سانشينغدوي.
كرر تشاو وِنيوان الاسم. كان صوته خافتاً، كأن الاسم نفسه له وزن يضغط لسانه وحلقه وصدره حتى يعجز عن التنفس.
تقع سانشينغدوي في قوانغهان، على مسافة أقل من مئة لي شمال تشنغدو. ليست من بلدة شي نيو، ولا من زيتونغ، ولا حتى من طريق شو.
لكن الأعمى سونغ قال: «إنها سانشينغدوي. ليست النهاية، بل البداية. إنها أصل أهل شو، وموضع انطلاق هؤلاء الجنود. قبل تجنيدهم كانوا من سانشينغدوي، من نسل ملوك شو، من أبناء كانسونغ وبايغوان ويوفو.
في سانشينغدوي كانوا يصبّون البرونز، ويقدمون القرابين للسماء والأرض، ويزرعون الأرز ويصطادون السمك ويعيشون أيامهم. يزرعون في الربيع، ويحصدون في الخريف، ويجتمعون في الشتاء حول الموقد. يحكي الشيوخ الحكايات، ويستمع الشباب، وينام الأطفال قرب النار، يسيل اللعاب من أفواههم وتبقى في أيديهم نصف حبة بطاطا حلوة لم يأكلوها.
ثم جاءت تشين. نزل جيشها من الممرات الخشبية برايات سوداء ودروع سوداء، كنهر أسود أغرق سانشينغدوي. تبدل كل شيء: احترقت البيوت، وهُدمت الأصنام، وصُهر البرونز، وجُنّد الناس جنوداً إلى الشمال والشرق ليحاربوا أناساً لم يروهم قط، في حروب لا يعرفون لماذا تُخاض.
لكن سانشينغدوي محفورة في العظام. لا ينساها المرء ولو مات. وهي المكان الذي يستطيعون أن يعودوا إليه مغمضي العيون، ولو مشوا ألفي سنة.»
سأل تشاو في الظلام: «ماذا حدث لسانشينغدوي آنذاك؟»
قال سونغ: «أحرقوها. دخل جيش تشين إلى شو، ووصل سانشينغدوي، ولم يستسلم أهلها. كان أهل شو يقبلون الموت ولا يقبلون الخضوع. فحاصرها جيش تشين وأشعل النار سبع ليال وسبعة أيام، حتى احترق كل شيء: البيوت، وشرائح الخيزران، والتماثيل، وأدوات الشعائر الخشبية. كل ما يحترق احترق. وما لا يحترق، البرونز، ذاب. ثم لما برد تشوّه، وصار شجر البرونز المقدس، وتماثيل البرونز، وأقنعة البرونز التي تستخرجونها اليوم من الأرض.
ليست تلك آثاراً.
إنها جثثٌ متحولة.
تحول موتٍ للبرونز.»
قال تشاو من العتمة: «فلماذا ساروا ألفي سنة؟»
قال سونغ: «لأن الطريق خاطئ. الطريق الرسمي الذي بنته تشين يتجه شمالاً، إلى شيانيانغ، لا إلى سانشينغدوي. سانشينغدوي في الجنوب. لم يكن لهم إلا أن يتبعوا الطريق، إلى الأمام، لا ينعطفون ولا يعودون. اتجاه الطريق الرسمي هو اتجاه الأمر العسكري، واتجاه الأمر العسكري هو اتجاه المصير.
ساروا ألفي سنة من زيتونغ إلى جيانيغه، ومن جيانيغه إلى هانتشونغ، ومن هانتشونغ إلى قوانتشونغ، ثم عرفوا أن الاتجاه خطأ، فعادوا وأداروا وجوههم. عادوا إلى جيانمِن، وعادوا إلى زيتونغ. ثم في هذه الليلة، عند خارج بلدتكم، نقلوا الطريق ثلاثة لي إلى الجنوب.
