. وبعد أن تستيقظ تمكث قليلاً على سرير الكانغ الدافئ، تصغي إلى أصوات الخارج: نداء الديكة، ونباح الكلاب، وصرير باب يفتحه أحد في بيت بعيد. ثم تجد في نفسها قوة للنهوض.

تغلي الماء، وتغسل وجهها، وتمشط شعرها. كانت مرآتها مستديرة قديمة، قد تعكرت صفحتها وسقطت منها بقع من طلاء الزئبق، فلا يرى المرء فيها صورته إلا ضبابية، كأنه ينظر إلى نفسه في الماء. كانت تمشط خصلات شعرها خصلة خصلة؛ وقد صار أبيض كله، أبيض كزهر القصب في الشتاء، منفوشاً خفيفاً. وينزلق المشط على فروة رأسها مصدراً حفيفاً ناعماً.

تجدل شعرها وتلفه خلف رأسها، ثم تثبته بدبوس خشبي. كان تشو دِههو قد نحت ذلك الدبوس لها في ليلة كاملة بسكين حطب. جاء أعوج، غليظاً من طرف ودقيقاً من طرف، وعلى رأسه نقش ملتوي لا يعرف أحد ما هو: لعلّه زهرة تفاح، ولعلّه زهرة سوسن، ولعل تشو نفسه لم يكن يدري. لم يفعل سوى أنه أحس أن الدبوس ينبغي أن يحمل شيئاً من الزينة.

كانت شيولان تسخر من خشونة يديه، فيقول لها: «ضعيه حتى يبيض شعرك.»

وفعلت. ظل في شعرها حتى ابيضّ. زال طلاؤه منذ زمن، وانكشف لون الخشب، فتحول من أصفر باهت إلى بني داكن، واكتسب لمعاناً دافئاً من لمس اليدين على مدى عمر كامل.

وبعد أن تمشط شعرها تعد فطورها: عصيدة ذرة، وعاء واحد، مع قليل من المخلل. كانت تخمّر المخلل بنفسها في جرّة تقف في زاوية مطبخ الموقد، جرّة ظلّت تخمّر فيها الخضار خمسين عاماً. ورثتها عن حماتها؛ وقبل موتها أشارت إلى الجرّة وقالت: «يا شيولان، خمّرت في هذه الجرّة طوال عمري. واصلي أنتِ. ما دامت الجرّة لا تخلو، فلا تخلو الأيام.»

حفظت شيولان ذلك. وظلت تخمّر فيها حتى صار طرفها أملس لامعاً، دهنياً ناعماً كاليشم. كانت تلتقط بعيدان طويلين شريحة فجل مملحاً من الجرّة؛ بنية مسوّدة، مجعدة، ثم تضعها على لوح التقطيع وتشقها خيوطاً متساوية السمك. ثلاث شرائح فقط تكفيها أسبوعاً.

كانت تأكل ببطء شديد. تبقي ملعقة العصيدة في فمها حتى تذوب حباتها، ثم تبتلعها على مهل، كأنها تتذوق طعماً خفياً، أو كأنها لا تتذوق شيئاً. لم يعد الزمن لديها شيئاً شحيحاً؛ صار وفيراً، أكثر مما تستطيع أن تنفقه.

وبعد الفطور تحمل مقعداً صغيراً وتجلس تحت شجرة التفاح. صار هذا عادتها منذ ماتت هايتان الصغيرة. كل صباح، ما لم تمطر السماء، وما لم تهب الريح الشمالية القاسية، وما لم يحاصر الثلج الباب، كانت تجلس هناك.

تارة تخيط نعلاً: غرز متقاربة، إبرة بعد إبرة، ببطء بالغ، حتى إن نعل حذاء واحداً يحتاج شهراً كاملاً. وتارة ترقع ثيابها القديمة؛ رقعة فوق رقعة، لكنها تخيط كل رقعة مستوية، وتحاول أن تكون خيوطها بلون القماش. وإذا لم تجد اللون ذاته أخذت لوناً قريباً، فلا يكاد يلحظه المرء من بعيد.

