وصل تقرير خبير التشريح شِن إلى عاصمة الولاية. وبعد ثلاثة أيام جاء ردّ برقية، بسطر واحد فقط:
«راجع حوليات تشين في كتاب المؤرخ الكبير.»
بحث تشاو وِنيوان.
في تلك الليلة لم ينم أحد من أهل البلدة، ولم ينم هو. دخل وحده مكتبته الصغيرة خلف دار البلدة. كانت رفوف الكتب على الجدران الأربعة تمتد من الأرض إلى السقف. وحين فتح الباب استقبله عطر الورق العتيق، لا عفنٌ بل رائحة أوراق ظلت تتأكسد ببطء في الهواء، وألياف تتفكك سنة بعد سنة، كأن الزمن نفسه يتنفس.
أشعل عود ثقاب وأوقد المصباح الزيتي. قفز اللهب ثلاث مرات ثم استقر، واتسع ضوؤه في دوائر حتى مسّ الرفوف وعناوين الكتب وتوقف. لم ينر الغرفة كلها؛ أضاء فقط بقعة بحجم كف على المكتب. كانت تلك البقعة عالمه كله.
وقف أمام الرف، ومرر أصابعه فوق عناوين الكتب صفاً صفاً. لم يكن يبحث؛ كان يتردد. عرف موضع الكتاب: الرف الثالث، السابع من اليسار، نسخة مخيطة بخيط، غطاؤها من قماش أزرق، والعنوان على بطاقتها قد مُحي من كثرة ما فتحته وأغلقته أصابع أجيال أسرة تشاو. عرف أين هو، ولم يرد أن يأخذه، لأنه لم يعرف ما الذي سيراه إذا فتحه. كان يحمل في قلبه تخميناً سيئاً.
ظل عود الثقاب يحترق حتى لامس أصابعه فأحرقها. هزه فانطفأ، وغرقت الغرفة في العتمة إلا من المصباح. ألقى المصباح ظله على الحائط ضخماً ثقيلاً، كوحش رابض.
أخذ الكتاب.
كان «كتاب المؤرخ الكبير» موروثاً من جدّ جدّه. قيل إنه من طباعة سونغ، ثم اتضح أنه إعادة طبع مينغ لطبعة سونغ. صار ورقه أصفر غامقاً؛ لا أبيض اصفرّ، بل ورق أصفر بطبيعته، لم يعرف التبييض، ومع خمسة قرون صار كلون ورق الجنكة في الخريف أو جلد شيخٍ عجوز. كان هشاً، لا بد من تقليب صفحاته برفق شديد كي لا تنكسر عند الخياطة. فتحه على «حوليات تشين»، عند عهد الملك تشاو شيانغ، فطقطق اللهب وخفت ثم عاد يضيء ببطء.
كان تشاو وِنيوان حاصلاً على شهادة أدبية في عهد تشينغ، يملك ثلاثمئة مجلد جمعها خلال خمسين عاماً. وكانت مكتبته فخر عمره. أخرج الكتاب وقد وضع ورقة شوان تحت يده خوف أن يفسد العرق الورق القديم.
قرأ بصوت عالٍ:
«السنة الحادية والخمسون للملك تشاو شيانغ: هاجمت تشين تشاو، فأخذت أكثر من عشرين مقاطعة، وقطعت رؤوس تسعين ألفاً. في العام التالي هاجمت هان وأخذت أكثر من عشر مدن. وفي العام الذي يليه هاجمت تشاو، فدفنت أحياءً أربعمئة وخمسة وأربعين ألف أسير مستسلم. تشانغبينغ.»
تحت هذا السطر كان تعليق بخط صغير أضافه شخص متأخر. حبره أفتح وخطه فوضوي، كأن كاتبه كتبه في ليلة وهو يبكي:
«هؤلاء الأربعمئة والخمسة والأربعون ألفاً ليسوا جنود تشاو، بل جنود تشين.»
ظل تشاو يحدق في السطر طويلاً. «في العام التالي. هاجمت هان. دفنت أحياءً. وفي العام التالي...» قلب الصفحة ثم عاد، وقرأها مراراً. ثم أغلق الكتاب ووضع كفه على الورق المصفر حتى ابيضت مفاصل أصابعه.
كتاب المؤرخ الكبير...
كان خطأ.
