ماتت سو شيولان.
مضت ثلاثة أيام على موتها.
وقبل أن يبرد جسدها تماماً، أزهرت شجرة التفاح البري في فناء البيت.
لم تُزهر على نحو طبيعي.
بل انفجرت.
في ليلة واحدة تفتحت كل البراعم معاً، وامتلأت بتلاتها وانتفخت كأنها حُقنت بالدم.
كانت قلوب الزهر سوداء.
لا حمراء داكنة، بل سوداء، كسواد شفاه ميت.
وكان للزهور وهي تتفتح صوت:
«بُب... بُب... بُب...»
كصوت عظم يزحف خارج لحم.
سمعه العجوز لي.
لكنه لم يقل شيئاً.
لأنه رأى في قلب كل زهرة وجهاً صغيراً غامضاً، لكنه وجه إنسان بلا شك.
وجه سو شيولان.
كان العجوز لي أول من اكتشف ذلك. يفصل بين بيته وبيت سو شيولان جدار طين قصير؛ يكفي أن يقف على أطراف أصابعه ليرى رؤوس الأشجار في الفناء المقابل. أما اليوم فلم يحتج إلى ذلك. كانت رؤوس الأغصان هناك بيضاء كأن شيئاً نبت فجأة من وراء الجدار، كأنها امتدت من الجهة الأخرى إليه.
كان يحمل وعاء علف الدجاج، وهي أول مهمة له كل صباح. يربي ست دجاجات مرقطة: ديكاً وخمس دجاجات. كان الديك يصيح في كل صباح بدقة تفوق ساعة متجر التعاونية في البلدة. صاح في ذلك اليوم أيضاً، فسمعه لي، لكنه لم ينتبه.
خرج من باب القاعة وهو يحمل الوعاء. مشى ثلاث خطوات، ولم تهبط الرابعة حتى انزلق الوعاء من يده. تناثر الدخن على الأرض الطينية الرمادية، أصفر لامعاً. فزعت الدجاجات ورفرفت في الفناء، وتطاير الريش فوق الوعاء والدخن وحذاء العجوز.
لم يلتقط شيئاً.
وقف فقط يحدق خلف الجدار.
لقد أزهرت شجرة التفاح البري.
شجرة لم تُزهر منذ عشرات السنين، أزهرت في ليلة واحدة.
بيضاء.
كلها بيضاء.
زهرة بعد زهرة، متزاحمة كثلج مكدس فوق الشجرة، أو كأن أحداً مزق غيوم السماء وعلّق قطعها في الأغصان، أو وضع في كل غصن حفنة من طيور بيضاء نائمة. كانت ساكنة، حتى تمر الريح فترتجف قليلاً.
وانفجر الخبر في القرية. لم يعرف أحد كيف انتقل. كأن الريح تتكلم، أو أن في صياح الديك شيفرة، أو أن نار كل موقد قفزت في اللحظة ذاتها فعرف الجميع أن أمراً حدث.
لم يكن شراً عادياً.
بل كان أمراً غريباً.
ركضت العمة وانغ من شرق القرية إلى غربها، وركض ليو الثاني من غربها إلى شرقها. التقيا في الطريق، وسألها وهو يلهث. فتحت فمها وقالت كلمة واحدة:
«أزهرت.»
أومأ وقال كلمة واحدة:
«أزهرت.»
لم يكن لدى أحد وقت للمجاملات. كانت الكلمة وحدها تكفي.
امتلأ الفناء الصغير لبيت سو شيولان بالناس: عند الجدار، وعلى العتبة، وفي الطريق الترابي خارج الباب. منهم من يستند إلى عصا، ومن يحمل طفلاً، ومن انتُزع من فراشه وشعره لم يُمشط، ومن خرج حافي القدمين إلى الطين البارد ولا يشعر بالبرد. لم يقل أحد شيئاً. كانوا ينظرون إلى الشجرة حتى بهتوا وصمتوا وذابوا في النظر.