ثلاثة لي إلى الجنوب، أي ثلاثة لي أقرب إلى سانشينغدوي.
ألفا سنة... ثم ألفا سنة أخرى.»
ارتجف صوت تشاو.
لكن سونغ قال: «الزمن لا معنى له للموتى. أربعة آلاف سنة وأربعون يوماً لا فرق بينهما. المهم هو الاتجاه. وأخيراً صار صحيحاً.»
عند الفجر اكتشف أهل البلدة أن الطريق الرسمي الذي انتقل ثلاثة لي جنوباً اختفى. الطريق الحجري، طوله ثلاثة لي وعرضه ثلاثة تشانغ، تحطم كله في ليلة. لم يحطمه أحد؛ انشق بنفسه. في منتصف كل حجر شق مستقيم متساوٍ، كأن سيفاً غير مرئي مر من الغرب إلى الشرق وشقه ضربة واحدة.
كانت الشقوق تشير إلى الغرب: إلى ممر جيانمِن، وإلى طريق شو، وإلى سانشينغدوي.
وظلت العظام تحت الحجارة، لكنها صارت رماداً. لم يكن رماد نار؛ بل عظام تحولت إلى رماد بنفسها. رماد أبيض كالدقيق، مفروش في حقل الأرز طبقة كاملة، أبيض كالثلج.
وقف أهل البلدة عند الحقل. لم يتكلم أحد ولم يتحرك أحد. حمل الهواء الرماد الأبيض إلى وجوههم وشعورهم وثيابهم ورموشهم وشفاههم. كانت له رائحة تراب، ورائحة صدأ، ورائحة حلم قديم عمره ألفان وثلاثمئة سنة.
مسح الجزار وانغ وجهه بيده، فبقيت راحته بيضاء. نظر إليها ولم يمسحها، بل وضع يده في جيبه.
وقف العجوز سون في آخر الجمع، وفي يده مضرب المِقْرَع الخشبي، أما المِقْرَع نفسه فقد ضاع، لا يدري متى. لم يبحث عنه. ظل المضرب معه أربعين سنة، لكن ضياعه اليوم لم يؤلمه، لأنه عرف أن دقّات الليل لم تعد لازمة. لم يعد هناك ليل مقسم إلى نوبات. بعد النوبة الرابعة تأتي الخامسة، وبعدها الفجر؛ فإذا جاء الفجر صار الطريق طريقاً من جديد، لكن من يمشون عليه يجب أن يعودوا إلى بيوتهم.
أضاف تشاو وِنيوان لاحقاً صفحة إلى سجل البلدة. لم تضم إلا ثلاثة أسطر، أثقل من خطه المعتاد حتى بدا أن رأس القلم شق الورق:
السابع من شهر لا، السنة الثالثة والعشرون من الجمهورية.
انتقل الطريق الرسمي بنفسه. وظهرت ثلاثمئة جثة عظمية.
الخامس عشر من شهر لا، السنة الثالثة والعشرون من الجمهورية.
تحطم الطريق الرسمي بنفسه. وتحولت العظام إلى رماد. أرسلتها الريح غرباً.
حين ارتفع الرماد لم يصدر صوت. ظن الجميع أنه سيصدر صوتاً، لكنه كان بلا صوت؛ خفيفاً، أخف من الثلج ومن زغب الإوز. كأن ثلاثمئة إنسان بذلوا آخر قوتهم ليفككوا أنفسهم إلى أدق ذرات، حتى تستطيع الريح حملهم غرباً، غرباً، إلى الغرب بلا نهاية.
كان العجوز سون في آخر الصف، لا يزال يحمل المضرب. استقرّت ذرة صغيرة من الرماد على كم معطفه القطني المرقع، فوق موضع ظهر منه القطن الأبيض. كان الرماد أبيض والقطن أبيض، فلم يعد يميز بينهما. أمسك الذرة بأصابعه؛ تركت طبقة رقيقة بيضاء على بطن إصبعه. لم تكن باردة، بل دافئة.