لن يكتب الكتاب أن جيش تشين دُفن حياً. من يدفن جنود تشين؟ العدو؟ أم هم أنفسهم؟ لا يكتب التاريخ ذلك، لأن تشين هي الدولة التي وحّدت الأرض، دولة المنتصر. وتواريخ المنتصرين تسجل قتل العدو، لا قتل أبنائها.
وفجأة تذكر شيئاً قاله له جده وهو في السابعة، جالساً عند ركبتيه. كان الجد يدخن غليونه، وجمره يضيء ويخبو.
قال الجد: «على آل تشاو أن يتذكروا أمراً. نحن لسنا من أهل سيتشوان. جاء أجدادنا مع جيش تشين إلى شو، من قوانتشونغ. كانوا حدادين. كان الجيش يحتاج إلى حدادين لصنع رؤوس الرماح ورؤوس السهام وحدوات الخيل. مع كل حرب بعد حرب، لم تنطفئ نار الحدادين. ثم توقفت الحروب، وبقيت الورشة، وانتقلت جيلاً بعد جيل. في جيلي اختفت الورشة، لكن البيت بقي.»
كان في عيني جده شيء لم يفهمه الطفل آنذاك. الآن فهمه فجأة: الخجل. الشعور بأنه خذل أحداً.
من خذل؟
لم يقل الجد، لكن تشاو عرف الآن.
خذل جنود شو الذين قاتلوا من أجل أهل تشين، وحين انتهوا دُفنوا بأيدي أهل تشين.
وفي دفتر الملاحظات ذُكر أن البلدة أعادت في السنة الثالثة من تونغتشي تحرير سجلها المحلي. واكتشف العالم تانغ، محرر السجل، أن كتاب «السجل العام للأقاليم في عصر سونغ» ذكر هذا المكان باسم آخر: «سوق مرور الجنود».
ثلاث كلمات.
معناها أن جنوداً مروا من هنا: مراراً، عاماً بعد عام، ليلة بعد ليلة، جيلاً بعد جيل. من تشين، عبر هان، ثم الممالك الثلاث، وفترات وي وجين والجنوب والشمال، فسوي وتانغ، حتى سونغ. وبعد ألف عام كانوا ما زالوا يمرون.
رأى العالم تانغ الاسم مشؤوماً فغيّره إلى بلدة شي نيو، لأنه عثر عند مدخلها على حجر يشبه الثور. غيّر الاسم كي ينسى الناس.
لكن بعض الأمور لا تُنسى.
تتذكرها الحجارة.
تتذكرها التربة.
تتذكرها العظام.
ويتذكرها الطريق نفسه.
في اليوم التالي، بعد ليلة بلا نوم، وقف تشاو وِنيوان فرأى سواداً أمام عينيه. أمسك طرف المكتب حتى ثبت، ثم ذهب إلى الأعمى سونغ.
كان سونغ جالساً على عتبة بيته يجدل حبلاً من الكتان. كانت يداه ثابتتين؛ يدخل الحبل من يده اليسرى ويخرج من اليمنى بعد أن يمر بين أربع أصابع، وكل مفصل فيها مكسو بكالو غليظ. حين يحتك الكالو بالحبل يصدر صوتاً خافتاً: شَشَشَ...
جلس تشاو قبالته على كتلة حجرية. كان حجر الشتاء بارداً حتى العظم، لكنه لم يشعر به.
سأل: «هل بُني هذا الطريق فوق حفرة؟»
لم يرفع الأعمى سونغ رأسه، وظل يجدل الحبل.
«نعم.»
«ليس طريقاً عادياً. إنه طريق قهرٍ وختم.»
«قهر وختم؟»
«يدفنون الشيء غير النظيف تحت الطريق، ثم يجعلون آلاف الناس يدوسون فوقه، وعشرات الآلاف يطؤونه، فلا ينقلب أبداً.»
كان صوته هادئاً كأنه يصف أمراً يومياً.
«كان أهل تشين يؤمنون بذلك. يبنون طريقاً فوق الحفرة، ويسير عليه المارّة من الجنوب والشمال، سنة وسنتين، ومئة سنة وألفاً، فتُقمع الأشياء في الحفرة.»