لم تكن الشجرة كبيرة. جذعها بعرض وعاء، وشجرة قديمة منذ عشرات السنين لكنها بقيت نحيلة كطفل لم يكتمل نموه. لحاؤها رمادي أبيض مجعّد، فيه شقوق دقيقة لا تشبه تجاعيد شجرة عجوز، بل جلد يد أصابها الصقيع فتشقق، لكنها بقيت قائمة.
امتدت أغصانها في الجهات كلها، لا إلى أعلى بل مفروشة جانباً كالمظلة المفتوحة، أو كشخص يمد جسده ثم يتجمد فجأة في منتصف الحركة ويظل كذلك عشرات السنين.
ولم تتفتح الزهور من البراعم، بل بدت كأنها نبتت من تحت اللحاء نفسه، تسربت من كل شق. امتلأ كل غصن من طرفه إلى تفرعه، الغليظ والدقيق، حتى اختفى لون الأغصان. كأن الزهر يلفظه قلب الشجرة طوال الليل حتى لم يبق فيه ما يلفظه.
كان البياض غير حقيقي. ليس بياض زهر الكمثرى المائل إلى الخضرة، ولا بياض زهر المشمش الذي يشف عن وردي. كان بياضاً كاملاً، كأن كل غيوم السماء عُصرت، أو كأن القمر سُحق إلى مسحوق ونثر على الأغصان. كان بياضاً يزرع الذعر في القلب.
بقي وعاء علف العجوز لي في الفناء، وقد سقطت عليه بتلتان. لم تنقرهما الدجاجات، بل دارت حولهما كأنهما شيء لا تعرفه. كانت البتلات رقيقة شفافة، وحين صعدت أول خيوط الشمس من الجبل الشرقي وأضاءتها، رأى الجميع شيئاً.
في داخل البتلات خطوط دقيقة جداً.
لم تكن عروق الزهرة.
بل شيئاً آخر.
بدت كحروف، مكتوبة في صغر لا تراه العين. لكن حين يعبر الضوء خلالها تشعر بتلك الخيوط، متشابكة كثيفة، كأن أحداً ملأ كل بتلة بكتابة لا تنتهي.
وكان أهل القرية يعرفون في سرهم أمراً؛ بعض الأمور لا تُقال، لكن لا أحد ينساها.
زُرعت شجرة التفاح البري في العام الذي تزوجت فيه سو شيولان وانتقلت إلى هذا البيت.
كانت في الثامنة عشرة، عروساً جديدة جاءت من وراء الجبال. حمل أهلها معها شتلة تفاح بري ملفوفة بجذورها وترابها في قطعة قماش حمراء، ملفوفة بإحكام. وحين سلّمها أبوها الشتلة قال:
«يا لان، هذه هي الشجرة التي عشتِ تحرسينها منذ صغرك. زرعتها أمك قبل أن تموت. خذيها معك أينما ذهبت.»
حملت شيولان الشتلة طوال الطريق، عبرت ثلاثة ظهور جبال وخاضت جدولين، ومشت يوماً كاملاً حتى دخلت بيت أسرة تشو. لم يكن غطاء رأس العروس قد رُفع بعد، لكنها وضعت الشتلة أولاً في ظل زاوية من الفناء خوف أن تحرقها الشمس.
وفي ذلك العصر حفرت بيديها. اختارت موضعاً في الركن الجنوبي الشرقي بعد أن ظلت تنظر إليه طوال الظهيرة: من باب القاعة، ومن نافذة المطبخ، ومن باب الفناء. قالت إن شمس الصباح ستصل إليه، وإنه سيسلم من حر الظهيرة القاسي.
أراد تشو ده هو أن يساعدها في حفر الحفرة، فلم تسمح له.
«هذه شجرتي. أنا من يزرعها.»