وأحياناً لا تعمل شيئاً، بل تجلس فحسب وتنظر خارج سور الفناء، إلى الجبال البعيدة. كانت الجبال تتراجع طبقة بعد طبقة: القريبة خضراء بلون الصنوبر والسرو، والتي بعدها خضراء مزرقة، ثم رمادية، أما الأبعد فزرقاء رطبة كأن لوناً قد تسرب إليها من السماء، فلا يُدرى أهي جبل أم سماء.

كانت تنظر هكذا طوال الصباح: حتى تبلغ الشمس كبد السماء، وحتى ينكمش ظلها عند قدميها، وحتى ترى النمل يصعد من جذور الشجرة ويهبط، والدجاج يخرج من عشه ينقر هنا وهناك ثم يعود إليه، وأهل القرية يمرون في الطريق: من يحمل معولاً، ومن يحمل عصاً على كتفيه، ومن يقود طفلاً بيده.

وكانوا ينادونها: «يا عمّة شيولان، أكلتِ؟»

فتهز رأسها وتحرك شفتيها، كأنها تقول نعم. وفي الحقيقة يكون وعاء العصيدة ما يزال عند جذع الشجرة، وقد برد منذ وقت طويل.

وأحياناً كانت سو شيولان تكلم شجرة التفاح. ولم يكن ذلك كلاماً تماماً، بل همساً متقطعاً، خافتاً كأنها تخشى أن يسمعه الناس، أو تخشى ألا تسمعه الشجرة.

«يا هايتان، هبت الريح البارحة، أليس كذلك؟ هل بردتِ؟ رأيتك تهتزين بعنف طوال الليل. خرجت لأنظر إليك مرتين. وفي المرة الثانية خفت الريح فاطمأننت. إن كنتِ بردانة فقولي لأمك. أضع لك طبقة أخرى من القش. لم يأت الشتاء بعد، فلا داعي للعجلة. لكن إن بردتِ فعلتُ ذلك، ولن أتعب من أجلك.»

«يا هايتان، أرسلت العمة وانغ اليوم حزمة خضار خضراء. محصولهم جيد هذا العام؛ ملفوفهم بحجم حجر الرحى الصغير، كل رأس منه كرأس طفل. سأقسمه معك. أدفن لك نصفه عند الجذور؛ كليه لتكبري. أنتِ لا تكبرين أبداً؛ خمسون سنة وأنتِ هزيلة هكذا. لو كان أبوك حياً لقال إنك انتقائية في الطعام. كان يحب أن يصف الناس بذلك، وهو نفسه الأكثر انتقاءً؛ لا يأكل الكزبرة، ويعبس أن شم رائحتها.»

«يا هايتان، ساق أمك تؤلمني من جديد. لا بد أن المطر قادم. كلما نزل المطر آلمتني. ساقي أدق من ذلك الراصد ذي النظارات في جمعية التوريد بالبلدة. يقول العجوز لي إنه متخرج من الجامعة، قرأ كتباً كثيرة، ويعرف كيف يقرأ السحاب واتجاه الريح. لكنني أقول إن ساقي أدق منه: إذا قالت إن المطر آتٍ، أتى. لم تخدعني قط.»

وكان أهل القرية يمرون أحياناً بباب بيتها، فينظرون من فتحة الباب الموارب، فيرونها تكلم الشجرة وحدها. تارة تكون مبتسمة وهي تهمس، وتارة تسكت وترفع رأسها إلى الشجرة وتحدق فيها طويلاً. فيهزون رؤوسهم، ويشعرون بحرقة في صدورهم.

وكان العجوز لي يقول وهو يشرب مع الناس: «لم يبق لشيولان في هذه الدنيا إلا تلك الشجرة.»

فيجيبه أحدهم: «ونحن، ألسنا باقين لها؟»

فيرفع العجوز لي وعاء الخمر ويشرب جرعة كبيرة، ولا يقول شيئاً. وحين يضع الوعاء تكون أصابعه ترتجف، وقد انسكب شيء من الخمر فتسرّب في شقوق الطاولة الخشبية.

كان العجوز لي يعرف الحقيقة. هؤلاء الجيران يستطيعون أن يعينوها حيناً، لكنهم لا يستطيعون أن يعينوها عمراً؛ يستطيعون أن يعينوا جسدها، لا ما في قلبها.