«ما لا تستطيع الطريق قمعه، تظل تدوسه حتى يمّحي، حتى ينمحي تماماً. لكن هذه المرة لم ينمحِ. داسوه ألفي سنة، وما زال هناك.»
ارتجف صوت تشاو وِنيوان.
«وكم إنساناً يوجد تحتها؟»
توقفت يد الأعمى سونغ لحظة، ثم عادت تجدل حبل الكتان.
«ثلاثمئة ممن أخرجتموهم. أما من لم تخرجوهم، فهم تحت هذا الطريق، وتحت كل بلدة مرّ بها الطريق: في زيتونغ، وجيانيغه، وممر جيانمِن، وعلى امتداد الطريق إلى هانتشونغ. كلهم هناك.»
«كم؟»
قال سونغ: «ثلاثون ألفاً.»
«ثلاثون ألفاً؟ تقصد الثلاثين ألفاً الذين سجل مؤرخو العسكر أنهم خرجوا من طريق الثور الذهبي ولم يبلغوا شيانيانغ؟»
نهض تشاو، فحرّكت ساقه الكتلة الحجرية تحت قدميه بطرقة مكتومة.
سأل: «قُتلوا؟ أم دُفنوا أحياء؟»
قال الأعمى سونغ: «كلاهما. وأكثرهم دُفن أحياء. لم يدفنهم عدو؛ دفنهم قومهم.
قانون تشين: من عاد من هزيمة يُقتل. ومن انتصر وكثر الأسرى عنده حتى يعجز عن ضبطهم، يُقتل الأسرى أيضاً. وجنود شو كانوا للأعمال الثقيلة: يملؤون الحفر، ويزحفون في المقدمة، ويكونون أول من يُقتل. لأنهم كثيرون، أكثر من اللازم. خاف أهل تشين أن يثور أهل شو، أن ينقلبوا عليهم ويقاتلوهم؛ ولذلك دفنوهم أحياء.»
سأل تشاو: «فلماذا يواصلون المشي؟»
أنزل سونغ رأسه وصمت طويلاً، حتى ظن تشاو أنه نام. انتهى من حبل، ووصل به حبلاً آخر، ثم قال:
«في يوم الدفن كان فريق من الرجال ليس في الحفرة، بل على الطريق. كانوا يسيرون من تشنغدو شمالاً إلى هانتشونغ، لإسناد الجبهة. وفي منتصف الطريق وصل أمر الدفن. ظن من نفذوا الأمر أن الجميع بلغوا الحفرة، وأن من فيها هم الجميع.
لكنهم لم يعرفوا أن فرقة من ثلاثة آلاف رجل ما زالت على الطريق.
سارت الفرقة يوماً، ويومين، وثلاثة، حتى بلغت موضعاً لم تجد فيه من يستقبلها، ولا من يأتيها بالمؤن. انتظرت يساراً ويميناً، فلم يأت أحد. لم يصل أمر. لم يأت أحد ليقول إن الحرب انتهت ويمكنهم الرجوع. ولم يأت أحد ليقول إن رفاقهم دُفنوا أحياء.
فظلوا يمشون.
ومع المشي مات الرجال؛ لا قتلاً في قتال، بل جوعاً ومرضاً وبرداً، ماتوا من المشي نفسه. ومع ذلك لم يتوقف واحد منهم.
جيش تشين. قانون تشين. من يترك الصف بلا إذن يُقتل، وتلحق العقوبة أسرته وعشيرته كلها. لم يجرؤوا على الوقوف، ولا على السؤال، ولا على العودة. لم يكن لهم إلا المشي. مشوا، ومشوا، حتى بلغوا نهاية الموت، ولم يصلهم أمر.
وبعد أن ماتوا ظلوا يمشون.
لأنهم كانوا جنود تشين أحياء، وبقوا جنود تشين موتى. ما دام لم يصدر أمر بالانسحاب، فلن يتوقفوا أبداً.»
«فإلى أين يذهبون؟»
بحّ صوت تشاو وِنيوان. لم يبح من الصراخ، بل من شيء ضغطه؛ ضغط ألفي سنة.
رفع الأعمى سونغ رأسه، ووجّه محجريه الفارغين إلى تشاو، ثم قال كلمة لم تخطر لتشاو يوماً:
«سانشينغدوي.»
## 5. سانشينغدوي
التعليقات
لا توجد تعليقات منشورة بعد.