استغرقت نصف يوم لتحفر حفرة بعمق قدمين وتغرس الشتلة. وحين ردمت حول الجذور، فتّتت كل كتلة تراب بأصابعها حتى تصبح ناعمة، خوف أن تؤذي الجذور. سقتها بثلاث دلاء من ماء البئر القديم عند مدخل القرية، ماء بارد كالجليد. تشربت الأرض الماء، فتحول لونها من أصفر فاتح إلى بني داكن.
وربطت حول الجذع خيطاً أحمر. خيط العروس الأحمر يجلب اليُمن. كانت قد فكّت قطعة منه من حاشية كم ثوب زفافها وربطتها في عقدة فراشة. ثم تراجعت خطوة لتنظر إلى ما صنعت، وابتسمت.
كان عمرها ثمانية عشر عاماً، وإذا ابتسمت أضاء الفناء كله.
ما زال الشيوخ يذكرون أن الشجرة أزهرت في ذلك الربيع. كان زهرها وردياً ممتلئاً جميلاً، لا يغطي الشجرة كلها، بل زهرة هنا وأخرى هناك، متباعدة. لكن كل زهرة كانت حية ممتدة، وأسديتها صفراء طرية، والنحل يدور حولها طنيناً، حتى امتلأ نصف القرية بالعطر.
كانت سو شيولان تجلس على مقعد صغير تحت الشجرة طوال العصر. أحياناً تخيط نعل حذاء، وأحياناً ترقع ثوباً، وأحياناً لا تفعل شيئاً سوى أن ترفع وجهها إلى الزهور وتبتسم. كانت عروساً لم تبلغ العشرين؛ وكانت ابتسامتها كزهر التفاح البري.
كان تشو ده هو يعود من الحقل وفوق كتفه معوله. وما إن يبلغ باب الفناء حتى يقف. لا يدخل، بل يظل عند الباب ينظر طويلاً إلى المرأة تحت الشجرة والزهور فوقها. ثم يسند معوله بصمت إلى الجدار، ويقترب ويقرفص إلى جانبها دون أن يقول شيئاً.
شخصان.
شجرة واحدة.
وشجرة كاملة من الزهر الوردي.
وعصر كامل.
لكن لاحقاً، لاحقاً، لم تُزهر الشجرة مرة أخرى.
عاماً بلا زهر.
عامين.
ثلاثة.
خمسة.
عشرة.
عشرين.
ثلاثين.
أربعين.
خمسين.
لا زهر.
كأنها صارت بكماء. كأنها ماتت، لكنها لم تمت تماماً. ظلت حية: تورق في الربيع، براعمها خضراء ندية تدفع أطراف الأغصان كالرؤوس الصغيرة، وتخضر صيفاً بأوراق سميكة تخشخش في الريح، ثم تصفر أوراقها في الخريف وتلتف حوافها وتسقط ورقة بعد ورقة، وفي الشتاء تمتد أغصانها العارية في البرد، عليها الصقيع والثلج.
تفعل كل ما تفعله الأشجار في الفصول الأربعة.
إلا الإزهار.
كان شيوخ القرية يمرون بباب بيت سو شيولان، فينظر أحدهم أحياناً إلى الداخل، يرى الشجرة خضراء، لكنها لا تزهر. يهز رأسه، ويتنهد، ويمضي من دون كلمة.
وقال الناس أشياء كثيرة. قال بعضهم إن الشجرة ذكر، والذكر لا يزهر. لكن الشيوخ الذين يفهمون الأشجار قالوا...
قال الشيوخ الذين يعرفون الأشجار: «لا ذكر ولا أنثى للتفاح البري. كل شجره يزهر.»
وقال آخرون إن التربة سيئة، إن ركن الفناء صلب وتحته حجارة صغيرة فلا تستطيع الجذور أن تمتد. لكن سو شيولان كانت تفك التربة كل عام وتسمّدها كل عام، حتى صارت رخوة سوداء، يكفي أن تضربها معولاً حتى تظهر رطبة خصبة.