دهش. ظن أن ذلك من حرارة جسده، فالتقطها مرة أخرى. بقيت دافئة. وشعر بها تنبض؛ ليس نبضاً حقيقياً، ربما كانت شرايين أصابعه، لكنه أحس أن للرماد نبضاً أيضاً: دُم... دُم... على إيقاع قلبه، وعلى إيقاع الاهتزاز الذي وصل إلى باطن قدميه قبل ثلاثة أيام.
وضع أصابعه على أذنه، واستمع طويلاً. ثم حكّ الذرة برفق من كمّه بطرف ظفره، ووضعها في الجيب الداخلي لمعطفه، وربّت عليها كما يربت على ظهر طفل.
مسح الجزار وانغ وجهه بيده، فبقي الرماد أبيض في راحته. وضعها في جيبه، ثم أخرجها وفتح كفه. كان الرماد قد انغرس في خطوط كفه، وفي الكالو الذي صنعه عمر من ذبح الخنازير، وفي آثار الدم التي لا تغسلها المياه. أغلق كفه، وصنع قبضة، ورفعها نحو الغرب، نحو ممر جيانمِن.
لم تكن تحية ولا إشارة. كانت وداعاً. وداع جزار لجنود. لم يعرف طوال حياته إلا ذبح الخنازير، ولم يعرف السير العسكري، لكنه عرف معنى أن يشيع المسافر في طريقه. شيع خنازير وأبقاراً وغنماً. واليوم شيّع جيشاً. قبضته، التي ذبحت بها، هوت مرة إلى الغرب. لم يصدر صوت، لكن لو اقتربت لسمعت حنجرته تتحرك بصوت مكتوم:
«اذهبوا بسلام.»
مر الرماد فوق حقول الأرز، وفوق السواقي، وفوق سقوف البلدة، وفوق القوس التذكاري، وفوق كتف الأعمى سونغ، ثم اتجه غرباً، غرباً، غرباً.
ولا أحد يعرف أين استقر.
أتم تشاو الكتابة، ووضع قلمه، وخرج من دار البلدة. كان الليل قد حل. رنّت خيول الحديد عند القوس في غرب البلدة ثانية:
تِنغ... تِنغ... تِنغ...
لكن الصوت هذه المرة لم يطل. كان حاسماً رشيقاً، كبوق جيش. نغمة واحدة، لكنها تحمل ألف نغمة وعشرة آلاف نغمة، كلها تمضي غرباً.
قال الأعمى سونغ:
«لا تتبعوهم. لا تسألوا. لا تلتفتوا.
دعوهم يمضون.
لقد عرفوا أخيراً أنهم يستطيعون الذهاب إلى سانشينغدوي.
ليست سانشينغدوي موضع دفنهم.
إنها البيت.
بيتهم، ومكان انطلاقهم.
خرجوا من سانشينغدوي قبل ألفي سنة، وداروا حول الحرب، وحول الدفن الحي، وحول الأشياء التي لم تكتبها كتب التاريخ، وحول الحياة والموت، وحول عظام لم يأت أحد لجمعها.
داروا ألفي سنة.
وأخيراً عادوا.»
في ذلك الشتاء أعادت بلدة شي نيو رصف الطريق الرسمي. أحضرت حجارة جديدة من المحجر وصفّتها مستوية. لم تكن عليها آثار عربات ولا طحلب ولا لمعان صنعته ألف سنة من السير.
لكن أثناء الرصف، جاء أهل البلدة، لا هم وحدهم بل الناس من عشرات اللي حولها: شيوخ وأطفال ورجال ونساء. نثر كل واحد حفنة من الحبوب فوق الحجارة: أرزاً، وقمحاً، وفول الصويا، وفولاً سودانياً.
وقالوا:
«إن بقي من لم يتم طريقه بعد، فليحمل معه هذا زاداً للطريق.
وليأكل حتى يشبع.»
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.