تلك الشجرة التي لا تزهر.

كانت الشجرة رجاءها الوحيد في القلب، والشيء الوحيد الذي يصغي إلى كلامها؛ الشيء الوحيد الذي لن يموت، ولن يرحل، ولن يتركها.

في قول العجوز لي ثلاث عبارات، والأخيرة هي الأهم. كان محقاً في نصف ما قال. أما نصف الحقيقة الآخر فهو أن تلك الشجرة لم يبق لها هي أيضاً إلا سو شيولان.

لم يكن أحد، غيرها، يرعى شجرة التفاح هذه. لا أحد يسقيها، ولا يسمدها، ولا يقلم أغصانها، ولا يلف جذعها بالقش في الشتاء ليدفع عنها الصقيع. لا أحد. سواها.

وكان الماء الذي تسقيها به تحمله من نبع جبلي يبعد ثلاثة ليّات عن القرية. تمشي في الطريق صعوداً وهبوطاً ودلو الماء متدلٍ من ذراعها، بطيئةً جداً؛ ثلاث خطوات ثم راحة. يتأرجح الدلو في يدها فينسكب منه قليل، فتسود حصى الجبل ببقع مبتلة، ثم تجف، ثم تسود ببقع أخرى. وحين تصل إلى البيت لا يبقى إلا أكثر من نصف دلو.

لم تكن تبالي. كانت تصبه على جذور الشجرة دفعة واحدة. فيتسرب الماء بينها، ويمتصه التراب المشبع مصدراً حفيفاً خفيفاً، كأن الشجرة تشرب. وكانت شيولان تسمع ذلك الصوت، فترضى، وتربت على الجذع قائلة:

«اشربي. هذا ماء نبع الجبل، حلو، ألذ من ماء البئر. بئر مدخل القرية تغيّر طعمها منذ العام الماضي. يقول العجوز لي إن شيئاً تعفن في قاعها. وأنا أقول إن طين البئر يحتاج إلى تنظيف، لكنه لا يسمع. أما النبع فمختلف؛ يخرج من شقوق الصخر، نظيف حلو. اشربي.»

وعند تساقط الأوراق في الخريف، كانت تجمع كل ورقة بمكنسة صغيرة من سيقان الذرة الرفيعة. تكنس في دقة، حتى لا تترك ورقة في شق من شقوق الآجر. تحفر حفرة ضحلة عند الجذور، وتدفنها، ثم تدك التراب بقدميها وتقول للشجرة:

«هذه أوراقك، أعيدها إليك. في العام القادم ستنبت أوراق جديدة. سقطت أوراق هذا العام، لكن أوراق العام القادم ستكون أجمل؛ أخضر وأكبر. انتظري.»

وفي الشتاء، حين تلف القش حولها، كانت تجثو في الثلج حتى تنغمس خلف ركبتَيها فيه. يذوب الثلج بحرارة جسدها ويتسرب عبر سروالها القطني، بارداً حتى العظم. تلف القش حول الجذع طبقة فوق طبقة. تصير أصابعها حمراء كالجزر، تتشقق وتسيل منها قطرات الدم، فتلتصق بالقش الأصفر الجاف وتصبغ مواضع منه بلون بني محمر؛ نقاطاً صغيرة كزهور متفتحة على القش.

ولم تكن تتوقف. وحين تنتهي تنفخ في يديها بخاراً أبيض، وتفركهما حتى تدفآ، ثم تربت على الجذع وتقول:

«أصبحتِ دافئة، أليس كذلك؟ لا تتجمدي. شتاء هذا العام أبرد من السابق. نزلت ثلاث ثلجات العام الماضي، وهذا العام لم يبدأ الشتاء إلا وسقطت واحدة، وكلها ثلوج كثيفة. هل تقدرين على تحمّلها؟ وإن لم تقدري فعليك أن تتحملي. أمك لفتك بخمس طبقات من القش، وربطتها جيداً. أنا نفسي لا أرتدي هذا السمك.»

عام بعد عام.

عام بعد عام.

عام بعد عام.

خمسون عاماً.

التعليقات

لا توجد تعليقات منشورة بعد.