وقال آخرون إن شيئاً دُفن تحت الجذور، شيء غير نظيف، وإن أمراً وقع في بيت أسرة تشو قبل زواج شيولان. لكن من سأل بدقة لم يجد شيئاً. عاشت الأسرة هنا أجيالاً، نظيفة السيرة، ولم يعرف بيتها غرائب.
وقال بعضهم إن مصير سو شيولان قاسٍ، وإنها تجلب النحس للزوج والولد والزهور، وإن كل زهرة تصل إلى يدها تصير صامتة.
قالت ذلك أرملة تشاو، أكثر نساء القرية ولعاً بالنميمة. وفي تلك الليلة لم تعد دجاجاتها تبيض، ثم وضعت ثلاثة أيام بيضاً بقشور رخوة. فخافت الأرملة ولم تعد إلى النميمة.
كانت حياة سو شيولان ثقيلة حقاً، ثقيلة إلى حد أن أهل القرية لم يرغبوا في الكلام عنها. حتى العمة وانغ، التي لا تكف عن الكلام عن الناس، كانت إذا ذُكرت شيولان تهز رأسها ولا تقول شيئاً، تهز رأسها مرة ثم أخرى، حتى يشيح من حولها بوجوههم لأنهم لا يحتملون النظر.
في السنة الثالثة من زواجها ذهب زوجها تشو ده هو إلى الجبال يحفر الفحم. لم يكن منجماً، بل حفرة فحم بدائية في ثنية جبل، ثقباً أسود يدخل إليه الرجل ويخرج منه بسلة فحم، أسود الوجه كله إلا بياض عينيه وأسنانِه. وكان أهل القرية يسمون ذلك «النزول إلى البئر»، ويقولون إن عمر من ينزل إليه قصير.
لم يستمع ده هو. احتاج البيت إلى المال؛ محصول الأرض يكفي الطعام ولا يكفي سواه، ومع ولادة الطفل صار النقص أشد: حفاضات هاي تانغ، والسكر البني، وعصيدة الأرز، كلها تحتاج إلى نقود.
ذهب مع عدد من شبان القرية. في عامه الأول عاد كل شهر ببضعة نقود، ليست كثيرة لكنها تكفي نصف رطل من اللحم، وبضعة أذرع من القماش، وعلبة كريم محار تشتريها لشيولان لتدهن يديها في الشتاء.
وفي العام الثاني انهارت حفرة الفحم.
دُفن خمسة رجال.
حفر الناس يوماً وليلة حتى أخرجوهم. وكان تشو ده هو آخر من أُخرج. لم يعد ممكناً التعرف عليه؛ غطى غبار الفحم وجهه، وسحقت قطع الفحم جسده حتى تغير شكله. حين أعادوه لفوه بحصير قش قصير، وبقيت قدماه خارجاً. وعلى كاحله خيط أحمر ربطته له سو شيولان في سنة مولده، ليقيه الشر.
لم تبكِ سو شيولان.
جثت على الأرض وفكت طرف ثوبها، وغمرته في حوض الماء، ثم بدأت تمسح غبار الفحم عن وجه زوجها قليلاً قليلاً. فعلت ذلك ببطء، كما لو كانت تنظف قطعة خزف. اسود الماء، فبدلته ثلاثة أحواض. مسحت حتى ظهر الجلد، ثم الحاجبان، ثم الشفاه، حتى رأت أن الشفاه بنفسجية، وأن العينين مغمضتان كأن الرجل نائم. ثم سحبت الحصير إلى أسفل لتغطي القدمين المكشوفتين.
وحين ساعدها أهل القرية على الوقوف، لم تبكِ. لم تسقط منها دمعة واحدة.
دفنت زوجها، وعاشت وحدها تربي ابنتها. كان اسم الفتاة هاي تانغ، وهو الاسم الذي اختارته لها أمها. ففي العام الذي أزهرت فيه شجرة التفاح البري أول مرة، جلست شيولان تحتها تحمل طفلتها التي لم يتجاوز عمرها شهراً. كانت الرضيعة قد شربت حليبها للتو، وعلى طرف فمها قطرة لبن، فمسحتها الأم برفق بكمها.
رفعت الأم بصرها إلى الزهر الوردي الممتلئ، ثم نظرت إلى الوجه الوردي الممتلئ في حضنها. كانت الطفلة تشبهها في العينين والحاجبين والأنف والشفاه، لكن ذقنها كان ذقن تشو ده هو، مدبباً وفيه نقرة صغيرة. لمست شيولان تلك النقرة بإصبعها فضحكت الطفلة، ومع ضحكتها اهتز زهر الفناء كله.
قالت شيولان: «سأسميك هاي تانغ. هاي تانغ اسم طيب. شجرة تعيش بقوة؛ تزهر في الربيع وتبقى حتى الخريف، أطول من كل الزهور.»
ثم نظرت إلى ابنتها ثانية، وألصقت جبهتها بجبهتها وفركتها برفق.
«لو كان أبوك هنا، لفرح كثيراً.»
نهضت وهزّت الطفلة قليلاً في ذراعيها وحملتها إلى الداخل. وقبل أن تدخل التفتت إلى الشجرة؛ كانت زهرة وردية قد سقطت ولا تدري متى، فوق القماط الذي جلست عليه الطفلة. التقطتها شيولان ووضعتها داخل غطاء القماط.
لكن هاي تانغ لم تعش بقوة.
في الخامسة أصيبت بحمى التيفوئيد. بدأت بحمى عادية؛ جسدها الصغير يحترق. نقعت شيولان منشفة في ماء البئر ووضعتها على جبينها، وظلت تفعل ذلك ليلة كاملة، بدلت المنشفة أكثر من عشر مرات. طلع الصباح ولم تنخفض الحمى، بل اشتدت. بدأت شفتا الطفلة تجفان وتتقشران. بللت الأم إصبعها بالماء ومسحت شفتيها؛ فتحت الطفلة فمها ومصت إصبعها قليلاً ثم تركته.
ذعرت شيولان. لم يكن في القرية طبيب، وكان الطبيب الحافي قد ذهب إلى البلدة لاجتماع، والبلدة على بعد عشرين لي من طريق جبلي. لكنها لم تتردد. لفّت ابنتها في غطاء صغير ثم في معطفها القطني، حتى صارت ككرة، وحملتها وركضت نحو البلدة.
مشت بسرعة حتى سقطت. وحين سقطت نهضت. انجرحت ركبتاها وسال الدم على ساقيها إلى حذائها، لزجاً دافئاً، لكنها لم تعبأ. بعد عشرة لي صار جسد الطفلة أسخن وألين.
كان جسد الطفلة داخل الغطاء كجمرة احترقت حتى النهاية؛ الحرارة تنفذ من القماش وتحرق صدر سو شيولان.
وفي ثنية جبل في منتصف الطريق انزلقت يد الطفلة عن عنق أمها. كانت قبل لحظة تقبض على ياقة ثوبها حتى ابيضت مفاصلها، ثم ارتخت فجأة، كأن القوة نفدت.
لم تلتفت شيولان. واصلت المشي خطوتين، ثم توقفت.
تجمدت في مكانها.
لم تكن في الثنية ريح ولا صوت طير. كان الصمت شديداً حتى إنها سمعت نبض صدغيها. نادت:
«هاي تانغ؟»
لم يأت جواب.
نادت ثانية:
«هاي تانغ... تكلمي. قولي لأمك كلمة، أي كلمة. سُبّيني إن شئت، ابكي إن شئت، فقط أجيبي أمك مرة واحدة...»
لا شيء.
التفتت. كان وجه الصغيرة أبيض كالورق، وعيناها مغلقتين وعلى رموشها قطرة دمعة من بكاء قريب. كان جسدها قد برد.
رخيت ساقا شيولان فجثت على الأرض. ضغط الحصى على ركبتيها لكنها لم تشعر بالألم. وضعت الطفلة على الأرض برفق شديد، كأنها نائمة وتخشى إيقاظها. لمست وجهها؛ بارد. لمست يدها؛ باردة. أمسكت اليد الصغيرة وفركتها بقوة، اليسرى ثم اليمنى، حتى احمر كفّاها، لكنها بقيت باردة.
ثم لم تتحرك.
ظلت راكعة طويلاً، حتى انتقلت الشمس من الجبل الشرقي إلى فوق رأسها، وحتى تقلص ظلها من جانبها إلى تحت قدميها، وحتى سكت طير الثنية ثم عاد يغرد، وحتى تبددت غيوم الجبال البعيدة ثم اجتمعت من جديد.
وقفت أخيراً، وحملت الطفلة. لم تعد إلى البلدة، بل عادت إلى الخلف ببطء، خطوة خطوة، كأن كل قدم تُسحب من طين.
وجدت في الجبل الخلفي للقرية قطعة أرض على منحدر مشمس، تحت صنوبرة قديمة ملتوية العنق. كانت تتذكر المكان؛ ففي الربيع تمتلئ الأرض بأزهار برية وردية وبيضاء وصفراء. أحبتها هاي تانغ، وكانت تقطف منها كل مرة قبضة كبيرة وتشدها في يدها، ثم تعود لتضعها في زجاجة على حافة النافذة وتنظر إليها أياماً.
أما الآن فكانت الزهور قد ذبلت، ولم يبق إلا عشب يابس هشّ يتهشم إلى مسحوق إذا لمسته وتنثره الريح.
دفنت سو شيولان هاي تانغ.
لم يكن ثمة تابوت. لفّتها ببطانية صغيرة مزهرة، هي نفسها بطانية قماطها عند الولادة، مغسولة حتى ابيضت، مطرز عليها زهور لا يعرف أحد ما هي: لعلها فاوانيا أو وردة صينية، أو لعل من طرزها لم ير زهرة في حياته. كانت هاي تانغ تحبها؛ كل ليلة تلمس الزهور المطرزة حتى تجدها، فتبتسم وتنام.
دست شيولان أطراف البطانية بإحكام، كما كانت تفعل حين تغطي ابنتها في النوم. ثم جثت عند حافة الحفرة ولم تتحرك.
وقف العجوز لي خلفها وقال: «يا شيولان، حان وقت التراب.»
لم تجب.
كرر قوله. فدست طرف البطانية في يدها مرة أخرى وقالت:
«البرد شديد على الجبل. لا تدعيها تبرد.»
ثم وقفت، وأخذت المعول من يد العجوز، وبدأت تردم الحفرة بنفسها.
ضربة بعد ضربة بعد ضربة.
كان صوت التراب فوق البطانية: فُت... فُت... فُت...
مكتوماً، كنبض القلب.
وحين انتهت، غرست المعول في كومة التراب، ووقفت قليلاً، ثم دارت ومضت.
لم تبكِ.
لم تسقط دمعة واحدة.
رأى العجوز لي ظهرها من بعيد، نحيلة كساق ذرة يابسة؛ هزتها الريح مرة ثم أخرى، لكنها لم تسقط.
ومنذ ذلك اليوم لم تزهر شجرة التفاح البري في الفناء.
في الربيع التالي نمت الأوراق وخرجت البراعم كعادتها، لكن لا زهر. وقفت سو شيولان تحت الشجرة ورفعت رأسها لحظة، ثم خفضته ودخلت البيت دون كلمة.
ومنذ ذلك الحين لم تذكر الأمر مرة أخرى.
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.